رواية رهان الدكش الفصل الثالث 3 بقلم هاجر عبدالحليم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
الفصل الثالث
السبتيّة — تاني يوم — بعد الفجر بقليل
كانت المدينة ما تزال غارقة في نعاسٍ خفيف، إلا أن السبتيّة كانت قد بدأت تستعيد ضجيجها المعتاد؛ أصوات الباعة تتداخل، وعربات الفول تشق الطريق ببخارٍ ساخن، ورائحة الخبز تتسلل من الأفران القديمة كأنها تذكير بالحياة.
في هذا الصباح، كانت رهف وحدها مستيقظة منذ ساعات.
عيناها متورمتان من قلة النوم، ووجهها شاحب، وكتفاها المنهكان يفضحان ثقل ما بداخلها. لم تنم إلا ساعتين، وقلبها لم يعرف الراحة.
قبل أن تتجه إلى القهوة، مرّت على المستشفى.
وقفت للحظات خلف الزجاج، تنظر إلى والدها النائم، صدره يعلو ويهبط ببطء، وملامحه تبدو أضعف من الأمس. ثم التفتت ناحية الخارج.
كان الدكش نائمًا في التوك توك أمام الباب، ممددًا كحارسٍ لم يُرد أن يغادر، رأسه مائل، وكابٌ يغطي وجهه، وذراعه المصابة متدلية بلا حركة.
اقتربت خطوة، ثم همست لنفسها، وشفتيها ترتجفان: — "مروحتش بيتك ليه يا بني آدم؟"
وضعت كيسًا صغيرًا فيه طعام ومياه فوق التوك توك، ثم ابتعدت سريعًا قبل أن يستيقظ.
الساعة السابعة صباحًا — قهوة السلطنة
فتحت رهف الباب الحديدي، وصوت المفتاح في القفل تردد في الشارع الخالي كأنه يوقظ المكان لا يفتحه.
داخل القهوة، كانت رائحة الغبار مختلطة بالشاي البايت، وكأن الليل لم يغادر بعد.
وبعد لحظات، دخل الدكش.
لم يدخل بصخب كعادته، بل بخطوات ثقيلة هادئة، وملامح مرهقة، وعينين حمراوين من السهر.
قال بصوت منخفض: — "صباح الخير."
رفعت رهف نظرها نحوه، متفاجئة: — "إنت… لحقت تنام يبني انت بقيت شكلك عامل زي الزومبي؟
هز كتفيه ببطء، وقال وهو يسند ذراعه المصابة: —عادي اتعودت"
ساد صمت ثقيل بينهما، لم يقطعه سوى صوت تحضير الوابور.
قالت فجأة: — "تشرب اي؟
نظر إليها باستغراب: — "هتعمليلي؟"
ردت دون أن تلتفت: — "هغير رايي
جلس على كرسي خشبي، ومسح وجهه بإرهاق واضح: — "سكر زيادة."
رفعت حاجبها بخفة: — "سكر زيادة؟ ده جديد عليك. انت بتشربه سادة"
أجاب بصوت خافت: — "من زمان ما دقتش حاجة حلوة ونفسي اجرب ع ايدك انتي."
كانت يدها ترتجف وهي تضع السكر؛
معلقة… ثم أخرى… ثم ثالثة، حتى زاد عن الحد دون وعي منها.
وضعت الكوب أمامه بقوة، فانسكب منه قليل: — "اشرب… عشان تصحصح. ورانا يوم طويل."
شرب رشفة، فارتسمت على وجهه ملامح انزعاج من شدة الحلاوة، ثم ضحك بخفة: — "ده مش شاي… ده عسل اسود يخربيت سنينك."
لكن عينيه لم تكن تضحك؛ كانت تراقبها بصمت مختلف.
الساعة العاشرة — القهوة مزدحمة
انتشر الخبر في السبتيّة:
الحاج سالم في المستشفى… والدكش ماسك القهوة.
دخل الزبائن، بعضهم بدافع الفضول، وبعضهم للشماتة.
قال أحدهم ساخرًا: — "لحد امتي يادكش ؟
وضع الكوب بهدوء وقال: محدش ليه فيه
وأضاف آخر: — "وست رهف بتدفعلك كام؟ ولا كله بالحب يمشي وانت تزيد محبة؟"
انفجر بعضهم بالضحك.
لكن رهف اشتعل وجهها غضبًا، وضغطت على الصينية حتى ابيضّت مفاصلها، وكادت أن ترميها.
إلا أن الدكش سبقها.
ضرب الطاولة براحته بهدوء، لكن صوته كان قاطعًا: — مفيش هزار في محل أكل العيش. اللي عايز يستظرف… يطلع برة وإلا ودين الله لشلفط وشه"
ساد الصمت فورًا.
ثم اقترب منها هامسًا: — "كويس كده؟"
لم تنظر إليه: — "كويس… بس ما ترفعش إيدك على حد تاني."
ابتسم: — "حاضر يا معلمة."
ارتجفت عند الكلمة دون أن تفهم سبب ذلك.
منتصف النهار — المواجهة
فُتح الباب بعنف.
دخل زغلول ومعه رجلان غليظا الملامح.
صرخ: — "فين ياسين اطلع يادكر وريني جمال عضلاتك؟"
تجمد المكان.
ارتجفت أنفاس رهف، وتراجعت خطوة دون وعي.
أما الدكش فمسح يديه ببطء، ثم رفع رأسه.
قال بهدوء: — "خير يا زغلول؟"
لكن الهدوء كان مقدمة للعاصفة.
قال أحد الرجال: — "القهوة دي هتتقفل. المعلم زنهم عايزها."
عند الاسم، ارتجفت رهف، وشهقت بصمت.
ابتسم الدكش ابتسامة جانبية: — "زنهم يبعث عيال ورق؟ ما يجي بنفسه أحسن. هو مش راجل ولا اي؟"
اندفع أحدهم، فتناثرت الأكواب على الأرض.
صرخت رهف: — "حرام عليكم! ده أكل عيشنا!"
في تلك اللحظة، التفت الدكش إليها.
رآها خائفة… للمرة الأولى بهذا الشكل.
فارتجف داخله شيء لم يعتد عليه.
ثم قال بصوت منخفض مخيف: — "انتو اللي جيبته لنفسكم."
وانفجرت الفوضى.
ضربة… دفع… كراسي تتحطم… صوت ارتطام.
صرخت رهف فجأة: — ياسين!"
توقف لثانية… ثم أكمل.
انتهت المواجهة سريعًا، وغادروا مهرولين.
بعدها — صمت ثقيل
كانت القهوة مدمرة جزئيًا.
زجاج مكسور، كراسي مقلوبة، ودم خفيف على الأرض.
اقتربت منه رهف، وبدأت تضمد جرحه بيدين مرتجفتين.
قالت بغضب ممزوج بالخوف: —لحد امتي دراعك سابق عقلك؟
ابتسم بتعب: — "بس ما سبتهمش يكسروا القهوة… صح كنت راجل عرف يتصدرلهم؟"
رفعت عينيها: — "قهوة اي بس إنت كنت هتضيع مني!"
سكتت فجأة.
كلمة خرجت بلا وعي: "مني".
سمعها… فابتسم بصمت.
المساء — المستشفى
استيقظ الحاج سالم.
اقتربت رهف بسرعة، تمسك يده: — "وحشتني يابا
وقال الدكش بثبات: — "محدش لمس القهوة يا حاج. ف غيابك"
نظر إليهما طويلًا، ثم ابتسم: — "إنتو كويسين وانتو مع بعض؟"
تبادلا نظرة سريعة، ثم قالا معًا: — لا
ابتسم وأغمض عينيه.
خارج الغرفة
قال الدكش بهدوء: — "هبات هنا النهاردة."
أخرجت رهف كيسًا صغيرًا: — طب خد امسك الأكل دا
سأل: — "جبتي اكل ليه؟؟"
أجابت وهي تبتعد بسرعة: — "عشان الطبيعي البشر ياكلو عشان ميموتوش."
لكن خطواتها كانت أسرع من صدق كلماتها.
نظر للكيس بين يديه، ثم همس: — "حتة بغاشة ياناس
شرب رشفة، وقال بصوت خافت: — "المرّ… بيبقى حلو لما كان سكره انت