📁 آخر الروايات

رواية اقدار مؤجلة الفصل الرابع 4 بقلم volny_morya

رواية اقدار مؤجلة الفصل الرابع 4 بقلم volny_morya


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
𝐏𝐚𝐫𝐭𝟒: ظل الحقيقة الصادمة


by Volny_morya


.......

"جميع خيبات الأمل بِملامح مُختلفة."


. . . . . . . . . . . . . . .
4

في موسكو، حيث كان الفجر بالكاد يزحف على المدينة لغارقة في صمت شتوي ثقيل، كان المنزل الكبير ينبض بإيقاع متسارع، وقع خطوات ثابتة على آلة الجري، تملأ غرفة الرياضة الواسعة...

لم يكن هذا مجرد تمرين روتيني، بل كان جزءًا من نظام صارم فرضته على نفسها، كأنه امتداد لشخصيتها المنضبطة، التي لا تسمح بأي تراخٍ أو فوضى..
2

جليلندون لم تكن امرأة تقبل أن تخرج عن السيطرة، لا في حياتها المهنية، ولا في حياتها الخاصة، حتى جسدها كان انعكاسًا لتلك الإرادة الحديدية...
6

سنوات من التدريب جعلت جسدها متناسقًا، مشدودًا بلا مبالغة، قويًا بلا استعراض...

البنطال الرياضي الأسود الضيق كان ينساب على طول ساقيها القويتين، وحمالة الصدر الرياضية الكحلية كشفت عن عضلات بطنها المحددة بدقة، فيما كانت خصلاتها الشقراء مربوطة في ذيل حصان عالٍ، تتمايل بإيقاع ثابت مع خطواتها المتسارعة...
1

في أذنيها، كانت السماعات اللاسلكية تنقل صوتًا مألوفًا، القاضية نيكيتينا بنبرتها الجافة تستعرض حيثيات القضية المقبلة، تفاصيل الشحنة المضبوطة، والتحقيقات الأولية التي تشير إلى تورط جهات لم تُكشف بعد...
4

"القضية 746، المدّعى عليه: شركة جلوبال ترايدينغ، الشحنة المضبوطة على الحدود الروسية، التحقيقات الأولية تشير إلى احتمالية تورط جهات عسكرية..."

لم ترفّ عينها، لم يبطؤ إيقاعها، لكنها شعرت بعضلة في فكها تنقبض...قضاياها لم تكن يومًا سهلة، ولم تكن تتولى إلا الملفات التي تتداخل فيها السياسة بالقانون، وحيث يكون الخيط بين الحقيقة والتلاعب بالكاد مرئيًا...

تلك الصرامة لم تقتصر على عملها فقط، بل امتدت حتى إلى ما يدخل جسدها...

نباتية صارمة، ليس بدافع المثالية، بل بدافع السيطرة...كانت تؤمن أن الإنسان الذي يستطيع التحكم في رغباته الأساسية، يستطيع التحكم في أي شيء آخر...


رفعت سرعتها، دفعت بجسدها إلى الحد الذي تشعر فيه بأنفاسها تزداد عمقًا، بالحرارة تسري في عضلاتها المشدودة، وكأنها تحاول التخلص من الأفكار العالقة في ذهنها..

لكن لا شيء كان يمنع ذلك الاسم من الظهور في عقلها..

أورلوف كوزوسوف..
4

لم يعد اسمًا فقط، لم يعد ذكرى قديمة حاولت أن تدفنها تحت طبقات من العمل والانشغال، بل بات ظلًا يتحرك خلف هذه القضية، يقترب أكثر مما كانت تتوقع..
5

قبضت يدها بقوة حول المقابض، زادت السرعة، وكأنها تستطيع الركض بعيدًا عنه، بعيدًا عن الماضي، بعيدًا عن الحقيقة التي تعرفها جيدًا:

هذا اللقاء... كان لا مفر منه...
3

في بعض الليالي، عندما يسود الصمت أرجاء المنزل الكبير، وحين تتوقف عن الانشغال بالقضايا والأوراق والعقود، كانت تلك الفكرة تتسلل إلى عقلها كضيف ثقيل الظل:

هل كان هذا الفراغ الذي اختارته حقًا أفضل من كل البدائل الأخرى؟
4

لقد دفنت نفسها في العمل، صنعت لنفسها عالمًا لا يسمح بوجود أحد غيرها، لكن هل كانت سعيدة؟ لا، لم تكن، لكنها لم تكن تعيسة أيضًا..
1

كان هذا الخيار أفضل من الفراغ الذي عرفته قبل ذلك الزواج، قبل أن تحرق الجسور مع عائلتها وتخطّ طريقها بيديها... وإذا عادت إلى الماضي، كانت ستتخذ القرار ذاته مجددًا..
3

كانت تؤمن أن بعض الخيارات ليست بين الخير والشر، بل بين السيئ والأسوأ..
1

وفي كل مرة يراودها هذا التساؤل، كانت تتذكر شقيقتها الكبرى، أليونا كوزوفا، تلك المرأة التي كانت دائمًا ظلًا لوالدهما، أكثر بناته طاعةً، والأكثر انكسارًا..
6

لم ترها وجهًا لوجه منذ عامين تقريبًا، لكن أخبارها لم تنقطع عنها..كانت تعيش في ندم مستمر، ذلك النوع من الندم الذي يأكل الإنسان حيًا، الذي يجعله يستيقظ كل يوم بشعور الخسارة..
1

إيكاترينا، التي كانت مثال الابنة المثالية، المرأة التي كانت لا تنطق إلا بما يوافق هوى والدها، هي ذاتها التي هربت يومًا من حب حياتها، وكان في رحمها جنين لم يولد بعد..
5

في أيام الجامعة، حين كانت جليلندون صغيرة لا تزال تراقب العالم من خلف قضبان العائلة، كانت ترى كيف كان ديميتريوس، ذلك الطالب الجامعي الطموح، يحب شقيقتها حد الجنون...

كان يعمل لساعات إضافية في المساء، فقط ليشتري لها أزهارًا ملونة كل نهاية أسبوع..
3

لم يكن يملك ثروة، لم يكن من طبقة النخبة، لكنه كان يملك شيئًا لم يعرفه والدها يومًا: الإخلاص..
3


لكن ذلك لم يكن كافيًا..

حين اكتشف والدها الأمر، لم يكن هناك مجال للنقاش، فقط أوامر، قرارات، وأوامر صارمة:

"تُجهضين الجنين، وتنسين هذا السخيف.."
4

وأطاعت..
7

كرهتها جليلندون حينها..كرهتها أكثر مما كرهت والدها نفسه.. كيف يمكن لها أن تفعل ذلك؟ كيف يمكن أن تتخلى عن طفلها وعن الرجل الذي أحبها، فقط لإرضاء والدها؟..
5

كرهتها أكثر حين علمت أنها لم تفعل ذلك بسهولة، بل لأنها انكسرت تمامًا، لأنها لم تكن قوية بما يكفي لتقاوم..

حين أدركت إيكاترينا أنها خسرت حب حياتها بيدها، وبأسوأ طريقة ممكنة، لم يكن هناك طريق للعودة...

لم يكن هناك فرصة أخرى، ولا كلمات يمكنها إصلاح ما تم كسره..لم يكن هناك سوى طفلة صغيرة تنمو في داخلها، آخر ما تبقى لها من رجل أحبتّه بصدق..

حين واجهت والدها للمرة الأولى في حياتها، حين رفعت رأسها وقالت بصوت لم يكن يحمل أي تردد أنها لن تجهض الجنين، لم يكن الأمر سهلاً...
4

كان والدها قد رأى فيها دائمًا امتدادًا له، ابنته المطيعة، يده اليمنى، المرأة التي ورثت عنه العقلانية الباردة، ولم يكن ليتوقع أبدًا أنها ستقف في وجهه يومًا..
3

كان يفكر في الإرث، في السمعة، في الأجيال التي حملت اسم فولكوف لعقود، ولم يكن جنين غير شرعي سيعكر صفو ذلك..

لكن حتى في جبروته، لم يكن يريد أن يخسرها..لم يكن والدها رجلاً يسمح للمشاعر بالتحكم فيه، لكنه كان عمليًا، وكان يعرف أن خسارة إيكاترينا تعني خسارة أكثر مما يمكن تعويضه..
2

لذا، تنازل عن مطلبه، لكن بثمن باهظ..

"ستحتفظين بالطفلة، لكنك ستنسينه.."
7

لم يكن هناك مجال للنقاش، لم يكن هناك فرصة حتى للتفكير، كانت صفقة واضحة: إما أن تفقد كل شيء، أو تفقد حب حياتها فقط..
2

و إيكاترينا، التي لم تكن قوية بما يكفي في الماضي، اختارت الخيار الوحيد الذي ظنّت أنها تستطيع العيش معه..

احتفظت بابنتها، لكنها فقدت الرجل الذي كان يمكن أن يكون عائلتها..
1

أصبح مجرد اسم لم يعد يذكر أمامها، رجلًا لم يعد له وجود، ومع ذلك، كانت تعرف أنه هناك، في مكان ما، حيًا، يتنفس، ربما يحمل في قلبه كرهًا لها، ربما لم يغفر لها أبدًا..

لكنها لم تستطع البحث عنه، لم تستطع حتى أن تسأل عنه، لأن ذلك كان ثمن الصفقة..
3

و إيكاترينا فولكوف ، رغم كل شيء، لم تكن امرأة تكسر الصفقات...
4

. . . . . . . .

داخل ملعب الهوكي المغطى في موسكو، لم تكن هناك هتافات جماهيرية صاخبة ولا أضواء كاميرات تلفزيونية، فقط صوت شفرات الأحذية المعدنية وهي تخدش سطح الجليد بانسيابية، وأصوات متقطعة لعصي الهوكي وهي تصطدم بالقرص الأسود، تدفعه عبر الملعب بسرعة مدروسة...
3

كان هذا مجرد تدريب، لكنه لم يكن عاديًا..

اللاعبون المنتشرون على الحلبة كانوا يتحركون بمهارة وانضباط، يرتدون البذلات الرياضية بالأبيض والأزرق، وعصيهم القوية تمسك القرص بحذر ثم تدفعه بقوة نحو المرمى...

الشعار المطرّز على صدورهم، رمز النادي العريق، يتلألأ تحت الأضواء الساطعة التي تعكس وهجها على سطح الجليد الناصع...

على جانب الحلبة، وقف المدرب بمعطفه الشتوي الطويل، يراقب التمرين بعيون ناقدة، يمسك بلوحة إلكترونية يدون عليها ملاحظاته، بينما مساعدوه يتابعون الأرقام والإحصائيات...

بالرغم من أنه تدريب، إلا أن الأجواء كانت متوترة بعض الشيء...اللاعبون يركزون على كل تمريرة، كل حركة، كل مناورة، وكأنهم في مباراة حقيقية...

وبينهم، كان هناك رجل واحد بارز أكثر من غيره...
1

بذلته البيضاء التي تحمل شعار النادي كانت أكثر صلابة على جسده القوي، وحركاته فوق الجليد أكثر دقة من الجميع..

لم يكن مجرد لاعب عادي، بل كان أحد ركائز الفريق، رجلًا لا يمكن تجاهله في أي مباراة، تمامًا كما لا يمكن تجاهله خارج هذا الميدان أيضًا...
1

"كوزوسوف!"

صوت المدرب اخترق الأجواء المتجمدة، متبوعًا بإشارة سريعة إلى اللاعب الذي التقط القرص بحركة سلسة، دار بجسده الطويل برشاقة مفاجئة، ثم أرسل تمريرة حادة نحو زميله وكأنها صُنعت خصيصًا لتشق طريقها بدقة بين العصي والخوذات...

ارتطمت العصي، واصطدم القرص بالشبكة، هدف نظيف، سريع، محسوب بدقة...

هز المدرب رأسه بارتياح، لكن عينيه لم تفارقا اللاعب حتى بعد أن عاد الأخير إلى موقعه..كوزوسوف لم يكن يحتاج إلى مديح، كان يعرف قيمته بالفعل...

كان الجليد لا يزال محتفظًا بآثار الشفرات التي انزلقت فوقه، بينما علت أصوات الأنفاس الثقيلة من اللاعبين الذين بذلوا جهدهم في الجولة الأخيرة من التدريب...

لكن كوزوسوف، هذه المرة، لم يكن بكامل تركيزه..

استلم التمريرة، رفع العصا، واستعد لتسديد هدف كان ليكون ختامًا مثاليًا لليوم... لكنه أخطأ..

القرص ارتطم بالحافة المعدنية للمرمى، ثم انزلق مبتعدًا، يتهادى فوق الجليد، كأنه يعكس شروده الذي لم يستطع إخفاءه اليوم..

"كوزوسوف!"

صوت المدرب جاء كحد السكين، حادًا، واضحًا..

توقّف الجميع، صمت خيّم على الحلبة للحظات، قبل أن يضيف المدرب بصوت جاف:

"اتبعني.."

لم يحتج كوزوسوف إلى تفسير... كان واضحًا أن شيئًا ما لم يكن على ما يرام، لكنه لم يكن بسبب مباراة الغد...

كان القلق الذي ظهر على وجهه ليس قلقَ رياضيٍ يُخطئ في لحظة ضعف لا، هذه المرة، كان قلقًا من نوع مختلف تمامًا...

عيناه الرماديتان، العميقتان، تحملان ثقلًا لم يكن متعلقًا بالهوكي، بل كان متعلقًا بذلك الطفل الصغير، الذي بالكاد يبلغ عامين، ويجلس الآن في حضن مساعد المدرب، محاطًا برجال أقوياء، لكن دون وجود امرأة واحدة تُمسك به كما يجب..
6

ذلك الطفل، ابنه..
1

لم يكن أحدٌ في الفريق يجرؤ على قولها صراحة، لكن الجميع كان يعلم أن أرتيوم كوزوسوف لم يكن مجرد لاعب نجم في الهوكي، بل كان أبًا أعزب، وأبًا قلقًا بشدة...
7

تحرك بصمت، عيناه لم تفارقا الطفل الذي كان يراقبه هو الآخر... كان الصغير يشبهه كثيرًا، ملامحه الروسية النقية، العيون الرمادية نفسها، ونفس الفم الحاد الذي يضغط شفتيه عندما يكون مركزًا في شيء ما، حتى لو كان مجرد قطعة صغيرة من الثلج حملها في يده الصغيرة..
1

الفرق الوحيد بينهما، أن الطفل كان يبتسم..

ذلك النوع من الابتسامة البريئة التي لم تلوثها الحياة بعد، الابتسامة التي جعلت اللاعبين، بكل قسوتهم داخل الحلبة، يذوبون أمامه في كل مرة..
3

لكن كوزوسوف لم يبتسم.. لم يكن يملك رفاهية الابتسام كثيرًا هذه الأيام...

إنه يعلم أن ابنه لا يحتاج فقط إلى رجالٍ يحبونه ويلعبون معه. إنه يحتاج إلى حضن امرأة...
4

ولأول مرة منذ زمن طويل، أدرك أرتيوم أن هذه الفكرة تؤرقه أكثر مما ينبغي...

لم يكن ارتيوم كوزوسوف رجلًا يصبر كثيرًا على الأخطاء...

على مدار العامين الماضيين، تناوبت أكثر من 14 مربيات على رعاية ابنه، ولم تستطع أي واحدة منهن البقاء أكثر من شهرين قبل أن يجد سببًا وجيهًا لطردها...
2

قبل ثلاثة أيام، طرد المربية الأخيرة...

لم يكن قرارًا صعبًا بالنسبة له...لقد كانت كسابقاتها؛
ليست سيئة تمامًا، لكنها لم تكن جيدة بما يكفي..

كانت شابة طيبة، ذات ابتسامة دافئة، لكنها تركت الطفل يشاهد التلفاز لأكثر من ساعة دون رقابة، وعندما عاد إلى المنزل بعد تدريبٍ طويل، وجد ابنه يحدّق في الشاشة وعيناه نصف نائمتين..
3

كان هذا كافيًا بالنسبة له..

أرتيوم لم يكن مجرد رجل متطلب، كان أبًا قلقًا حدّ الهوس..
4

ربما كان صارمًا، وربما كان متحجر القلب في نظر البعض، لكنه كان يعلم أمرًا واحدًا لا جدال فيه: لا أحد في هذا العالم سيهتم بابنه كما يفعل هو...
2

وهذا ما أقلقه أكثر..

كل ليلة، حين ينام الصغير، كان يجد نفسه واقفًا عند باب غرفته، يراقبه في الظلام، يتساءل إن كان يكبر بشكل طبيعي، إن كان ينقصه شيء، إن كان يشعر بالوحدة وسط عالم لا يعرف فيه إلا والده...

أرتيوم لم يكن يملك رفاهية أن يكون أبًا عاديًا، كما لم يملك رفاهية أن يكون رجلًا عاديًا...كان لاعب هوكي في فريق النخبة بموسكو، مما يعني أن حياته لم تكن بسيطة أبدًا..

وكان ابنه في المنتصف..

بين المذبح الجليدي للحلبة، والميدان البارد لحياته الخاصة، كان الصغير ينمو... لكن، هل كان ينمو كما يجب؟..
2

اليوم فقط، عندما أخطأ الهدف، وعندما ناداه المدرب بغضب، لم يكن ذهنه في اللعبة...لم يكن يهمه إن كانت موسكو ستفوز أم لا..

كل ما كان يفكر فيه هو أن ابنه يجلس هناك، في حضن مساعد المدرب، دون أن يكون هناك من يضمه بحنان أمومي، من يغني له قبل النوم، من يخبره أن كل شيء سيكون على ما يرام...

لم يكن من المفترض أن يكون الوضع هكذا...
1

لكنه لم يعرف بعد كيف يصلحه...

داخل المكتب الصغير الذي تفوح منه رائحة الجلود القديمة والمطهرات، أغلق أرتيوم الباب خلفه، وقبضة يده مشدودة حول قبعة الهوكي التي نزعها عن رأسه...

لم يكن بحاجة إلى النظر إلى مدربه ليعرف ما الذي سيقوله...

"مربية أخرى، أرتيوم؟"

كان صوت المدرب يحمل مزيجًا من الإحباط والجدية.. رجل في الخمسينات من عمره، خاض مباريات أكثر مما يمكن إحصاؤه، لكنه الآن يواجه خصمًا أصعب من أي مباراة-عناد ارتيوم كوزوسوف..

لم يرد أرتيوم على الفور، بل ألقى القبعة على الطاولة الخشبية قبل أن يسند يديه على جانبيها، متمسكًا بصمته الصلب...

"لقد أخبرتك سابقًا، لا يمكنك الاستمرار بهذا الشكل.. لا يمكنك أن تربيه وحدك هكذا، ولا يمكنك طرد أي شخص لمجرد أنهم لم يكونوا مثاليين .."

رفع أرتيوم رأسه أخيرًا، ونظر إلى مدربه نظرة رجل سئم من هذه المحادثة..

"أنا لا أبحث عن المثالية، أبحث عن الأمان.."
2

هز المدرب رأسه وهو يعبث بقلم بين أصابعه، ثم قال بهدوء لكنه كان يعلم أن كلماته ستصيب الهدف:

"الأمان؟ هل تظن أن هذا الطفل يشعر بالأمان عندما يستيقظ كل شهر ليجد شخصًا جديدًا مسؤولًا عنه؟ متى ستتوقف عن الاعتقاد بأنك الوحيد الذي يستطيع الاعتناء به؟"

شعر أرتيوم بضغط في صدره، لكنه لم يتركه يظهر.. كان دائمًا كذلك، رجل يخفي مخاوفه خلف قناع من الهدوء المفرط.. .

"أنا أثق به، لكنني لا أثق بالآخرين.."

"إذن كيف ستعيش؟"

قال المدرب وهو يميل للأمام قليلًا، ناظرًا إليه نظرة رجل عرف الحياة أكثر مما عرفها أرتيوم..

"هذا الطفل لا يحتاج فقط إلى طعام وملابس دافئة، بل يحتاج إلى استقرار، إلى أن يكون هناك شخص بجانبه يمكنه الاعتماد عليه عندما لا تكون موجودًا.."

زمّ أرتيوم شفتيه، وأشاح بعينيه نحو النافذة حيث كان الظلام قد بدأ يزحف على المدينة..

"وأنا من سيختار هذا الشخص، وليس أي أحد آخر.."

تنهد المدرب، ثم استند إلى الخلف في كرسيه...

"حسنًا، أيًا كان قرارك، عليك اتخاذه قريبًا.. لا يمكنك مواصلة العيش وكأنك في مباراة لا تنتهي.. طفلك يحتاج إلى أكثر من ذلك، وأنت تعرف ذلك جيدًا.."

وقف أرتيوم، والتقط قبعة الهوكي عن الطاولة، وأعاد وضعها على رأسه، قبل أن يتجه نحو الباب..

لكنه توقف للحظة قبل أن يخرج، وصوته جاء منخفضًا لكنه حاد كالسيف:

"سأجد الحل.. بطريقتي.."

ثم غادر، تاركًا المدرب يهز رأسه بيأس مألوف..

كان يعرف ذلك الجليد في عيني أرتيوم جيدًا.. الرجل لم يكن يبحث عن مجرد مربية... كان يبحث عن شخص يثق به كما لم يثق بأحد من قبل..

وكان ذلك أصعب مما يتصور..

قبل أن يغلق أرتيوم الباب خلفه، فتحه شخص آخر ودخل إلى المكتب بخطوات غير متوازنة بسبب العكاز الذي يرتكز عليه...

كان ذلك إيغور لاعب الدفاع الأساسي في الفريق، والرجل الذي لطالما كان الجدار الصلب أمام هجمات الخصوم..

إصابته الأخيرة في الركبة خلال إحدى المباريات كلفت الفريق كثيرًا، لم يكن مجرد لاعب في الدفاع، بل كان العمود الفقري للخطة، صخرة تصد أي محاولة لعبور خط الحماية...

غيابه عن التشكيلة الأساسية كان محسوسًا، وأثره كان واضحًا على الجميع، بما في ذلك أرتيوم...

كان يقضم تفاحة بصوت مسموع، وعلى وجهه تلك الابتسامة الساخرة التي لم تفارقه حتى وهو مصاب... التفت إلى المدرب وهو يرفع حاجبه بمكر:
2

"إذن، رحلت تلك المربية الحلوة؟"
1

أطلق المدرب تنهيدة طويلة، بينما شدّ أرتيوم قبضته على مقبض الباب دون أن يستدير..

"هل أتيت إلى هنا من أجل العلاج الطبيعي أم لتتدخل فيما لا يعنيك؟"

قال أرتيوم بصوت بارد..

ضحك إيغور وهو يستند إلى الطاولة، وألقى نواة التفاحة في سلة المهملات برمية دقيقة..

"لا تكن حساسًا هكذا، كنت أظن أنك ستستمر معها هذه المرة على الأقل شهرين كاملين.. كنت بدأت أعتقد أنك وجدت واحدة تستحق البقاء.."

نظر أرتيوم إليه أخيرًا، نظرة حادة جعلت ابتسامة إيغور تتوسع وكأنه يستمتع باستفزازه...
1

"لو كانت تستحق، لما رحلت.."

هز المدرب رأسه بيأس، ثم التفت إلى إيغور قائلاً:

"وأنت، عد إلى علاجك الطبيعي بدلًا من إضاعة وقتي .."

رفع إيغور يديه باستسلام، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من التعليق الأخير:

"فقط حاول ألا تطرد القادمة في غضون أسبوع، حسناً؟ طفلك يحتاج إلى بعض الاستقرار، وليس إلى سلسلة من الوجوه التي تتغير أسرع من نتائج الدوري.."

لم يرد أرتيوم هذه المرة، فقط خرج وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا المدرب وإيغور يتبادلان نظرات ذات معنى..

قال إيغور بصوت منخفض بعد لحظات:

"إنه عنيد... لكنه ليس أحمق... عاجلًا أم آجلًا، سيجد من تستطيع البقاء.."
3

رد المدرب وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق على مكتبه:

"آمل ذلك، قبل أن يكون الأوان قد فات.."

نظر المدرب إلى إيغور، متفحصًا ساقه المصابة قبل أن يسأله بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة اهتمام واضحة:

"كيف هي ركبتك؟ هل تشعر بأي تحسن؟"

شدّ إيغور قبضته على العكاز، ثم حرّك ساقه قليلًا بحذر، كأنه يختبر مدى استجابتها...

كانت الإصابة قوية ؛ تمزق في الأربطة نتيجة اصطدام عنيف في آخر مباراة لعبها قبل ثلاثة أشهر... إعادة التأهيل كانت شاقة، والعلاج الطبيعي استنزف طاقته، لكنه لم يكن الرجل الذي يستسلم بسهولة...

"أفضل مما كانت عليه، لكن لا تتوقع رؤيتي على الجليد قريبًا.."
قال بنبرة ساخرة، ثم أضاف بجدية:

"الأطباء يقدرون أنني سأحتاج لشهرين إضافيين قبل أن أتمكن من التدرب مع الفريق مجددًا.."
1

أومأ المدرب برأسه متفهمًا، ثم غير الموضوع وهو ينظر إلى الأوراق أمامه:

"سمعت أن والديك غادرا موسكو صباح اليوم، كيف كانت زيارتهما؟"

ارتكز إيغور على الطاولة، ومرر يده في شعره القصير قبل أن يجيب:

"كما تتوقع، أمي كانت قلقة أكثر من اللازم، ووالدي اكتفى بهز رأسه والاستماع.. لم يكونا سعيدين بإصابتي، لكنهما يعرفان أن هذه هي حياة الرياضيين.."

صمت المدرب للحظة قبل أن يرفع نظره إليه مجددًا:

"ومن سيبقى معك الآن؟"

ابتسم إيغور ابتسامة خفيفة وقال:

"إبنة عمي، ستصل غدًا.."
8

رفع المدرب حاجبه مستفسرًا، فأكمل إيغور:

"ألا تتذكرها؟ سفيتلانا ميخائيلوفا.. المدربة البدنية.."
4

أومأ المدرب وهو يتذكر الاسم.. سفيتلانا لم تكن مجرد قريبة لإيغور، بل كانت مدربة محترفة متخصصة في التأهيل البدني للرياضيين، وعملت مع عدة أندية قبل أن تأخذ إجازة قصيرة.. كانت مقربة جدًا منه، ليس فقط بحكم القرابة، ولكن لأنها عاشت مع عائلته منذ طفولتها..

ولدت يتيمة، فقدت والديها في حادث سيارة وهي لا تزال طفلة، فتولت عائلة بيتروف رعايتها.. كانت أشبه بأخت له، رغم أنهما لم يتشابها كثيرًا في الطباع..
5

عندما بلغت العشرين، غادرت إلى سانت بطرسبرغ لاستكمال دراستها في علوم الرياضة، ومنذ ذلك الوقت، كانت تتنقل بين الأندية الرياضية، تساهم في إعداد اللاعبين وتحسين لياقتهم البدنية..

"هل هي في عطلة؟"

سأل المدرب وهو يعيد ترتيب بعض الأوراق..
1

"إجازة قصيرة فقط، لكنها وافقت على البقاء معي لبعض الوقت.. على الأقل شخص يمكنني الاعتماد عليه أكثر من المربيات المؤقتات.."

ضحك المدرب وقال بنبرة مشوبة بالتهكم:

"شخص يتحملك أيضًا.."
1

هز إيغور كتفيه بابتسامة جانبية قبل أن ينهض مستندًا إلى عكازه، استعدادًا للمغادرة..

... .. . . . . . ... . ... . . . . . ...

في ذلك الركن البعيد عن صخب المدينة، حيث الهدوء لا يُكسر سوى بصوت التلفاز الخافت، كانت الغرفة غارقة في ظلال رمادية خافتة، بالكاد تخترقها ومضات الضوء الباردة المنبعثة من الشاشة..

ستائر سميكة تحجب عن الداخل أي إشارة للوقت، وكأنها حاجز آخر يضاف إلى عزلتها..

على الأريكة، تجلس أولغا، جسدها غارق في كومة من البطانيات الرقيقة، وركبتاها مثنيتان أمامها...
1

جهاز التحكم في يدها اليمنى، وفي اليسرى تمسك بكعكة التوت البري، تقضم منها ببطء، دون أن ترفع عينيها عن الشاشة التي لم تعد تعي ما يُعرض عليها...

شعرها الأبيض، الذي كان يومًا ما موضع إعجاب، يتناثر حول وجهها في فوضى عشوائية، خصلات مشعثة تتدلى على كتفيها، لم تكلف نفسها عناء تمشيطه منذ أيام...

عيناها، محاطتان بهالات داكنة عميقة، كأنها تحمل في نظراتها أثقال سنة كاملة من الإرهاق والسهر... لم تعد تحصي عدد الليالي التي قضتها مستيقظة حتى شحوب الفجر، ولم يعد هناك فرق بين الليل والنهار...

في الخارج، برد موسكو القارس يلف المدينة، لكنه لم يكن أقسى من البرودة التي استوطنت روحها...

منذ ذلك اليوم، منذ تلك اللحظة التي غيرت كل شيء، أغلقت أبوابها على نفسها، قطعت كل الخيوط التي تربطها بالعالم...

لم تعد تخرج، لم تعد تتحدث مع أحد.. لا مع أهلها الذين طرقوا بابها مرارًا، ولا مع أصدقائها الذين ملّوا انتظار ردّها على رسائلهم..

حتى عملها، الذي كان يومًا جزءًا من كيانها، تخلت عنه كما لو أنه لم يكن يعني لها شيئًا..

الساعة السابعة صباحًا، ومع ذلك، لم يكن هناك أي إشارة إلى أنها ستنام قريبًا..

موسكو، التي يغيب عنها ضوء الشمس معظم الوقت، ساهمت في وهمها، جعلتها تعتقد أن الوقت لا يزال مبكرًا.. لكنها كانت تعلم الحقيقة؛ لم تعد تملك رغبة في فعل أي شيء..

وقع الجرس الثقيل قطع صمت الشقة الرتيب، ارتدت أولغا إلى الواقع كما لو أن صوتًا بعيدًا أعاد سحبها من أعماق أفكارها....

شهقت، متفاجئة من الصوت الذي لم تسمعه منذ أسبوع، الصوت الذي لم يعد مألوفًا في عزلتها... رفّت جفونها المثقلة بالسهر، التفتت نحو الباب دون أن تتحرك، مترددة للحظة قبل أن تدرك أن الإصرار في الرنين لن يتوقف من تلقاء نفسه..

تنهدت بعمق، ورفعت نفسها من الأريكة بتكاسل، جسدها متكوم في البطانية التي تدثرت بها طوال الليل..

تحركت بخطوات بطيئة متثاقلة، تتلوى داخل طبقات الدفء التي أحاطت بها، فيما قدماها سحبتا البطانية الصغيرة التي التصقت بكاحلها الأيمن...

كانت لا تزال ترتدي بيجامتها السميكة ذات اللون الوردي الباهت، وجوربًا واحدًا في قدمها اليسرى فقط، بينما قدمها الأخرى لامست الأرضية الباردة دون اكتراث..

وصلت إلى الباب أخيرًا، وسحبته بنصف وعي، لتقع عيناها على المرأة التي لم تكف عن اقتحام عزلتها رغم كل محاولاتها لردعها..

إيكاترينا..
1

كانت واقفة هناك، كما لو أنها جزء من المشهد الخارجي البارد، عيناها الرماديتان تخترقان أولغا بنظرة مزيج من العتاب والصبر الذي بدأ ينفد...

شعرها الأشقر المتوسط الطول منسدل بانسيابية على كتفيها، يتخلله خصلات مبعثرة بفعل الرياح الشتوية.. ملامحها، رغم دقتها وهدوئها، حملت تلك الصلابة التي لا تتزعزع، صلابة امرأة اعتادت فرض وجودها في حياة الآخرين رغمًا عنهم...

كانت ترتدي معطفًا شتويًا كلاسيكيًا أنيقًا بلون الكراميل، محكم الأزرار، وقد لفّت عنقها بشال داكن أضاف مزيدًا من الجدية على مظهرها...

في يدها اليمنى، أمسكت كيس بقالة ثقيل بعض الشيء، وفي يدها الأخرى، كانت تمسك بيد صغيرة لطفلة وقفت بجوارها، تنظر إلى أولغا بعينين واسعتين فضوليتين..
1

الطفلة، ذات الست سنوات، كانت نسخة مصغرة من إيكاترينا، بشعرها الأشقر الفاتح المجدول بدقة إلى الخلف، ووجنتيها المتورّدتين من البرد، إلا من عينيها الرماديتين الواسعتين...

كانت ترتدي معطفًا صغيرًا بلون أحمر زاهٍ، وأحذية شتوية دافئة، فيما قبضت أصابعها الصغيرة على يد والدتها بحزم، كما لو أنها تعلم أنها تدخل مكانًا لا ترحب به الزائرون كثيرًا..

مسحتها أولغا بنظرة سريعة، ثم رفعت بصرها إلى إيكاترينا، عيناها المتعبة تضيقان بسخط واضح.. لم تقل شيئًا، فقط تنهدت بعمق واستدارت إلى الداخل، تاركة الباب مفتوحًا خلفها بإشارة صامتة تعني أن عليهما الدخول..

إيكاترينا، دون أن تنبس بكلمة، تقدمت إلى الداخل بخطوات ثابتة، الطفلة تتبعها وهي تراقب المكان بفضول طفولي، بينما كانت أولغا تمضي إلى الداخل، تتحسر في سرها على انتهاء هدوء صباحها البارد...

قالت إيكاترينا من تحت أسنانها، بصوت هادئ لكن مشبع بالعتاب، بينما كانت تفتح الستائر وتكشف عن الضوء الرمادي الباهت الذي يفلح في إضاءة الشقة المظلمة..

"هذا يكفي. يومًا بعد يوم، تدفنين شبابك هنا، في هذه الزاوية المظلمة..."

أمسكت بالستائر الثقيلة، وجذبتها لأعلى بقوة، ثم فتحت نافذة واحدة صغيرة لتدخل رائحة الرطوبة الكريهة إلى المكان...

شعرت أولغا بشيء غريب في قلبها بينما تبعت نظرات إيكاترينا للمنظر الخارجي، لأول مرة منذ فترة طويلة... اختلط الهواء البارد برائحة الثلوج التي تساقطت في الخارج، وكأن العالم الخارجي قد توقف عن الانتظار أمام زجاج نافذتها...

أغلقت أولغا التلفاز بهدوء، لكن دون أن تعي تمامًا ما فعلت، همست:

"كيف أعيش وأنا التي دفنته؟"
2

كلمات خرجت منها بلا وعي، وتاهت في أذنيها نفسها.. تلك الكلمات كان لها وقع خاص في قلبها، وكأنها كانت تعبر عن حقيقة ظلت غافلة عنها لفترة طويلة..

توقفت إيكاترينا للحظة، وكانت قد وضعت البقالة في الثلاجة التي كانت شبه فارغة، ثم رفعت عينيها، لتقع عيناها على ابنتها الصغيرة التي بدأت في الانغماس في قراءة الكلمات بتلعثم، تقرأ بصوت منخفض على جدار الكتب الصغير...

كانت الطفلة تحاول تهجئة الحروف في هدوء، تجذب عاطفة كل من ينظر إليها..
1

ثم همست إيكاترينا للأولغا بعنف خفيف..

"لم يكن خطؤك... ألم تكون كافية هذه المدة لتستوعبي ذلك؟ كان في حالة حرجة، لا يسمح له بالعيش ثانية واحدة أخرى.."

تجمدت أولغا في مكانها... تلك الكلمات، رغم بساطتها، كانت كالرصاص، تغزو قلبها مباشرة.. كانت تعرف تمامًا ما تعنيه...

في لحظة من الزمن، لم يكن للحياة أي أمل مع الحبيب الذي فقدته، فالحب الذي جمعهما كان غريبًا ورائعًا في ذات الوقت..
3

كانت أولغا طبيبة طوارئ متمرسة، تعمل بلا كلل أو ملل...

تحب مهنتها، وتعشق تحدياتها.. ولكن، قبل ذلك الحادث المروع، كانت الحياة على ما يرام...

كان حبها لذلك الرجل العميق، الذي أصبح جزءًا كبيرًا من نفسها، هو كل ما تحتاجه لتكمل مسيرتها..

حين التقت به أول مرة، لم تكن تدري أن حياته ستنتهي بين يديها، ولم تكن تعرف أن حبها له، الذي نما سريعًا كشرارة مشتعلة، سينطفئ بوحشية العاصفة ذاتها التي جمعتهما ذات ليلة..

كان لقاؤهما الأول في حفل خيري نظمته وزارة الصحة الوطنية، حفل صاخب، مليء بالشخصيات المؤثرة ورجال الأعمال والأطباء والمسؤولين الحكوميين...

كانت أولغا هناك بصفتها طبيبة طوارئ شابة، تحضر مع فريقها لتمثيل جهود المستشفيات في إنقاذ الأرواح، لكن لم يكن للحفل أي أهمية خاصة لديها حتى لمحت عينيه...

في الأشهر التالية، أصبح جزءًا من أيامها ولياليها، كان معها في لحظات الفرح والتعب، يتفهم جنون مناوباتها الطويلة في المستشفى، وكانت هي تتقبل انشغاله في مشاريعه، كانا مثل قطعتين من أحجية تكملان بعضهما البعض..

كانت تحبه، ليس فقط لأنه كان حنونًا، ولكن لأنه كان شخصًا يجعلها تشعر بأنها قادرة على العيش، على الحب، على أن تكون شخصًا خارج جدران المستشفى الباردة..

لكن الحياة لا تمنح السعادة بسهولة، وكما جمعت بينهما بسرعة، مزقتهما بوحشية..

ليلة العاصفة..

كان قادمًا لرؤيتها... أصر على القيادة رغم تحذيرات الطقس، رغم أنها طلبت منه أن ينتظر حتى تهدأ العاصفة، لكنه كعادته كان عنيدًا، وأخبرها أنه لن يدع شيئًا بسيطًا مثل الطقس يمنعه من رؤيتها...

لكنه لم يصل أبدًا...
3

تلقت المكالمة وهي في المستشفى، حيث تم استدعاؤها إلى الطوارئ لحالة حرجة، ولم تكن تعلم أن الجثة التي سيجلبها المسعفون بعد دقائق ستكون له...
4

حادث سير مروع على أحد الجروف، السيارة انزلقت بفعل الجليد القاسي، وتحطمت بعد سقوطها العنيف. عندما وصلت إليه، كان لا يزال على قيد الحياة، بالكاد، عينيه تبحثان عنها وسط الفوضى والأنوار الساطعة وأصوات الأجهزة الطبية...

بذلت كل ما بوسعها لإنقاذه، قاتلت بكل مهاراتها وخبرتها، لكنها كانت تعرف منذ اللحظة الأولى أن الأمر ميؤوس منه...

وفي النهاية، لم يكن هناك سوى صمت أجهزة المراقبة عندما توقفت عن إصدار صوتها الرتيب، عندما تحولت نبضاته إلى خط مستقيم بارد..

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد أولغا كما كانت...

أغلقت قلبها كما أغلقت باب شقتها، وعزلت نفسها عن العالم، وكأنها جثة تتحرك بلا روح، كأنها ماتت معه على طاولة الطوارئ في تلك الليلة...
4

لم تستطع أولغا منع جسدها من الارتجاف الطفيف، وكأن البرد وجد طريقه إليها رغم دفء الشقة...

دمعتها الساخنة انسلت على خدها دون أن تستطيع منعها، فاستدارت عن مرمى أعين الطفلة الصغيرة، محاولة أن تبدو متماسكة. لكنها لم تكن كذلك..

أخذت نفسًا عميقًا، تحاول كبح شهقتها التي هددت بالانفلات، وعضّت على شفتها بقوة كما لو أن الألم الجسدي يمكن أن يطغى على ذلك الألم العالق في صدرها منذ عام...
2

على الجانب الآخر من الغرفة، أغمضت إيكاترينا عينيها للحظة، لأنها تفهم...

لأنها تذوقت هذا العذاب، ولكن بطريقتها الخاصة... صحيح أن وضعها يختلف عن وضع أولغا، لكن الوحدة لها طعم واحد مهما اختلفت الظروف.. الفرق الوحيد بينهما هو أن نصف أولغا الثاني قد مات بين يديها وهو يهمس باسمها، بينما نصف إيكاترينا الآخر لا يزال على قيد الحياة، رغم أنها لا تعرف عنه شيئًا منذ سنوات طويلة..
4

ورغم ذلك، لم تملك ترف الانهيار الآن..

رفعت بصرها نحو صديقتها التي بدت وكأنها قاب قوسين أو أدنى من السقوط في حفرة مظلمة بلا قاع..

ومن حيث تقف، أدركت أن ما تعيشه أولغا ليس مجرد حزن أو حتى حداد، بل كان غرقًا مستمرًا في الألم، كأنها فقدت جزءًا من روحها معه في تلك الليلة، وبدونه لم تعد تعرف كيف تعيش..

التفتت نحو الطفلة التي جلست على الأرض، منشغلة بتهجئة الكلمات على رفوف المكتبة الصغيرة..

الطفلة لم تكن تعرف الكثير عن مأساة أولغا، لكنها شعرت بشيء ما، بشيء جعلها تصمت، وكأن غريزتها أخبرتها أن الوقت ليس مناسبًا للثرثرة الطفولية المعتادة...

وضعت إيكاترينا آخر قطعة من البقالة في الثلاجة، ثم أغلقتها بلطف والتفتت نحو صديقتها..

"أولغا..."

نادت اسمها بصوت خافت، لكنه كان ثابتًا..

لم ترد أولغا، فقط ظلت واقفة في مكانها، يديها متشابكتان بقوة وكأنها تحاول تثبيت نفسها على الأرض حتى لا تسقط...

تقدمت إيكاترينا نحوها، رفعت يدها ولمست ذراعها بلطف، لم يكن هناك حاجة للكلمات، فقط نظرة واحدة كانت كافية ليعرف كلاهما أن هذه الليلة قد تكون نقطة فاصلة..

"يكفي.."

قالتها بصوت هادئ لكنه حازم...

أولغا لم تتحرك، لم تقل شيئًا.. لكنها شعرت بشيء يتغير، وكأن شخصًا ما أخيرًا ألقى حبلاً إلى هاويتها العميقة...

يمد لها الحبل المتين لتتشبث به...
3

.. . . . . . . . .

يتبع...


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات