📁 آخر الروايات

رواية ما لا يحكي الفصل الرابع 4 بقلم دنيا شعبان

رواية ما لا يحكي الفصل الرابع 4 بقلم دنيا شعبان 


حسّت للحظة أن صداقتهم ممكن تنهار في أي لحظة، مجرد التفكير في الموضوع بيضايقها، وهي أكتر واحدة عارفة أن محدش يقدر يبعد عن التاني، بس كل اللي بيحصل ده بسبب كبرياء كل واحد فيهم. اتنهدت بوجع وبصّت بصّة أخيرة على أثر أحمد بعد ما اتأكدت أنه خرج من الشركة، وخدت القرار إنها مش هتسمح ليهم يخسروا بعض.
فتحت الباب ودخلت، كان يونس ساند ضهره على الكرسي ومغمض عينه، والتعب باين عليه. قربت من مكتبه، وقفت قصاده وقالت:
ـ يونس، إنت ليه بتعمل كدا؟
فضل زي ما هو على نفس وضعه، رد عليها وهو لسه مغمض عينه:
ـ سارة، لو سمحت أنا مش قادر أتكلم دلوقتي.
قعدت على الكرسي قدامه:
ـ طيب والمفروض نتكلم إمتى يا يونس؟
اتنهد بضيق وهو متأكد إنها مش هتسكت، فتح عينه ببطء، خد نفس عميق واتعدل في قعدته وبص ليها وقال:
ـ اتفضلي، عايزة تقولي إيه؟ أكيد جاية إنتِ كمان تتخانقي معايا زيه، مش كدا؟
ابتسمت له عشان كانت عارفة رده:
ـ لا يا سيدي أبدًا، هو إنت تعرف عني برضو كدا؟ بس حاسة كدا إني جعانة، فقولت أجي أخدك ونروح ناكل في مكان وآخد فيك ثواب.
ضحك غصب عنه على كلامها:
ـ سارة، قولي إنتِ جاية عشان إيه؟ وأكيد مش ده السبب اللي جاية عشانه.
ـ يعني إنت فعلًا عايز تعرف أنا جاية ليه؟
هز رأسه بهدوء، ليتفاجأ بردة فعلها اللي اتغيرت مرة واحدة.
قالت باندفاع:
ـ طيب اسمع بقى، أنا عايزة أقولك لازم تعرف يا يونس إن بسبب عصبيتك وجنانك وكلامك اللي بتقوله من غير ما تفكر فيه الأول، ده هيخليك تخسر صاحب عمرك. إنت بجد ليه بتعمل كدا؟
ـ سارة، لو سمحت حاسبي على كلامك، واللي حصل مع أحمد ده كان رد فعل على كلامه معايا، يعني أنا مش مجنون عشان أتخانق معاه من غير سبب.
ـ بجد؟ طيب تقدر تقولي إنتوا من ساعة ما عرفتوا بعض اتخانقتوا كام مرة؟
استغرب سؤالها، لأنها أكتر واحدة عارفة علاقتهم سوا عاملة إزاي.
ـ إنتِ عايزة توصلي لإيه يا سارة بالظبط؟
حاولت تهدأ واتكلمت بهدوء:
ـ يونس، إحنا أصدقاء بقالنا سنين كتيرة جدًا من واحنا أطفال تقريبًا، وما ينفعش أي مشكلة تحصل بينا يبقى نقطع علاقتنا أو نوجع التاني ولو بكلمة واحدة أو نهين بعض، والكلام اللي قولته لأحمد ده معناه إنه مش مهم عندك وإنك قادر تعيش من غيره عادي، والمفروض هو بقى يضرب رأسه في أي حيطة عشان حضرتك عصبي ومتهور. فكلامك غلط يا يونس، إحنا المفروض نقوي بعض، مش نكسر بعض بالشكل ده.
كل كلمة قالتها كانت كفيلة تخليه يندم على كل كلمة قالها في حق أحمد. فعلًا عندها حق، إحنا المفروض نقوي بعض مش نكسر بعض. فضل ساكت، مقدرتش أرد عليها، أو مش قادر أقول ولا أبرر تصرفي من الأساس.
حست إنه ندمان على كلامه:
ـ إيه رأيك نروحله سوا ونصلح اللي حصل دلوقتي؟
مسك ملف قدامه على المكتب بتهرب وقال وهو بيفتحه:
ـ أنا مش فاضي خالص يا سارة دلوقتي، وبعدين هو كدا كدا كلها ساعتين وهتلاقيه راجع تاني.
ـ أكبر غلط نعمله في حق أي حد بنحبه إننا نسيبه لدماغه.
ـ يعني إيه؟
وقفت وقربت منه:
ـ يعني اتفضل قوم معايا.
وقبل ما يرد عليها مسكته من إيده وشدته عشان يقوم:
ـ يلا بقى، إنت لزقت ولا إيه؟
ـ طيب يا مجنونة هقع، اصبري.
وخرجوا من الشركة سوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
كانت قاعدة على سريرها، قافلة نور الأوضة وبتعيط بحزن ووجع في قلبها على اللي وصلت له. شعور إن حياتك تتغير في يوم وليلة من أصعب الحاجات اللي الإنسان ممكن يحس بيها. إحساسها إنها كانت مغفلة ومغمضة عينها على حاجات كانت واضحة قدامها زي الشمس كان واجعها أوي. مش قادرة تفهم إزاي قدرت كل السنين دي عايشة معاه وهي مش شايفة حقيقته، وكمان كانت حاسة إنها مقصرة في حقه. إزاي حد يقدر يوصل لحد إنه قليل عنده بالشكل ده؟
في نفس اللحظة، صوت إشعار رسالة جالها على تليفونها، ونور الشاشة نوّر عتمة الأوضة وخرجها من دوامة أفكارها اللي رافضة تسيبها.
مسكت الموبايل وفتحت الرسالة، وأول ما شافت صورتهم دموعها نزلت غصب عنها وحست بغصة في قلبها.
كانت صورة لعاصم وداليا من بيتها، واضح عليهم السعادة، ولاحظت من الصورة إن العفش كله اتغير.
سابت الموبايل على السرير، وقفت وشغلت نور الأوضة، وقفت قدام المراية وهي شايفة ملامحها اللي بقى الحزن مسيطر عليها. حست بكسرة أول مرة تحس بيها، وأول مرة تشوف نفسها قليلة أوي كدا. حست إن أي حد ممكن يعيش من غيرها، وإنها مش مهمة عند حد ولا أي حد.
مسحت دموعها وهي قالت بصوت أشبه بالهمس لنفسها:
ـ إنتِ قوية وهتعدي كل ده، أيوة إنتِ تقدري. أوعي تعيشي دور الضحية، أوعي، فاهمة؟
كان الكلام بيطلع منها لنفسها عشان تفوقها وتخليها ترجع لحياتها الطبيعية.
قالت بصوت عالي نسبيًا:
ـ هو عايش حياته ومبسوط، وإنتِ بس اللي عايشة في وهم، وهم رسمتيه في دماغك وفي أفكارك، والوهم عمره ما هيبقى حقيقة ولا واقع. مش هسمح لنفسي أكون الضحية، لا، هعدي كل حاجة. فوقي يا نور فوقي، اللي زي ده ما يستاهلش دمعة واحدة منك. إنتِ غالية أوي، وعادي زي ما قدرت أعدي أي صعب قبل كدا، هعدي دي كمان.
قربت من الدولاب وبصت على الصندوق اللي محطوط فوقه. قربت الكرسي من الدولاب، وقفت عليه، خدت الصندوق، وأول ما نزلت فتحته على السرير، وراحت ناحية مكتبها، طلعت كل الصور اللي بتجمعها بعاصم وحطتها في الصندوق. جمعت كل حاجة ممكن تفكرها بيه، وقفّلته وزقته تحت السرير.
غمضت عينها وحاولت تاخد نفس، تطلع أي طاقة سلبية وأفكار ممكن ترجعها لنقطة الصفر من تاني، وكلمة واحدة بس بتتردد في عقلها:
"هتقدري... هتقدري."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ...♡
وقف يونس بعربيته وشاف أحمد وهو قاعد، بس ضهره كان ليه.
اتكلمت سارة:
ـ مش قولتلك أكيد هنلاقيه هنا يا بني؟
وفتحت باب العربية ونزلت منها، ولسه هتمشي، بس لاحظت سرحان يونس وهو لسه قاعد مكانه، بس نظراته كانت متثبتة على أحمد.
قربت منه وخبطت على إزاز العربية، لفت انتباهه وهي بتشاورله بإيديها بمعنى:
"مالك؟"
هز رأسه بهدوء وفتح الباب ونزل من العربية. وقف للحظة مكانه، وبعدين بدأ يقرب منه.
سارة حبت تسيبهم لوحدهم الأول عشان يتكلموا براحتهم، وبعدين تبقى تروح.
قعد جنبه بهدوء، أحمد ما اتحركش من مكانه ولا بص له، فضل باصص قدامه وساكت.
يونس بصله وفهم إنه لسه زعلان من كلامه، وحس إنه وجعه أوي بكلامه.
مر كام دقيقة، وكل واحد فيهم باصص قدامه، لغاية ما اتكلم يونس وهو لسه باصص قدامه:
ـ حقك عليا يا صاحبي.
رد أحمد بسخرية:
ـ صاحبك!! أنا مجرد موظف شغال عندك في شركتك، ومتقلقش، كلها كام ساعة والنهار يطلع واستقالتي تبقى على مكتبك.
غمض عينه بوجع من كلامه، واتضايق من نفسه أكتر إنه وصل صاحب عمره لكدا بسبب كلامه وعصبيته.
ـ بس أنا مش هقدر أكمل من غيرك، إحنا بدأنا سوا من البداية، وكل حاجة في حياتنا كنا بنعملها سوا من وإحنا عيال صغيرة.
سكت لحظة، واتنهد تنهيدة طويلة، ورجع كمل كلامه:
ـ أنا مش جاي أبرر كلامي معاك النهارده، ولا جاي أقولك إني مش غلطان، لأ، أنا غلطت جامد في حقك يا صاحبي، بس إنت برضو وجعتني أوي بكلامك.
وسكت فجأة.
أحمد بصله وشاف دموعه اللي بيحاول يمنعها إنها تنزل. هو كمان غلط وفتح موضوع هو عارف إنه بيجرحه، بس كان غصب عنه. مش قادر يشوفه وهو بيضيع كل حاجة تعبوا فيها عشان حاجة عمرها ما هتبقى ليه.
رجع تاني بص قدامه وهو مش عارف يقول إيه.
كمل كلامه بوجع أكبر:
ـ إنت أكتر واحد عارف أنا بحب نور من زمان إزاي، من وإحنا عيال صغيرة. أنا مش هقدر أشوفها موجوعة يا أحمد.
ـ وبرضو عارف إنها واحدة متجوزة يا يونس. يعني ما ينفعش. أنا عارف إني جرحتك بكلامي، بس لازم أفوقك. إنت مش بتضيع شغلنا اللي تعبنا فيه طول عمرنا، لا، إنت بتضيع نفسك، نفسك يا صاحبي، وأنا مقدرش أشوفك كدا وأفضل ساكت، أو حتى أعمل مش فاهم.
"أكتر حاجة ممكن تخلي الإنسان ضعيف هو الحب."
قربت منهم سارة وهي مبتسمة:
ـ وبعدين بقى في النكد ده؟ هنفضل كدا كتير ولا إيه؟ لا، أنا جعانة والله، مش قادرة.
رد عليها أحمد بضحك:
ـ اتفضل يا عم، يعني عندك دي مثلًا الدنيا تقوم وتولع قدامها وهي مش بتفكر غير في الأكل.
ـ إنت هتحسدني ولا إيه؟ وبعدين ما إنت لازم تقول كدا عشان مش بتفهم يا حبيبي. الأكل ده هو العلاقة الوحيدة اللي عمرك ما هتندم عليها في حياتك، اسألني أنا.
رد عليها بسخرية:
ـ أمممم، وإيه كمان؟
قالت بغيظ:
ـ شايف يا يونس صاحبك بيتريق عليا؟ طب والله أنا غلطانة اللي خليته يجي يصالحك. كان زمانى دلوقتي قاعدة باكل في أحسن مطعم، وإنت قاعد هنا في الجو الحزين بتاعك ده لوحدك.
ـ بس يا طفصة.
ـ يا كئيب.
يونس كان كاتم ضحكته بالعافية وهو شايفهم بيتشاجروا مع بعض، والحقيقة مش عارف كان هيعمل إيه من غيرهم. هما دول أغلى ناس في حياته، هما و...
وسكت بينه وبين نفسه، هز رأسه بنفي وقال بسرعة عشان ينهي الجدال اللي حصل بينهم:
ـ بس بس، حقكوا عليا أنا، يلا بينا عشان هموت من الجوع، يلا.
سارة بضحك:
ـ تصدق؟ أول مرة تقول حاجة صح.
قال أحمد بصوت واطي بس مسموع:
ـ عشان إنتِ طفصة بس، مش أكتر.
ردت عليه بصوت مسموع:
ـ سمعتك يا كئيب يا حزين.
يونس هز رأسه بقلة حيلة من تصرفاتهم الطفولية، ركبوا العربية واتحركوا، وكل واحد كان بيفكر في حاجة مختلفة.
يتبع...
وهنا نقف عند جملة مهمة قالتها سارة:
"أكبر غلط نعمله في حق أي حد بنحبه إننا نسيبه لدماغه."
تفتكروا إيه اللي هيحصل في حياة نور؟



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات