📁 آخر الروايات

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الرابع 4 بقلم دفنا عمر

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الرابع 4 بقلم دفنا عمر


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هناك لحظات لا تحتاج إلى صراخ كي تكون كارثية، لحظات يكفي فيها أن يلتقي شخصان في المكان الخطأ، والوقت الخطأ، لتنهار سنوات كاملة من الحذر والصمت! للمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر أصيل أن الموقف يكاد يخرج من يده ويفقد سيطرته تمامًا،
ليبرق كابوسه المخيف بعقله، حين كان أحدهم يأخذ صغيرتيه من يديه ويختفي من امام عيناه وهو عاجز، أشتدت قبضته وهو يقولها في نفسه، لو كان عاجزًا في حلمه عن حماية صغاره لن يكون كذلك الآن، لن يسمح لمخلوق أن يسرق امان صغيرتاه ويعبث بحياتهما.

بلحظات الصمت التي طالت بينهما تعلقت عين غزل بالطفل الذي يحمله، تراقب خصلات شعره المبعثرة فوق جبينه ووجنتيه الممتلئتين من أثر البكاء، وللمرة الأولى انتبهت كم صار زين كبيرًا عما رأته في صورة نشرها سالم منذ فترة مع ليان، الصغير يحمل ملامح أبيه كاملة كأنه نسخة مصغرة منه، لم يأخذ شيء من ملامح غنى شقيقتها.

في تلك اللحظة لمح أصيل نظراتها المستقرة على ابنه، فاشتد توتره وانحنى قليلًا نحو زين وهمس في أذنه بشيء لم تسمعه هي.
لتتسع عينا الصغير فورا هاتفا:
_ بجد يا بابا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أومأ أصيل برأسه:
_ بجد، بس اعمل اللي اتفقنا عليه واستناني جوه عند ماما.
ابتسم زين ابتسامة واسعة وهز رأسه سريعا:
_ حاضر بس مش تتأخر.
ربّت أصيل على شعره بحنان ثم أشار نحو الشقة:
_ يلا خبط وادخل، وزي ما وعدتك مش هغيب عليك.

استدار الصغير راكضًا نحو باب الشقة، وقد نسي تمامًا البكاء الذي كان يملأ وجهه قبل دقائق، ظل أصيل يتابعه بعينيه حتى طرق الباب، وما إن فتح له أحد من الداخل واختفى خلفه، حتى تنفس براحة ثم عاد بصره نحو غزل، كانت ما تزال واقفة في مكانها، شاحبة، مرتبكة، كأنها تخشى ان تتقدم بخطوة واحدة نحوه.

نزل عدة درجات تفصل بينهما، حتى صار أقرب إليها، ثم قال بصوت منخفض لكنه يحمل من الصرامة ما يكفي لإيقاف أي اعتراض منها:
_ انزلي.. لازم نتكلم، بس مش هنا.
ارتجفت أنفاسها دون إرادة ونظرت إليه في صمت،
أما هو فالتفت مرة أخرى نحو باب الشقة المغلق خلفه، وكأنه يتأكد للمرة الأخيرة أن أحدًا لم يخرج،
ثم عاد يرمقها بنظرة حادة، نظرة رجل يخشى أن ينهار كل ما بناه خلال السنوات الماضية، إذا تأخر دقيقة واحدة عن احتواء هذا الموقف.
_ يلا انزلي.
قالها بنبرة أكثر حسمًا، فأخفضت رأسها أخيرًا، واستدارت تهبط الدرج أمامه، بينما تبعها هو بصمت ثقيل.
__________

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

في الداخل، كانت غنى جالسة مع زوجة شقيقها تتبادلان أطراف الحديث، بينما انشغل الأطفال باللعب في أرجاء الشقة، لم تنتبه في البداية إلى صوت الباب وهو يُفتح، لكن خطوات صغيرة راكضة عبرت الردهة لفتت انتباهها، رفعت رأسها لتجد زين يدخل وحده، عقدت حاجبيها بعجب فقد خرج قبل دقائق فقط ممسكًا بيد أبيه.
_ انت رجعت ليه يا زين؟
توقف الصغير أمامها ثم أجابها ببساطة:
_ بابا قالي أستناه هنا.
ابتسمت وهي تسأله:
_ طيب وفين بابا مش كنت رايح معاه؟
اتسعت ابتسامته بحماس وهو يخبرها بعفوية:
_ راح مع طنط.
انعقد حاجباها أكثر وهي تتسأل:
_ طنط؟! طنط مين يا زين؟
هز كتفيه ببراءة:
_ معرفش يا ماما، هي كانت واقفة مع بابا على السلم.
ثم أضاف بحماس وهو يقفز في مكانه:
_ بس بابا قالي لو رجعت استناه عند خالو، هيشتري ليا حاجات حلوة كتير..ولعبة كمان.
اختفت الابتسامة من وجه غنى تدريجيًا تتسائل في ضميرها..أي طنط هذه؟ ولماذا يذهب زوجها معها؟!
نهضت من مكانها وقد بدأ القلق يتسلل إلى داخلها دون سبب واضح، ودون أن تشعر، اتجهت بخطوات سريعة نحو الشرفة، دفعت بابها الزجاجي وخرجت إليها، ثم انحنت قليلًا تنظر إلى الشارع أسفل البناية، وفي اللحظة التالية تجمدت مكانها، رأت أصيل، ورأت المرأة التي تسير إلى جواره.

كانت غزل..اتسعت عيناها بصدمة حقيقية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

شعرت كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها وهي تتابعهما بنظرها، كانا يسيران مبتعدين عن البناية بخطوات متسارعة، لا يتحدثان تقريبًا.
وضعت غنى يدها على سور الشرفة تتشبث به بقوة.
مئات الأسئلة اندفعت إلى رأسها دفعة واحدة.
ما الذي جاء بغزل إلى هنا؟
هل جاءت لترى البنات؟
هل رآها أصيل مصادفة؟
أم أنها كانت تقصده هو؟
ولماذا أخذها معه؟
إلى أين يذهبان الآن؟
عضت شفتها بقلق وهي تراقب ابتعادهما حتى أوشكا على الاختفاء من مجال رؤيتها.
كانت تعرف أصيل جيدًا.
تعرف أن ظهور غزل المفاجئ الأن لن يمر أبدًا دون أن يترك خلفه فوضى، ظلت واقفة في الشرفة لثوانٍ طويلة تحدق في المكان الذي اختفيا فيه.
ثم همست لنفسها باضطراب:
_ استرها يارب.

______________

ظل أصيل يسير بخطوات سريعة حتى ابتعدا عدة شوارع عن منزل سالم، لم يكن يريد لحديثهما أن يُسمع، ولا أن يطول أكثر مما ينبغي، توقف أخيرًا عند زاوية شارع ليس مزدحم بالمارة، به شجرة وارفة كبيرة، استقرا عندها ليقولا ما يجب أن يُقال.

استدار نحوها وسألها بحدة لم تترك صوته:
_ جاية ليه؟
ثم أردف بصرامة أكبر:
_ وكنتي ناوية على إيه؟

رفعت عينيها إليه وقالت بانكسار:
_ جاية أشوف بناتي يا أصيل.. من حقي أشوفهم، ومش هفضل طول عمري معزولة عنهم.
غمغم بقسوة:
_ دلوقت بتدوري على حقك فيهم يا غزل؟
كان فين حقك ده يا بنت الناس لما سبتيهم زمان، أمومتك كانت فين ساعتها؟

انكمشت ملامحها كأن كلماته صفعتها، لكنه أكمل دون أن يمنحها فرصة للحديث:
_ وبعدين إنتي مش خلاص حياتك استقرت؟ وبقى عندك عيلة و ولاد جوزك عوضوكي؟ ومسافرة معاهم؟ عايزة إيه تاني؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هنا انفجرت أخيرًا غير عابئة بشيء، صرخة خرجت من قلب أنهكه الندم قبل أن تخرج من حنجرتها:

_ عايزة أودعهم يا أصيل قبل ما اسافر!

ثم ارتجف جسدها باكمله وهي تواصل:
_ عايزة أخدهم في حضني وأشم ريحتهم..عايزاهم يعرفوا إني أمهم.

لينكسر صوتها أكثر:
_ أرجوك.. كفاية عقاب.. أنا تعبت.. وندمت.

سقط الصمت بينهما اكثر ثِقلًا، وظل أصيل ينظر إليها طويلًا نظرة غامضة، لا تحمل تعاطفًا، ولا شفقة.
ولا حتى غضبًا، كأنها نظرة رجل استهلكت السنوات كل مشاعره نحوها، فلم يعد يملك رفاهية الانفعال.

وبعد الصمت قال بسخرية موجعة:
_ يعني جاية قبل ما تسافري تقولي ليهم أنا ماما يا بنات..تعالوا في حضني؟

ازدادت أنفاسها اضطرابًا..أما هو فأكمل:

_ وقبل حتى ما يستوعبوا صدمة ظهورك المفاجيء في حياتهم، ترجعي تسيبيهم تاني وتسافري تعيشي حياتك، مش ده اللي جيتي تعمليه في بناتك يا غزل؟

ثم ابتلع مرارته وهو يواصل:
_ تسيبيهم مشتتين وضايعين.. تسيبيهم ومليون سؤال هيتولد في دماغهم.

ثم نظر إليها وهذه المرة ظهر الحزن في عينيه:
_ وألف «ليه» جواهم هتحتاج إجابة.

وسكت لحظة أخرى ثم قال بصوت يقطر ألم:
_ ده اللي إنتي عايزاه؟ أذيتيهم وهما صغيرين وجاية تعيدي اللي عملتيه زمان، وتعيشيهم شعور التخلي من جديد؟

اختفت الكلمات وللمرة الأولى لم تجد حجة ولا دفاعًا، ولا حتى غضبًا تتمسك به، فقط شعور خانق بأنها بالفعل كانت على وشك أن تفعل ذلك، كانت ستندفع إلى حياتهما فجأة گ عاصفة تزلزل كل شيء بعالمهما الأمن، ثم ترحل وتتركهما وحدهما وسط سيل من الأسئلة دون اجابات، انهمرت دموعها الغزيرة بصمت، وأغمضت عينيها بقوة.

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
فواصل أصيل وقد هدأت حدة صوته قليلًا، لم تتحول إلى التعاطف، لكنه أقر بأمر مسلم به:
_ أنا عارف إن ظهورك في حياتهم شيء لازم يحصل يوم من الأيام.

ثم نظر بعيدًا نحو فروع الشجرة التي تضلل عليهما قبل أن يكمل بشرود طفيف:
_ وهايجي يوم يعرفوا فيه إنك أمهم، مهما انا حاولت امنح حدوث ده، ومهما كان ضد رغبتي، بس لازم هيحصل.

من جديد عاد ببصره إليها و واصل:
_ بس على الأقل يكونوا كبروا ويقدروا يفهموا ويستوعبوا ظهورك وسبب اختفائك اصلا من حياتهم.
وأكمل ليضع الأمور في نصابها:
_اسمعي اخر كلام مني..لو كان مكتوب ترجعي من غربتك، هيكون في بنا كلام تاني.

اتسعت عيناها بذهول مع كلماته الأخيرة، كلماته هذه فتحت داخل جدار عزلتها الذي يحجبها عنهما مخرج ربما أضيق من ثقب أبرة رفيعه، لكنه كان أكثر من كافي ليزف لها نسيم من الأمل، لتسمعه يواصل:

_ لكن تفجري قنبلة في حياتهم وتمشي..ده يدل إنك لسه أنانية، ولسه مش بتفكري في عواقب تصرفاتك يا غزل.

أصابتها كلماته هذه المرة في مقتل، لأنها لم تسمع فيها اتهامًا، بل رأت فيها الحقيقة، حقيقتها.

أخفضت رأسها وتركت دموعها تنساب في صمت.

كانت المرة الأولى التي تنظر فيها إلى الأمر من زاوية ابنتيها لا من زاوية ألمها هي، وكم كان ذلك مؤلمًا
طالما رأت نفسها أمًا محرومة، ولم تسأل نفسها بما يكفي كيف ستبدو هي في عيون طفلتين لا تعرفانها؟
وكيف سيفهمان ظهورها ثم اختفاءها مجددًا؟.

أما أصيل فتنهد أخيرًا وقال:
_ سافري يا غزل.

رفعت عينيها نحوه مع استطراده:
_ عيشي حياتك اللي ربنا قدرها ليكي، وسيبيه يدبر كل حاجة من عنده.

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتجف قلبها بين ضلوعها من جديد وهو يمنحها شيئًا غير الرفض..لم يمنحها وعدًا واضحًا.. ولا غفرانًا..بل منحها بابًا صغيرًا مواربًا..وشعاعًا خافتًا يكفي فقط كي تواصل السير.

استدارت أخيرًا لتغادر..خطواتها كانت ثقيلة..مثقلة بالندم.. بالشوق..لكن يدها لم تعد فارغة كما جاءت،
سوف يأتي يوم تستطيع فيه ضم ابنتيها لصدرها،
لتعتذر وتحكي لهما ما تستطيع حكايته، ستخبرهما أنها أخطأت..لكنها لم تتوقف يومًا عن حبهما.

ظل أصيل واقفًا مكانه يراقب ابتعادها، حتى اختفى طيفها عند آخر الشارع، عندها فقط رفع رأسه نحو السماء وزفر بقوة، لم يكن منتصرًا، ولم تكن هي مهزومة، فبعض المعارك لا يربحها أحدًا.
____________

عادت غزل إلى المنزل قبل الغروب بقليل.
ليستقبلها وليد بسؤال هاديء:
_ اطمنتي على والدتك؟
نظرت نحوه برهة بصمت لا تعرف ماذا تقول، ليتحرك لسانها قائلة بما لا تظنه كذبًا:
_ الحمد لله.
نعم لم تروي شوقها الذي ذهبت به، لكنها تحمد الله حقًا على ما حصدته من وعد ثمين.
ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
_ كويس، أنا سبتك تروحي لوحدك زي ما طلبتي.
ثم أكمل:
_ قلت يمكن حابة تاخدي راحتك مع أهلك قبل السفر.
شعرت بوخزة صغيرة داخل صدرها لأنها لم ترى أهلها كما يظن، فاضطرت لإشاحة بصرها بعيدًا.
لاحظ وليد شحوبها أخيرًا فتسائل:
_ مالك يا غزل؟
ابتسمت ابتسامة ضعيفة لا تصل إلى عينيها:
_ مفيش، بس مصدعة شوية.
نظر إليها لثوانٍ ثم اقترب إليها وربت على كتفها برفق وقال:
_ خلاص ادخلي اوضتك ارتاحي ونامي، أنا شوية واحصلك، عشان بكرة يومنا طويل، الولاد عايزين يروحوا أماكن كتير قبل سفرنا.

بعد أن تركها وليد لتستريح، جلست على حافة الفراش شاردة، هل يمكنها الآن أن تخرج إلى وليد وتخبره أنها رأت أصيل، ولم ترى صغيرتيها أو حتى أهلها؟ لكن شيئًا ما منعها..خافت أن يسيء فهم الأمر،
وربما لأن ما صار يخص ماضيها وحدها، وربما أيضًا لأن بعض الجروح القديمة يصعب شرحها لأحد.
تنهدت ثم أسندت رأسها إلى ظهر فراشها، هي لا تريد أن تخفي عنه شيئًا، وفي الوقت نفسه لا تعرف إن كان من حق أحد غيرها وغير أصيل أن يشاركهما تلك المساحة المؤلمة من الماضي.
____________
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

عاد أصيل إلى منزل سالم يحمل كيس البالونات والحلوى التي وعد بها زين، استقبله الصغير بفرحة عارمة فور أن رآه يجلب ما وعد به، وانشغل بتوزيع غنيمته على شيقته وليان ومرحهم راح يضفي على المكان بهجة كانت ابعد ما يكون عن روحه المهمومة.

بدا أصيل حاضرًا بجسده فقط، يبتسم حين ينبغي أن يفعل، ويرد حين يُسأل عن شيء، اما عقله كان عالقًا في مكان آخر.

راقبته غنى بصمت طوال الوقت، لاحظت شروده
ونظراته الساهمة، وذلك الصمت الثقيل الذي لم يفارقه منذ عاد.

وحين عادوا إلى المنزل ليلًا، وانشغل الأطفال في غرفهم وغنائمهم من حلوى ونقود جديدة، دخل أصيل إلى غرفتهما واتجه مباشرة إلى طرف الفراش وجلس عليه، ظل ساكتًا..شاردًا..عيناه معلقتان بنقطة وهمية أمامه..وقفت غنى تراقبه..ثم اقتربت منه بهدوء وجلست إلى جواره:
_ مالك يا أصيل؟
انتبه لصوتها وكأنه عاد من مكان بعيد.
ثم هز رأسه بشخوص:
_ مفيش.
تأملته للحظات..كانت تعرف أن جوابه المقتضب هذا يخفي وراءه الكثير مما يشغل باله.. لم تشأ ان تضغط عليه وقررت تركه يُفضي لها بما يريد وقت ان يكون مستعدًا..أخفضت رأسها قليلًا، ثم نهضت وهي تقول بلطف:
_ هروح أشوف الولاد لو عايزين حاجة.
كادت تغادر الغرفة لكن صوته أوقفها:
_ غزل جت بيت سالم.
التفتت نحوه..دون دهشة..ودون ارتباك.
فقط عادت بخطوات هادئة وجلست إلى جواره من جديد ثم قالت:
_عارفة، شوفتكم من البلكونة وإنتوا ماشيين.
نظر إليها بدهشة سرعان ما تلاشت، ثم أطرق برأسه للحظة قبل أن يقول:
_ جت تشوف البنات قبل سفرها.. وتودعهم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
ساد الصمت بينهما برهة، قبل أن تسأله:
_ وانت قولتلها إيه؟
ظل صامتًا قليلًا كأنه يعيد الحديث داخل رأسه،
ثم قال أخيرًا:
_ قولتلها مينفعش تقلب حياتهم وفي الآخر تمشي وتسيبهم وتكرر نفس الغلطة.
استمعت إليه دون مقاطعة ثم تسائلت:
_ وانتهيتوا على إيه؟
تنهد طويلًا ثم أجاب:
_ وعدتها لو في نصيب ترجع تاني، ويكونوا البنات كبروا أكتر، هنوضح لهم كل حاجة من غير تفاصيل تجرحهم.
هزت غنى رأسها برضا عن معالجته لهذا الموقف، ثم مدت يدها تربت على ظهره برفق، كانت تتفهم تمامًا ما يشعر به الآن، تتفهم الرعب الذي اجتاحه حين رأى غزل أمامه، وذلك الخوف القديم الذي لم يغادره يومًا على بناته، الخوف من أن ينكسر استقرارهن، أن تهتز الأرض التي ظل يبنيها تحت أقدامهن سنة بعد أخرى.

اقتربت منه أكثر ثم جذبت رأسه برفق نحوها،
لم يقاوم..ولم يتكلم..فقط ترك نفسه يستند إليها ويرمي حموله فوق صدرها الحاني، فوضعت كفه بجانب قلبها، وأخذت تمرر أصابعها بين خصلات شعره بحنان دافئ وهمست:
_ خلاص يا أصيل.. عدت على خير.
أغمض عينيه باسترخاء يحتاجه.
فأكملت بصوت أكثر دفئًا:
_ بناتك لسه في حضنك.. ومش هيبعدوا عنك أبدًا..حتى لو غزل رجعت وعرفوا بوجودها، هتفضل انت المكان الأمن اللي بينتموا إليه، انت اللي ربيت وكبرت وتعبت، مكانتك جواهم مستحيل تتأثر.

في تلك اللحظة أحاط بذراعه خصرها بقوة..قوة رجل يبحث عن طمأنينة..كأنه يدفن داخل عناقها الدافيء هذا كل ما شعر به اليوم من خوف..فضمته إليها أكثر..وأراحت خدها فوق رأسه.
لم تحاول أن تقول المزيد، اكتفت بأن تكون السند الذي اعتاد أن يجده كلما أثقلته الحياة بهمومها، فبعض المخاوف لا تُشفى بالكلمات، بل بوجود شخص يبقى إلى جوارك حتى تمر العاصفة.

وبينما كان المنزل يغرق شيئًا فشيئًا في هدوء الليل، ظل أصيل متشبث بعناقها گطفل يرجو الامان والسكينة، يستمع إلى دقات قلبها كأنها معزوفة لحن ناعمة تخصه وحده، ولأول مرة منذ رأى غزل اليوم،
يشعر أن كل شيء ما زال في مكانه، بناته بخير،
ويده ما زالت ممسكة بالحياة التي اختارها.
لم يفقد شيء يُحبه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
____________

في صباح اليوم التالي، و المنزل غارق في هدوئه بعد ليلة طويلة ومليئة بالأحداث، استيقظ أصيل باكرًا وجلس في الشرفة يحتسي قهوته دون رغبة في تناول أي طعام، لم ينتبه في البداية لمن عبرا داخل الردهة، كانت فاطمة تلحق بزين وهي تقول:
_ بقولك صباح الخير يا زيزو، مش عايز ترد عليا؟
جلس على الأريكة الصغيرة، يضم ذراعيه إلى صدره بعناد يرد عليها:
_ انا مخاصمك.

كان الصغير ما يزال غاضبًا منها، فأظهرت فاطمة يدها من خلف ظهرها، تحمل مغلف شيكولاتة صغير، كانت قد اشترته من مصروفها الخاص قبل يومين وخبأتها لنفسها، ثم توقفت أمامه ومدت يدها بحنان ممزوج باعتذارها.
_ طب ايه رأيك نتصالح بالشيكولاته دي؟
رفع زين عينيه إليها وكاد يخطفها من يدها، لكنه قاوم ثم أشاح بوجهه في الاتجاه الآخر عابسًا.
فأخذت نفسًا طويلًا وجلست جواره على الأريكة:
_ خلاص بقى يا زيزو انا أسفة، مكنتش قصدي ازعلك امبارح.
التفت إليها أخيرًا بعينين غاضبتين:
_ انتي أخدتي الشيكولاتة بتاعتي وخلتيني أعيط جامد عند خالو.
_ ما أنا بقولك آسفة أهو، وبديك شيكولاتة بدال اللي أخدتها منك.
عقد ذراعيه أكثر لتعده بشيء:
_ عارف يا زيزو لو سامحتني؟ هاخدك معايا النادي وأمرّنك معايا انا وعائشة، مش انت نفسك تعمل زينا؟
هنا لانت ملامحه واومأ برأسه بقوة وملامحه الغاضبة بدأت تتلاشى تمامًا، فمدت يدها تربت على رأسه، ثم قربت الشيكولاتة من وجهه وهي تقول بإغراء طفولي:
_ دي بالبندق لعلمك، زي ما بتحبها.
نظر إليها للحظات ثم بدأت مقاومته تنهار وخطفها من يدها سريًعا، لتضحك وهي تنكش شعره قائلة:
_ أيوة كده زيزو العسول الطيوب.
وعانقته وكاد يفض غلاف الشيكولاتة ويلتهمها، ليوقفه صوت أبيه الذي ظهر امامهما بغتة:
_ زين، شيل الشكولاتة دي لبعد الفطار.
تذمر زين ليأمره أصيل بصرامة بها بعض اللّين:
_ اسمع الكلام، وإلا مفيش خروج انهاردة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
واكمل:
_ وبعدين ده انت واختك واكلين كمية شيكولاتة امبارح تكفيكم شهر، كفاية كده.

هرول الصغير بعيدًا ولا تزال ملامحه عابسة، فمالت شفتي أصيل بابتسامة حانية ثم جلس على الأريكة نفسها وهو يراقب فاطمة التي نظرت له بخجل و قالت بعد تردد:
_ انا اسفة يا بابا، عارفة ان حضرتك زعلان مني، بس والله مكنش قصدي ازعل اخويا.
ثم وعدته بصدق:
_ اوعدك مش هعمل كده تاني.

ظلت ملامح اصيل مغلقة بعبوس مصطنع، قبل ان تنفرج بحنان وهو يجذبها لتجلس فوق قدميه مقبلا رأسها قائلا:
_ انا خلاص مش زعلان منك يا طمطم، كفاية ان من نفسك صالحتي اخوكي.
اتسعت ابتسامتها بفرح:
_ يعني حضرتك مش زعلان مني يا بابا وخلاص اتصالحنا؟
قرر ان يلعب معها ويمازحها فتظاهر بالضيق وقال:
_ ايوة بس زين اخد شيكولاتة عشان تصالحيه، انا بقا هتصالحيني بأيه.
هنا اندفعت تعانقه. هي تصيح:
_ هتاخد بوسات كتير كتير.
وراحت تغمره بقبلاتها فوق وجهه ليضحك أصيل من قلبه وهو يضمها إليه، ثم قال بعد ان هدأت ضحكاته:
_ اه يا بكاشة، بتعرفي تضحكي عليا في ثواني.
ثم حدثها ببعض الجدية:
_ طمطم، عايزك دايما حنينة على اخواتك خصوصا زين وزين، دول لسه صغيرين وانتي زي امهم الصغيرة.
انفجرت فاطمة ضاحكة وهي تقول:
_ انا أمهم؟! ازاي وانا أصلا صغيرة.
قرص انفها برفق وقال:
_ عادي، الاخوات الكبار ممكن يبقوا امهات صغيرين لاخواتهم اللي بيحبوهم.

_ هو انا ماليش نصيب في حفلة الاحضان دي ولا ايه؟
قالتها غنى مقدمة عليهما، لتندفع فاطمة نحوها تعانقها هاتفة:
_ أحلى حضن لماما غنى حبيبتي.
بادلتها غنى عناق دافيء، ثم أمرتها أن توقظ الباقين لتناول الإفطار والاستعداد لنزهتهم اليوم.

استقبلها أصيل بابتسامة محبة وقال:
_ صباح الجمال يا غنوة.
منحته قبلة خاطفة فوق خده وردت:
_ صباحك ورد.
ثم تسائلت تطمئن عليه:
_ عامل ايه؟ احسن انهاردة؟.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تنهد قبل ان يجيبها:
_ الحمد لله يا غنى.
ربتت فوق كفه بحنان ثم تلون صوتها بالمرح:
_ طب استعد عشان هنفطر حاجة بسيطة من القرص والقراقيش مع شاي بلبن.
مازحها بقوله:
_ هي دي حاجة بسيطة؟!
_ ايوة طبعا.
كتم ابتسامته فأكملت:
_ لاني اتفقت مع فيروز إن كلنا هنتقابل في النادي نقضي يومنا كله هناك، في حفلات حلوة بيعملوها في العيد، وفرصة الولاد كلها تلعب وتتبسط مع بعضها
ثم غمزته بشقاوة:
_ وانت وطلال وعمرو تلعبوا ماتش كورة وتحركوا نفسكم شوية بعد كمية الفتة اللي اكلناها دي.

ضحك لاقتراحها وقال:
_ ماتش كورة كمان؟ ده انتي مرتبة كل حاجة، طب انتي وفيروز هتعملوا ايه؟
_ هناكل لب ونشغل فقرة النميمة المفضلة لينا طبعا.

قهقه من قلبه لتنظر إليه براحة، من يراه بالأمس وكؤس عيناه تسكب همًا، لا يصدق بريق مقلتاه الان وهو يضحك، تحمد الله انه عاد لطبيعته.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تميل وتلثم ظهر كفه وترفع وجهها نحوه هامسة:
_ مش عايزاك تبطل تضحك يا أصيل، ضحكتك دي هي اللي بتنور الدنيا كلها في عيني.
غامت عيناها بعاطفة جياشة نحوها، وتمنى لو كانا بغرفتهما الخاصة، ليرد عليها كما يجب.

_ احم احم.. صباح الخير يا عصافير الكناريا.

قالها عمرو وهو يقترب بغتة ويجلس وسطهما، ليعبس أصيل بغيرة تمتزج بمرحه:
_ انت لاذق في مراتي كده ليه يا ابني؟ وسع شوية.

ليتحداه عمرو مازحًا:
_ تحب اقعد على حجرها كمان؟
ونهض ليفعلها قبل ان يجذبه أصيل سريعا ليجلس فوق قدميه هو، لتقهقه غنى وعمرو بالفعل صار جالسا فرق حجر اصيل.
_ انت فاكر نفسك لسه صغير؟ امك مش حملك دلوقت.
ضحكت غنى ثانيا وهي تجذبه ليجلس جوارها مقبلة كتفه قائلة:
_ لا والله اقدر، عمرو ده انا اشيله جوه عيوني.
واستطردت بحب:
_ده حتى يا روح قلبي خاسس الايام دي من كتر السهر والمذاكزة.
اعترض عمرو:
_ خاسس ايه يا ماما؟! انا بسبب قرص العجوة والقراقيش بتاعتك والشاي بلبن ليل نهار، زايد تلاتة كيلو بحالهم.
صاحت بحنان طاغي:
_ مطرح ما يسري يمري على قلبك يا قلب ماما.
_ طب يلا يا باشا استعد عشان تيجي معانا النادي، ورانا مباراة كرة قدم انا وانت وعمك طلال، اهو نحرق الكام كيلو اللي زدناهم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قالها اصيل ليجيبه عمرو بجدية تلك المرة:
_ نادي ايه يا عمو، انا ورايا مذاكرة لان امتحاناتي بعد العيد، كفاية خرجت معاكم اول يوم ورحت لخالو سالم.
لتعترض غنى:
_ مش ممكن نخرج ونسيبك، مش هيحصل حاجة لو فصلت يومين في العيد، ده انت ليل نهار مكفي على الكتب ومش راحم نفسك يا حبيبي.
ليدعمها أصيل:
_ ماما عندها حق يا عمور، اخرج معانا انهاردة، ويا سيدي لو مش عايز تحضر بكرة حفلة المشاوي بتاعة عمك طلال اللي عازمنا عليها عنده، خليك براحتك، لكن انهاردة لازم تروح النادي معانا.

_ اخويا عموري.
قالها زين وهو يندفع فوق قدمي عمرو الذي عانقه قبل بمحبة والصغير يقول:
_ هتلاعبني كورة معاك في النادي انت واصحابك؟
نقل عمرو بصره بين الجميع ليتنهد مستسلما:
_ عيوني يا زيزو، انت بالذات مقدرش ارفض ليك طلب.
ثم نهض حاملا الصغير وهو يمازح والدته:
_ ماما، على ما اصلي انا وزيزو، أتحفينا بطبق قرص وقرايش مع شاي بلبن، ما هي خربانة خربانة.
قهقه اصيل وغنى لقوله ثم نهضت هي تعد افطارهم، بينما استند هو بظهره ينظر لعائلته براحة هامسا لنفسه:
_ ربنا ما يحرمني من وجودكم في حياتي.
_____________

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
في فيلا طلال خرج من غرفته وهو يعدل ساعة يده، ثم نادى بصوت مرتفع:
_ يا فيروز، خلصتي ولا لسه؟ الضهر أذن و الجماعة أكيد وصلوا النادي من بدري.
جاءه صوتها من المطبخ وجوارها الخادمة تساعدها بما تفعل:
_ دقيقة واحدة بس، بقفل الحافظة.
اتجه إليها ليجدها تعبيء الحافظة الحرارية الكبيرة باكياس من اللحم، فأشار إليها مبتسمًا:
_ إيه روزي؟ لسه في حد مش اخد لحمة الاضحية؟
رفعت رأسها إليه وقالت برضا:
_ الحمد لله يا حبيبي، كله أخد نصيبه، الجيران بتوع بيت بابا القديم والعمال اللي في المحلات عندنا، وتقريبا كل اللي اعرفهم أخدوا.
أومأ برأسه براحة:
_الحمد لله، وربنا يتقبل.
ثم ألقى نظرة داخل الحافظة وسأل:
_ أمال اللي في الحافظة ده لمين؟
ابتسمت وهي تغلق الغطاء بإحكام:
_ ده نصيب غنى وكام حد في عمارتها.
_ ما كنتي بعتيه مع حد الصبح بعد ما دبحنا.
هزت رأسها معترضة:
_ مكانش في فرصة، انشغلت بتوزيع الاضحية على معارفنا، وقلت نصيب غنى أخده ليها لما نتقابل في النادي.

_ طب يلا بينا، أصيل هناك من قبل الضهر واتأخرنا عليه كده.
_ خلاص هطلع اجهز بسرعة واشوف نيمو، وانت شوف بابا عشان يجي معانا.
_ متقلقيش، انا هظبط عمي واخده على العربية و...

قبل أن يكمل حديثه، اقبلت نيرمين عليهما بضيق:

_ بابا مش راضي يجي معانا يا عمو طلال، بيقولي هاجي اعمل ايه؟

استدارت إليها فيروز باعتراض:
_ يعني إيه مش راضي يجي؟
_ بيقولي روحوا انتوا وأنا هقعد أتفرج على التلفزيون.
زفرت فيروز بضيق وهي تتجه نحو غرفته:
_ مش ممكن نسيبه
أوقفها طلال:
_ استني يا فيروز.
التفتت إليه ليقول بثقة:
_ اجهزي انتي مع نيمو والولاد، و اركبوا العربية واستنوني، أنا هتصرف مع عمي وهحصلكم.
سألته فيروز بشك:
_ متأكد؟
_ متأكد طبعا.
ابتسمت نيرمين وهي تلتقط حقيبتها قائلة:
_ انا اصلا جاهزة يا عمو، هكلم اصحابي اشوف وصلوا النادي هما كمان ولا لسه.

لم تنتظر فيروز كثيرًا هي وصغارها وشقيقتها، حتى وجدت طلال يدفع مقعد والدها المتحرك متجهًا نحوهما، وما إن اقترب حتى أشار إلى السائق الذي كان يقف بالقرب من السيارة:
_ يلا يا حسين، ساعدني.
أسرع الرجل نحوهما، وبمساعدته تم نقل والدها إلى المقعد الخلفي المريح في سيارة طلال الفارهة، بينما تولى السائق طي المقعد المتحرك ووضعه في صندوق السيارة، ما إن استقر والدها في مكانه حتى اقتربت منه فيروز وربتت على ساقه بمرح:
_ يعني إنت مبتسمعش كلام حد غير طلال يا سي بابا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
ابتسم والدها بود وهو ينظر إلى زوجها:
_ مقدرتش عليه يا بنتي.. معرفش ازاي أقنعني أجي معاكم.
اعتدل طلال في وقفته وقال بثقة مصطنعة:
_ لأن محدش يقدر يقاوم جاذبية جوز بنتك يا عمي.
ارتفعت ضحكات والدها وطلال معًا، لتنضم إليهما نيرمين بمرح:
_ اه والله، عمو طلال ده حتة سكرة وسحره لا يقاوم.
رد عليها بمزاح:
_ قولي لاختك عشان تعرف قيمتي.
ضحكت فيروز ترفع يدها بتأيد:
_ اشهدلك بكده يا طويل العمر.

امتلأت الأجواء بأحاديث مرحة بين نيرمين وطلال و والدها، فكانت تراقبهم بصمت، تراقب الرجل الذي يعتبر والدها أبيه، وليس فقط والد زوجته، فتح له بيته بحب واحتضن شقيقتها ولم يجعلها تشعر انها ضيفة لديهم، لم ترى رجلًا في نبل زوجها،
تدفق في قلبها عاطفة جارفة وهي تنظر إليه.
حينها اتخذت قرارًا تعلم انه سوف يورث زوجها سعادة طاغية ما ان تخبره به.
_____

بعد انتهاء المباراة التي اشترك بها أصيل وطلال وعمرو ورفاقه، اجتمعوا حول إحدى الطاولات المطلة على المساحات الخضراء بالنادي، يتجادلان ويتبادلان الأحاديث الغالب عليها طابع المرح، بينما كان والد فيروز يتابع الحوار مبتسمًا، وجوارهم يركض الأطفال يلعبون سويا دون ملل.

في تلك الأثناء، أخرجت غنى هاتفها فجأة وقالت:
_ تعالي نعمل مكالمة فيديو مع ضحى.
تحمست فيروز للفكرة وقالت:
_ ياريت دي وحشتني جدا.

لم تمر سوى ثوانٍ حتى ظهر وجه ضحى على الشاشة، وخلفها امتد البحر بلونه الأزرق الهادئ، بينما نسمات الهواء تعبث بحجابها، وفي خلفيتها كارما وراكان وكريم يلعبون قرب الشاطيء تحت عين ريان زوجها.

ما إن وقعت عين ضحى على رفيقاتيها حتى شهقت بحسرة:

_ يا سلام على اللي متجمعين وسايبني انا هنا لوحدي.
_ والله ليكي وحشة يا ضحى.
قالتها فيروز بينما قربت غنى الهاتف أكثر لتظهر الأجواء حولهم، وطاولات العائلات متراصة هنا وهناك.

تنهدت ضحى وهي تهز رأسها:
_ كان نفسي أكون معاكم في تجمعاتكم الحلوة دي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رق قلب غنى وابتسمت لها بحنان:
_ بكرة نتجمع على خير ونتقابل، وليكي علينا لما تنزلي مصر نعمل سوا كل اللي نفسك فيه.

هتفت فيروز مؤيدة:
_ وتيجي عندي ونعمل حفلة مشاوي مخصوص عشان عيونك، يعني مش هيفوتك حاجة عملناها في العيد من غيرك.

ضحكت ضحى أخيرًا:
_ لا لو كده خلاص يا بنات مش هحقد عليكم.

من خلفها ظهر البحر مجددًا مع انعكاسات الشمس الذهبية فوق سطحه، بينما قالت غنى بمكر:
_ بس بصراحة، انتي اللي قاعدة في جو روعة تتحسدي عليه، بحر وحركات وإحنا اللي قاعدين وسط الزحمة.

أدارت ضحى الهاتف قليلًا لتريهما المشهد من حولها:

_ طب خدوا المنظر ده كده، فعلا يجنن والولاد مبسوطين وبيلعبوا من الصبح.

تعالت أصوات الاعتراض والغيرة المصطنعة من فيروز وغنى قائلًا الاخيرة:
_ ياريت احنا مكانك يا ست ضيحا.

ضحكت لتنتقل عدوى الضحك إلى صديقتيها عبر الهاتف، وظلوا يتبادلون الحديث بشغف بدد القليل من شوقهم، وللحظات قصيرة لم يعد يفصل بينهم مسافة، كأنهم رغم البعد يتشاركون بقعة واحدة من هذا العالم.
_________

بعدما انتهت غزل من إغلاق كل نوافذ شقتها، وتغطية الأثاث والتأكد من كل شيء، هبطت بصحبة وليد والصغار إلى شقة شادية خالته لتوديعها قبل السفر.

بالأحضان الباكية استقبلته خالته تودعه هو وصغاره متجاهلة غزل التي لم تكترث كعادتها.
_ غيابك هيقطع فيا اوي يا وليد، كفاية انك كنت بتسأل عليا كل يوم.

واختنق صوتها بالبكاء، حقًا سوف تفتقد وجوده، لكن ليس بالأمر حيلة، هو يسعى لرزقه ولا احد يلومه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 


أخرج وليد نسخة مفتاح شقته من جيبه ومد يده إليها قائلاً:
_ زي ما اتفقنا، خلي المفتاح معاكي يا خالتي لحد ما نرجع.

التقطته شادية على الفور، وبريق غريب لمع في عينيها وكأنها مُنحت كنزًا ثمينًا وهي تقول:

_ وماله يا ابني، شقتك وحاجتك في عيني يا قلب خالتك، وكل أسبوع هخلي حد ينضفها، ومنين ما تنزلوا بالسلامة مش هتلاقوا فيها ترابية واحدة.

ابتسم وليد بهدوء وقال:
_ شكراً يا خالتي، انتي بس هويها كل فترة واتأكدي إن القرآن شغال فيها.

_ حاضر يا حبيبي، متشلش هم.

لم ترضى غزل عن تصرف زوجها ومنحه مفتاح شقتهما للخالة الماكرة، لكنها لم تُظهر شيء، بل مالت فجأة تحتضنها، لتتجمد شادية للحظة من فعلها الغير متوقع، قبل أن تتحدث غزل بنبرة ساخرة لم يلحظها وليد:
_ هتوحشيني أوي يا خالتي، معرفش إزاي هنقدر نبعد عنك ونعيش من غيرك.

التوت شفتا شادية بامتعاض خاطف بعيدًا عن أنظار وليد، قبل أن ترسم ابتسامتها السمجة من جديد وتربت على ظهرها قائلة:
_ انتي اللي هتوحشينا أكتر يا مرات الغالي.

ثم أتبعتها بما أرادت أن تنغص به عليها:
_ إن شاء الله تنزلي وبطنك شايلة يا حبيبتي، وجايبة أخ ولا أخت للولاد.
واستطردت:
_ عقبالك ياختي، عبير بنتي هتولد الليلة، وانا رايحة ليها بعد شوية اقف معاها.

لم تمنحها غزل ما أرادت أو تتغير ملامحها ويبهت وجهها كما كانت تتمنى شادية، بل اكتفت بابتسامة هادئة، وقد تحصنت من افعالها منذ زمن، ولم يعد كيد الخالة يؤثر بها.

قبل أن يغادرا الشقة، استوقف خالته قائلاً بهدوء:
_ خالتي، عايزك دقيقة؟

نظرت إليه بعجب، لكنه أشار نحو غرفتها الخاصة، فنهضت تتبعه بينما بقيت غزل بالخارج، تعلم مسبقا ما سيفعله وليد، وللعجب لم تعترض عليه.

ما إن أغلقت شادية الباب خلفهما حتى أخرج وليد ظرفين من جيب سترته ومدهما إليها.
قطبت حاجبيها وهي تتناولهما:

_ إيه دول يا ابني؟
أشار إلى الأول قائلاً:
_ ظرف فيهم فيه نقطة ولادة عبير، انتي قولتي انها هتولد بكرة بالسلامة، وأنا مش هكون موجود، أمانة توصليه وتباركي ليها بالنيابة عني.
رمقته الخالة بامتنان حقيقي، قبل ان يشير وليد للظرف الآخر في يدها قائلا:

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_ وده ليكي يا خالتي.
رفعت عينيها إليه بعدم فهم، فابتسم ابتسامة حانية وقال:
_انا مش عايزك تحتاجي حاجة في غيابي يا خالتي، واوعدك كل شهر هيوصلك مني اللي اقدر عليه.

ارتجفت شفتاها وتعلقت عيناها بوجهه طويلًا، ثم امتلأت عيناها بالدموع رغماً عنها، في تلك اللحظة لم ترى أمامها سوى ذلك الطفل الصغير الذي شاركت شقيقتها في تربيته حتى كَبر بين يديها وصار رجلًا بحق، رجل يحمل قلبه من الرحمة والحنان ما جعلها تتمناه باستماتة لابنتها، ربما لهذا تكره غزل.

_ ايه لازمة الدموع دي بقا يا شوشو وانا مسافر.
هكذا مازحها وليد، لترفع الخالة كفها إلى وجهه وتربت على خده بحنان حقيقي قائلة وصوتها يهتز بعاطفة صادقة:

_ ربنا يباركلي في عمرك يا حبيبي ويخليك ليا ولعيالك، ويفتحها في وشك من وسع قادر يا كريم.

ابتسم وهو يقبل رأسها:
_ مش عايز منك اكتر من كده، دعواتك يا خالتي.

مسحت دموعها بطرف حجابها وهي تتمتم بالمزيد من دعوات:
_ ربنا يحفظك في سفرك، ويستر طريقك، ويرجعك لينا بالسلامة، ويهنيك ويجبر بخاطرك يا ابني.

انتهى اللقاء وغادر وليد وعائلته متوجها لمنزل شقيق غزل، لتودع عائلتها هي الأخرى قبل السفر.

توقفت السيارة أمام المنزل، فالتفتت إلى وليد قائلة:
_ يلا يا وليد، مش نازل معايا انت والعيال ولا ايه؟

هز رأسه نافيًا وقال:
_ لا يا غزل، أنا زرتهم امبارح وسلمت عليهم، بس السلام أمانة لأختك غنى لاني مشوفتهاش، وخدي راحتك معاهم، لكن نص ساعة مش أكتر، عشان نروح المطار بدري.

ابتسمت وهي تومئ برأسها:
_ حاضر، مش هتأخر عليك.

ثم أرسلت قبلات في الهواء نحو ياسمين وطارق، قبل أن تترجل من السيارة وتتجه إلى الداخل بخطوات سريعة.
_________

للفراق وجع لا يُشفى لكنه احيانًا داء لجروح لم تلتئم رغم مرور الأيام، وجودها لم يُقربها من أحبابها، لم يسد تلك الفجوة التي اتسعت يوم بعد يوم بسبب ماضيها، لكن لعل المسافات تفعل ما عجزت ان تفعله، فيصبح اللقاء المنتظر يومًا ما، بداية جديدة، وأمل جديد.

في بيت سالم، اجتمعت غزل بعائلتها لتودعهم قبل رحيلها، ساعات قليلة فقط كانت تفصلها عن السفر إلى مكانٍ بعيد، بعيد بالقدر الذي لن يسمح لها باحتضانهم كلما اشتاقت إليهم، أما الآن، فما زال ذلك ممكنًا، لهذا ضمّت والدتها بقوة، كأنها تحاول أن تختزن دفء عناقها لأطول وقت ممكن، وكأنها ترتوي من قربها قبل أن تُسدل المسافات بينهما ستارًا يمنع تلاقي الوجوه، ظلت متشبثة بها لثوانٍ طويلة، وتدرك أن الوداع مهما كان مؤقتًا، يظل ثقيلًا على النفس.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 


_على عيني فراقك يا نور عيني.
قالتها والدتها بصوت باكٍ وهي تودع ابنتها، فمدت غزل يدها تمسح دموعها، محاولةً بكل ما تملك أن ترسم ابتسامة فوق شفتيها وهي تقول:
_ هكلمك كل يوم يا ماما، هتشوفيني وتسمعي صوتي، مش هتحسي أبدًا إني بعيدة عنك.
ثم انحنت تقبل كفيها بحب:
_ بس أرجوكي خدي بالك من صحتك يا أمي.
أومأت لها والدتها، بينما ظلت دموعها تنساب دون توقف.

ثم جاء دور غنى، التي تقدمت نحو شقيقتها لتودعها، جذبتها إلى أحضانها بقوة، عناقها كان أقرب إلى عناق أمٍ تهدهد صغيرتها وتطمئنها، وهي تقول:
_غزل حبيبتي، مش عايزاكي تخافي من الغربة، انتي مسافرة مع عيلتك اللي ربنا كرمك بيها، مكانك الحقيقي معاهم دلوقت، لكن مكانك في قلوبنا مفيش حاجة هتغيره.
وأكملت غنى وسط دموعها:
_ مهما حصل بنا يا غزل، هتفضلي اختي الصغيرة اللي بحبها وبتمنى ليها كل الخير.
رفعت غزل وجهها نحو شقيقتها وهمست بوجع:
_ مش هوصيكي على بناتي يا غنى.
ابتسمت من بين دموعها وردت:
_ بناتك في عيوني وقلبي وانتي عارفة كده، سافري وإن شاء الله لما ترجعي ربنا يجمع بينكم على خير.

ربما كان هذا أكثر ما تحتاج إلى سماعه الآن، أملًا يخفف عنها وطأة الفراق، ويمنحها يقينًا بأن لقاءها بصغيرتيها سيأتي يومًا ما.

_ ممكن دوري بقى؟
قالها سالم، لتندفع نحوه غزل كأنها عادت طفلته الصغيرة، عانقته بحب وامتنان، فأخوها لم يتخلَّ عنها يومًا، وقف إلى جوارها في أكثر أيامها ظلمة ويأس.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_ هتوحشني اوي يا سالم.
ابتسم وهو يربت على ظهرها بحنان قائلًا:
_ لكن انتي مش هتوحشيني، لاني كل يوم هصدع دماغك باتصالاتي ليل نهار.
ضحكت، وظلت متشبثة بعناقه، قبل أن يحدثها بنبرة أعمق:
_ غزل..ربنا اداكي فرصة تانية وحياة جديدة وعيلة جميلة، حافظي عليهم وحطيهم في عيونك، خليكي دايما سند لوليد وأم حنينة وعطوفة على ولاده.
ثم استطرد بصوته الحاني:
_ صدقيني يا غزل.. الخير اللي هتزرعيه فيهم هتحصديه بعدين، اوعي تنسي ده ابدًا.

نظرت إلى أخيها بصمت، ثم هزّ الخوف شيئًا خفيًا مشوشًا داخلها، كأنها تخشى أن يعود ذلك الوجه الذي حاولت دفنه طويلًا، وجه ماضيها القبيح، وتخشى أن تستيقظ ملامحها القديمة، تخشى أن تنكسر مرآتها من جديد، فتتلاشى نسختها الوديعة التي تحاول أن تكونها الآن، وتظهر صورتها الأكثر قسوة.. لكن مع كل مخاوفها هذه، هي تدرك جيدًا أنها مقبلة على اختبارٍ حقيقي في الحياة.
ولا يحق لها أن ترسب فيه


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات