📁 آخر الروايات

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
الفصل الرابع
لم يكن الليل قد انتصف بعد، لكن البيت كان غارقًا في صمتٍ يشبه صمت القبور.
في الصالة، كانت أم عبده نائمة على الكنبة، تحتضن حبيبة التي نامت أخيرًا بعد نوبة بكاء طويلة. كانت شفتاها الصغيرتان ترتجفان في النوم، وكأنها تلهث أو تشهق.
في الغرفة الأخرى، كانت ورد جالسة على الأرض، مستندة إلى الحائط، تضم ركبتيها إلى صدرها. كفها الملفوف بشاش أبيض كان يؤلمها، والجُرح الذي أصابها وهي تجمع زجاج الطبق المكسور كان عميقًا، غير أن جرح القلب كان أعمق وأقسى.
أما سيد… فكان في غرفته، غرفة فاطمة. الباب موارب، يجلس على طرف السرير، يمسك كوب الينسون الفارغ في يده، يحدّق في الفراغ وكأنه غارق في شيء لا يُرى.
البيت كله مستيقظ… لكنه ميت.
طلع الصبح.
استيقظت أم عبده، قبّلت ملاية الصلاة، وبدأت تُعدّ الشاي.
استيقظت حبيبة بوجهٍ متكدّر، وملامح شاحبة. لم تنطق بكلمة، فقط نظرت إلى أم عبده، ثم إلى باب غرفة ورد المغلق، وقطّبت جبينها.
خرج سيد من غرفته. لم يكن قد نام. عيناه حمراوان كأن الدم قد سكنهما. نظر إلى الصالة فلم يجد ورد. سمع صوت الماء من الحمام؛ كانت بالداخل.
جلس على الطبلية. وضعت أم عبده الشاي أمامه قائلة:
"صباح الخير يا ولدي. اشرب الشاي ده يفوقك. عندك يوم طويل"
لم يجب. أمسك الكوب، وأشعل سيجارة. ارتفع الدخان ثم تلاشى في الصمت.
فُتح باب الحمام. خرجت ورد. كانت قد غسلت وجهها، وترتدي نفس الجلابية السوداء، وطرحتها مرتبة، لكن عينيها منتفختان من البكاء. وفي يدها فوطة.
توقفت لحظة حين رأت سيد.
"صباح الخير." قالتها بصوت منخفض، ميت.
لم يرد. نفث دخان سيجارته في اتجاهها.
ما إن رآتها حبيبة حتى نزلت من الكنبة مسرعة، واختبأت خلف أم عبده.
"مش عايزاها! خليها تمشي!" صاحت وهي تشير إلى ورد.
نزلت الكلمات على ورد كالسوط. تجمدت في مكانها.
ضربت أم عبده صدرها قائلة: "بس يا بت… مش اللي نبات فيه نصبح فيه… دي زي أمك."
صرخت حبيبة:
"لا مش زي ماما! ماما فاطمة بس! هي اللي ماما! دي وحشة! هي اللي خلت بابا عايز يضربني شوية وهيقولي امشي عشان تاخد الشقة ليها لوحدها وتنام في أوضة ماما في حضن بابا!"
ضرب سيد الطبلية بكوب الشاي بعنف فانسكب:
"حبيبة! قولت لك مية مرة اسكتي! إيه قلة الأدب دي الظاهر اني غلط فعلا اني مضربتكيش لسانك لميه وبلاش تحشري نفسك مع الكبار ورد مش هتأذيكي ولو ضربتك تعالي هاخد حقك غير كدا مسمعش نفس منك؟"
انتفضت الطفلة، وبدأت في البكاء.
قام سيد وأشار نحوها بغضب:
"شايفة البت عاملة إزاي بسببك؟ من يوم ما دخلتي البيت ده وهو خراب! البت كانت زي الفل! إنتي اللي عفرتيها منك لله!"
كانت ورد صامتة، لكن الكلمات كانت تمزقها من الداخل.
"أنا…" ابتلعت ريقها. "أنا ماعملتش حاجة يا معلم سيد. والله العظيم ما جيت جنبها."
ضحك بسخرية مرة:
"ما عملتيش حاجة اه؟ وجودك لوحده عامل مصيبة في المكان… بقا فيه عفاريت عمالة تتنطط! وجودك في البيت ده غلطة كبيرة ومش قادر أصلحها!"
اقترب منها، وصوته ارتفع:
"إنتي فاكرة إيه؟ فاكرة إني هقبل بيكي مراتي بسهولة؟ تاخدي مكان حب عمري؟ إنتي مجرد غلطة!"
ثم أكمل بانفعال أشد:
"إنتي مجرد غلطة لازم تتصلح وهصلحها حتى لو دي آخر حاجة أعملها وأموت بعدها! وبنتي محدش هيربيها غيري مش واحدة زيك"
همست ورد والدم قد انسحب من وجهها:
"واحدة زيي؟ قصدك إيه بواحدة زيي؟"
رد بحدة قاسية:
"قصدي واحدة مقطوعة من شجرة! مالهاش أصل ولا فصل! لقيطة الملاجئ! دخلتي بيتي بفضيحة، وهتخرجي منه بفضيحة أكبر وساعتها بجد مش ظلم!"
سقط الصمت كالصاعقة.
شهقت أم عبده:
"يا لهوي! يا معلم سيد تف من بقك واستغفر ربك اللي بتعمله وحرام وكبير عند ربنا متخليش الشيطان يدخل بينكم يبني دي عين وصابتكم والله"
توقفت حبيبة عن البكاء، وحدقت فيهم بذهول؛ حتى طفولتها أدركت أن الكلمة كانت أكبر من قدرتها على الفهم، لكنها موجعة.
أما ورد… فلم تبكِ. جفّت دموعها، وابيض وجهها كالشاش الملفوف على يدها. نظرت إليه بعينين ميتتين:
"لقيطة؟" كررت الكلمة كأنها تتذوقها. "ماشي… يا معلم سيد. أنا لقيطة. هتعمل إيه بقى؟ طلقني ومتعيش مع واحدة زيي كل خطوة بعار جديد."
استدارت بهدوء ودخلت الغرفة. لم تُغلق الباب بعنف، بل أغلقته ببطء… كأنها تغلق على نفسها قبرًا.
بعد لحظات، خرجت حاملة كيسًا بلاستيكيًا أسود بداخله ما تملك.
وقفت في منتصف الصالة:
"أنا آسفة يا أم عبده. تعبتك معايا."
ثم نظرت إلى حبيبة:
"حقك عليا يا حبيبة. أنا آسفة إني ضايقتك. وأوعدك… مش هتشوفيني تاني."
ثم رفعت عينيها إلى سيد:
"كتر خيرك يا معلم. سترتني ليلة. واحدة كتر خيرك. والله كفاية لحد كده وانا هشوف مصالحي بعيد عن الكل."
ثم خرجت.
فتحت الباب ونزلت السلم.
وقف سيد متجمدًا. لم يمنعها، لم يتكلم. فقط كان يتنفس بصعوبة، وكأن جبلًا أُزيح من فوق صدره… لكنه ترك حفرة عميقة.
جرت أم عبده خلفها:
"يا بنتي! استني! رايحة فين؟ هتترمي في الشارع كدا ليكي مين يابنتي؟"
جاء صوت ورد من على السلم، خافتًا ميتًا:
"الشارع أرحم يا خالة..ربك مش بيسيب حد إلا ويجيبله رزقه لحد عنده"
ثم أغلق الباب.
مرّت ساعات.
أصبح البيت أهدأ… لكنه أبرد.
جلست حبيبة صامتة في حضن أم عبده.
أما سيد فظل مشتتًا، كل كلمة قالها تتردد في رأسه كالصدى المؤلم.
عند العصر، عاد إلى البيت.
ما إن فتح الباب حتى صاحت أم عبده:
"إلحق يا سيد! البت سخنة نار! جسمها بيغلي شكلها داخلة على حمى!"
ركض إلى الغرفة. كانت حبيبة ممددة على الكنبة، وجهها محمر، وجسدها يرتجف، تهذي:
"ماما… ماما فاطمة… متسبينيش… خدي الست دي بعيد عني."
وضع يده على جبينها فانتفض:
"يا نهار إسود! من إمتى؟"
قالت أم عبده باكية:
"من ساعة ما مشيت… البت اتقهرت. زعلت منك وزعلت على الست ورد… قلبي كان حاسس."
حملها سيد وركض بها إلى الحمام، وبدأ في عمل كمادات باردة، لكن الحرارة لم تنخفض.
"لازم دكتور! لازم مستشفى حالًا مش هعرف أقعد مرتاح وهي كدا!"
حملها ونزل مسرعًا، وأم عبده خلفه.
في المستشفى، وبعد الكشف عليها، قال الطبيب:
"دي حمى من الزعل والتوتر. البنت مضغوطة نفسيًا بشكل كبير. لازم ترتاح، ولازم تاخد الدوا ده وكمادات بشكل مستمر. وأهم حاجة… نفسيتها. لو فضلت خايفة، الحرارة مش هتنزل. خدو بالكم منها."
رجعوا البيت بعد منتصف الليل.
حبيبة كانت نائمة على سريرها، تهذي بين الحين والآخر.
الساعة الثالثة فجرًا… خبط الباب.
سيد استيقظ مفزوعًا. من الذي يمكن أن يأتي في هذا الوقت؟
فتح الباب.
كانت ورد.
واقفة تحت المطر الذي بدأ يهطل بالخارج، مبللة تمامًا، تمسك كيسًا بلاستيكيًا في يدها، ووجهها شاحب.
"عم عبده… قالي إن البت عيانة." قالتها بصوت متقطع.
"جيت… جيت أشوفها. لو عايز تطردني تاني… اطردني. بس أطمن عليها الأول."
نظر إليها سيد، لم يكن يتوقع حضورها بعد كل ما حدث.
صمت قليلًا، ثم فتح الباب على مصراعيه لتدخل.
اندفعت سريعًا إلى غرفة حبيبة. وما إن رأتها حتى شهقت.
الطفلة كان وجهها محمرًا، وشفاهها جافة، وجسدها يرتجف.
من دون كلام، خلعت طرحتها، بللتها بالماء، ووضعَتها على رأس حبيبة.
"اسم الله عليكي يا قلب خالتك… بسم الله."
جلست على الأرض بجوار السرير، وبدأت تعمل كمادات بيديها. كانت يدها المصابة تؤلمها، لكنها لم تهتم.
أم عبده دمعت، ونظرت إلى سيد قائلة:
"شايف يا ولدي؟ شايف مين اللي قلبها فيه رحمة البت أول ما عرفت نسيت كل اللي اتقال عليها وجريت تشوفها عشان تعرف بس أصلها الطيب؟"
وقف سيد عند الباب، يراقب المشهد بصمت.
ورد… التي طُردت صباحًا، والتي وُصفت بأقسى الكلمات، تجلس الآن في منتصف الليل، مبللة، مجروحة، تسهر على طفلته.
شعر بشيء داخله ينكسر ببطء.
اقترب وجلس على الطرف الآخر من السرير دون أن يتكلم.
أخذ منها الفوطة حين سخنت، بللها بالماء البارد، وأعادها إليها.
اشتغلا معًا بصمت.
هو يبلل… وهي تضع الكمادات.
لا كلام، لا عتاب… فقط أنفاس حبيبة وصوت الماء.
مع أذان الفجر، بدأت الحرارة تنخفض. هدأت حبيبة، وتوقف هذيانها، ونامت نومًا عميقًا.
أسندت ورد رأسها على طرف السرير من شدة التعب، وغفت وهي جالسة.
أما سيد فظل ينظر إليها طويلًا؛ شعرها المبعثر يغطي جزءًا من وجهها، ويدها المصابة في حجرها، والأخرى تمسك يد حبيبة الصغيرة.
قام بهدوء، أحضر بطانية خفيفة وغطاها.
ثم جلس أمامها.
لأول مرة… لم يرها كـ"الفضيحة" ولا كـ"اللقيطة".
رآها كما هي… ورد.
امرأة مكسورة من الداخل، لكنها ما زالت تعرف الرحمة.
مد يده ومسح خصلة شعر عن وجهها.
ثم أغمض عينيه، واستند على الكرسي، ينام وهو يراقب الاثنين.
في الصباح، استيقظت حبيبة عند العاشرة.
فتحت عينيها فوجدت ورد نائمة على الأرض، ورأسها مسنود إلى السرير، ويدها ما زالت ممسكة بيدها.
ووجدت سيد نائمًا على الكرسي وبطانية على قدميه.
قامت مفزوعة:
"طنط ورد؟"
استيقظت ورد بسرعة:
"حاسة بإيه؟ لسه سخنة؟"
وضعت يدها على جبينها.
"الحمد لله… الحمد لله الحرارة نزلت."
نظرت إليها حبيبة، وتذكرت ما حدث أمس، وكيف صرخت عليها وكسرَت الطبق، وكيف اتهمتها.
دمعت عيناها.
"إنتي جيتي عشاني؟"
ورد ابتسمت والدموع في عينيها:
"مجيش عشانك ليه؟ دا أنا أبوس الرجل اللي بتمشي عليه يا حبيبة لأنك بنت الغالي وعمري ما أزعل منك أبدًا مهما تعملي أو تقولي"
اندفعت حبيبة نحوها، وألقت نفسها في حضنها باكية.
"أنا آسفة… أنا كسرت الطبق. وبابا كان هيضربني وأنا قولت عليكي وحشة وانتي جميلة زي الورد."
احتضنتها ورد وباست شعرها:
"خلاص يا حبيبتي اللي حصل حصل من حقك تحسي بكل اللي حسيتيه"
استيقظ سيد على صوتهم، ورأى المشهد.
بنته في حضن ورد، وكلتاهما تبكيان.
قام بهدوء ودخل المطبخ، ثم عاد بعد قليل يحمل صينية عليها فطور: شاي، بيض، جبنة، وطماطم.
وضعها على الطبلية وقال:
"يلا… الفطار جاهز."
نظرت إليه الاثنتان.
اقترب وربت على شعر حبيبة:
"قومي يا قلب بابا، اغسلي وشك. وافطري مع… مع طنط ورد."
ثم نظر إلى ورد، وعيناه ممتلئتان بما يشبه الاعتذار:
"وإنتي… قومي يا… يا أم حبيبة. إفطري. السهر كان طويل."
الكلمة سقطت على قلب ورد كالماء البارد في صحراء مشتعلة.
"أم حبيبة".
قامت غير مصدقة.
جلسوا الثلاثة حول الطبلية.
لأول مرة.
سيد يصب الشاي، ورد تقطع الخبز، وحبيبة تراقبهم بصمت، وقد بدأ الخوف يذوب من عينيها شيئًا فشيئًا.
لم يكن هناك الكثير من الكلام…
لكن تلك اللقمة… لم تكن مرة.
كانت أول لقمة دافئة في هذا البيت منذ ست سنوات.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات