رواية عشق يزلزل الحصون الفصل الرابع 4 بقلم بسنت محمد
رواية: عِشْقٌ يَزْلْزِلُ الحُصُونْ 
دوى صوت إطلاق الرصاص في عتمة الصحراء كالإعصار، وتحول ممر الأتوبيس إلى ساحة من الصراخ والذعر بين الأطباء. لكن في المقعد الخلفي، كان الوضع مختلفاً تماماً؛ حيث كانت حور ملتصقة بالأرض تماماً، وجسد أدهم الضخم يغطيها بالكامل لحمايتها من أي رصاصة طائشة قد تخترق زجاج النوافذ.
كانت أنفاس أدهم اللاهبة تلامس وجه حور بسبب قربه الشديد منها، وعيناه السوداوان تلمعان في الظلام بتركيز مرعب وهو يوجه سلاحه نحو الخارج. حور، رغم رعبها من صوت ضرب النار، إلا أن دقات قلبها كانت تدق لسبب آخر تماماً.. رائحة عطر أدهم الرجولي المختلط برائحة البارود، وقبضة يده القوية التي كانت تضغط على كتفها بحنان خفي لحمايتها، زلزلت كيانها بالكامل.
أدهم التفت إليها للحظة، ونظر في عينيها العسليتين الخائفتين، وقال بصوت منخفض وصارم يحمل أمراً لا يقبل النقاش:
"حور.. خليكي مكانك ومتتحركيش خطوة واحدة، أياً كان اللي هيحصل برة، فاهمة؟"
حور هزت رأسها بسرعة وعفوية، ولأول مرة اختفت نبرة السخرية من صوتها وقالت بخوف حقيقي عليه:
"حاضر.. بس أنت كمان خلي بالك من نفسك يا ادهم
تصلب أدهم لثوانٍ عندما نطق اسمه مجرداً من شفتيها لأول مرة، وشعر بطاقة غريبة تدب في جسده. أومأ لها برأسه، ثم اندفع بسرعة البرق نحو باب الأتوبيس، وانفتح الباب ليقذف نفسه إلى الخارج وسط المعركة!
في الخارج.. كانت سيارات الجيب التابعة للعمليات الخاصة قد شكلت درعاً دائرياً حول الأتوبيس. كان الرائد إياد يقف خلف باب سيارته، يتبادل إطلاق النار بحرفية شديدة مع قطاع الطرق الذين حاولوا الهجوم.
صرخ إياد عبر اللاسلكي وهو يلمح أدهم يخرج:
"أدهم! المجموعة اللي على اليمين بيحاولوا يلفوا ورا الأتوبيس! التأمين محتاج دعم عندك!" 

أدهم انبطح أرضاً، وسحب قنبلة دخانية ورماها بدقة متناهية وسط سيارات المهاجمين، ليتصاعد غبار أبيض كثيف حجب عنهم الرؤية. وبسرعة الأسد الذي يطارد فريسته، تحرك أدهم وإياد مع الجنود في هجوم مضاد وسريع، وخلال دقائق معدودة، تبدلت موازين المعركة، واضطر بقية قطاع الطرق إلى التراجع والهروب بسياراتهم وسط الصحراء بعد أن تلقوا ضربة قاسية من رجال "الحصن". 
عم الهدوء فجأة، ولم يعد يُسمع سوى صوت أنفاس الجنود اللاهثة. التفت أدهم إلى إياد وقال وهو يتفقد رجاله:
"في أي إصابات في قوتنا يا إياد؟"
إياد وهو يلتقط أنفاسه ويمسح الغبار عن وجهه:
"الحمد لله يا صاحبي، الكتيبه كلها تمام، مجرد خدوش بسيطة.. والوفد الطبي جوة الأتوبيس آمن بالكامل."
تنهد إياد بعمق، وفي تلك اللحظة، مر طيف "سلمى" في عقله؛ تذكر دعواتها له قبل السفر، وابتسم بداخل قلبه لأنه أوفى بوعده وسيعود إليها سالماً. 

عاد أدهم إلى داخل الأتوبيس، وصعد السلالم بخطوات ثقيلة. كان الأطباء يبكون من الخوف، لكن أدهم تجاوزهم جميعاً بخطوات سريعة متجهاً مباشرة إلى المقعد الخلفي.
وجد حور ما زالت منبطحة أرضاً، ويداها تغطيان رأسها وشعرها الكيرلي متناثر بشكل فوضوي مضحك ورقيق. انحنى أدهم وأمسك بيديها برفق ورفعها لتجلس على المقعد قائلاً بنبرة حاول أن يجعلها جافة:
"المعركة خلصت يا دكتورة.. تقدري تقومي وتعدلي نظارتك دي."
حور نظرت إليه بذهول، ثم تفقدت جسده وعيونه وجاكيته العسكري لتتأكد أنه لم يصب بأذى، وفوراً عادت إليها روحها الشقية لتخفي بها توترها الشديد:
"يا ساتر يا رب! إيه ضرب النار ده كله؟ ده أنا حسيت إني في فيلم أحمد السقا! وبعدين أنت كويس؟ مفيش رصاصة دخلت غلط هنا ولا هنا؟ عشان لو اتصبت مش هعالcheck، أنا لسه مكلتش الحواوشي بتاعي!"
شقاوة لا تنتهي!
أدهم نظر إليها بنظرة مطولة، وشعر براحة غريبة تسري في جسده لمجرد سماع لسانها الطويل يعود للعمل من جديد. جلس في المقعد المقابل لها وقال وهو يخلع كابه العسكري:
"أنا كويس يا حور. بس واضح إن الإعصار مبيخافش بسهولة.. كنت فاكر هلاقيكي بتعيطي وتصوتي زي بقية الدكاترة برة."
حور لوت بوزها بفخر ومرح وقالت وهي تفتح علبة الشيبسي أخيراً:
"تؤ تؤ، عيب عليك يا سيادة المقدم! أنا دكتورة جراحة وبنشوف دم علطول، بس الصراحة.. صوت سلاحك كان عالي أوي وخرم لي ودني. خد واحدة شيبسي كتعويض عن حماية الأتوبيس!"
ومدت يدها الصغيرة تقدم له واحدة.
أدهم نظر إلى يدها، ثم إلى وجهها العفوي، ولأول مرة أمام أحد، انطلقت من بين شفتيه ضحكة رجولية منخفضة وساحرة وأخذ منها الشيبسي وقال:
"مجنونة.. والنعمة مجنونة يا حور." 
انطلق الأتوبيس مجدداً بعد تأمين الطريق، وبعد ساعات قليلة، بدأت خيوط الشمس الأولى تشرق على رمال الصحراء الذهبية، لتعلن وصول الوفد الطبي إلى المستشفى الميداني على الحدود.. لكن هذه المرة، لم تعد القلوب كما كانت قبل الرحلة؛ فالحصن بدأ يتصدق، والإعصار بدأ يهدأ في حضرته!