رواية ريشة والصقر الفصل الرابع 4 بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل الرابع
مرّ يومان.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
كان زين جالسًا في مكتبه وحده.
الإضاءة خافتة، والملف مفتوح أمامه، وصورة ريشة تملأ الصفحة: وهي ترقص وسط المولد، كأنها لا تنتمي لأي قانون.
عيناه محمرتان من السهر، وعقله لا يتوقف عن الدوران.
وفجأة...
اهتز الهاتف.
رقم مجهول.
تردد لحظة، ثم رد.
"ألو."
جاءه صوتها.
لكن هذه المرة لم يكن ساخرًا، ولا متحديًا.
كان صوتًا مكسورًا، مختنقًا، يسبق البكاء.
"زين... الحقني."
تجمد في مكانه.
لم يحتج أن يسأل من هي.
"أنا... أنا في المدافن اللي ورا الجبل..."
صمتت لحظة، كأنها تجمع أنفاسها.
"أبويا... أبويا عايش يا زين. محبوس. محبوس في مقبرة تحت. الرجالة اللي كان بيشتغل معاهم حبسوه عشان ياخدوا تمثال لوحدهم. تعالي بسرعة."
نهض فجأة.
الكرسي ارتطم بالأرض.
"كام يوم أسود يوم ما شوفتك... ويوم ما قررت أدخل المجال دا..."
صوتها كان يرتجف، لكنه صادق هذه المرة.
"كدبت عليك يا زين... كدبت على الدنيا كلها إنه ميت عشان أحميه. والله."
انقطع صوتها لحظة، ثم عاد أكثر انهيارًا.
"سامحني... ولو عايز تنتقم مش هقولك لا، بس تعالي خلصني من دا كله. أنا لوحدي مش هعرف أفتح الحجر. والناس دي لو عرفت إني بلغت هيدفنوه صاحي. مليش غيرك... والنبي يا صقر."
أمسك زين الجاكيت بسرعة، وناول سلاحه في لحظة واحدة.
"زين..."
جاء صوتها ضعيفًا في آخر المكالمة.
"لو جرالي حاجة... أوعى تنسى ريشة."
ثم انقطع الخط.
بعد نصف ساعة.
المدافن.
ظلام كثيف كأنه مادة ملموسة.
الهواء ثقيل، والصمت غريب، لا يقطعه إلا صفير الريح بين الشواهد القديمة.
ترجل زين من السيارة.
مصباحه في يده، وسلاحه في الآخر.
لم يكن هذا بلاغًا عاديًا... كان شيئًا آخر.
رآها.
كانت تقف قرب شاهد حجري قديم.
العباءة السوداء تغلفها، ووجهها شاحب من الرعب، وفي يدها فانوس صغير يرتجف ضوؤه.
ما إن رأته حتى ركضت نحوه.
"زين!"
اصطدمت به، وتمسكت بقميصه، ودفنت وجهها في صدره دون وعي.
كانت ترتجف.
جسدها كله يرتجف.
تجمد لثانية.
غضبه كان جاهزًا، وأسئلته كانت جاهزة، لكنه لم يجد أي منها يخرج.
فقط... وضع يده على ظهرها.
لم يكن حضنًا كاملًا، ولا ضعفًا واضحًا.
كان حماية غريزية.
ربت عليها بصوت منخفض:
"بس نعدي اللي إحنا فيه... وبعد كده هروقلك يا بنت الحاوي."
ابتعدت عنه ببطء، وهي تلتقط أنفاسها.
"فين الزفت المقبرة؟"
أشارت بيد مرتجفة نحو حفرة مخفية خلف نباتات شوكية.
"تحت... الباب حجر. لازم نزقه سوا."
هبطوا.
درج ترابي ضيق يقود إلى الأسفل، وكل خطوة كانت تغوص بهم في رائحة رطوبة وموت قديم.
حتى وصلوا إلى باب حجري ضخم.
نقش عليه صقر يمسك مفتاحًا.
توقفت ريشة.
مررت يدها فوق النقش.
"أبويا علمني دي... دي شفرة عيلتنا."
ضغطت على نقطة محددة في جناح الصقر.
تحرك الحجر بصوت ثقيل، وانفتح شق ضيق.
اندفعوا إلى الداخل.
ظلام.
ثم ضوء المصباح.
كشف عن مقبرة قديمة، جدرانها مغطاة بنقوش فرعونية باهتة، ورائحة الأرض المغلقة منذ قرون.
وفي العمق...
حفرة.
ومنها صوت خافت.
خبط ضعيف.
"بابا!"
ركضت ريشة فورًا.
أمسكها زين من ذراعها بسرعة.
"استني... ممكن يكون فخ. خلينا نضمن كل حاجة."
اقتربوا بحذر.
وفي الأسفل...
رجل مسن، مقيّد، وجهه مغطى بالدم والتراب.
رزق الحاوي.
ما زال حيًا.
"ريشة..."
صوته خرج متهالكًا.
اندفعت نحوه، لكن زين أوقفها.
"هجيبه أنا."
بدأ ينزل بالحبل.
وفي اللحظة نفسها...
صوت حركة خلفهم.
التفت زين بسرعة.
ثلاثة رجال مسلحين يقفون عند المدخل الحجري.
"مين اللي شيطانه وزّعه وجيه ع المقبرة؟"
شهقت ريشة.
رفع زين سلاحه فورًا.
وانفجر المكان.
طلقات.
صدى.
صراخ.
واحد سقط، والآخر رد.
وفجأة...
اهتز السقف.
الحجارة بدأت تتساقط.
"ريشة حاسبي!"
اندفع نحوها، ودفعها بعيدًا عن كتلة حجرية ضخمة.
سقط الاثنان أرضًا.
هو فوقها لحظة، يحميها بجسده.
ثم...
انفجر المكان.
الحجارة سقطت كالمطر.
والمدخل انغلق تمامًا.
دفنوا بالداخل.
صمت.
ظلام كامل.
لا صوت... إلا أنفاس متقطعة.
فتح زين عينيه بصعوبة.
كان فوقها مباشرة.
قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه تلامس عنقها.
"ريشة... إنتي كويسة؟"
صوته كان منخفضًا، متعبًا.
"زين... إحنا هنموت هنا صح؟"
ارتجف صوتها.
اعتدل بصعوبة، وجلس بجوارها مستندًا إلى الجدار.
أضاء المصباح.
نور ضعيف، بالكاد يكشف ملامحهما.
الصمت كان يخنق المكان.
وأنفاسهما وحدها تملأ الفراغ.
اقتربت منه قليلًا دون وعي.
"أنا آسفة... أنا اللي جريتّك للموت معايا."
نظر إليها.
كانت دموعها تنزل بهدوء، على خد متسخ بالغبار.
رفع يده، ومسح دمعة واحدة بإبهامه.
توقف لحظة عند خدها.
ثم قال بصوت أخف:
"ريشة... إنتي بتعيطي؟"
هزت رأسها بسرعة كأنها تنكر.
"مستحيل..."
ثم اقتربت أكثر، وأسندت رأسها على كتفه.
"أنا بكره الكلبش بتاعك يا زين..."
صمتت لحظة.
"بس بحب الإيد اللي بتفكه ليا."
تجمد.
الصوت... المكان... الخطر... كل شيء اختلط في لحظة واحدة.
أمسك وجهها بكفيه.
ببطء.
كأنه يحاول يثبت لنفسه إنها حقيقية.
"ريشة... أنا..."
لكن قبل أن يكمل...
اقترب.
اقترب أكثر مما ينبغي.
حتى لم يعد بينهما إلا أنفاس.
وفجأة...
"يا فندم! سامعنا؟"
صوت من بعيد.
خبط على الجدار.
"افتحوا! إحنا هنا!"
نور تسلل من شق صغير.
والهوا بدأ يعود.
ابتعد زين فجأة، كأنه استيقظ من لحظة لم يكن يجب أن تحدث.
ضحك ضحكة قصيرة، متوترة.
"يالهوي على الفصلان..."
وقف، وساعدها على الوقوف.
حاوط وسطها بذراعه ليحميها من الحجارة المتساقطة.
"يلا يا بنت الحاوي... حسابنا لسه مخلصش."
مرّ يومان.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
كان زين جالسًا في مكتبه وحده.
الإضاءة خافتة، والملف مفتوح أمامه، وصورة ريشة تملأ الصفحة: وهي ترقص وسط المولد، كأنها لا تنتمي لأي قانون.
عيناه محمرتان من السهر، وعقله لا يتوقف عن الدوران.
وفجأة...
اهتز الهاتف.
رقم مجهول.
تردد لحظة، ثم رد.
"ألو."
جاءه صوتها.
لكن هذه المرة لم يكن ساخرًا، ولا متحديًا.
كان صوتًا مكسورًا، مختنقًا، يسبق البكاء.
"زين... الحقني."
تجمد في مكانه.
لم يحتج أن يسأل من هي.
"أنا... أنا في المدافن اللي ورا الجبل..."
صمتت لحظة، كأنها تجمع أنفاسها.
"أبويا... أبويا عايش يا زين. محبوس. محبوس في مقبرة تحت. الرجالة اللي كان بيشتغل معاهم حبسوه عشان ياخدوا تمثال لوحدهم. تعالي بسرعة."
نهض فجأة.
الكرسي ارتطم بالأرض.
"كام يوم أسود يوم ما شوفتك... ويوم ما قررت أدخل المجال دا..."
صوتها كان يرتجف، لكنه صادق هذه المرة.
"كدبت عليك يا زين... كدبت على الدنيا كلها إنه ميت عشان أحميه. والله."
انقطع صوتها لحظة، ثم عاد أكثر انهيارًا.
"سامحني... ولو عايز تنتقم مش هقولك لا، بس تعالي خلصني من دا كله. أنا لوحدي مش هعرف أفتح الحجر. والناس دي لو عرفت إني بلغت هيدفنوه صاحي. مليش غيرك... والنبي يا صقر."
أمسك زين الجاكيت بسرعة، وناول سلاحه في لحظة واحدة.
"زين..."
جاء صوتها ضعيفًا في آخر المكالمة.
"لو جرالي حاجة... أوعى تنسى ريشة."
ثم انقطع الخط.
بعد نصف ساعة.
المدافن.
ظلام كثيف كأنه مادة ملموسة.
الهواء ثقيل، والصمت غريب، لا يقطعه إلا صفير الريح بين الشواهد القديمة.
ترجل زين من السيارة.
مصباحه في يده، وسلاحه في الآخر.
لم يكن هذا بلاغًا عاديًا... كان شيئًا آخر.
رآها.
كانت تقف قرب شاهد حجري قديم.
العباءة السوداء تغلفها، ووجهها شاحب من الرعب، وفي يدها فانوس صغير يرتجف ضوؤه.
ما إن رأته حتى ركضت نحوه.
"زين!"
اصطدمت به، وتمسكت بقميصه، ودفنت وجهها في صدره دون وعي.
كانت ترتجف.
جسدها كله يرتجف.
تجمد لثانية.
غضبه كان جاهزًا، وأسئلته كانت جاهزة، لكنه لم يجد أي منها يخرج.
فقط... وضع يده على ظهرها.
لم يكن حضنًا كاملًا، ولا ضعفًا واضحًا.
كان حماية غريزية.
ربت عليها بصوت منخفض:
"بس نعدي اللي إحنا فيه... وبعد كده هروقلك يا بنت الحاوي."
ابتعدت عنه ببطء، وهي تلتقط أنفاسها.
"فين الزفت المقبرة؟"
أشارت بيد مرتجفة نحو حفرة مخفية خلف نباتات شوكية.
"تحت... الباب حجر. لازم نزقه سوا."
هبطوا.
درج ترابي ضيق يقود إلى الأسفل، وكل خطوة كانت تغوص بهم في رائحة رطوبة وموت قديم.
حتى وصلوا إلى باب حجري ضخم.
نقش عليه صقر يمسك مفتاحًا.
توقفت ريشة.
مررت يدها فوق النقش.
"أبويا علمني دي... دي شفرة عيلتنا."
ضغطت على نقطة محددة في جناح الصقر.
تحرك الحجر بصوت ثقيل، وانفتح شق ضيق.
اندفعوا إلى الداخل.
ظلام.
ثم ضوء المصباح.
كشف عن مقبرة قديمة، جدرانها مغطاة بنقوش فرعونية باهتة، ورائحة الأرض المغلقة منذ قرون.
وفي العمق...
حفرة.
ومنها صوت خافت.
خبط ضعيف.
"بابا!"
ركضت ريشة فورًا.
أمسكها زين من ذراعها بسرعة.
"استني... ممكن يكون فخ. خلينا نضمن كل حاجة."
اقتربوا بحذر.
وفي الأسفل...
رجل مسن، مقيّد، وجهه مغطى بالدم والتراب.
رزق الحاوي.
ما زال حيًا.
"ريشة..."
صوته خرج متهالكًا.
اندفعت نحوه، لكن زين أوقفها.
"هجيبه أنا."
بدأ ينزل بالحبل.
وفي اللحظة نفسها...
صوت حركة خلفهم.
التفت زين بسرعة.
ثلاثة رجال مسلحين يقفون عند المدخل الحجري.
"مين اللي شيطانه وزّعه وجيه ع المقبرة؟"
شهقت ريشة.
رفع زين سلاحه فورًا.
وانفجر المكان.
طلقات.
صدى.
صراخ.
واحد سقط، والآخر رد.
وفجأة...
اهتز السقف.
الحجارة بدأت تتساقط.
"ريشة حاسبي!"
اندفع نحوها، ودفعها بعيدًا عن كتلة حجرية ضخمة.
سقط الاثنان أرضًا.
هو فوقها لحظة، يحميها بجسده.
ثم...
انفجر المكان.
الحجارة سقطت كالمطر.
والمدخل انغلق تمامًا.
دفنوا بالداخل.
صمت.
ظلام كامل.
لا صوت... إلا أنفاس متقطعة.
فتح زين عينيه بصعوبة.
كان فوقها مباشرة.
قريبًا منها لدرجة أن أنفاسه تلامس عنقها.
"ريشة... إنتي كويسة؟"
صوته كان منخفضًا، متعبًا.
"زين... إحنا هنموت هنا صح؟"
ارتجف صوتها.
اعتدل بصعوبة، وجلس بجوارها مستندًا إلى الجدار.
أضاء المصباح.
نور ضعيف، بالكاد يكشف ملامحهما.
الصمت كان يخنق المكان.
وأنفاسهما وحدها تملأ الفراغ.
اقتربت منه قليلًا دون وعي.
"أنا آسفة... أنا اللي جريتّك للموت معايا."
نظر إليها.
كانت دموعها تنزل بهدوء، على خد متسخ بالغبار.
رفع يده، ومسح دمعة واحدة بإبهامه.
توقف لحظة عند خدها.
ثم قال بصوت أخف:
"ريشة... إنتي بتعيطي؟"
هزت رأسها بسرعة كأنها تنكر.
"مستحيل..."
ثم اقتربت أكثر، وأسندت رأسها على كتفه.
"أنا بكره الكلبش بتاعك يا زين..."
صمتت لحظة.
"بس بحب الإيد اللي بتفكه ليا."
تجمد.
الصوت... المكان... الخطر... كل شيء اختلط في لحظة واحدة.
أمسك وجهها بكفيه.
ببطء.
كأنه يحاول يثبت لنفسه إنها حقيقية.
"ريشة... أنا..."
لكن قبل أن يكمل...
اقترب.
اقترب أكثر مما ينبغي.
حتى لم يعد بينهما إلا أنفاس.
وفجأة...
"يا فندم! سامعنا؟"
صوت من بعيد.
خبط على الجدار.
"افتحوا! إحنا هنا!"
نور تسلل من شق صغير.
والهوا بدأ يعود.
ابتعد زين فجأة، كأنه استيقظ من لحظة لم يكن يجب أن تحدث.
ضحك ضحكة قصيرة، متوترة.
"يالهوي على الفصلان..."
وقف، وساعدها على الوقوف.
حاوط وسطها بذراعه ليحميها من الحجارة المتساقطة.
"يلا يا بنت الحاوي... حسابنا لسه مخلصش."