رواية دروب قرية جابر الفصل الرابع 4 بقلم الماس ال حمد
بوسط المقلط، كانت شيخة تقصد القصيدة وهي تتمايل وتأشر بيديها، وقالت لرتيل: "يا بنت، تخيلي بس إنك مكان المزيونة اللي يمدحها الشاعر، وهو يسكب فيك هالغزل سكب!"
وقفت رتيل تقلدها وبدت ترديد الأبيات لين ثبتت في ذهنها، أما شيخة فكانت غارقةً مع دفترها، وتتمنى في سرها لو إن اللي تقراه في الروايات يصير لها حقيقة؛ تحب وتاخذ رجلٍ يعشقها ويرخص لها الغالي والنفيس ويقصد فيها جزيل الشعر.
خذت شيخة "المسجل" وشغلته على لحنٍ يطرب، وبدت تتمايل وترقص وتدور بوسط المقلط، وفزت رتيل ترقص معها، وكل وحدة منهن هايمة في عالمٍ غير العالم وخيالاتٍ ما لها حد.
وفجأة.. سمعوا جرت الأقدام وصوت الباب يعلن دخول أبوهم وأخوهم، وبعجلةٍ وقفت شيخة المسجل وقطعت الصوت.
قالت شيخة وهي تضحك وتبي تضيع السالفة: "هاه يا رتيل، عساكِ حفظتِ الأبيات؟"
قامت رتيل ولفت عباتها وتغشت بطرحتها وهي تقول: "إي بالله حفظتها، وما عليكِ زود."
ودعتهم وطلعت، وخذت غادة في يدها ووجهن يم بيتهن.
في جهة البر، بعيدٍ عن ضوضاء العرب..
وقف غازي بعيد عن الضو، وطلع زقارته وبدأ يدخن وهو ضايقٍ صدره ومتحسف على حال بنيته، وده يعوضها عن فقد أمها لكنه عجز يوزن مشاعره.
وفجأة.. لعلع صوت محرك "شاص" شق سكون الليل، ووقف قبالهم. نزلوا منه ربعهم وأصدقاء العمر؛ متعب وصقر. (وهذولي يا طويل العمر ربعهم من مبطي، رضعوا من لبن القرية وتربوا فيها، وأمهم هي "خزنة" اللي يضربون بها المثل في مرجلة الحريم، ويقال عنها إنها "عن ألف رجال").
أول ما شافوهم، فز غازي وكايد وبدوا يرحبون ويهلّون: "يا هلا والله بالنشاما.. ارحبوا تراحيب المطر!"
أما عايض، فتقدم يمهم بوقار، وصافحهم وهو يتبسم، واكتملت الجلسة بلمة الرفاقة.
صب كايد الفنجال ومده لهم وهو يقول: "سمّوا، اقلطوا على واجبه."
ردوا عليه بصوت واحد: "سمّ الله عدوك، وجعلك تبطي."
التفت غازي على رفاقه وضربه بصدره خفيف وهو يمزح: "وش بلاكم تاركين حلال أبوكم ومسرحين ورايحين؟ وين غيبتكم؟"
رد متعب وهو يضحك: "والله يا ولد العم إنّا ندوج في هالسيح، وش وراءنا؟ نلف ونرجع."
ضحك كايد وقال: "عز الله إنكم يبيلكم عرس، لازم نزوجكم عشان تهجدون وتعضون الأرض!"
فقع مصعب ضحك وقال: "شوفوا يا عيال، أحفاد الشيخ جابر قلبوا علينا الليلة! يبون يربطونا."
دخل عايض في الهرج وقال بجدية: "والله إن كايد صادق، وأنت يا متعب صرنا ما عاد نشوفك ولا ندري عن دارك."
رد متعب: "أبشروا بالحق، ومن بكرة بنرجع للمحل ونقابل الحلال، ولا يكون خاطركم إلا طيب."
أشرقت شمس يوم جديد على "حي جابر"، والهدوء يلف البيوت عقب ما رجعوا الرجاجيل من صلاة الفجر والتحموا بالصفوف خلف الشايب جابر.
في بيت "أبو فايز" (عيسى):
كانت أم فايز في المطبخ، وصوت الأواني يعلن عن جاهزية الفطور، صاحت بأعلى صوتها: "يا بنات.. يالله الصلاة والعبادة، الفطور زهل!"
نزلت نوير وهي بكامل أناقتها وجاهزيتها، شالت الصينية وحطتها على السفرة بوسط المقلط، ووراها أمها تضبط إبريق الشاهي وتعدل وضعه. لحقتهم شيخة وهي تمشي بمهل وتربط أكمام بلوزتها وتعدل هندامها.
انفتح الباب ودخل أبو فايز، حبوا رأسه وجلسوا كلهم يذبحون الجوع بفطورٍ يفتح النفس.
في بيت "أبو غازي" (طلال):
الحال ما اختلف واجد، أم غازي بدت تنزل الفطور ورتيل وراها بالشاهي، والبيت مليان بحركة الصبح.
أما أبو غازي (طلال)، فما نسى "حبيبة جده"، طلع فوق وأخذ غادة من يدها ونزلها معه، وأجلسها بجنبه بحنان وقال: "يالله يا بنيتي، سمّي وافطري عشان تروحين لمدرستك."
غازي كان جالسٍ يفرك وجهه وكأنه ما نام، رفع رأسه وقال بضيقة: "يا يبه، قلت لك ما ودي تروح، ماله داعي هالمشوار."
هنا التفت عليه أبو غازي ونظراته حادة، وقال بنبرةٍ ما تقبل النقاش: "كلمتي وحدة ولا تثنى يا غازي.. البنت بتروح لمدرستها، وبنت عمها نوير هي اللي بتاخذها، وانتهى الموضوع!"
كتم غازي غيضه في صدره، ودنق يحوس في صحنه ويبدأ يفطر وهو ساكت. أما رتيل، فكانت تراقب ملامح أخوها وشافت الغضب يتطاير من عيونه، وعرفنت إن بخاطره شيٍ كبير.
بوسط السيارة، كان فايز كالعادة يحتري عند الباب، ركبت شيخة وهي مستعجلة، أما نوير فما ركبت، بل اتجهت لبيت عمها طلال تبي تاخذ غادة وتوفي بوعدها، وطقت الباب.
بداخل البيت، سمعت رتيل الطقة وفزت تبي تفتح، لكن غازي كان أسرع منها، كأنه يبي يواجه نوير. فتح الباب ولقى نوير واقفة بعباتها، قال لها بنبرة حادة وهو ماليٍ عينه منها: "أقول.. تراك مصختيها، وحركاتك هذي مهيب حلوة ولا هي علينا."
نوير ردت ببرود وثبات: "لا حركات ولا غيره، البنية غادة مثل أختي، ووعدتها وأنا قد وعدي."
غازي ارتفع ضغطه وقال بغضب وغرور: "إيه، صيري واضحة.. تسوين كل هذا وتدخلين نفسك في خصوصياتنا عشان ألفت لك، وعشان تثيرين انتباهي!"
هنا نوير ما تمالكت نفسها، وطلعت منها ضحكة استهزاء هزت كيان غازي، وقالت: "يا حليلك والله! صدق إنك ميت على نفسك وواثق بزيادة يا ولد العم."
في هالحظة، طلعت رتيل وهي لافةٍ عباتها ومتغشية، ومعها غادة اللي كانت مستانسة بشوفة عمتها، ومشت رتيل بسرعة تبي تفك التصادم اللي صاير.
نوير قبل لا تمشي، التفتت على غازي وعطته نظرة أخيرة وقالت بكلمةٍ قصت مسماره: "ارتاح.. تراك مهوب ذوقي ولا فكرت فيك."
وتركته واقفٍ عند الباب يشتاط غيظ، وركبت الموتر مع البنات، وتحرك فيهم فايز يم المدرسة.
وقف فايز بالموتر أمام بوابة المدرسة، ونزلت نوير ومعها الصغيرة غادة اللي كانت متمسكة بيدها وكأنها صدق أمها. دخلوا المدرسة وسط زحمة البنات والأمهات، والتفتت نوير عليها وقالت بحنان: "يالله يا بطلة، روحي فصلك وركزي في دروسك، وأنا بخلص أشغالي هنا وبجيك."
خذت غادة شنطتها بوناسة وقالت: "تمام!" وانطلقت ركض يم فصلها.
وفي الجهة الثانية من المبنى، نزلوا شيخة ورتيل من الصوب الثاني، ودخلوا وهن يمشون جنب بعض ويهمسون ويضحكون على موقف الصبح.
قالت رتيل وهي كاتمة ضحكتها: "يا شيخة، تخيلي بس قواة عينه! يقول لها أنتِ تسوين هالحركات عشان ألتفت لك! بس عز الله إنه انصدم يوم ردت عليه ببرود وقالت: ارتاح تراك م أنت بذوقي.. والله يا وجه غازي إنه غدى ألوان!"
شيخة كانت ميتة ضحك، وماسكة بطنها وتقول: "كفوا يا نوير، أدبت ولد عمي الغرور، يحسب كل البنات يبون رضاه!"
وهن في عز الضحك والسوالف، قطع عليهن الاسترسال صوت المراقبة الجهوري وهي تأشر لهن بصرامة: "يالله يا بنات.. بلاش وقفة وهذر في السيب، كل وحدة على قاعتها بسرعة!"
انفصلن عن بعض وكل وحدة راحت لجهتها، لكن الضحكة لسه مرسومة على وجيههن.
بوسط دكان العود، كان غازي واصلةٍ معه للآخر، وصدره يغلي من القهر. سحب العود وبدأ يدق عليه بقوة كأنه يفرغ ضيقته في الأوتار، والنغمات طالعة حزينة ومقهورة.
فجأة، انفتح الباب ودخلوا عايض وكايد ومعهم متعب ومصعب (اللي كانوا توهم مخلصين دوامهم). وقفوا عند الباب واستلموا صوت العود، وعرفوا إن غازي وراه علة.
نزل غازي العود من حضنه بضيق وقال: "ارحبوا.. اقلطوا."
عايض تقدم منه وضربه بكتفه خفيف وقال: "والله إنك مهبول! وش فيك يا ولد؟ عساك ما شر، وش اللي مخلي الأوتار تشتكي؟"
أما كايد، فكان عارف السالفة، وفقع ضحك وقال: "سوتها فيك بنت العم يا غازي.. والله إنها سوتها صح!"
غازي حط العود على جنب وقال بصوت مكتوم: "يا عيال، قهرتني! ما هقيت إن لسانها طويل كذا، ولا هقيت إنها بتكسرني قدام أختي وبنتي."
متعب سحب له كرسي وجلس بفضول وقال: "عطونا العلم، وش السالفة؟ علمونا وش صاير."
بدأ كايد يشرح لهم الموقف بضحك، وكيف إن غازي كان يظن إن نوير "تلمّح له"، وكيف إنها عطته الرد اللي خلاه يضيع علومه.
غازي التفت عليهم بنظرة تهديد وقال: "أقسم بالله اللي بيقول إنها ما سوت شي، أو يوقف معها.. لأذبحه! فاهمين؟"
هنا مصعب ما قدر يسكت، وقال بصراحة: "شوف يا غازي، حنا ربعك ونحبك، لكن الصدق.. أنت اللي زودتها يا ولد العم! البنت فزعت لغادة وأنت رحت ترمي كلام ما ينسكت عنه.