📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الرابع 4 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الرابع 4 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

كان صراخ سعاد يسبق خطواتها في الزقاق الضيق.
خرجت النسوة من الأبواب والنوافذ يستطلعن ما يحدث،
فإذا بها تقتحم بيت البيبية كالعاصفة.
كانت شعاع جالسة في زاوية الفناء، تلتهم قطعة خبز أعطتها لها البيبية، حين شعرت بقبضة حديدية تمسك ذراعها.
صرخت سعاد:
ها... هنا خاتله ام الشوارع؟!
انتفضت شعاع من مكانها، وسقطت قطعة الخبز من يدها.
حاولت البيبية التدخل وهي تقول:
يمّه سعاد، البنية جوعانة، خليها...
لكن سعاد لم تمنحها فرصة لإكمال كلامها، وسحبت شعاع بقوة حتى تعثرت الصغيرة وسقطت على الأرض.
كومي! ما راح تبقين هنانة بعد!
تشبثت شعاع بثوب البيبية وهي تبكي:
خالة... دخيلج لا تخليني أرجع...
ارتجف قلب البيبية وهي ترى الدموع تغرق وجه الطفلة،
لكنها لم تستطع الوقوف بوجه سعاد.
خرجت سعاد تسحب شعاع من ذراعها وسط الزقاق، بينما كانت الصغيرة تحاول مجاراة خطواتها المتعثرة.
تجمعت نسوة الدربونة حولهما.
قالت إحداهن:
عيب عليج، البنية راح تنكسر إيدها!
وأضافت أخرى:
علي كيفج ويا اليتيمه ، هاي بعده طفلة.
توقفت سعاد لحظة، واستدارت نحوهن بعينين تقدحان شرراً.
بنتي وأربيها مثل ما أريد! محد يتدخل بيني وبين بنتي!
ساد الصمت فوراً.
أنزلت النسوة أبصارهن، وتراجعن خطوة للخلف.
أما شعاع فكانت تمشي وهي تبكي بصمت،
تشعر أن كل بيت في الزقاق يراقبها،
وأن كل نافذة تشهد على هزيمتها.
وحين وصلت إلى باب المنزل، رفعت رأسها نحو السماء للحظة قصيرة.
تذكرت وجه أمها...
تذكرت حضنها الدافئ...
وتمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها قبل أن تعبر ذلك الباب.
لكن سعاد دفعتها بقسوة إلى الداخل.
وأُغلق الباب خلفها بصوتٍ بدا لشعاع كأنه باب سجن أُوصد إلى الأبد.
منذ أن أعادتها سعاد من بيت البيبية، لم ترَ شعاع ضوء الشمس إلا من شق صغير في أعلى الغرفة.
أغلقت سعاد الباب عليها بالمزلاج، وتركتها وحيدة بين أربعة جدران باردة.
في اليوم الأول، ظلت شعاع تنتظر أن يرق قلب سعاد وتأتيها بطبق طعام أو حتى قطعة خبز، لكن أحداً لم يأتِ.
وفي اليوم الثاني، بدأ الجوع ينهش معدتها الصغيرة كوحش جائع.
جلست في زاوية الغرفة تضم ساقيها إلى صدرها، بينما كانت الدموع تنساب بصمت فوق وجنتيها المشوهتين.
كلما سمعت صوت أواني الطعام في الخارج، ازداد ألمها.
همست بصوت مرتجف:
يمّه... لو كنتِ هنا ما خليتيني أجوع...
في تلك الأثناء عاد والدها من العمل متعباً.
نزع ملابسه وكعد بالحوش وهو ينظر حوله.
وين شعاع؟ من الصبح ما شفتها.
ارتبكت سعاد للحظة، لكنها سرعان ما تمالكت نفسها.
يمكن عند الجيران... أو تلعب بالدربونة.
عقد حاجبيه.
هالوقت؟ شعاع مو من عادتها تتأخر.
وقبل أن ينهض للبحث عنها، وضعت سعاد يدها على جبينها فجأة، وترنحت بخفة.
آآه...
قفز من مكانه مذعوراً.
شبيج سعاد؟
تمايلت وكأنها ستسقط أرضاً.
مدري... صار بيه دوار من الصبح...
أسرع إليها وأسندها.
أجيب الحكيم؟
هزت رأسها وهي تتظاهر بالتعب.
لا... لا...
سكتت لحظة ثم قالت بخجل مصطنع:
اليوم رحت للقابلة...
تجمد في مكانه.
ولِيش؟
أنزلت رأسها وهي تخفي ابتسامة انتصار.
گالت يمكن... حامل.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم اتسعت عينا الرجل غير مصدق.
صدگ؟
رفعت رأسها ببطء.
إي... بس بعده مو أكيد.
اختفى حديث شعاع من ذهنه تماماً.
جلس قربها وهو يغمرها بالأسئلة واللهفة.
أما خلف الباب المغلق، كانت شعاع تسمع الأصوات المتقطعة دون أن تفهم ما يجري.
كانت أضعف من أن تصرخ.
وأضعف من أن تقف.
فاكتفت بإسناد رأسها إلى الحائط البارد، بينما كانت معدتها الخاوية تؤلمها بشدة.
وفي الخارج، نجحت سعاد مرة أخرى في إخفاء الحقيقة...
وتركت الطفلة تواجه الجوع والوحدة وحدها.
في الليلة الثالثة من حبسها، كانت شعاع مستلقية على الأرض الباردة.
لم تعد تشعر بالجوع كما في اليومين السابقين.
كان التعب قد تغلغل في جسدها الصغير حتى صارت الحركة تؤلمها.
أغمضت عينيها وهي تضم ثوب أمها القديم إلى صدرها.
الثوب الوحيد الذي احتفظت به بعد رحيلها.
وسرعان ما غاصت في نوم متقطع.
وجدت نفسها واقفة في بستان واسع لم ترَ مثله من قبل.
كانت الأشجار خضراء، والهواء معطراً برائحة الياسمين.
لا صراخ.
لا خوف.
لا سعاد.
ولا حامد.
فقط سكون جميل يملأ المكان.
التفتت حولها بحيرة.
وفجأة...
رأت امرأة تقف تحت شجرة رمان.
امرأة تعرفها جيداً.
امرأة اشتاقت إليها أكثر مما اشتاقت إلى أي شيء في الدنيا.
اتسعت عيناها.
وارتجف صوتها:
يمّه...؟
ابتسمت المرأة وفتحت ذراعيها.
ركضت شعاع بكل ما تملك من قوة.
وارتمت في حضن أمها.
لأول مرة منذ سنوات شعرت بالأمان.
بكت بحرقة وهي تتمسك بها.
يمّه لا تتركيني...
يمّه خذيني وياج...
تعبت...
مسحت الأم دموعها بحنان.
أعرف يا بنتي... أعرف كلشي.
رفعت شعاع رأسها.
ليش تركتيني وحدي؟
اغرورقت عينا الأم بالدموع.
لكن ابتسامتها بقيت هادئة.
لأن الله كتب هيج يا روحي.
تشبثت شعاع بها أكثر.
أريد أبقى يمج.
هزت الأم رأسها برفق.
بعدج عدج طريق طويل.
بس أني تعبت.
وضعت الأم يدها على رأسها.
لا تخافين...
راح يجي يوم وتخلص كل أحزانج.
سكتت لحظة ثم أشارت بيدها إلى مكان بعيد.
مكان تلمع فيه قبة ذهبية تحت أشعة الشمس.
شعرت شعاع أنها تعرف ذلك المكان.
لكنها لم تستطع تمييزه.
قالت الأم بصوت خافت:
إذا ضاقت الدنيا عليج... تعاليلي.
وين ألگاج؟
اكتفت الأم بالابتسام.
ثم بدأت صورتها تتلاشى شيئاً فشيئاً.
صرخت شعاع:
يمّه...!
يمّه لا تروحين!
لكن البستان اختفى.
والضوء اختفى.
واختفى كل شيء.
فتحت شعاع عينيها مذعورة.
كانت الغرفة ما تزال مظلمة.
والبرد يملأ المكان.
جلست بصعوبة وهي تلهث.
ثم تذكرت القبة الذهبية.
وتذكرت كلام أمها.
فجأة خطرت في رأسها فكرة لم تفارقها بقية الليل.
أمها مدفونة في النجف...
هناك فقط تستطيع أن تكون قريبة منها.
هناك ربما تشعر بالأمان الذي فقدته.
هناك ربما تستطيع أن تشكو لها كل ما فعلته سعاد.
مسحت دموعها ونظرت نحو النافذة الصغيرة.
ولأول مرة منذ حبسها...
لم تفكر بالجوع.
ولم تفكر بالخوف.
كانت تفكر بشيء واحد فقط.
كيف تهرب من هذا البيت...
وتصل إلى النجف.
لم يكن الفجر قد أذن بعد. كانت مدينة الثورة تغط في سكون ثقيل، وشوارعها الترابية ما تزال غارقة بظلام الفجر الباهت. تتوسط الأزقة سواقٍ ضيقة تحمل المياه الآسنة القادمة من البيوت، تفوح منها روائح كريهة اعتاد عليها أهل المنطقة.
فتحت شعاع الباب الخشبي بهدوء شديد. كان قلبها يخفق بعنف وهي تتلفت حولها خوفاً من أن يراها أحد. تذكرت رؤيا أمها، وتذكرت القبة الذهبية التي لم تفارق خيالها منذ استيقظت.
همست لنفسها:
"راح أروح للنجف... راح أروح يم أمي."
لبست ثوب امها وجان طويل عليه وتتعثر بيه
مجانت تعرف شلون تروح لكبر امها ولاتندل النجف ، ولا شكد تبعد النجف عن بغداد، لكنها كانت تعرف أنها لم تعد تستطيع البقاء في ذلك البيت يوماً آخر.
خرجت حافية القدمين، وبدأت تسير بين الأزقة الضيقة. كانت ضعيفة من الجوع بعد أيام الحبس، وكل خطوة تستنزف ما تبقى من قوتها. ومع ذلك واصلت السير وهي تتخيل نفسها جالسة عند قبر أمها تشكو لها كل ما حدث.
خلفها، خرج حامد بصمت.
كان قد لمحها وهي تتسلل من الباب، فتبعها دون أن تشعر. ظل يراقبها من بعيد وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه.
وحين ابتعدت عن البيت مسافة كافية، أسرع خلفها.
شعرت شعاع بخطوات تقترب.
التفتت مذعورة.
تجمدت في مكانها عندما رأت حامد.
ضحك باستهزاء وقال:
وين رايحة بهالوقت؟
تراجعت خطوة إلى الوراء.
خليني بحالي...
اقترب أكثر.
تريدين تنهزمين؟؟
استدارت شعاع محاولة الهرب، لكن ساقيها المنهكتين لم تساعداها.
وفي لحظة غضب، مد حامد يده ودفعها بقوة.
صرخت شعاع.
واختفى الطريق من تحت قدميها.
سقطت مباشرة داخل الساقية.
ارتطم جسدها الصغير بالمياه الآسنة والطين الأسود. دخل الماء القذر إلى فمها وأنفها، وبدأت تتخبط محاولة النجاة.
مدت يديها نحو الحافة.
لكنها كانت أضعف من أن تسحب نفسها.
الجوع والوهن سرقا منها كل قوة.
بدأت تغرق شيئاً فشيئاً.
رفعت رأسها فوق سطح الماء للحظة قصيرة وهي تصرخ:
يمّه...!
ثم ابتلع الماء صوتها.
وقف حامد مرتبكاً.
لم يكن يتوقع أن تغرق فعلاً.
تراجع إلى الخلف وقد شحب وجهه.
وفي تلك اللحظة كان الأستاذ كاظم عائداً من الفرن حاملاً كيس الصمون الساخن.
لمح المشهد من بعيد.
شاهد حامد وهو يدفع شعاع.
وشاهد الطفلة تتخبط داخل الساقية.
سقط كيس الصمون من يده.
وركض بأقصى سرعة.
شعاع!
وصل إلى حافة الساقية ومد ذراعه نحوها.
كانت أصابعها الصغيرة تختفي تحت الماء.
انحنى أكثر حتى كاد يسقط.
ثم أمسك يدها في اللحظة الأخيرة.
شدها بكل قوته.
وسحبها خارج الساقية.
سقطت شعاع على الأرض الموحلة وهي تسعل بعنف. خرجت المياه القذرة من فمها، بينما كان جسدها يرتجف من البرد والخوف.
جلس الأستاذ كاظم بجانبها وربت على ظهرها.
الحمد لله... الحمد لله.
فتحت شعاع عينيها بصعوبة.
وحين رأت وجهه انفجرت بالبكاء.
أما حامد...
فكان قد اختفى بين الأزقة قبل أن يصل أحد.
لكن الأستاذ كاظم كان قد رآه بعينيه.
ورأى اليد التي دفعت الطفلة نحو الموت.
ما إن سحب الأستاذ كاظم شعاع من الساقية حتى بدأ أهل الزقاق يتجمعون حولهما.
خرج الرجال من بيوتهم، وتبعتهم النسوة بعباءاتهن السوداء.
شصار؟
منو هاي؟
يا حافظ يا رب!
كانت شعاع جالسة على الأرض الموحلة ترتجف من البرد والخوف، وثيابها تقطر ماءً آسناً، ووجهها الشاحب مغطى بالطين.
شقّت البيبية أم سلمان طريقها بين الناس.
وحين رأت شعاع بتلك الحالة أطلقت شهقة موجوعة.
يمّه شعاع!
جلست على ركبتيها واحتضنت الطفلة بقوة.
شنو مسوين بيج يا بنتي؟
لم تستطع شعاع الكلام.
كانت ترتجف فقط.
قال الأستاذ كاظم وهو يحاول التقاط أنفاسه:
لكيتها تغرق بالساقية... الله سترها.
هزت البيبية رأسها بحزن.
ثم نهضت وقالت بحزم:
تعالي يمّه... تعالي وياي.
أحاطت ذراعها بكتفي شعاع وسارت بها نحو بيت سلمان.
أما الناس فبقوا يتحدثون بينهم بغضب واستنكار.
في بيت سلمان أدخلت البيبية شعاع إلى الفناء.
أحضرت طشتاً من الماء الدافئ وبدأت تغسل الطين والمياه الآسنة عن وجهها ويديها وشعرها.
كانت تتعامل معها بحنان أم فقدت ابنتها وعثرت عليها من جديد.
كلما مررت يديها فوق رأسها كانت تتمتم:
الله ينتقم من الظالم...
الله ينتقم من كل واحد آذاج.
في تلك الأثناء خرج سلمان من غرفته بعدما سمع أصوات الناس في الخارج.
كان يتحسس طريقه بعصاه الصغيرة.
يمّه... شصاير؟
اقتربت منه البيبية وأمسكت بيده.
شعاع تعبت شويه يا وليدي.
عرف سلمان صوت شعاع فوراً.
جلس قربها على الحصير.
شعاع... انتي زينة؟
توقفت عن الأكل للحظة.
ثم أجابت بصوت خافت:
إي.
ابتسم سلمان ابتسامة صغيرة.
الحمد لله.
كان يعلم أنها لا تقول الحقيقة، لكنه لم يشأ أن يحرجها أمام الآخرين.
في تلك اللحظة دخل الأستاذ كاظم إلى الفناء.
جلس قرب البيبية وهو ما يزال متأثراً مما حدث.
نظر إلى شعاع التي كانت تأكل بصمت.
ثم قال:
لو متأخر دقيقة جان راحت البنية.
وضعت البيبية يدها على صدرها.
الحمد لله على السلامة.
سكتت قليلاً ثم قالت:
أستاذ كاظم... لازم نلكه حل.
رفع نظره إليها.
شنو تقصدين؟
أشارت نحو شعاع.
هاي البنية إذا ظلت بهذا الوضع راح تضيع.
تنهد الأستاذ كاظم.
كان يعلم أن كلامها صحيح.
أكملت البيبية بحزن:
من ماتت أمها وهي من مصيبة لمصيبة.
ساد الصمت.
أما سلمان فكان يستمع لكل كلمة.
يمسك بيد شعاع الصغيرة دون أن يتكلم.
وكأنه يحاول أن يخبرها بأنها لم تعد وحدها.
قال الأستاذ كاظم أخيراً:
لا... بعد اليوم ما راح أسكت.
رفعت البيبية رأسها نحوه.
شراح تسوي؟
نظر إلى شعاع.
ثم قال بصوت حازم:
أول شي لازم أبوها يعرف الحقيقة كلها.
بينما كانت شعاع تسمع حديثهما، شعرت لأول مرة أن هناك من يفكر بمصلحته
اعتذر للقراء لا اجيد الكتابه بلهجة اهل الجنوب


تعليقات