رواية مش هرجع للبداية الفصل الثالث 3 بقلم آية شاكر
(٣)
بصلي والدي بنظرة طويلة.. نظرة خلت قلبي يدق أكتر، بلعت ريقي وبصيت في الكتاب قدامي بارتباك...
سأل هادي للمره التانيه:
- مستر مصطفى كان عايز اي يا بابا؟
بص والدي لـ هادي وقال:
- عاوز يتجوز رنا.. وعمك رحب بالفكرة..
ظهرت الصدمة على هادي، القلم وقع من ايده
وسأل:
- اشمعنا رنا! ما كان ياخد بسمه أو...
قالها هادي وبصلي، فنزلت عيني، خوفت يقرأ مشاعري أو يشوف صدمتي..
ولسه كلام بابا بيرن في راسي: "عاوز يتجوز رنا!!"
- مش فاهم اشمعنا اختار رنا من بنات الدرس كلهم؟!
قالها هادي فرد والدي:
- القلب وما يريد بقا يابني.
سكت هادي وبص في الكتاب للحظات..
تنهد وقال:
- أهو ريح الشباب كلهم وظـ.ـلم نفسه.
استغربت كلام هادي عشان عارفه إنه بيحب رنا..
بس مركزتش معاه..
كنت مصدومه ولسه مش مستوعبه اللي حصل!
سرحت وأنا بفتكر مصطفى، وبراجع النظرات والابتسامات...
افتكرت مشاعر جميله حسستني إني عصفورة ممكن أطير في السما ولما جيت أنط من مكان عالي عشان أجرب جناحاتي اكتشفت إني مجرد فرخه!
خرجت من أفكاري لما فرقع هادي بصوابعه قدام وشي، ووسألني:
- روحتي فين؟
- هه! لا.. آآ... هقوم أروح الحمام وآجي.
قلتها ووقفت، فقام هادي وقال:
- وأنا هخرج شويه ولما أرجع نذاكر.
هزيت راسي بالإيجاب وطبطب هادي على كتفي ومشي..
خوفت يكون حس بحاجه...
كانت أول صدمة أخدها في حياتي..
حسيت بنغزة في قلبي، ووجع خذلان رهيب.
الشاب اللي حبيته هيتجوز بنت عمي.. ازاي؟ طيب والنظرات اللي بينا؟ واهتمامه بيا كان ايه؟
بصيت في مراية الحمام ودموعي نزلت.
غسلت وشي بالمايه وحاولت أهدى... وأقنعت نفسي إن عادي.. بس مكنش عادي، ودموعي كانت بتزيد ومش عارفه أوقفها..
ورغم وجع قلبي لكن كعادتي انسحبت بهدوء ومعملتش أي رد فعل يحسسهم إني زعلانه..
بالعكس رسمت ابتسامة على شفايفي يمكن أقنع قلبي إني تمام...
وبعد اسبوعين
خطب مصطفى رنا حضرت الحفلة ووقفت أراقب علاقتهم من بعيد...
وهما بيخرجوا سوا ويتفسحوا، وهو بيهتم بيها في الدرس، وهما واقفين مع بعض وبيضحكوا...
بقيت بكره درس الانجليزي ومش بحب أروحه بسببهم..
ومعرفتش أنسى الوجع ده بسهوله.. بس في الآخر قدرت أفوق لنفسي وقررت أركز في مذاكرتي وتعليمي وقررت أبذل كل الطاقة اللي جوايا دي في المذاكره..
كرهت الحب والجواز والروايات الرومانسية اللي بتعيشنا خيال مش هيحصل ولا ينفع يحصل، حتى أحلام اليقظه اللي كنت بغرق فيها متنفعش طالما بتضر قلبنا..
أنا حبيت مصطفى وعيشت معاه قصه اخترعها عقلي.. وهو لا وعدني بحاجه ولا كلمني في حاجه..
مصطفى فضل يهتم بيا ونظراته ليا متغيرتش.. وقلبي لسه حاسس إنه بيحبني...
وكل حصه في الدرس كنت بحس بوجع قلبي وبسمع صوته بيتكـ.ـسر لما أشوفه بيتكلم مع رنا...
وكان لازم ابعد فسيبت درس الانجليزي وهادي كان بيذاكرلي في البيت، واجتهدت تقريبًا مكنتش بسبب الكتب...
والدتي تواصلت مع مُعلمه قرآن على النت وبدأت أحفظ معاها ساعة يوميًا... بس من غير ما والدي يعرف عشان رافض الموضوع ده.
استغفرت ربنا ورجعت عن الوهم اللي غرقت فيه، وسيبت أحبال الخيال الدايبه اللي اتعلقت بيها فترة مش قليلة..
كنت بصلي كل ليلة ركعتين قيام وأدعي ربنا يوفقني وينجحني..
مرت الأيام
وانتهت رحلة تالته ثانوي...
العيله كلها كانت مستنيه نتيجتنا... كنا سته في العيله في ثانوية عامه..
بقيت وأصلي وأدعي وأنا ببكي: "يارب متشمتش حد فيا ولا في أمي."
أمي تعبت معانا جدًا الفترة الأخيرة... كانت بتسهر معانا واحنا بنذاكر... وبتساعدنا باللي تقدر عليه.
وفي يوم على الغدا موبايل والدي رن، الرقم كان غريب... فرد والدي ببرود وهو بيمضغ الطعام وفاتح المايك، وبعد السلام قال المُتصل:
- دا رقم ولي أمر سارة سعيد عبد الجليل؟
ساب والدي المعلقه وقال وهو موجه نظراته ليا:
- أيوه، مين؟
- معاك مكتب وزير التربية والتعليم، اقف في مكان هادئ معالي الوزير هيكلمك.
قام والدي وقف في البلكونه..
وشاورلنا نسكت، وكتمنا أنفاسنا للحظات...
هادي كان بيبصلي وبيطبطب على ايدي وهو مبتسم وفاهم اللي بيحصل، وأنا حاوطت بوقي براحة ايدي وقلبي كان بيدق بسرعه، حاسه إني بحلم...
دقيقة من الصمت وسمعنا صوت:
- معاك وزير التربية والتعليم... بباركلك على تفوق بنتك سارة سعيد عبد الجليل، طلعت الأولى على الجمهورية علمي علوم.
أبويا الصدمة لجمته، الموبايل كان هيقع من إيده، وهو بيرد بفخر، وعينه اتملت بدموع كنت لأول مرة أشوفها:
- الله يبارك فيك يا معالي الوزير... الله يبارك لنا في حضرتك.
وبعد ما المكالمه خلصت، زغردت أمي وصرخ والدي بعلو صوته:
- بنتي الأولى على الجمهورية! ساره طلعت الأولى على الجمهورية.. الوزير كلمني...
في اللحظة دي، البيت اتملى زغاريد، وهادي حضنني ولف بيا من الفرحة وقالي:
- عملتيها يا بت يا سارة..
سجدت شكر لله وبكيت...
مكنتش بمجهودي ولا تعبي كانت بتوفيق ربنا وبركة القرآن اللي ملت حياتي...
استنينا نتيجة هادي تاني يوم وكنت بدعي ربنا يجبره وميقلش عني كتير عشان ندخل كليه واحده.
وفعلًا جاب مجموع عالي يدخلنا كلية قمة..
صورت مع الصحافة وبرامج التلفزيون استضافتني..
ووالدي اللي كان شايفيني عبء وعايز يخلص مني ويجوزني، بقى يمشي في البلد وراسه في السما بيا، ومعاملته اتغيرت تمامًا، وبقى فخور بيا قدام العيلة كلها، وعرفت ساعتها إن البنت لما بتسلـ.ـح نفسها بالعلم، بتجبر الكل يحترمها غصـ...ب عنهم..
ودخلنا كلية طب الأسنان عشان مجموع هادي.. أما بسمة ورنا فلحقوا كلية أداب، وفضلت أشوف نظرات الغيرة بتطل من عينيهم، بس مكنش فارق معايا..
كنت في عالم تاني خالص.. مركزه مع القرآن اللي قربت أختمه، ومذاكرتي ومستقبلي وبس...
قفلت باب قلبى تمامًا ومبقتش بفكر في الجواز؛ كل تركيزي كان في دراستي.
وخلال فترة الكلية، قررت أتعرف على بنات جديده وأكون صحاب.. عشان مش طول الوقت هكون متعلقه في ديل هادي أكيد زهق مني!
اتعرفت على شلة بنات محترمين وكويسين، وبقينا أصحاب قريبين وبنمشي سوا...
وللأسف اللي اكتشفته إني كنت مرتاحه قبل ما يكون ليا أصحاب! يمكن عشان متعودتش يكون ليا أصحاب، أمشي معاهم وأتعامل معاهم..
فحاولت أسيب مسافة بينا... وكانوا مسميني سيدة الغموض عشان ميعرفوش عني حاجه.. واتفاجئوا إن هادي يبقى أخويا التوأم.
وكل فترة كنت بمر على صيدليه بتقف فيها دكتوره كبيره في السن، بجيب منها الأنسولين لوالدتي لأن والدتي مريضة سكر وعارفه الدكتورة «وِصال» وهي أشطر دكتورة في المنطقة وبيقولوا عليها شخصية شديدة ومش بتتكلم مع حد...
وفي يوم دخلت الصيدلية لقيتها بتقرأ في المصحف، فسألتها:
- حضرتك حافظه القرآن؟
قالت بابتسامة وهي بتقفل المصحف:
- ياريت يا ساره... بس مش حافظه إلا سورة البقرة وجزء عم.
- طيب اي رأيك أحفظك؟ أنا خلاص باقيلي جزء وأختم إن شاء الله.
جت ناحيتي وهي بتقول:
- ويا ترى بكام في الشهر؟
- من غير فلوس، دا أنا هستغل حضرتك وأراجع معاكي.
ومن هنا بدأت رحلة تانية ولذة إني أبقى بعلم حد القرآن... كنت بعدي عليها كل يوم تقريبًا أسمعلها وأمشي... وأحيانًا كنت بساعدها وأبيع معاها في الصيدلية.. واستفدت منها كتير..
مرت سنه أولى وطلعت من الأوائل كالعادة..
الدكتورة وِصال كانت معايا خطوة بخطوة وبتخاف عليا زي أمي بالظبط... ومكانتها زادت في قلبي..
ولما ختمت القرآن وأخدت الإجازة جابتلي ساعة هديه وبقيت ألبسها دايمًا...
وفي يوم بعد التسميع
لبست شنطتي وكنت همشي..
لكن وقفت مكاني لما شوفت رنا ومصطفى داخلين الصيدلية...
كان بقالي كتير مشوفتهوش..
أول ما شافني مصطفى، شوفت في عينه نفس النظرة اللي هزت قلبي زمان... افتكرت مشاعر حلوه لكن عقلي فوقني بسرعه بالشعور اللي حسيته لما والدي قال إنه اتقدم لـ رنا..
تنحنح مصطفى وقال بنبرة هادية:
- ازيك يا دكتوره ساره؟
رديت بثبات وثقة وهدوء:
- بخير الحمد لله.
وظهرت الغيرة على رنا لما قربت منه ومسكت في إيده وقالت بدلع مستفز:
- مش احنا حددنا الفرح يا سوسو؟
استغرب لأنها مسكت ايده وهما لسه مكتبوش الكتاب... بصيت لإيدهم لثواني وتظاهرت بابتسامة:
- مبارك يا حبيبتي.
كنت لسه هلف عشان أمشي الدكتورة ناديتني باهتمام:
- استني يا سارة.. ثواني بعد إذنك.
اديتلهم الدكتورة العلاج وحاسبتهم، وقالت برسمية:
- تأمروا بحاجه تاني؟
حسيت بغيرة رنا عشان معرفتي بـ دكتورة وِصال!
بدلت نظرها بينا وحسيت إنها مش عايزة تمشي، لما قالت:
- على فكره يا دكتورة وصال، ساره تبقى بنت عمي.
مسكت الدكتورة ايدي وقالت وهي بتطبطب على ظهري:
- يا بختك بيها... سارة دي رزقي في الحياة... بنتي اللي مخلفتهاش.
ردت رنا بابتسامة صفرا:
- امممممم... ساره جدعه فعلًا..
لمحت بطرف عيني إن مصطفى بيبصلي.. لكن ملتفتتش ناحيته.
وتقريبًا الدكتورة لاحظت فقالت:
- ادخلي يا سارة اعمليلنا كوبايتين قهوه...
دخلت أعمل القهوة..
ولما مشيوا جت الدكتورة ناحيتي وقالت:
- ايه الحكاية؟
- حكاية ايه؟
- بنت عمك وخطيبها.
- مفيش حاجه.. هي بس مش بتحبني شويه .. مفكراني بغير منها.
- بس خطيبها دا مش مظبوط! خلي بالك من نفسك.. ومحاوليش تتكلمي معاه نهائي.
- هو أنا أصلًا مش بتكلم معاه، بس ليه حضرتك بتقولي كده؟
- قريت في نظراته حاجه كدا، ويارب يكون ظني غلط.
ومجرد ما خلصت جملتها دخل من باب الصيدلية اتنين رجاله لابسين ماسك "كمامه"..
تبادلنا النظرات أنا والدكتورة بقلق...
وقبل ما أستوعب، قرب واحد منهم مني وصوب السكـ..ـينة ناحيتي.. والتاني رفع مسـ..دس ناحية الدكتوره وقال بصوت خشن:
ـ محدش يتحرك... ومش عايز ولا كلمة... من غير ولا نفس هاتي الادويه المقفول عليها هناك.
قالها وهو بيشاور على المكان بايد وبالإيد التانيه بيشاور بالمسـ...ـدس ناحية الدكتورة زي المجنون.. اتجمدت الدكتورة مكانها للحظات، وظهر الخوف في عينيها ودخل واحد تالت من الباب ووقف وراه يراقب حركة الشارع اللي كان فاضي...
حاولت الدكتوره تتمالك نفسها وهي رافعه ايديها وبتحركهم باستسلام:
- طيب اهدوا.. خدوا الفلوس بس معنديش الأدوية اللي انتوا عايزينها.. خلصانه.
قرب مني جامد وحط السكـ ينه تحت دقني، يهددها بيا، فصرخت الدكتورة...
قال التاني وهو بيحرك سـ ـلاحة:
- مش عايز نفس، هاتي الفلوس... وافتحي أشوف الدوا بنفسي..
وفي اللحظة دي ظهر شاب من ورا إزاز الصيدلية، جاي ناحية الباب.. وقفونا في جنب وديروا ظهرهم عشان مياخدش باله، وكانوا بيهددونا بالأسـ. ـلحة نسكت...
دخل الشاب وابتسم للدكتورة وألقى السلام... وقال:
- ازيك يا دكتورة؟ معلش اتأخرت عليكي.
وقبل ما يتحرك خطوة مسكه التالت وحط سكـ ـينه في جنبه، وقال:
- ارفع ايدك مش عايز حركه ولا نفس.
رفع الشاب ايده وقال وهو باصص للدكتورة:
- في ايه؟ ايه اللي بيحصل هنا يا أمي؟
- اخرس.
قالها واحد منهم بحده، فرد الشاب بخوف:
- حـــ.. حاضر.
ورجع واحد منهم يحط السكيـ ـنه تحت دقني...
بصيت للدكتورة، لقيت إيديها بترتعش وهي بتفتح الدرج...
طلعت فلوس فأخدها واحد منهم، وفجأة وبحركه سريعه الشاب لف الحرامي وحط السكـ ـينه على رقبته وهددهم:
- لو عاوزيني أسيبه اطلعوا بره، وأنا مش هعمل فيكم حاجه.
ضغط التاني السـ. ـكينه تحت دقني وقال:
- سيبه وإلا والله أدبـ ـحلك الأمورة.
- براحتك أنا معرفهاش أصلا.
قالها الشاب ببرود، برقت عيني بصدمة وغمضت برعب واتشاهدت..
بس في لحظة كانوا سابونا واتجهوا كلهم ناحية الشاب، وواحد منهم رافع المسـ ـدس ناحيته وبيقول بانهيار:
- ســـيــــبـــه.
جريت الدكتورة ناحية الشاب وقفت قدامه وهي بتقول بانفعال وخوف:
- ســـيـــبــه يا صُـــهيـــب... ســيــبهم يمشوا..