رواية نسخة من روحي الفصل الثالث 3 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء الثالث )
حلا"
لست من اختار حياته؛ ولم يحقّ لي يومٌ أن أعترض على ما فُرض عليّ .. فلم أترك دراستي في الرابع الابتدائي بإرادتي .. ولم أختر أن أتزوّج بعمر الرابعة عشر من رجلٍ في عمر والدي .. لا أعلم ما يوجد في الخارج ولا أعلم حتى كيف يبدو شكلي الحقيقي؛ فتلك اللكمات والصفعات كانت تسبب لي أوراماً وكدمات لا تكاد أن تبرد وتنقشع عن ملامحي إلا ويعود يضربني بشكلٍ أقسى من قبل؛ ليعود وجهي للتّورم من جديد .. لم يكن توحّش مؤيد وليد اللحظة .. بل ثمرة عجزٍ ظلّ ينهش داخله بصمت .. عجزٌ لم يستطع الاعتراف به لأنّه في نظره اعتراف بسقوط صورته كرجل .. وحين عجز عن إثبات ذاته في موضعها الطبيعي أمامي لجأ إلى إثباتها في أكثر الطرق ظلاماً .. بالقوة والقهر وبإذلالي
حلا"
لست من اختار حياته؛ ولم يحقّ لي يومٌ أن أعترض على ما فُرض عليّ .. فلم أترك دراستي في الرابع الابتدائي بإرادتي .. ولم أختر أن أتزوّج بعمر الرابعة عشر من رجلٍ في عمر والدي .. لا أعلم ما يوجد في الخارج ولا أعلم حتى كيف يبدو شكلي الحقيقي؛ فتلك اللكمات والصفعات كانت تسبب لي أوراماً وكدمات لا تكاد أن تبرد وتنقشع عن ملامحي إلا ويعود يضربني بشكلٍ أقسى من قبل؛ ليعود وجهي للتّورم من جديد .. لم يكن توحّش مؤيد وليد اللحظة .. بل ثمرة عجزٍ ظلّ ينهش داخله بصمت .. عجزٌ لم يستطع الاعتراف به لأنّه في نظره اعتراف بسقوط صورته كرجل .. وحين عجز عن إثبات ذاته في موضعها الطبيعي أمامي لجأ إلى إثباتها في أكثر الطرق ظلاماً .. بالقوة والقهر وبإذلالي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كنت أتعرّض لكلّ أنواع التعنيف الجسدي والنفسي .. ولم يكن لي أحدٌ أشتكي له ما يصيبني .. ثلاث سنواتٍ وأنا أعيش في جحيم لا أدري متى سأتخلّص منه أو هل سأخرج منه حيةً أم لا ؟ ثلاث سنواتٍ من الظلم والقهر والمعاناة والألم .. أعيشها كلّ يوم أدعو من كلّ قلبي وأنا جالسةٌ على سجادة صلاتي على كلّ من ظلمني .. وأولهم أبي الذي يجب أن يكون سنداً لي بعد وفاة أمي قهراً عليّ عندما قرر رميي لذلك الوحش المنزوع الرحمة والسفر لبلدٍ بعيد؛ تاركني وحيدةً بلا سندٍ ولا حامياً يحميني من هذا الوحش البشع ..
كنت أنظف البيت وألمّع زجاج النافذة عندما رأيت فتياتٍ من عمري تقريباً عائدون لمنازلهم وهم يرتدون الزيّ المدرسي الرمادي الجميل .. منهنّ من ترتدي حجابها الأنيق ومنهنّ من تسرّح شعرها بترتيب .. كم أغبطهن وأغبط سعادتهنّ تلك .. كلامهم مع بعضهم وضحكاتهم الخجولة .. مشيتهم الواثقة مع بعضهم .. لو أنني لست متزوجة لكنت معهن الآن أتمشى وأضحك ولا همّ على قلبي سوى همّ الدراسة والاختبارات .. انتهيت من التنظيف ودخلت لأستحمّ .. خلعت عني ملابسي ونظرت في المرآة إلى نفسي وجسدي المشوّه بضرباته المؤذية .. تنهدّت بحسرة وأنهيت حمّامي وما إن خرجت وجدته واقفاً ينظر إليّ بتلك النظرات الحيوانية .. علمت حينها أنني مقبلةٌ على فقرة تعذيبٍ جديدة .. سحبني من يدي وشدّني خلفه نحو غرفة النوم ودفعني نحو السرير وبدأ بإذاقتي أشدّ أنواع العذاب الجسدي وضربي وأنا عارية بسبب عجزه المقيت ذاك وإسماعي أبشع الألفاظ والشتائم التي يمكن أن تُقال أو يتحمّلها إنسان .. كالعادة لم يتركني حتى أفرغ كل حقده بي وأذاقني أنواعاً جديدة من الضرب والإهانات .. قمت عن السرير متألمة وأنا ألملم ما تبقى لي من كرامتي وعدت أدراجي للحمّام .. أقفلت الباب على نفسي واستندت عليه وأخذت أبكي بحرقة .. هذه كانت حياتي وهكذا أعيش .. لم أعهد حياةً أخرى .. ولم أعي على لحظة شعرت بها بالأمان قط ...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وما إن خرج حتى همست بدعاءٍ كنت أردده يومياً خلفه:
- أرجوا من الله أن يعذّبك بأسوأ أنواع العذاب .. أو تضربك قاطرة تحمل على ظهرها البهائم ولا تحمل نمرةً أو رقم حتى لا يُعرف غريمك ثم يأخذك أخذ عزيزٍ مقتدر .. أيها السكّير الفاسق الفاجر عديم الرحمة
بعد أن انتهيت من وصلة أدعيتي هذه ، رتّبت المنزل وصنعت لنفسي فنجاناً من القهوة وجلست في الشرفة .. وضعت سمّاعاتي على أغنية هادئة وأغمضت عيناي لأدخل في عالم أحلام اليقظة الذي كنت أبني به حياةً كاملة بعيداً عن الجحيم الذي أعيشه .. تلك الحياة التي تتضمّن زوجاً حنوناً .. يكون شاباً وسيماً بعينين حانيتين ولديه ابتسامةٌ مريحة تجعل قلبي يرفرف كلّما نظر فيَّ .. لدي منه صبيٌّ جميل يشبهه وطفلةٌ جميلة أحملها على يدي .. كنت في ذلك العالم أصنع عائلةً مثالية لم يتسنى لي صنعها مع هذا الوحش العقيم .. وأحمد الله أنه لا يستطيع الانجاب لألّا يتكاثر نسله الملعون .. عدت لأتذكّر كيف أصبحت عنده .. لم أحبّ في حياتي ولا أعرف ما هو الحب .. حتى أنني حُرمت من أدنى أحلامي وهو ارتداء الفستان الأبيض أو تُقام لي حفلةَ زفاف؛ فوالدي لم يصدّق أنه زوّجني بعد موت أمي بأسبوع ومن ثم سافر لبلدٍ بعيد ليتركني وحيدةً في هذا العالم برفقةِ هذا المتوحش .. فتحت عيناي ونظرت للأسفل لأرى سيارةً لنقل الأثاث والعمال ينزلوهم ويدخلوهم البناء .. يبدو أنهم جيرانٌ جدد ..
- حسناً أحدٌ جديد سوف يسمع صوت صراخي وبكائي ويستطرب عليه مثل بقية سكّان هذا البناء المقيت
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وضعت سمّاعاتي وأخذت أستمع لأغانيّ المفضلة التي كنت أخزّنها على ذاكرة هاتفي النقال القديم والتي كانت تعمل بالتتالي والترتيب .. ولم تمر لحظات حتى بدأت أغنيتي التي أحبها و أغوص بكلماتها التي كانت تشرح حالي وقصة حياتي عن طريق كلماتٍ مختصرة
(كنت وحدي .. صرت وحدي .. )
لم أشعر على نفسي إلا وأنا أردد كلمات الأغنية بصوتي من دون أن أعي أنني أغني بصوتٍ عالٍ .. ربما أنا الآن جالسةً على كرسيّ في شرفتي الصغيرة ساندةً رأسي على قضبان السور المتباعدة .. ولكنني كنت أطوف بعالم أحلامي كعادتي .. أطمئنّ على عائلتي الصغيرة التي خلقتها في عالمي الخيالي الوسيع
لحظات مرت ثم تلتها دقائق .. انتهت الأغنية وبدأت أغنيةً بعدها ولكنني ما زلت أطوف بذلك العالم الذي لم أتمنى أن أتركه يوماً .. ثم أجبرني على تركه صوت صراخ أحدهم ..مؤيد ! .. ألم يقل أنه سيتأخر ؟ .. دخلت راكضة للداخل لأرى وجهه البشع صُبغ بالأحمر وعيناه متوقدتان كالجمر وتنبعث منه رائحة بشعة .. كعادته تناول الخمر وأتى إلي .. ليته لم يعد
ازدردت ريقي وسألته بتوتر:
- ألم تقل أنك ستتأخر بالعودة للمنزل؟
رد بصوته المخيف:
- وهل ستحاسبينني على عودتي باكراً أيتها الساقطة ..؟
- كـ كلا
- حضري لي الطعام
- حاضر
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لماذا الطعام مالح ؟
رددت بخوف:
- ليس مالحاً .. صدقني
- بل هو كذلك .. هل تتقصدين وضع الملح لي أيتها الفاجرة وأنتِ تعلمين أنني لا أحبه
وقفت بارتعاد وقلت بارتجاف:
- لا لم أفعل ذلك عن قصد أقسم
لم ينتظر كثيراً حتى يهبّ لضربي .. لا إنه يخلق تلك الحجج والأسباب فقط ليجد تبريراً ليذيقني من عذابه القاسي وكأنني عدوته لا زوجته .. كان يضربني بقسوة وكنت أصرخ وأستنجد بأعلى صوتي على رغم معرفتي أنه لا أحد سيأتي لإنقاذي منه
فجأة سمعت صوت الباب يُطرق والجرس يرن بشكلٍ مستمر .. شعرت ببعض الراحة عندما كفّ ذلك الوحش عن ضربي وذهب ليفتح الباب .. وقفت بصعوبة أتسنّد على ما تأتي عليه يدي ولحقته ووقفت قريباً من الباب لأسمع صوت شابٍّ يطلب منه أن يكفّ عن ضربي .. شعرت بالغرابة؛ فهذه أوّل مرّةٍ يهبّ أحدٌ لمساعدتي .. بقيا واقفان مع بعضهما برهةً من الزمن وهم يتبادلان نقاشاً حاداً ثم ذهب الشاب وعاد مؤيد يلتفت عليّ ليثب قلبي خوفاً بسبب نظراتها المرعبة ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بهذه الكلمات همست لنفسي وأنا أراه يطالعني بغضب .. سحب نفساً عميقاً ثم دخل إلى الغرفة من دون أن يتفوه بكلمة لي .. تنفست براحة عندما رأيته همد وتراجع عن ضربي ..
لم أعلم من ذلك الشاب .. حتى أنني لم ألمحه ولكنني ممتنةٌ له؛ فلم يتجرأ أحدٌ قبله أن يواجه مؤيد أو يوجه له الانتقادات ..
في صباح اليوم التالي وبعد أن خرج مؤيد سمعته يتكلّم مع أحدهم على السلالم فلحقته بفضول ورأيته يقف أمام أحدهم .. لم يكن صوت ذلك الشخص غريباً .. إنه ذات الشاب .. لم أرَ وجهه ولكنني سمعته يكرر عليه التهديد ثم تركه ونزل باقي السلالم لألتفت وأعود مسرعةً للمنزل ثم اتجهت إلى الشرفة وألقيت نظرةً للأسفل لأرى الشاب خارجاً من بوابة البناء متجهاً إلى الشارع الرئيسي .. ابتسمت لا إرادياً وأنا أنظر إلى مشيته الرزينة المتأنية .. يا له من شابٍ شهم
كان يجب عليّ تشكّره على شهامته؛ فلم أجد طريقةً أفضل إلّا بالطعام .. بما أنه يعيش وحيداً ولا يوجد من يصنع له طعامه .. دخلت المطبخ وهممت بالطهو وأنا سعيدة .. هذه المرة كنت أطهو الطعام بكل نشاطٍ وحب .. حتى فاحت رائحته الطيبة والشهية بكل أرجاء الطابق وليس فقط في المنزل ..
وضعت الطعام في الأطباق ثم قمت بتغطيتها بملائةٍ نظيفة وأخذت ورقة وقلم وبدأت أكتب الرسالة .. لقد وجدت صعوبةً بالغة بترتيب الأحرف وتنسيقها؛ فأنا لا أذكر كل أحرف الهجاء وكيفية وصلها وقطعها .. لا بأس فقد انتهيت من كتابتها بعد عناء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
إنه ذلك الشاب الذي أعيش معه وعائلتي الصغيرة في أحلام يقظتي .. في كوخي الخيالي الجميل .. والد أطفالي الصغار !
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في صباح اليوم التالي وجدت الأطباق نظيفة أمام بابه ورسالةً مكتوبة بخطٍّ جميل محتواها " أشكركِ على كرمك " يبدو أنه أحب طبخي .. شعرت بالسعادة وقررت المداومة على ذلك .. فلم يسبق أن أتى أحد ووقف بصفي .. وعلى الرغم من إيذاء مؤيد لي إلا أنني لم أكن آبه له؛ فلقد أتى من أُشغل نفسي به .. عن طريق صنع ألذ الأطباق والأصناف له إلى أتى ذلك اليوم ..
في الصباح بعد خروج مؤيد لعمله .. كنت واقفة في المطبخ واضعةً تلك الأطباق الفارغة على الطاولة .. أهيئها حتى أملأها بالطعام الذي أطهوه .. فجأةً سمعت صوت باب المنزل فُتح وأُغلق بقوة .. ازدردت ريقي عندما رأيته يدنو من المطبخ .. حاولت إخفاء الأطباق ولكنه رآها ونظر إليّ بعينيه الغاضبتين وقال مؤشراً للأطباق:
- أليست هذه ذات الأطباق التي صرت أراها أمام منزل جارنا في الطابق الأسفل ؟
لم أستطع الرد؛ فقد شعرت بتدفق الدم بعروقي .. رأيته أشاح بنظره عني ونظر بالطعام الذي انتهيت من طهوه للتو وسألني:
- لم تطهين في هذه الساعة المبكرة؟
هززت رأسي باستنكار من دون أن أرد ليرد على نفسه:
- من أجله !
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم