رواية سكن مشترك الفصل الرابع 4 بقلم نورهان علام
|4|
بصينا الشنطة برعب حقيقي!
لوهلة خرجنا من فقاعة الخلاف وإحنا بندرك إن لسه في عالم خارجي. بصت ليا بسرعة، وكأنها متعودة على القرارات السريعة، وقالت بهمس:
"هتخبي الشنطة؟"
هزيت راسي بـ"لأ"، فقالت بسرعة:
"طب افتح لها، ولما تسأل عليا اديني حس إني كنت بغير عشان سمعنا حسها... أوكي؟"
رفعت حاجبي بذهول، وهزيت راسي، وهي فعلًا قفلت باب الأوضة بدون أي صوت، وأنا فتحت الباب لأمي.
"اتفضلي يا حبيبتي."
"مش باينين يعني من يومين، غالية قالت هتنزل معايا النهاردة السوق، اتأخرت فقولت أطلع لها."
"يا ستي إنتِ بتبرري طلوعك... هي بتلبس جوه، هي وخارجة."
قبل ما تقعد حتى، قامت تاني وهي بتقول:
"طب خليكم على راحتكم، خليها تبعت لي عاوزه إيه من السوق وأنا أجيبه."
ضحكت من طيبة أمي وإحراجها، الست اللي من كتر تعلقها بيا الكل قال هتخلي حياتي سواد من التدخلات والغيرة من مراتي، حتى إن اللي الله يبارك لها قالت إن أمي مسيطرة على حياتي. ميفهموش إن في فرق بين ابن أمه اللي فعلًا ممشياه، ومن اللي بيبر أمه. خرجت غالية بنفس الهدوم كمان توقعت، آخر أيام بقت معايا على الخط ومركزة في التفاصيل اللي تبين حياتنا طبيعية.
"تنزلي فين يا كيمي... إنتِ تفطري معانا، إحنا لسه مفطرناش."
قالتها وهي بتسحب يداها ويقعدوا، وماما طبعًا شافت الشنطة اللي في الأرض ناحية الكنب، وقالت بشك واستغراب:
"شنطة إيه دي يا فارس؟
مسافرين تتفسحوا يومين صح؟"
سؤال مفخخ، بتقولي قول صح وإننا مسافرين، وإن اللي في بالها مش صح.
"اهدي يا كيمي، نقوم أعملك عصير وأسيبك تتكلمي مع فارس شوية... براحة على الواد."
قالتها وهي بتهرب وتنسحب من المعركة، مدركة إنها بتسيب لي مساحة أكلم أمي، لكن أنا عاوزها تبقى جنبي... على الأقل لو أمي قامت تضربني مثلًا تدافع.
"تبعيني كدة يا غالية... على فكرة يا أمي البت دي مش جدعة."
كنت بحاول أتوّه من سؤال أمي، لكنها حكت رأيها وهي بتقول:
"قول إنك مسافر مع مراتك تغيروا جو، أصل إيه لازمة شنطة السفر غير كدة؟
ولا إيه يا فارس؟"
"يا حبيبتي دا مستقبلي، عشاني وعشان غالية. طموحي أعيش أحسن، والحمد لله شغل بالحلال ومستقبل حلو و..."
"ومراتك؟
طب سيبك مننا، إنت خلاص بقى ليك بيت، وقلت الواد عقل وشال فكرة السفر من دماغه. مسافر فين وسايب مراتك بعد عشرين يوم؟"
"يا ست الكل، أنا متفق من بدري مع غالية. هم 3 شهور بس، وأول أجازة أنزلها هاخدها معايا."
"ما شاء الله، إنت بتخطط من بدري... تعالى يا اللي مستخبية في المطبخ، تعالي."
قالتها بصوت عالي، فخرجت غالية بتوتر وهي بتقول:
"اهديه واسمعيه بس يا كريمة، مش عشان اتجوز يقتل طموحه ويضيع فرصة شغل هو بيسعى من سنين."
"ويسيبك وإنتِ لسه عروسة، ملحقتوش تشبعوا من بعض... دا يرضي مين دا؟"
"يا ستي يرضيني أنا... أنا راضية، وهبقى مبسوطة لما هو يبقى ناجح ومبسوط وبيحقق أحلامه. وبعدين هم ٣ شهور يعدوا بالطول والعرض، وهياخدني معه."
كنت باصص لها بإعجاب، كل ما أمي تقول حجة هي ترد عليها وتدافع. كل دا إحنا متفقين عليه، لكن متوقعتش إنها تبقى بالجمال دا وهي بتتكلم عني وبترد بدالي. كنت مبسوط، حتى لما أمي بتوجه ليا، مكنتش برد، كنت ببص لها اللي هو: انقذيني. أنا عارف أرد على حاجات كتير، لكن استمتاع كبير وأنا سامعها، مكنتش عاوز أقطعه بصراحة.
"ومسافر إمتى على كدة؟"
"آخر الأسبوع."
"اعمل اللي إنت عاوزه، وخليك ماشي بدماغك، وافتكر إنك هتظلم واحدة على زمتك عشان شغل وفلوس... وأنا مش راضية على السفرية دي."
قالتها وهي بتضغط على نقط ضعفي، وقامت، فقومت معاها، وغالية قامت مسكت يدها وهي بتقول:
"يا ستي مافيش ظلم ليا ولا حاجة، وبعدين هو هيقطعني مثلًا؟ ما أكيد هنتكلم كل يوم، مش هسيبه في حاله ولا هو هيسبني في حالي... وأهو لما يسافر هنزل أقعد معاكي نتسلى ببعض بدل ما هو لازق في البيت مبيتحركش كدة."
كلامها كان جميل، كأنه حقيقي، لكني فعلًا كنت مشغول أكتر بكلام أمي وإنها مش راضية، وإنها شايفاني هظلم غالية، وأنا مقدرش على كدة. هي سكتت ومردتش على غالية، وفتحت الباب ونزلت من سكات. جيت أنزل وراها، لقيت غالية بتسحب من يدي لأول مرة تلقائية وبتقول:
"رايح فين!؟"
"نازل أراضي أمي يا غالية، أكيد مش هسيبها مش راضية عني، وكمان شايفاكي ظلمك!"
"هو إنت بتاكل شغل الأمهات دا!
بتلعب على أعصابك، فكك منها. شوية هتلاقي حبيبة بتتصل بيك تقول الضغط عالي عند ماما... وهتمسك قلبها، وبعدين تقولك قلبي وربي غضبانين عليك."
ضحكت بخفة وأنا بفكر كام مرة إنها عملت معايا كدة، وميكنش أصلًا حصل لها أي حاجة.
"هي لو فعلًا كانت معارضة ومش راضية، مكنتش هتبقى بالهدوء دا. هي موافقة عادي، لكن بتلعب على آخر ورق يخليك تردد ومتسافرش."
ابتسمت لها وقلت لها:
"طب هتعملي إيه دلوقتي؟"
"هنزل أشوفها ونروح السوق... تاكل حاجة معينة النهاردة؟"
أول مرة تسألني آكل إيه. في العادي أغلب الأوقات حد بيعمل أمل ويعزم على التاني، هي مكنتش بتوافق دايمًا تاكل لما بعزم عليها، لكن لما كانت تحصل مرة وتعزم عليا من باب الذوق وهي مش عاوزاني أصلًا آكل معها، كنت بروح آكل عادي جدًا ألزق وأنا مستغل الفرصة. أينعم هي مش هتطبخ عشاني، بس اتبسطت من السؤال وأنا بقول لها:
"ممكن تعملي فتة لحمة مشوحة... معلوم إن هتحرم من الأكلات دي كمان أسبوع."
"تمام."
"استني بس، إنتِ مش تروحي لوحدك... أنا نازل معاكم."
بصت ليا باستغراب وقالت:
"نازل ليه؟"
رفعت حاجبي مستغرب من سؤالها وأنا بقول:
"أكيد مش هسيبك تروحي السوق لوحدك. السوق أصلًا مكان للرجالة، أمي طول عمرها بتقول لينا طلباتها وإحنا بنجيبها، ولو هي عاوزه تجيب حاجة بنفسها بتنزل معانا... هشوف أبويا ولا أحمد نازل معها، لو محدش رايح هاجي أنا."
فضلت مستغربة شوية، وبعدين قالت بتعجب:
"مكنتش أعرف... بس يعني لما إنت تسافر، أنا كدة كدة هنزل لوحدي، ملهاش لازم تيجي النهاردة."
"مين قال؟
أحمد موجود، وأبويا موجود، تنزلي معهم ومع أمي أو تبعتي طلباتك وهما يجيبوها... إنتِ مش بس بنتهم، إنتِ كمان أمانة طول ما أنا غايب."
سكتت. كنت عارف أقرأ نظراتها شوية، سرحت لوهلة وأنا حاسسها عاوزه تسألني:
إنت إزاي كدة؟
لكن دا الوضع ودي الحقيقة اللي لازم أي راجل يكون عليها. مينفعش يسيب أهل بيته ينزلوا أسواق كل اللي شغال فيهم رجالة، حتى لو وراك مشغولات الدنيا، انزل معاها ولو يوم في الشهر كله تجيب طلبات الشهر أو طلبات الأسبوعين، ولو حتى كل كام يوم. لكن نزولها لوحدها مكان زحمة وكله رجالة بالشكل دا مرفوض.
=================================
نزل معانا السوق فعلًا، وكان شايل كل حاجة، بيحاسب وبيتعامل هو، وادينا مساحتنا في الاختيار. كنت متلجمة بصراحة، دايمًا متعودة أعمل كل حاجة بنفسي، فجأة ظهر لي شخص من العدم بيعاملني أكني مسؤولية ضمن مسؤوليات كتير أنا شايفاه شايلها.
مش عارفة أبطل قلق، إزاي الراجل دا حقيقي؟
إزاي ممكن بجد ميكنش عاوز مقابل مني بالطريقة دي؟
حتى لو اتخدعت في شخص قبل كدة، لكني طول ما قلبي مش متورط، أنا عارفة نوعًا ما أحكم على الشخص هو كويس ولا وحش، وفارس كويس... وكويس أوي، لدرجة مشككاني في نفسي قبل ما أشك فيه. معقول في حد كويس كدة، ولا إنتِ اتغشيتي من تاني يا غالية؟
رغم إني فعليًا مش مهتمة هو كويس ولا لأ، الفكرة وما فيها إنه خلاص مسافر، وهيسافر لشهور، ومتكلمش معايا على أي حاجة أرد بيها كل اللي بيعمله، ملمحش بمقابل مني أو حتى حاجة بينا.
الأيام دي التوتر عالي كدة عندي، أصل هيمشي من غير... مش عارفة من غير إيه، بس دماغي هتتلف من السيناريوهات اللي بتوقع إنها تحصل.
روحت البيت، مش بقول عليه بيت، لكنه حاليًا المكان اللي قاعدة فيه، وبصراحة هو مريح. اتعودت عليه، وكمان مبقتش أنام بصعوبة. صوت فارس وحركاته بره مبقتش بتقلقني، صوته وهو يقرأ في القيام بليل، وحتى وهو ماشي يراجع ورده في الشقة أو بيعمل الفطار، وأحيانًا بيقعد يدندن ويغني وهو بيشتغل ومندمج.
مبتكلمش معاه كتير، وأغلب الأوقات ساكت، لكنه دوشة... دوشة مش مزعجة. لكن كل دا يا فارس قصاده إيه؟
يا دوبك ارتحت. أخدت دش بعدها في السريع، ودخلت بدأت في الأكل. كنت لافة الفوطة الميكرو فايبر على شعري، وبشوح اللحمة كويس. مكنتش عارفة هو سابنا وراح على فين، لكنه مغبش كتير، ولقيت الباب بيخبط. مكنتش عارفة أسيب اللي في إيدي، عشان كدة عليت صوتي:
"ادخل يا فارس... ادخل."
معرفش سمع ولا لأ، لكنه فعلًا فتح باب الشقة، وأوتوماتيكي جه على المطبخ، زي ما بيعمل معظم الأحيان، يسأل على حاجة أو يدوق من الأكل، يشرب مياه، لازم يعمل أي حاجة وأنا واقفة في المطبخ.
"لا قلبي ولا معدتي مستحملين الريحة... أومال هعمل إيه لما أدوقها؟"
معرفش، بس هو كتير بيبالغ، مش بيتردد إنه يفضل يجمل في الحاجات اللي بعملها، أو حتى يسأل عن رأيي، راحتي، بحب إيه مثلًا يجيبه. مكنتش مرتاحة للوضع دا، سؤال ملوش إجابة:
ليه بيعمل كل دا وأنا وهو عارفين إن مافيش ذرة حب واحدة بينا...؟
"أي مساعدة؟"
سؤال المعتاد اللي كل مرة برد عليه بالرفض القطعي، لكن المرة دي لازم أفك شعري بجد عشان زمانه نشف، خايفة يلقط من بخار اللحمة ويعرق وريحته تتبهدل.
"قلب اللحمة دي مكاني، متخليش ولا قطعة ثابتة مكانها أكتر من ثانيتين."
وقف مكانه للحظة، أكنه لسه مش مستوعب إني طلبت منه مساعدة، وفعلًا قرب بسرعة جدًا، أخد المعلقة اللي سبتها وبدأ يشتغل، وهو بيبص لي وأنا بفك فوطة شعري. نظراته ربكتني، محسيتش بنفسي غير وأنا بنحني شوية وأميل شعري على جنب واحد، وبكل تعود وسرحان الدنيا مسكت الهوا بدل ما أمسك شعري!
اتصمرت لحظة. مش أول مرة أقبض على الهوا في إيدي مكان خصلاتي الطويلة اللي قصتها. إيدي متعودة تلمس شعري من نصه لغاية تحت، لكن خلاص، مبقاش فيه غير حبة سنتيمترات معديين ودني. كان شايفني، وعيونه على حركة إيدي، ملامحه اتغيرت، أكنه اضايق... يمكن مضايقش، يمكن بس الشفقة، لأنه هو الوحيد اللي شاف إني في يوم وليلة عملت ولا... مكنتش أقدر أعمل كدة في بيتنا.
لو أمي صحيت وشافت شعري اتقص ومبقاش فيه حاجة، كانت ممكن متبقاش ساكتة، وكمية الضغط اللي هتحصل بعدها والأسئلة كانت ممكن تخليني عاوزة أعمل في نفسي حاجة... عشان كدة، تاني يوم ليا هنا، تخلصت منه... ومن طوله. لحظتها حسيت إني اتنفست. كنت مرهقة لأني هدخل في فترة دفاع وتبرير مش قادرة لها.
بس فارس!
مخلانيش أتعرض لدا. أشهد له إنه من أول يوم لينا هنا وهو بيعمل بكل كلمة قالها، إنه يريحني ومش هيخلي حد يتعدى حدوده، حتى لو بيعملوا مؤذة عشان بيحبوني، ومش يخليني أمر بضغط. وفعلاً أي سؤال مصدره القلق من أهلنا كان بيجاوب عليه بسلاسة، أكني كويسة، أكن كل حاجة تمام. رمى الحق على نفسه في إني قصيت شعري، عشان هو بيحب كدة. الكل كان معترض، زعلانين على شعري وطوله وشكله الحلو عليا، بس يفهموا إزاي إنه كان عبء عليا وحسيت إني ارتحت منه!
رميت الفوطة في سلة الغسيل الوسخ، ورجعت له وأنا باخد المعلقة وقلت:
"شكرًا."
كانت عيونه على شعري، اتحاشى النظر لما لاحظ إني قفشته، لكني تعبت بجد، لغاية ما انفجرت، لكن بهدوء. قلت كل اللي محشور جوايا من غير زعيق، قلته ودموعي محبوسة، وعيوني على الحاجة اللي بعملها، مبقاش حتى عندي القدرة إني أخد حقي وأدافع عن نفسي بالصوت العالي، بقيت أضعف من كدة.
"فارس... إنت عاوز إيه؟"
"عاوز الأكل يخلص عشان جعان أوي."
شديت إيدي على المعلقة وأنا بنطق من غير ما أبص له حتى، وقلت:
"إنت فاهم أنا بسأل على إيه... عاوز مني إيه؟
مش منطق إني منتظرة أصدقك إنك بتعمل كل دا بدون مقابل... أنا ببدل مجهود كبير في البيت، لا وقصاد أهلنا، عشان دا في مصلحتي.
من أول يوم وقفت لك على باب الشقة دي، وكل دا بيصب في مصلحتي أنا!
لكن إنت بتبذل المجهود الكبير دا كله ليه؟
مش مصدقاك لو عملت إيه، ومش هصدقك أصلًا، حالك بيتكلم عنك. هو في واحد يعمل كل دا عشان واحدة هيطلقها بعد كام سنة؟
واحدة لا حبته ولا حبها، واحدة المفروض بيربطه بيها مصلحة؟
متفكرنيش عبيطة!
أمك وافقت على سفرك في أقل من ساعة، متقولش اتجوزتك عشان أعرف أسافر وأهلي ميرفضوش. إنت مش واحد أهلك ممشيين كلمتهم عليك زي ما الناس فاكراك، إنت بس حد بيحترم كلمتهم... لكن برضه قرارك حاسم، واللي لاحظته إنهم بيحترموا قرارك. فإنت وافقت على العبط واللا منطق اللي عرضته عليك في الأول ليه؟
كل دا قصاده إيه؟
لو حاجة مش هعرف أدفعها، فـ يا ابن الناس معنديش مانع أبقى مطلقة من عشرين يوم."
ساكت، هادي، أكنه بيقول:
خلصي كل اللي عندك.
تعبت بجد، ومحدش شايف دا، روحي أكنها بقت زي القماش اللي عفى عليه الزمن، وأي كلمة متتحملهاش بتخليها تتمزع وتدوب... مبقاش ينفع تتخيط وتترقع، أقل لمسة ليها ممكن تشيط زي القماش الدايب، وميتبقاش منها غير فتل.
"على فكرة، عندك حق، مافيش حد يعمل كل دا من غير مقابل... وأنا عاوز مقابل كل اللي عملته النهاردة ودلوقتي كمان."
قالها بنبرة أنا مش فاهماها، ومش عاوزة أفهمها، خايفة أفهمها. مش هقول خوفت، أنا اترعبت.
من غير قصدي رجعت خطوة... وخطوة كمان، وظهر إيدي اتصادم مع حلة الضغط اللي على النار.
"آه!"
خرجت مني بصوت مكتوم، متناسبش مع اللسعة اللي لو كنت اتلسعت بها في وقت تاني كان صوتي وصل للدور الأول. من غير تردد، فارس جري وهو بيمسك معصمي، وأنا مرعوبة منه، لكنه قربني للحنفية تحت الميه الساقعة، وبعدين راح الفريزر يطلع أي كيس متلج أحطه على إيدي. وقبل ما يقرب ويحطه على إيدي، زقيته جامد بعيد عني.
دفعته بقوة فعلًا شديدة، لأنه مكنش منتبه ولا واخد أي وضعية دفاع إنه حتى يتوازن. خليته رجع بظهره ناحية البوتجاز، واتخبط في ضهره.
"اطلع بره."
خرج من غير ولا كلمة، وأنا دموعي نزلت سيول. عاوزة أتصل بـ بابا يجي ياخدني، بس هقوله إيه؟
وهعمل إيه لو فارس قاله أي حاجة من اتفاقنا؟
لو كان عندي ذرة ثقة فيه، دلوقتي اتبخرت.
قفلت على الأكل كله وخرجت، والتلج على إيدي. لقيته واقف ليا في الطرقة، فقلت:
"عديني."
عداني فعلًا لما لقاني انكمشت، وعيونه بقت كلها نظرات حزن وندم... طبعًا مش حقيقي، شبعت كدب. قبل ما أدخل الأوضة اللي اتعودت أستخبى فيها وأعيط، لقيته جري ومسك مقبض الباب.
معرفش إيه حصل، لكني رجعت خطوات كتيرة برفض لوقفته وخوف، وهو بان عليه الصدمة لما استوعب إني خفت للدرجة دي، وبعد عن الباب لورا. المسافة بينا بقت كبيرة أوي فعلًا، وهو بدأ يتكلم:
"اهدي يا غالية... والله ما قصدي حاجة من اللي فهمتيها... أنا والله العظيم لما قلت مقابل كان قصدي حاجة عبيطة. حقك عليا بجد، مكنش ينفع أقولك كدة. اهدي... آسف، حقك عليا، عارف إني غلطان، بس تعالي اقعدي عشان أشوف إيدك مالها."
كلامه كان سريع، مكنش لاحق يكدب مثلًا ويزوق الكلام، وكمان نظراته كانت ندمانة ومضطربة ومتوترة.
"أومال كنت تقصد إيه!؟"
قولتها وأنا بأكد لنفسي إني كنت صح، إنه مافيش حد هيبذل كل دا فعلًا غير لما يكون عاوز حاجة. بعد ما قلت جملتي، مترددش لحظة، وقال وهو بيشاور على الترابيزة الصغيرة قصاد الكنبة، كان عليها لاب وشنطة حلويات كبيرة جدًا:
"والله أنا عارف اللي بقوله تافه، بس فعلًا أنا كنت عاوز أتفرج معاكي على كرتون... حتى بصي."
قالها بلهفة، أكنها إثبات براءته، وراح مسك اللاب وهو واقف، وبعدين فتح الشاشة اللي ظهر عليها اختيارات كتير من أفلام كرتون ديزني، وهو بيقول:
"معرفش إيه اللي أنا بقوله دا، بس دا حرفيًا سر من أسراري، لكني مضطر...
أنا بجد بحب أتفرج على الكرتون، ومن وقت للتاني بقعد كدة وأتفرج على واحد ولا اتنين، وبقالي حوالي سنة وشوية معملتش كدة عشان الموسيقى اللي فيه وحرام.
فمن قريب لقيت قناة بتنزلهم من غير موسيقى بمقابل مادي بسيط، فجمعت كل الكرتونات تقريبًا، وحرفيًا فكرت إني بدل ما أتفرج عليهم لوحدي يمكن تكوني تحبيهم، وأهو أي ذكرى لطيفة بينا قبل ما أسافر
معرفش الموضوع اتطور إزاي للي إحنا فيه، بس مكنش قصدي أخوفك... حقك عليا."
الكلام دا يتصدق إزاي؟
كل حركة فيه كانت تلقائية خارجة بسرعة، أكنها ممرتش على المخ، زي الطفل الصغير لما أمه تسأله الفخر فيه، مبيرتبش كلمات، بيقول كل اللي عنده يثبت براءته من غير ما يفكر، ممكن يعترف بحاجة في سبيل إنه ينفي حاجة، وهو عمل كدة. كلامه كان سريع، مش مترتب، حاضن اللاب وهو بيوريني الكرتونات اللي اشتراها، وكان فتح الموبايل ووراني الشات بينه وبين اللي اشترى منه الكرتون، وهو أصلًا واقف مكانه، مفكرش إنه يقرب أصلًا عشان يوريني... كان خايف وندمان...
وكلمة "حقك عليا" خارجة منه مش بس بيقولها على اللي عمله، طريقتها كانت أكبر من إنها تتقال في سياق زي دا.
قطع تفكيري وهو بيقول:
"آسف... مكنش قصدي أخوفك يا غالية، حقك عليا."
مردتش، أنا بس جريت على الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوه. مبعدتش عن الباب، فضلت قريبة خايفة، منتظرة أي حركة منه تكدب كلامه، محاولة فتح الباب أو حتى يطلب إنه يتكلم معايا تاني، لكن دا محصلش. هو بس قرب وقال:
"بجد آسف إني محسيتش ومفكرتش في كلامي قبل ما أقوله... مكنش قصدي توصلي للحالة دي. أنا نازل عشان تبقي براحتك، متخافيش، والله أنا مقدرش أذيكي بكلمة حتى... بصي...
أنا هدخل لك مفاتيحي بتاعة الشقة من تحت الباب عشان تطمني وتقدري تقفلي بيها لما أنزل... لو عاوزاني أبات بره عشان تطمني، ابعتيلي رسالة."
فعلًا دخل المفتاح من تحت عقب الباب، وبعد لحظات سمعت صوت باب الشقة بيتقفل.
دقايق وخرجت وأنا بقفل باب الشقة زي ما قال، وجريت على اللاب أتأكد من كل حرف قاله، مع إني بجد أعرف إنه مش بيكدب، ومشوفتوش مرة كذب ولا حتى سمعت، لكن لازم أهدي نفسي... كل تعبان عارف إيه علاجه.
==================================
خليته يبات بره، بدل اليوم اتنين، وفي أول اليوم التالت كنت هخليه يبات برضه. كنت عاوزاه يجي ليلة سفره ياخد شنطته ويمشي، لكني صحيت على خبط الباب، دي خبطة كريمة اللي أكيد طالعة تسأل على فارس.
قومت من على الكنبة، كنت لابسة كاش طويل عادي، لكنه كان مبين كتافي وأكتر جزء بكرهه فيا، عشان كدة أخدت طرحة حطيتها على كتفي كويس وأنا بفتح الباب بقول:
"ادخلي يا حماتي... تصحيني بدري ليه يا كيمي؟"
بلعت ريقي بتعب، وفي لحظة قفلت الباب لما شوفت فارس واقف مع كريمة، اللي خبطت تاني وهي بتقول:
"افتحي يا هبلة."
مكنش ينفع مفتحش، والأنقح مكنش ينفع أدخل أغير هدومي اللي فعليًا مافيهاش أي حاجة، ينفع عادي أقعد بيها قصاد جوزي وحماتي، لكن أقعد بيها قصاد فارس إزاي؟
فتحت بعد محايلة على طول، ودخلوا، وإيدي على الشال مشدودة. جات كريمة سحبتني من دراعي وهي بتقعدني جنب فارس، اللي كنت هقع عليه من حدفتها، وهي بتقول:
"الواد دا عمل لك إيه؟
لسانك كان مبرد عليا لما كنت معترضة على السفر، لسانك اتشل لما زعلك لدرجة إنه يبات بره."
بلعت ريقي وأنا ببص له بشك إنه قالها حاجة، وحاولت أبعد عنه عشان لازقين في بعض، لكن عيون كريمة صيادة، لكني حاولت أسألها:
"مين قالك إنه بايت بره؟
فارس نايم امبارح وأول امبارح في البيت عادي."
رفعت حواجبها وهي بتقولي:
"الكلام دا يخيل على سعاد الغلبانة، هي بتصدق ملعوتك، لكن أنا عارفة إنه بات بره... فارس بيعدي عليا كل يوم وهو طالع بليل، والصبح لو صاحيين بيدخل يبوس إيدي ويصبح عليا.
أول امبارح كان طول اليوم بنفس الهدوم، لغاية ما نزل في نص النهار وعدى عليا ومعداش تاني وهو طالع. امبارح بقى طلع لي في نص النهار برضه يطمن عليا، والهدوم اللي عليه مكنتش بتاعته، ودلوقتي لابس نفس الهدوم بتاعة أول امبارح... معنى كدة إيه؟"
عضيت على شفايفي بصدمة، الأمهات المصرية فاقت المخابرات والله، لكني حبيت أستعبط برضه وأنا بقول:
"معنى إيه؟"
"معناه إنكم اتشكلتوا من غير صوت، وتتصلحوا من غير صوت، ومحدش فيكم يخرج من الباب دا وهو مش راضي التاني، وبدل ما الليل يحل يبقوا إنتوا الاتنين في سرير واحد، حتى لو بينكم مصانع الهدا طول اليوم. كل حاجة هتهون أول ما تحملي على كتفه، الزعل لو خرج بره أوضتكم ميبقاش زعل يا حبايبي، هيجر في ديله حاجات تانية إنتوا في غنى عنها...
ربنا يديم المحبة بينكم. أول سنة جواز صعبة، وإنتوا بينكم دلوقتي توتر عشان هو بس مسافر كمان كام يوم، متبقوش عبط وتضيعوا الكام يوم دول منكم.
صدقوني، اليومين دول فعلًا لو استغليتوهم، هي اللي تصبره على الغربة بره، وهي كمان اللي هتصبرك على غيابه... اشبعوا ببعض، عشان حتى لو هتكلموا بعض كل يوم ليل نهار، مش هيبقى لحظة حاطط راسك فيها جنب راسه."
كانت باصة لها، مركز مع كل حركة فيها، كل حرف بيخرج، كل نظرة بتتبدل، وهي خايفة علينا وحاجات كتير إحنا والله منستحقهاش.
قامت من مكانها قصادنا وهي بتقول:
"هخرج من الباب دا تتصافوا، ترضيها يا فارس وإلا متعتب عتبة بيتي ليوم الدين، أنا بقولك أهو... وإنتِ زمان قلبك لان عليه، دا والله مافيش في حنيته... هستناكم على الغدا، ولو مش عاوزين تنزلوا ووحشتوا بعض، متنزلوش عادي."
قالتها وهي بتشاكسنا، لكني رفعت لها حاجبي وأنا بقول باندفاع:
"إيه اللي بتقولي دا يا كريمة... انزلي، جوزك وعيالك بينادوا، يلا."
رفعت ليا حواجبها وهي بتنحني تبوس خدي وقالت:
"وإنتِ جوزك بينادي عليكي برضه... سلامات يا خيبة، يا اللي طردتي الراجل بعد عشرين يوم."
ضحكت عليها وهي داخلة في دور أم العروسة دلوقتي، أمي لو كانت عرفت كانت هتقولي نفس الكلمة: "يا خيبة."
مرضتش أقوم أوصلها لغاية الباب، لكنها أول ما قفلته اتنفضنا أنا وهو من مكاننا، ولا اللي لمستهم النار، وهو قال بسرعة:
"والله العظيم مكنتش عارف إنها ملاحظة، أصلًا أنا مكنش هاجي لها النهاردة، هي اللي اتصلت بيا وقالت لي أجيب لها دوا، وأنا متوقعتش الخيانة بصراحة وأنا مصر أطلع معها."
كان باصص في الأرض، لكني سبته وروحت على أوضتي، وخرجت مع ثواني وأنا بقوله:
"الظرف دا استلمته الصبح من مندوب البريد، كنت هتصل بيك أصلًا عشان تيجي، أكيد محتاج تراجع على شنطتك وورقك."
رفع عيونه وهو بيقول بأسف:
"أنا بس محتاج أتأسف على اللي عملته، مكنش قصدي أخوفك يا غالية، آسف بجد إني تسببت ليكي بالخوف دا كله، التلت أيام الجايين مش هتلمحيني حتى في الشقة."
"متبتش بره تاني عشان أهلك."
هز راسه، وفعلًا دخل لأوضته، وأنا دخلت لأوضتي أنا كمان عشان أغير.
==================================
قفلت باب الأوضة ورايا وقلعت التيشيرت، وأنا باصص في المراية على اللزقة اللي في ضهري، الحمد لله إن أمي ماخدتش بالها منه. وأنا قاعد كنت مركز على إيد غالية، كانت لسه حمرا وفيها فقاعات قليلة، لكن ضهري هو اللي زعل.
حطيت كريم مضاد بالعافية وبصعوبة، وفضلت قاعد لغاية ما ينشف شوية، لكني لبست التيشيرت وخرجت أدور على اللاب عشان محتاجه ضروري، لكن ملقتوش، فاضطريت أخبط عليها، فردت من جوه وهي بتقول:
"عاوز إيه؟"
"معلش، اللاب بتاعي مش لاقيه..."
"آه... ثانية."
قالتها، وبعدين قامت فتحت الباب فتحة بسيطة، وخرجت اللاب من فتحة يدوبك على قده. مكنتش عارف هو عندها بيعمل إيه، بس آه... أي مشاركة أمل، الأول مكنتش بتلمس أي حاجة تخصني، يا هنايا ويا سعدي لو كانت بتستخدمه.
شكرتها، وقبل ما أروح على أوضتي لقيت الباب بيخبط جامد، فروحت أفتح، كانت حبيبة المتعصبة وهي بتقول:
"شوف حل في أمك عشان تعبت منها."
اتنهدت براحة، كنت فاكر في حاجة كبيرة، لكن خناقات أمي وحبيبة المعتادة خلتني أدخلها وأنا بسألها:
"حصل إيه؟"
"حصل إني مش عاوزة أنزل السوق معها، يا عم أنا ورايا مذاكرتي ودنيتي، وهي مصرة عليا أتعلم أنقي خضار وأعمل طبيخ."
"حبيبة، إحنا هنضحك على بعض؟
أنا وإنتِ عارفين إنك مبتفتحيش كتاب، وبعدين هي مش بتستعبدك يعني، هي عاوزة تعلمك حاجات تنفعك في حياتك... بكرة تتجوزي وهتقفي في مطبخ وهتديري بيت، وإنتِ حلوة وشاطرة في كل حاجة، هتيجي على الأكل وتعملي وحش؟"
بصت ليا باقتناع سيكا وهي بتقول:
"لازم أتعلم أطبخ حلو، أنا مينفعش أعمل حاجة وحشة، بس برضه مش هقعد مع الست دي في مكان واحد... هبات عندك النهاردة وأبقى أرجع لها بكرة بالليل بعد الكلية، خليها تعرف قيمتي."
تنحت شوية وأنا بستوعب وبقولها:
"تباتي فين يا ماما... انزلي عند أمك يا بت... قال تباتي قال."
رفعت حواجبها وهي بتردحلي حرفيًا وبتقول:
"إيه اللي أبات فين؟
هو أنا هبات بينك إنت ومراتك؟
ما في أوضة تانية هخمد فيها وأنزل على الكلية."
"لا يا حبيبتي، مش أمك بتقول مافيش بنت محترمة تبات بره البيت؟"
"بقى كدة يا فارس؟
مش عاوزني أبات معك؟
فين أيام ما كنت تسيبني أنام جنبك وتقعد تعملي ضفاير؟ ماشي يا أخويا... مراتك غيرتك ونستك حبك لأختك... بقى كدة وإنت مسافر آخر كام يوم مش عاوزني أقعد معاك وأبات معاك؟"
"جو الاستعطاف والصعبانيات مبقاش يأكل عيش، اللي يسمعك يقول أخوكي هيوحشك وعاوزة تباتي معاه، مش بتخلعي من أمك عشان تنظيفة الشهر مثلًا."
ضحكت عشان قفشتها، وأنا بدرك معها أمي عزمت علينا ننزل نتغدى ليه، فضحكت، عجبتني الفكرة.
"هي فين غالية؟"
"نايمة... عاوزة منها إيه؟"
كانت رايحة ناحية الأوضة، فسحبتها من إيدها وأنا بقول:
"رايحة فين يا بنت؟
تعالي هنا."
"إيه هو أنا هآكلها؟
أنا هصحيها تنزل معايا عشان أمي مترفعش عليا الشبشب."
"طب خبطي على الباب، متدخليش كدة... مش وكالة من غير بواب هي."
"طب ما أنا كنت متعودة أدخل أصحيك على طول، ودخلت الأوضة دي كتير."
ابتسمت لها وأنا بمسح على شعرها وبقول:
"يا حبيبتي، الكلام دا وأنا لوحدي، دلوقتي غالية موجودة وفي خصوصية ليها لازم تحترميها، هي نايمة براحتها، لابسة براحتها... حتى لو أمها، لازم تستأذن قبل ما تدخل مكانها الخاص... وبعدين أنا عمري دخلت أوضتك من غير ما أخبط، أو دخلتها أصحيكي مثلًا؟
لا، معملتش كدة، وأحمد معملش مرة في عمره، ولا بابا. حتى منال قبل ما تتجوز وهي أكبر مني كانت بتخبط على أوضتي أنا وأحمد."
"ماشي يا عم، دخلتني في مواضيع أكبر مني، مع إني كنت بدخل عليك أوضتك وأصحيك عادي يعني."
"عشان محدش عارف يسيطر على جنانك يا ست حبيبة."
"طب ادخل صحيها إنت بقى عشان أمي زمانها حطت الأكل."
لحظة إدراك طلبها، وهي راحت قاعدة منظراني بقى أروح أفتح الباب أنا وأدخل!
يا ريتني كنت سيبتك تدخلي يا شيخة...
بصينا الشنطة برعب حقيقي!
لوهلة خرجنا من فقاعة الخلاف وإحنا بندرك إن لسه في عالم خارجي. بصت ليا بسرعة، وكأنها متعودة على القرارات السريعة، وقالت بهمس:
"هتخبي الشنطة؟"
هزيت راسي بـ"لأ"، فقالت بسرعة:
"طب افتح لها، ولما تسأل عليا اديني حس إني كنت بغير عشان سمعنا حسها... أوكي؟"
رفعت حاجبي بذهول، وهزيت راسي، وهي فعلًا قفلت باب الأوضة بدون أي صوت، وأنا فتحت الباب لأمي.
"اتفضلي يا حبيبتي."
"مش باينين يعني من يومين، غالية قالت هتنزل معايا النهاردة السوق، اتأخرت فقولت أطلع لها."
"يا ستي إنتِ بتبرري طلوعك... هي بتلبس جوه، هي وخارجة."
قبل ما تقعد حتى، قامت تاني وهي بتقول:
"طب خليكم على راحتكم، خليها تبعت لي عاوزه إيه من السوق وأنا أجيبه."
ضحكت من طيبة أمي وإحراجها، الست اللي من كتر تعلقها بيا الكل قال هتخلي حياتي سواد من التدخلات والغيرة من مراتي، حتى إن اللي الله يبارك لها قالت إن أمي مسيطرة على حياتي. ميفهموش إن في فرق بين ابن أمه اللي فعلًا ممشياه، ومن اللي بيبر أمه. خرجت غالية بنفس الهدوم كمان توقعت، آخر أيام بقت معايا على الخط ومركزة في التفاصيل اللي تبين حياتنا طبيعية.
"تنزلي فين يا كيمي... إنتِ تفطري معانا، إحنا لسه مفطرناش."
قالتها وهي بتسحب يداها ويقعدوا، وماما طبعًا شافت الشنطة اللي في الأرض ناحية الكنب، وقالت بشك واستغراب:
"شنطة إيه دي يا فارس؟
مسافرين تتفسحوا يومين صح؟"
سؤال مفخخ، بتقولي قول صح وإننا مسافرين، وإن اللي في بالها مش صح.
"اهدي يا كيمي، نقوم أعملك عصير وأسيبك تتكلمي مع فارس شوية... براحة على الواد."
قالتها وهي بتهرب وتنسحب من المعركة، مدركة إنها بتسيب لي مساحة أكلم أمي، لكن أنا عاوزها تبقى جنبي... على الأقل لو أمي قامت تضربني مثلًا تدافع.
"تبعيني كدة يا غالية... على فكرة يا أمي البت دي مش جدعة."
كنت بحاول أتوّه من سؤال أمي، لكنها حكت رأيها وهي بتقول:
"قول إنك مسافر مع مراتك تغيروا جو، أصل إيه لازمة شنطة السفر غير كدة؟
ولا إيه يا فارس؟"
"يا حبيبتي دا مستقبلي، عشاني وعشان غالية. طموحي أعيش أحسن، والحمد لله شغل بالحلال ومستقبل حلو و..."
"ومراتك؟
طب سيبك مننا، إنت خلاص بقى ليك بيت، وقلت الواد عقل وشال فكرة السفر من دماغه. مسافر فين وسايب مراتك بعد عشرين يوم؟"
"يا ست الكل، أنا متفق من بدري مع غالية. هم 3 شهور بس، وأول أجازة أنزلها هاخدها معايا."
"ما شاء الله، إنت بتخطط من بدري... تعالى يا اللي مستخبية في المطبخ، تعالي."
قالتها بصوت عالي، فخرجت غالية بتوتر وهي بتقول:
"اهديه واسمعيه بس يا كريمة، مش عشان اتجوز يقتل طموحه ويضيع فرصة شغل هو بيسعى من سنين."
"ويسيبك وإنتِ لسه عروسة، ملحقتوش تشبعوا من بعض... دا يرضي مين دا؟"
"يا ستي يرضيني أنا... أنا راضية، وهبقى مبسوطة لما هو يبقى ناجح ومبسوط وبيحقق أحلامه. وبعدين هم ٣ شهور يعدوا بالطول والعرض، وهياخدني معه."
كنت باصص لها بإعجاب، كل ما أمي تقول حجة هي ترد عليها وتدافع. كل دا إحنا متفقين عليه، لكن متوقعتش إنها تبقى بالجمال دا وهي بتتكلم عني وبترد بدالي. كنت مبسوط، حتى لما أمي بتوجه ليا، مكنتش برد، كنت ببص لها اللي هو: انقذيني. أنا عارف أرد على حاجات كتير، لكن استمتاع كبير وأنا سامعها، مكنتش عاوز أقطعه بصراحة.
"ومسافر إمتى على كدة؟"
"آخر الأسبوع."
"اعمل اللي إنت عاوزه، وخليك ماشي بدماغك، وافتكر إنك هتظلم واحدة على زمتك عشان شغل وفلوس... وأنا مش راضية على السفرية دي."
قالتها وهي بتضغط على نقط ضعفي، وقامت، فقومت معاها، وغالية قامت مسكت يدها وهي بتقول:
"يا ستي مافيش ظلم ليا ولا حاجة، وبعدين هو هيقطعني مثلًا؟ ما أكيد هنتكلم كل يوم، مش هسيبه في حاله ولا هو هيسبني في حالي... وأهو لما يسافر هنزل أقعد معاكي نتسلى ببعض بدل ما هو لازق في البيت مبيتحركش كدة."
كلامها كان جميل، كأنه حقيقي، لكني فعلًا كنت مشغول أكتر بكلام أمي وإنها مش راضية، وإنها شايفاني هظلم غالية، وأنا مقدرش على كدة. هي سكتت ومردتش على غالية، وفتحت الباب ونزلت من سكات. جيت أنزل وراها، لقيت غالية بتسحب من يدي لأول مرة تلقائية وبتقول:
"رايح فين!؟"
"نازل أراضي أمي يا غالية، أكيد مش هسيبها مش راضية عني، وكمان شايفاكي ظلمك!"
"هو إنت بتاكل شغل الأمهات دا!
بتلعب على أعصابك، فكك منها. شوية هتلاقي حبيبة بتتصل بيك تقول الضغط عالي عند ماما... وهتمسك قلبها، وبعدين تقولك قلبي وربي غضبانين عليك."
ضحكت بخفة وأنا بفكر كام مرة إنها عملت معايا كدة، وميكنش أصلًا حصل لها أي حاجة.
"هي لو فعلًا كانت معارضة ومش راضية، مكنتش هتبقى بالهدوء دا. هي موافقة عادي، لكن بتلعب على آخر ورق يخليك تردد ومتسافرش."
ابتسمت لها وقلت لها:
"طب هتعملي إيه دلوقتي؟"
"هنزل أشوفها ونروح السوق... تاكل حاجة معينة النهاردة؟"
أول مرة تسألني آكل إيه. في العادي أغلب الأوقات حد بيعمل أمل ويعزم على التاني، هي مكنتش بتوافق دايمًا تاكل لما بعزم عليها، لكن لما كانت تحصل مرة وتعزم عليا من باب الذوق وهي مش عاوزاني أصلًا آكل معها، كنت بروح آكل عادي جدًا ألزق وأنا مستغل الفرصة. أينعم هي مش هتطبخ عشاني، بس اتبسطت من السؤال وأنا بقول لها:
"ممكن تعملي فتة لحمة مشوحة... معلوم إن هتحرم من الأكلات دي كمان أسبوع."
"تمام."
"استني بس، إنتِ مش تروحي لوحدك... أنا نازل معاكم."
بصت ليا باستغراب وقالت:
"نازل ليه؟"
رفعت حاجبي مستغرب من سؤالها وأنا بقول:
"أكيد مش هسيبك تروحي السوق لوحدك. السوق أصلًا مكان للرجالة، أمي طول عمرها بتقول لينا طلباتها وإحنا بنجيبها، ولو هي عاوزه تجيب حاجة بنفسها بتنزل معانا... هشوف أبويا ولا أحمد نازل معها، لو محدش رايح هاجي أنا."
فضلت مستغربة شوية، وبعدين قالت بتعجب:
"مكنتش أعرف... بس يعني لما إنت تسافر، أنا كدة كدة هنزل لوحدي، ملهاش لازم تيجي النهاردة."
"مين قال؟
أحمد موجود، وأبويا موجود، تنزلي معهم ومع أمي أو تبعتي طلباتك وهما يجيبوها... إنتِ مش بس بنتهم، إنتِ كمان أمانة طول ما أنا غايب."
سكتت. كنت عارف أقرأ نظراتها شوية، سرحت لوهلة وأنا حاسسها عاوزه تسألني:
إنت إزاي كدة؟
لكن دا الوضع ودي الحقيقة اللي لازم أي راجل يكون عليها. مينفعش يسيب أهل بيته ينزلوا أسواق كل اللي شغال فيهم رجالة، حتى لو وراك مشغولات الدنيا، انزل معاها ولو يوم في الشهر كله تجيب طلبات الشهر أو طلبات الأسبوعين، ولو حتى كل كام يوم. لكن نزولها لوحدها مكان زحمة وكله رجالة بالشكل دا مرفوض.
=================================
نزل معانا السوق فعلًا، وكان شايل كل حاجة، بيحاسب وبيتعامل هو، وادينا مساحتنا في الاختيار. كنت متلجمة بصراحة، دايمًا متعودة أعمل كل حاجة بنفسي، فجأة ظهر لي شخص من العدم بيعاملني أكني مسؤولية ضمن مسؤوليات كتير أنا شايفاه شايلها.
مش عارفة أبطل قلق، إزاي الراجل دا حقيقي؟
إزاي ممكن بجد ميكنش عاوز مقابل مني بالطريقة دي؟
حتى لو اتخدعت في شخص قبل كدة، لكني طول ما قلبي مش متورط، أنا عارفة نوعًا ما أحكم على الشخص هو كويس ولا وحش، وفارس كويس... وكويس أوي، لدرجة مشككاني في نفسي قبل ما أشك فيه. معقول في حد كويس كدة، ولا إنتِ اتغشيتي من تاني يا غالية؟
رغم إني فعليًا مش مهتمة هو كويس ولا لأ، الفكرة وما فيها إنه خلاص مسافر، وهيسافر لشهور، ومتكلمش معايا على أي حاجة أرد بيها كل اللي بيعمله، ملمحش بمقابل مني أو حتى حاجة بينا.
الأيام دي التوتر عالي كدة عندي، أصل هيمشي من غير... مش عارفة من غير إيه، بس دماغي هتتلف من السيناريوهات اللي بتوقع إنها تحصل.
روحت البيت، مش بقول عليه بيت، لكنه حاليًا المكان اللي قاعدة فيه، وبصراحة هو مريح. اتعودت عليه، وكمان مبقتش أنام بصعوبة. صوت فارس وحركاته بره مبقتش بتقلقني، صوته وهو يقرأ في القيام بليل، وحتى وهو ماشي يراجع ورده في الشقة أو بيعمل الفطار، وأحيانًا بيقعد يدندن ويغني وهو بيشتغل ومندمج.
مبتكلمش معاه كتير، وأغلب الأوقات ساكت، لكنه دوشة... دوشة مش مزعجة. لكن كل دا يا فارس قصاده إيه؟
يا دوبك ارتحت. أخدت دش بعدها في السريع، ودخلت بدأت في الأكل. كنت لافة الفوطة الميكرو فايبر على شعري، وبشوح اللحمة كويس. مكنتش عارفة هو سابنا وراح على فين، لكنه مغبش كتير، ولقيت الباب بيخبط. مكنتش عارفة أسيب اللي في إيدي، عشان كدة عليت صوتي:
"ادخل يا فارس... ادخل."
معرفش سمع ولا لأ، لكنه فعلًا فتح باب الشقة، وأوتوماتيكي جه على المطبخ، زي ما بيعمل معظم الأحيان، يسأل على حاجة أو يدوق من الأكل، يشرب مياه، لازم يعمل أي حاجة وأنا واقفة في المطبخ.
"لا قلبي ولا معدتي مستحملين الريحة... أومال هعمل إيه لما أدوقها؟"
معرفش، بس هو كتير بيبالغ، مش بيتردد إنه يفضل يجمل في الحاجات اللي بعملها، أو حتى يسأل عن رأيي، راحتي، بحب إيه مثلًا يجيبه. مكنتش مرتاحة للوضع دا، سؤال ملوش إجابة:
ليه بيعمل كل دا وأنا وهو عارفين إن مافيش ذرة حب واحدة بينا...؟
"أي مساعدة؟"
سؤال المعتاد اللي كل مرة برد عليه بالرفض القطعي، لكن المرة دي لازم أفك شعري بجد عشان زمانه نشف، خايفة يلقط من بخار اللحمة ويعرق وريحته تتبهدل.
"قلب اللحمة دي مكاني، متخليش ولا قطعة ثابتة مكانها أكتر من ثانيتين."
وقف مكانه للحظة، أكنه لسه مش مستوعب إني طلبت منه مساعدة، وفعلًا قرب بسرعة جدًا، أخد المعلقة اللي سبتها وبدأ يشتغل، وهو بيبص لي وأنا بفك فوطة شعري. نظراته ربكتني، محسيتش بنفسي غير وأنا بنحني شوية وأميل شعري على جنب واحد، وبكل تعود وسرحان الدنيا مسكت الهوا بدل ما أمسك شعري!
اتصمرت لحظة. مش أول مرة أقبض على الهوا في إيدي مكان خصلاتي الطويلة اللي قصتها. إيدي متعودة تلمس شعري من نصه لغاية تحت، لكن خلاص، مبقاش فيه غير حبة سنتيمترات معديين ودني. كان شايفني، وعيونه على حركة إيدي، ملامحه اتغيرت، أكنه اضايق... يمكن مضايقش، يمكن بس الشفقة، لأنه هو الوحيد اللي شاف إني في يوم وليلة عملت ولا... مكنتش أقدر أعمل كدة في بيتنا.
لو أمي صحيت وشافت شعري اتقص ومبقاش فيه حاجة، كانت ممكن متبقاش ساكتة، وكمية الضغط اللي هتحصل بعدها والأسئلة كانت ممكن تخليني عاوزة أعمل في نفسي حاجة... عشان كدة، تاني يوم ليا هنا، تخلصت منه... ومن طوله. لحظتها حسيت إني اتنفست. كنت مرهقة لأني هدخل في فترة دفاع وتبرير مش قادرة لها.
بس فارس!
مخلانيش أتعرض لدا. أشهد له إنه من أول يوم لينا هنا وهو بيعمل بكل كلمة قالها، إنه يريحني ومش هيخلي حد يتعدى حدوده، حتى لو بيعملوا مؤذة عشان بيحبوني، ومش يخليني أمر بضغط. وفعلاً أي سؤال مصدره القلق من أهلنا كان بيجاوب عليه بسلاسة، أكني كويسة، أكن كل حاجة تمام. رمى الحق على نفسه في إني قصيت شعري، عشان هو بيحب كدة. الكل كان معترض، زعلانين على شعري وطوله وشكله الحلو عليا، بس يفهموا إزاي إنه كان عبء عليا وحسيت إني ارتحت منه!
رميت الفوطة في سلة الغسيل الوسخ، ورجعت له وأنا باخد المعلقة وقلت:
"شكرًا."
كانت عيونه على شعري، اتحاشى النظر لما لاحظ إني قفشته، لكني تعبت بجد، لغاية ما انفجرت، لكن بهدوء. قلت كل اللي محشور جوايا من غير زعيق، قلته ودموعي محبوسة، وعيوني على الحاجة اللي بعملها، مبقاش حتى عندي القدرة إني أخد حقي وأدافع عن نفسي بالصوت العالي، بقيت أضعف من كدة.
"فارس... إنت عاوز إيه؟"
"عاوز الأكل يخلص عشان جعان أوي."
شديت إيدي على المعلقة وأنا بنطق من غير ما أبص له حتى، وقلت:
"إنت فاهم أنا بسأل على إيه... عاوز مني إيه؟
مش منطق إني منتظرة أصدقك إنك بتعمل كل دا بدون مقابل... أنا ببدل مجهود كبير في البيت، لا وقصاد أهلنا، عشان دا في مصلحتي.
من أول يوم وقفت لك على باب الشقة دي، وكل دا بيصب في مصلحتي أنا!
لكن إنت بتبذل المجهود الكبير دا كله ليه؟
مش مصدقاك لو عملت إيه، ومش هصدقك أصلًا، حالك بيتكلم عنك. هو في واحد يعمل كل دا عشان واحدة هيطلقها بعد كام سنة؟
واحدة لا حبته ولا حبها، واحدة المفروض بيربطه بيها مصلحة؟
متفكرنيش عبيطة!
أمك وافقت على سفرك في أقل من ساعة، متقولش اتجوزتك عشان أعرف أسافر وأهلي ميرفضوش. إنت مش واحد أهلك ممشيين كلمتهم عليك زي ما الناس فاكراك، إنت بس حد بيحترم كلمتهم... لكن برضه قرارك حاسم، واللي لاحظته إنهم بيحترموا قرارك. فإنت وافقت على العبط واللا منطق اللي عرضته عليك في الأول ليه؟
كل دا قصاده إيه؟
لو حاجة مش هعرف أدفعها، فـ يا ابن الناس معنديش مانع أبقى مطلقة من عشرين يوم."
ساكت، هادي، أكنه بيقول:
خلصي كل اللي عندك.
تعبت بجد، ومحدش شايف دا، روحي أكنها بقت زي القماش اللي عفى عليه الزمن، وأي كلمة متتحملهاش بتخليها تتمزع وتدوب... مبقاش ينفع تتخيط وتترقع، أقل لمسة ليها ممكن تشيط زي القماش الدايب، وميتبقاش منها غير فتل.
"على فكرة، عندك حق، مافيش حد يعمل كل دا من غير مقابل... وأنا عاوز مقابل كل اللي عملته النهاردة ودلوقتي كمان."
قالها بنبرة أنا مش فاهماها، ومش عاوزة أفهمها، خايفة أفهمها. مش هقول خوفت، أنا اترعبت.
من غير قصدي رجعت خطوة... وخطوة كمان، وظهر إيدي اتصادم مع حلة الضغط اللي على النار.
"آه!"
خرجت مني بصوت مكتوم، متناسبش مع اللسعة اللي لو كنت اتلسعت بها في وقت تاني كان صوتي وصل للدور الأول. من غير تردد، فارس جري وهو بيمسك معصمي، وأنا مرعوبة منه، لكنه قربني للحنفية تحت الميه الساقعة، وبعدين راح الفريزر يطلع أي كيس متلج أحطه على إيدي. وقبل ما يقرب ويحطه على إيدي، زقيته جامد بعيد عني.
دفعته بقوة فعلًا شديدة، لأنه مكنش منتبه ولا واخد أي وضعية دفاع إنه حتى يتوازن. خليته رجع بظهره ناحية البوتجاز، واتخبط في ضهره.
"اطلع بره."
خرج من غير ولا كلمة، وأنا دموعي نزلت سيول. عاوزة أتصل بـ بابا يجي ياخدني، بس هقوله إيه؟
وهعمل إيه لو فارس قاله أي حاجة من اتفاقنا؟
لو كان عندي ذرة ثقة فيه، دلوقتي اتبخرت.
قفلت على الأكل كله وخرجت، والتلج على إيدي. لقيته واقف ليا في الطرقة، فقلت:
"عديني."
عداني فعلًا لما لقاني انكمشت، وعيونه بقت كلها نظرات حزن وندم... طبعًا مش حقيقي، شبعت كدب. قبل ما أدخل الأوضة اللي اتعودت أستخبى فيها وأعيط، لقيته جري ومسك مقبض الباب.
معرفش إيه حصل، لكني رجعت خطوات كتيرة برفض لوقفته وخوف، وهو بان عليه الصدمة لما استوعب إني خفت للدرجة دي، وبعد عن الباب لورا. المسافة بينا بقت كبيرة أوي فعلًا، وهو بدأ يتكلم:
"اهدي يا غالية... والله ما قصدي حاجة من اللي فهمتيها... أنا والله العظيم لما قلت مقابل كان قصدي حاجة عبيطة. حقك عليا بجد، مكنش ينفع أقولك كدة. اهدي... آسف، حقك عليا، عارف إني غلطان، بس تعالي اقعدي عشان أشوف إيدك مالها."
كلامه كان سريع، مكنش لاحق يكدب مثلًا ويزوق الكلام، وكمان نظراته كانت ندمانة ومضطربة ومتوترة.
"أومال كنت تقصد إيه!؟"
قولتها وأنا بأكد لنفسي إني كنت صح، إنه مافيش حد هيبذل كل دا فعلًا غير لما يكون عاوز حاجة. بعد ما قلت جملتي، مترددش لحظة، وقال وهو بيشاور على الترابيزة الصغيرة قصاد الكنبة، كان عليها لاب وشنطة حلويات كبيرة جدًا:
"والله أنا عارف اللي بقوله تافه، بس فعلًا أنا كنت عاوز أتفرج معاكي على كرتون... حتى بصي."
قالها بلهفة، أكنها إثبات براءته، وراح مسك اللاب وهو واقف، وبعدين فتح الشاشة اللي ظهر عليها اختيارات كتير من أفلام كرتون ديزني، وهو بيقول:
"معرفش إيه اللي أنا بقوله دا، بس دا حرفيًا سر من أسراري، لكني مضطر...
أنا بجد بحب أتفرج على الكرتون، ومن وقت للتاني بقعد كدة وأتفرج على واحد ولا اتنين، وبقالي حوالي سنة وشوية معملتش كدة عشان الموسيقى اللي فيه وحرام.
فمن قريب لقيت قناة بتنزلهم من غير موسيقى بمقابل مادي بسيط، فجمعت كل الكرتونات تقريبًا، وحرفيًا فكرت إني بدل ما أتفرج عليهم لوحدي يمكن تكوني تحبيهم، وأهو أي ذكرى لطيفة بينا قبل ما أسافر
معرفش الموضوع اتطور إزاي للي إحنا فيه، بس مكنش قصدي أخوفك... حقك عليا."
الكلام دا يتصدق إزاي؟
كل حركة فيه كانت تلقائية خارجة بسرعة، أكنها ممرتش على المخ، زي الطفل الصغير لما أمه تسأله الفخر فيه، مبيرتبش كلمات، بيقول كل اللي عنده يثبت براءته من غير ما يفكر، ممكن يعترف بحاجة في سبيل إنه ينفي حاجة، وهو عمل كدة. كلامه كان سريع، مش مترتب، حاضن اللاب وهو بيوريني الكرتونات اللي اشتراها، وكان فتح الموبايل ووراني الشات بينه وبين اللي اشترى منه الكرتون، وهو أصلًا واقف مكانه، مفكرش إنه يقرب أصلًا عشان يوريني... كان خايف وندمان...
وكلمة "حقك عليا" خارجة منه مش بس بيقولها على اللي عمله، طريقتها كانت أكبر من إنها تتقال في سياق زي دا.
قطع تفكيري وهو بيقول:
"آسف... مكنش قصدي أخوفك يا غالية، حقك عليا."
مردتش، أنا بس جريت على الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح من جوه. مبعدتش عن الباب، فضلت قريبة خايفة، منتظرة أي حركة منه تكدب كلامه، محاولة فتح الباب أو حتى يطلب إنه يتكلم معايا تاني، لكن دا محصلش. هو بس قرب وقال:
"بجد آسف إني محسيتش ومفكرتش في كلامي قبل ما أقوله... مكنش قصدي توصلي للحالة دي. أنا نازل عشان تبقي براحتك، متخافيش، والله أنا مقدرش أذيكي بكلمة حتى... بصي...
أنا هدخل لك مفاتيحي بتاعة الشقة من تحت الباب عشان تطمني وتقدري تقفلي بيها لما أنزل... لو عاوزاني أبات بره عشان تطمني، ابعتيلي رسالة."
فعلًا دخل المفتاح من تحت عقب الباب، وبعد لحظات سمعت صوت باب الشقة بيتقفل.
دقايق وخرجت وأنا بقفل باب الشقة زي ما قال، وجريت على اللاب أتأكد من كل حرف قاله، مع إني بجد أعرف إنه مش بيكدب، ومشوفتوش مرة كذب ولا حتى سمعت، لكن لازم أهدي نفسي... كل تعبان عارف إيه علاجه.
==================================
خليته يبات بره، بدل اليوم اتنين، وفي أول اليوم التالت كنت هخليه يبات برضه. كنت عاوزاه يجي ليلة سفره ياخد شنطته ويمشي، لكني صحيت على خبط الباب، دي خبطة كريمة اللي أكيد طالعة تسأل على فارس.
قومت من على الكنبة، كنت لابسة كاش طويل عادي، لكنه كان مبين كتافي وأكتر جزء بكرهه فيا، عشان كدة أخدت طرحة حطيتها على كتفي كويس وأنا بفتح الباب بقول:
"ادخلي يا حماتي... تصحيني بدري ليه يا كيمي؟"
بلعت ريقي بتعب، وفي لحظة قفلت الباب لما شوفت فارس واقف مع كريمة، اللي خبطت تاني وهي بتقول:
"افتحي يا هبلة."
مكنش ينفع مفتحش، والأنقح مكنش ينفع أدخل أغير هدومي اللي فعليًا مافيهاش أي حاجة، ينفع عادي أقعد بيها قصاد جوزي وحماتي، لكن أقعد بيها قصاد فارس إزاي؟
فتحت بعد محايلة على طول، ودخلوا، وإيدي على الشال مشدودة. جات كريمة سحبتني من دراعي وهي بتقعدني جنب فارس، اللي كنت هقع عليه من حدفتها، وهي بتقول:
"الواد دا عمل لك إيه؟
لسانك كان مبرد عليا لما كنت معترضة على السفر، لسانك اتشل لما زعلك لدرجة إنه يبات بره."
بلعت ريقي وأنا ببص له بشك إنه قالها حاجة، وحاولت أبعد عنه عشان لازقين في بعض، لكن عيون كريمة صيادة، لكني حاولت أسألها:
"مين قالك إنه بايت بره؟
فارس نايم امبارح وأول امبارح في البيت عادي."
رفعت حواجبها وهي بتقولي:
"الكلام دا يخيل على سعاد الغلبانة، هي بتصدق ملعوتك، لكن أنا عارفة إنه بات بره... فارس بيعدي عليا كل يوم وهو طالع بليل، والصبح لو صاحيين بيدخل يبوس إيدي ويصبح عليا.
أول امبارح كان طول اليوم بنفس الهدوم، لغاية ما نزل في نص النهار وعدى عليا ومعداش تاني وهو طالع. امبارح بقى طلع لي في نص النهار برضه يطمن عليا، والهدوم اللي عليه مكنتش بتاعته، ودلوقتي لابس نفس الهدوم بتاعة أول امبارح... معنى كدة إيه؟"
عضيت على شفايفي بصدمة، الأمهات المصرية فاقت المخابرات والله، لكني حبيت أستعبط برضه وأنا بقول:
"معنى إيه؟"
"معناه إنكم اتشكلتوا من غير صوت، وتتصلحوا من غير صوت، ومحدش فيكم يخرج من الباب دا وهو مش راضي التاني، وبدل ما الليل يحل يبقوا إنتوا الاتنين في سرير واحد، حتى لو بينكم مصانع الهدا طول اليوم. كل حاجة هتهون أول ما تحملي على كتفه، الزعل لو خرج بره أوضتكم ميبقاش زعل يا حبايبي، هيجر في ديله حاجات تانية إنتوا في غنى عنها...
ربنا يديم المحبة بينكم. أول سنة جواز صعبة، وإنتوا بينكم دلوقتي توتر عشان هو بس مسافر كمان كام يوم، متبقوش عبط وتضيعوا الكام يوم دول منكم.
صدقوني، اليومين دول فعلًا لو استغليتوهم، هي اللي تصبره على الغربة بره، وهي كمان اللي هتصبرك على غيابه... اشبعوا ببعض، عشان حتى لو هتكلموا بعض كل يوم ليل نهار، مش هيبقى لحظة حاطط راسك فيها جنب راسه."
كانت باصة لها، مركز مع كل حركة فيها، كل حرف بيخرج، كل نظرة بتتبدل، وهي خايفة علينا وحاجات كتير إحنا والله منستحقهاش.
قامت من مكانها قصادنا وهي بتقول:
"هخرج من الباب دا تتصافوا، ترضيها يا فارس وإلا متعتب عتبة بيتي ليوم الدين، أنا بقولك أهو... وإنتِ زمان قلبك لان عليه، دا والله مافيش في حنيته... هستناكم على الغدا، ولو مش عاوزين تنزلوا ووحشتوا بعض، متنزلوش عادي."
قالتها وهي بتشاكسنا، لكني رفعت لها حاجبي وأنا بقول باندفاع:
"إيه اللي بتقولي دا يا كريمة... انزلي، جوزك وعيالك بينادوا، يلا."
رفعت ليا حواجبها وهي بتنحني تبوس خدي وقالت:
"وإنتِ جوزك بينادي عليكي برضه... سلامات يا خيبة، يا اللي طردتي الراجل بعد عشرين يوم."
ضحكت عليها وهي داخلة في دور أم العروسة دلوقتي، أمي لو كانت عرفت كانت هتقولي نفس الكلمة: "يا خيبة."
مرضتش أقوم أوصلها لغاية الباب، لكنها أول ما قفلته اتنفضنا أنا وهو من مكاننا، ولا اللي لمستهم النار، وهو قال بسرعة:
"والله العظيم مكنتش عارف إنها ملاحظة، أصلًا أنا مكنش هاجي لها النهاردة، هي اللي اتصلت بيا وقالت لي أجيب لها دوا، وأنا متوقعتش الخيانة بصراحة وأنا مصر أطلع معها."
كان باصص في الأرض، لكني سبته وروحت على أوضتي، وخرجت مع ثواني وأنا بقوله:
"الظرف دا استلمته الصبح من مندوب البريد، كنت هتصل بيك أصلًا عشان تيجي، أكيد محتاج تراجع على شنطتك وورقك."
رفع عيونه وهو بيقول بأسف:
"أنا بس محتاج أتأسف على اللي عملته، مكنش قصدي أخوفك يا غالية، آسف بجد إني تسببت ليكي بالخوف دا كله، التلت أيام الجايين مش هتلمحيني حتى في الشقة."
"متبتش بره تاني عشان أهلك."
هز راسه، وفعلًا دخل لأوضته، وأنا دخلت لأوضتي أنا كمان عشان أغير.
==================================
قفلت باب الأوضة ورايا وقلعت التيشيرت، وأنا باصص في المراية على اللزقة اللي في ضهري، الحمد لله إن أمي ماخدتش بالها منه. وأنا قاعد كنت مركز على إيد غالية، كانت لسه حمرا وفيها فقاعات قليلة، لكن ضهري هو اللي زعل.
حطيت كريم مضاد بالعافية وبصعوبة، وفضلت قاعد لغاية ما ينشف شوية، لكني لبست التيشيرت وخرجت أدور على اللاب عشان محتاجه ضروري، لكن ملقتوش، فاضطريت أخبط عليها، فردت من جوه وهي بتقول:
"عاوز إيه؟"
"معلش، اللاب بتاعي مش لاقيه..."
"آه... ثانية."
قالتها، وبعدين قامت فتحت الباب فتحة بسيطة، وخرجت اللاب من فتحة يدوبك على قده. مكنتش عارف هو عندها بيعمل إيه، بس آه... أي مشاركة أمل، الأول مكنتش بتلمس أي حاجة تخصني، يا هنايا ويا سعدي لو كانت بتستخدمه.
شكرتها، وقبل ما أروح على أوضتي لقيت الباب بيخبط جامد، فروحت أفتح، كانت حبيبة المتعصبة وهي بتقول:
"شوف حل في أمك عشان تعبت منها."
اتنهدت براحة، كنت فاكر في حاجة كبيرة، لكن خناقات أمي وحبيبة المعتادة خلتني أدخلها وأنا بسألها:
"حصل إيه؟"
"حصل إني مش عاوزة أنزل السوق معها، يا عم أنا ورايا مذاكرتي ودنيتي، وهي مصرة عليا أتعلم أنقي خضار وأعمل طبيخ."
"حبيبة، إحنا هنضحك على بعض؟
أنا وإنتِ عارفين إنك مبتفتحيش كتاب، وبعدين هي مش بتستعبدك يعني، هي عاوزة تعلمك حاجات تنفعك في حياتك... بكرة تتجوزي وهتقفي في مطبخ وهتديري بيت، وإنتِ حلوة وشاطرة في كل حاجة، هتيجي على الأكل وتعملي وحش؟"
بصت ليا باقتناع سيكا وهي بتقول:
"لازم أتعلم أطبخ حلو، أنا مينفعش أعمل حاجة وحشة، بس برضه مش هقعد مع الست دي في مكان واحد... هبات عندك النهاردة وأبقى أرجع لها بكرة بالليل بعد الكلية، خليها تعرف قيمتي."
تنحت شوية وأنا بستوعب وبقولها:
"تباتي فين يا ماما... انزلي عند أمك يا بت... قال تباتي قال."
رفعت حواجبها وهي بتردحلي حرفيًا وبتقول:
"إيه اللي أبات فين؟
هو أنا هبات بينك إنت ومراتك؟
ما في أوضة تانية هخمد فيها وأنزل على الكلية."
"لا يا حبيبتي، مش أمك بتقول مافيش بنت محترمة تبات بره البيت؟"
"بقى كدة يا فارس؟
مش عاوزني أبات معك؟
فين أيام ما كنت تسيبني أنام جنبك وتقعد تعملي ضفاير؟ ماشي يا أخويا... مراتك غيرتك ونستك حبك لأختك... بقى كدة وإنت مسافر آخر كام يوم مش عاوزني أقعد معاك وأبات معاك؟"
"جو الاستعطاف والصعبانيات مبقاش يأكل عيش، اللي يسمعك يقول أخوكي هيوحشك وعاوزة تباتي معاه، مش بتخلعي من أمك عشان تنظيفة الشهر مثلًا."
ضحكت عشان قفشتها، وأنا بدرك معها أمي عزمت علينا ننزل نتغدى ليه، فضحكت، عجبتني الفكرة.
"هي فين غالية؟"
"نايمة... عاوزة منها إيه؟"
كانت رايحة ناحية الأوضة، فسحبتها من إيدها وأنا بقول:
"رايحة فين يا بنت؟
تعالي هنا."
"إيه هو أنا هآكلها؟
أنا هصحيها تنزل معايا عشان أمي مترفعش عليا الشبشب."
"طب خبطي على الباب، متدخليش كدة... مش وكالة من غير بواب هي."
"طب ما أنا كنت متعودة أدخل أصحيك على طول، ودخلت الأوضة دي كتير."
ابتسمت لها وأنا بمسح على شعرها وبقول:
"يا حبيبتي، الكلام دا وأنا لوحدي، دلوقتي غالية موجودة وفي خصوصية ليها لازم تحترميها، هي نايمة براحتها، لابسة براحتها... حتى لو أمها، لازم تستأذن قبل ما تدخل مكانها الخاص... وبعدين أنا عمري دخلت أوضتك من غير ما أخبط، أو دخلتها أصحيكي مثلًا؟
لا، معملتش كدة، وأحمد معملش مرة في عمره، ولا بابا. حتى منال قبل ما تتجوز وهي أكبر مني كانت بتخبط على أوضتي أنا وأحمد."
"ماشي يا عم، دخلتني في مواضيع أكبر مني، مع إني كنت بدخل عليك أوضتك وأصحيك عادي يعني."
"عشان محدش عارف يسيطر على جنانك يا ست حبيبة."
"طب ادخل صحيها إنت بقى عشان أمي زمانها حطت الأكل."
لحظة إدراك طلبها، وهي راحت قاعدة منظراني بقى أروح أفتح الباب أنا وأدخل!
يا ريتني كنت سيبتك تدخلي يا شيخة...