📁 آخر الروايات

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الثالث 3 بقلم دفنا عمر

رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الثالث 3 بقلم دفنا عمر


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

« بابا، إحنا رايحين فين دلوقت؟»
سائلت ياسمين أبيها وهو يُغلق الشقة بالمفتاح استعدادًا للنزول، فالتفت إليها:
_ هنعدّي على تيتة شادية في طريقنا نعيد عليها بسرعة، وبعدها نروح حديقة الأزهر زي ما وعدتكم.
صدر صوت اعتراض من طارق، وقد عقد حاجبيه بتذمر خفيف:
_ بس أنا عايز نروح الميريلاند يا بابا، أصحابي راحوها العيد اللي فات وقالوا حلوة أوي.
وقبل أن يجيب وليد، انحنت غزل قليلًا تربت على شعره بملاطفة، وقالت بنبرة هادئة:
_ متزعلش يا طروقة، بابا عامل لكم برنامج جميل طول العيد، كل يوم هنروح مكان شكل، والميريلاند أصلًا من ضمنهم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتسم الرضا على وجه طارق ممسكا يد شقيقته يثرثران بمرح وهما يسبقونهما فوق الدرج، بينما هبط وليد من الدور الرابع حيث يقطن إلى جواره غزل، متوجهين للدور الثاني.

رنّ جرس الباب المعدني القصير، فارتفع من الداخل صوت الخالة شادية عاليًا وسط ضوضاء التلفاز:
_ يا عبير افتحي الباب، إيدي مش فاضية.
فتحت الباب، وما إن وقع بصرها على وليد حتى اتسعت ابتسامتها فجأة:
_ وليد! يا ألف مرحب يا ابن خالتي اتفضل.
ثم ألقت نظرة سريعة باهتة ناحية غزل، قبل أن تبتعد تدعوهم.
_اهلا يا غزل، اتفضلوا.
قالتها وهي تفسح الطريق لهم، ثم نادت بصوت أعلى للداخل:
_ ماما.. وليد جه هو و ولاده.
عبروا إلى الردهة الصغيرة المليئة بأثاث قديم نظيف، و رائحة الطعام المطهو تتسلل من المطبخ، ومروحة سقف تصدر صوتًا خافتًا متقطعًا، خرجت الخالة شادية سريعا وهي تمسح يدها في طرف جلبابها:
_ يا مرحب يا حبيب خالتك!
ضمت وليد بحفاوة واضحة وربتت على كتفه، كما رحبت بالصغار وعانقتهما قبل ان يذهبا يلعبان مع اولاد عبير، ثم انزلقت عيناها ناحية غزل، فتبدلت الابتسامة لعبوس مقصود:
_ ازيك يا غزل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قالتها ببرود لاحظه وليد فتسائل فور جلوسهما:
_ ايه يا خالتي مالك، انتي زعلانة من غزل ولا أيه؟
رمقت الخالة غزل بعتاب والأخيرة تنظر لها ببرود غير عابئة بغضبها الذي تعرف سببه.
تنهدت الخالة وهي تشكو له:
_ بصراحة يا وليد، اه.. زعلانة من مراتك.
غمغم متعجبًا:
_ زعلانة من مراتي؟ ليه يا خالتي؟
هزّت شادية رأسها بأسف:
_ يوم الوقفة طلبت منها تمسح السلم، لان عبير بنتي زي ما انت شايف تعبانة وبطنها قدامها، قولت ميجراش حاجة لو غزل تساعد وتمسح السلم بدلها.
ثم توقفت ترمقها بضيق مواصلة:
_بس مراتك يا اخويا مرضيتش وقال ايه؟! مش بمسح سلالم حد يا خالتي.

ثم نظرت لوليد بنظرة عتاب مكسورة:
_ يرضيك كده يا وليد اللي عملته مراتك؟ هو انا مش خالتك وفي مقام امك؟ فيها ايه لو طاوعتني؟.

ساد الصمت وغزل لم تهتز بشكواها قائلة بهدوء شديد مستفزًا من فرط ثباته:
_ أنا فعلًا رفضت طلب خالتي.
لمعت عين شادية بانتصار للحظة ظنًا منها أن وليد لن يمرر لها هذا، قبل ان تكمل غزل بنفس النبرة الهادئة:
_ لأني ببساطة مبمسحش سلالم حد.
ثم أضافت وهي تعدل طرف ثوبها بهدوء:
_ وإحنا أصلًا بندفع لواحدة مخصوص تيجي تنظف السلم.
اختفت نظرة النصر في عين شادية مع قول وليد:
_ فعلًا يا خالتي، ما في واحدة بتيجي للسلم، ليه مراتي تمسحه مش فاهم؟.
تنهدت الخالة سريعا تدعي انكسار مصطنع:
_ ما هي مجتش يومها يا ابني، نعمل إيه؟ نسيب العيد يدخل علينا وسلالم العمارة متربة كده؟
ثم نظرت لغزل نظرة طويلة تحمل لومًا ناعمًا:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_ قولت يعني مراتك زي بنتي و تساعد.
لتعود وتوضح بفخر مقصود كأنها تتعمد الضغط على جرح غزل:
_ما هو لولا عبير حامل على وش ولادة مكنتش طلبت حاجة من حد.

نخرت غصّة حزن روحها ببطء، لكنها أخفت ألمها ببراعة خلف هدوء مهيب، قد تؤلمها الكلمة، لكنها نادرًا ما تسمح لأحد أن يراها تنزف.
لذا صدرت غزل وجهها البارد بتجاهل تستحقه تلك الشمطاء في حين قال وليد بهدوء:
_ طب كنتي كلمتيني يا خالتي، كنت أبعت حد أو أجيب واحدة تنضفه.
ردّت على الفور ولا يروقها اتجاه الحديث:
_ لا يا حبيبي خلاص، أنا مسحته بنفسي، مكنتش هلاقي حد في زحمة العيد يجي يعملنا حاجة.
قالتها بنبرة يشوبها تضحية مصطنعة.
مطت غزل شفتيها بأسف زائف لتهمس لنفسها بصوت منخفض بالكاد يُسمع.
«امسحيه ما انتي فيكي صحة تهد جبال».

خفض وليد رأسه يخفي ابتسامة باغتته رغمًا عنه حين سمع قولها الخافت.

في المقابل، ضاقت عين شادية متسائلة بريبة:
_ بتقولي حاجة يا غزل؟!
ردت الأخيرة بابتسامة باردة:
_ بقول ربنا يديكي الصحة وتمسحي لنا السلالم كل عيد يا خالتي.

امتقع وجه الخالة ورمقتها عبير بغيظ واضح وقد التقطت آخر جملتها، لتقرر هي تلك المرة إثارة حنقها.

_ايه ياغزل، انتي مش ناوية تجيبي حتة عيل كده يفرح وليد ابن خالتي ويكون اخ للولاد؟ عدى سنتين ومشوفناش حاجة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هنا التقطت شادية طرف الحديث وتنهدت باهتمام زائف وهي تنظر ناحية غزل قائلة:
_ عندك حق يا عبير، ده انا كل يوم اقول الشهر ده وليد هيفرحني ويقولي مراتي حامل يا خالتي، بس الوقت عدى ولا حس ولا خبر.
ثم ربتت على كتف غزل بحنان غير حقيقي وقالت:
_ شدي حيلك كده يا حبيبتي وهاتيله عيل يملى البيت ويبقا أخ لياسمين وطارق.

تقلصت معدة غزل اكثر واعتصرها الألم لكنها من جديد أبت ان تظهر حزنها وكادت ان تجيبها برد لاذع، لولا تدخل وليد المدرك
لخبث نوايا خالته وابنتها، وقال بهدوء:
_ ومين قال إني عايز ولاد تاني يا خالتي؟
رفعت شادية حاجبيها بدهشة:
_ وليه مش عايز يا ابني؟ في حد يكره العزوة؟
مال وليد للخلف، ثم أشار ناحية ياسمين وطارق بابتسامة حانية:
_ عزوتي هما ياسمين وطارق، ماليين الدنيا علينا والحمد لله مبسوطين بيهم.
ثم التفت لغزل تلقائيًا، وقد رقّت نبرته بود واضح:
_ انا وغزل اتفقنا على كده، وهي الحمد لله بقت أم حقيقية ليهم ومش مخلية ناقصهم حاجة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

خفضت غزل عينيها لحظة قصيرة، تخفي ارتباكها تأثرا بدعمه لها، أما شادية ابتسمت تلك الابتسامة الماكرة وقالت:
_ لا مؤاخذة يا ابني بس مهما كان…
وصمتت لحظة، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة:
_ مفيش في حنية الأم اللي بتخلف برضو.
ساد صمت قصير وأكملت:
_ بس انا فاهمة انت ليه مش عايز تخلف تاني.
واستطردت بنفس الخبث:
_الله يرحم مراتك الاولى، أم العيال، كنت بتحبها و بتموت فيها، يمكن عشان كده إنت مش عايز تخلف من حد تاني.

فهمت غزل ما ترمي إليه الخالة، فرفعت فنجان الشاي الذي قدمته لها عبير منذ قليل بهدوء، وأخذت رشفة صغيرة، ثم وضعته برقة وابتسمت ابتسامة واثقة وقالت:
_ الله يرحم ام العيال يا خالتي، وميزعلنيش خالص إن وليد يفضل فاكرها لانها هتفضل ام ياسمين وطارق اللي خلفتهم.
واستطرت وهي تنظر لعين الخالة بقوة:
_والأمومة دي مش شرط للي خلفت وبس.

وهنا شخصت بعيناها كأنها توجه الحديث لنفسها:
_ ياما امهات خلفوا ورموا عيالهم ومسألوش فيهم.

كأنها عمدا غرست سهمًا بقلبها وهي في الواقع تصف نفسها، هي فشلت أن تكون أم لمن انجبتهما وتخلت عنهما، بينما الأن تتسول الأمومة من طفلان لم يخرجا من رحمها ومع ذلك تعيش معهما أمومة صادقة بكل معنى الكلمة، لتسخر داخلها من تلك المفارقة القدرية العجيبة.

_ نستأذن احنا يا خالتي.
قالها وليد لينهي ذاك العبث من خالته لتجيبه:
_ خليك شوية ناكل لقمة سوا يا وليد، المحشي قرب يستوي، وانت عارف محشي خالتك.

ابتسم بود:
_ شكرا يا خالتي، احنا فطرنا من شوية وهنتغدا برة مع الولاد.
عبير بفضول:
_ انتوا رايحين فين يا وليد؟
_ بابا هياخدنا حديقة الازهر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بعفوية اجابت ياسمين لتفاجأهم الخالة بطلبها:
_ طب ما تاخد عيال عبير معاك يا وليد تفسحهم مع عيالك؟ اصل ابوهم عند امه ومش راجع غير بالليل.

أرتبك وليد من طلب خالته وهو ينظر بطرف عيناه لغزل التي تولت الرد عنه وهي تنهض متلقطة حقيبتها:
_ معلش يا خالتي مش هينفع، أصلنا هنعدي على ماما واخويا ومش عارفين ظروفنا.
ثم أشارت للصغار:
_ طارق، ياسمين، يلا يا حبايبي عشان نازلين.

دنى طارق منهما بينما أمسكت غزل يد ياسمين وهي تعدّل لها خصلات شعرها المبعثرة، فانزوى وليد مع خالته جانبًا وأخرج ظرفًا صغيرًا مطويًا ووضعه في يدها بهدوء:
_ كل سنة وانتى طيبة يا خالتي.

تصنعت شادية الرفض:
_ لا يا حبيبي إيه ده بس! مالوش داعي.
وأصابعها في الوقت ذاته تنغلق فوق الظرف بالفعل.
ابتسم وليد وقال:
_ حاجة بسيطة يا خالتي.
ثم التفت لطفلي عبير وانحنى قليلًا وأخرج بضعة نقود ورقية وقال:
_ وإنتوا بقى دي عيديتكم يا حبايبي، عيد سعيد عليكم.
تهللت وجوه الطفلين، أما عبير فابتسمت بخجل لا يليق بها:
_ يا وليد ميصحش، كده كتير والله.
_ دول زي ولادي يا عبير، يلا نستأذنكم احنا.

وقفت شادية عند الباب تودّعهم، وصوتها عاد حنونًا أكثر من اللازم:
_ طب بكرة تعدي عليا وتتغدا معايا انت والولاد يا وليد.
اجابها وقد اقترب من الدرج:
_ ربنا يسهل يا خالتي.

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تبعته غزل وعند أول درجة من السلم
أطلقت شهقة خافتة:
_ آآه!
اختل توازنها فجأة، وكادت تميل للأمام، لكن سريعا لحقها وليد و أحاط بذراعها وخصرها هاتفا بقلق واضح ظهر مثله على الصغار وهما يتشبثون بها:
_ حاسبي يا غزل!
قبضت أصابعها لا إراديًا في كم قميصه، وكأنها تستند إليه.
_ رجلي شكلها اتلوت يا وليد.
هبط لمستوى قدمها، عينيه تفحصها بلهفة:
_ وريني كده؟ قادرة تقفي عليها؟ ولا اشيلك؟.
ثم نهض وكاد ان يحملها، لتمنعه غزل بنبرة دلال وهي ترمي بعيناها نحو خالته وابنتها:
_ لا مش للدرجادي يا وليد، اقدر امشي عليها.

ومدت يدها تربت على ذراعه كأنها تهدئه هو:
_ متخضّش نفسك كده يا حبيبي جت سليمة.
ظل ممسكًا بها رغم ذلك.
_ متأكدة؟
ضحكت بدلال:
_ أيوة متأكدة متقلقش.

رفعت عينيها والتقطت وجه شادية متجمّد،
وعبير بجوارها فمها مشدود بصورة يصعب إخفاؤها، فابتسمت غزل مدركة تمامًا أن الرسالة وصلت لصاحبها، قد لا تنجب له اطفالا، وقد يتذكر احيانا زوجته الأولى، لكن قلب هذا الرجل الأن واضحًا أين يسكن.

تحركوا بضع خطوات نحو السلم، ووليد ما زال ممسكًا ذراعها بحذر زائد، لتتوقف غزل فجأة كأن شيئًا تذكّرته.
التفتت له قائلة بنبرة هادئة:
_ لحظة يا وليد هقول لخالتك حاجة، أنزل وهحصلك.
سبقها وليد مع الصغار ببضع خطوات واستدارت بهدوء، خطواتها ثابتة تمامًا هذه المرة، حتى وقفت أمام شادية وعبير اللتين كانتا تتابعان المشهد بصمت متوتر، ابتسمت غزل ابتسامة مهذبة وربما مبالغ بها وهي تميل ناحية شادية كأنها تودّعها سرًا، وخفضت صوتها حتى صار أقرب لهمس ناعم:
_ سلام يا خالتي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

توقفت لحظة قصيرة ثم اكملت:
_ واطمني على ابن أختك، وليد دلوقت مفيش في حياته ولا قلبه مكان للماضي.
ثم مالت برأسها ناحية الخارج حيث ينتظر وليد، و لا يزال يراقبها بقلق واضح:
_ وبالنسبة للولاد، أديكي شوفتي بنفسك، قلقوا عليّا زي أبوهم بالظبط عشان بيحبوني.

ثم أضافت بهدوء رقيق أشد وقعًا:
_ أصل الحب والتربية بيعملوا حاجات ساعات الدم لوحده ميعرفش يعملها.
واخيرا استقامت في وقفتها، ابتسامتها لا تزال مرسومة بثقة:
_ كل سنة وإنتي طيبة يا خالتي.
ثم التفتت وغادرت تاركة خلفها وجهان يشتعلان من فرط الغيظ.
_________

ما إن أُغلق الباب خلفهم حتى خيّم على المنزل صمت ثقيل، ظلت شادية واقفة في مكانها، عيناها معلقتين بالباب الذي خرج منه وليد وغزل قبل لحظات، بينما تجمدت ملامحها على نحو غير معتاد، غارقة في أفكار لا تكف عن الدوران داخل رأسها.

أما عبير فكانت أول من انفلتت أعصابها، سحبت أحد الكراسي وجلست عليه بعنف، حتى احتك بالأرض محدثًا صوتًا مزعجًا، ثم أطلقت ما احتبس داخلها من غيظ:
_ هي الست دي ساحراله ولا إيه يا أمه؟
قالتها وهي تميل بجسدها إلى الأمام ثم تعود للخلف، كأنها لا تجد وضعًا يريح توترها، لكن شادية لم تجب، وظلت تضغط طرف طرحتها بين أصابعها في حركة عصبية متكررة.
فتابعت عبير بانفعال أكبر:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
_ جينا نضايقها حرقت هي دمنا ومشيت تتغندر وساحباه وراها هو والعيال كمان.
ثم رفعت حاجبها بسخرية لاذعة وأضافت:
_ أمال لو مكانتش مطلقة مرتين ولحد دلوقت مخلفتش لوليد حتة عيل، كانت عملت إيه فينا؟
رمقت والدتها بنظرة جانبية وجدتها ما زالت غارقة في صمتها فقالت باستنكار:
_ شكلها ست عُقر ومش سهلة زي ما كنا فاكرينها.
انتبهت شادية أخيرًا من شرودها والتفتت إليها ببطء:
_ المشكلة إنها مسيطرة على وليد والعيال أكتر مننا.
ردت عبير وكأنها كانت تنتظر منها أي تعليق:
_ منا بقولك شكلها ساحراله.
ثم سكتت قليلًا وشردت مسترجعة ما حدث أمام عينيها، صورة وليد وهو يندفع نحو غزل، ونبرة صوته المليئة بالقلق وهو ينادي عليها، وطريقته في الإمساك بها دون تفكير أو تردد،
ظلت على شرودها للحظات قبل أن تهمس لنفسها:
_ مش لو كان وليد اتجوزني كنت بقيت أنا اللي معاه مكانها؟ كان زماني أنا اللي خارجة وياه بعيالي وفرحانة ومرتاحـة ومش شايلة للدنيا هم.
امتعض وجه شادية بغل واضح وقالت:
_ عشان أعمى ومبيشوفش، انتي أحلى منها وكمان ولاّدة، كان زمانك مخلفاله عيلين فوق اللي عنده.
لكن عبير ردت بعفوية لم تحسب عواقبها:
_ لا يا أمه، قولي الحق، اللي تنشك في قلبها غزل دي، حلوة.. حلوة أوي بصراحة.
وفي اللحظة التالية انتفضت صارخة وهي تتلقى وسادة ارتطمت بوجهها بقوة، بينما هتفت شادية بغضب:
_ طب قومي يا بنت الصرّمة اغرفي الأكل خلينا نطفح.
رمقتها عبير بغيظ وهي تدلك وجنتها:
_ طب بتضربيني ليه؟ أنا عملت حاجة دلوقت؟
هتفت شادية بحنق:
_ قاعدة تتغزلي في حلاوة المزغودة وتغيظيني، آل حلوة آل..قومي يا بت حطي الأكل على السفرة ونادي العيال خلينا ناكل لقمة وأنام شوية.
مطّت عبير شفتيها بضيق وصاحت:
_ حاضر حاضر.
نهضت متثاقلة واتجهت نحو المطبخ، لكنها توقفت حين نادتها والدتها من جديد:
_ بت يا عبير.
استدارت إليها بعبوس واضح:
_ نعم؟
ضيقت شادية عينيها وسألت:
_ وليد عيد على عيالك بكام؟
اتسعت ابتسامة عبير فجأة، ومدت يدها إلى صدرها تخرج النقود التي أخفتها هناك وهي تقول بفخر:
_ ست ورقات من أم مية يا أمه.
ثم رفعت يديها تدعو له بحماس:
_ إلهي يستره ويبارك فيه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
ولم تكتفِ بذلك، بل أضافت وهي تهز رأسها:
_ تصدقي بالله يا أمي؟ محدش عيد على عيالي العيد ده غير وليد، حتى أهل جوزي العرّر معملوهاش، جوزي نفسه مطلعش جنيه يديه للعيال.
لوت شادية شفتيها بضيق وقالت:
_ عشان مش عياله يا فالحـة، إنما اللي في بطنك ده ابنه، وهو اللي هيخليه يفك كيسه وهتشوفي.
قالت عبير بتهكم:
_ أما نشوف آخرتها، والله لولا زنك عليا ما كنت اتجوزت تاني أصلًا.
هزت شادية رأسها مستنكرة:
_ بطلي هبل، كنتي هتعيشي بطولك تعملي إيه لعيالك؟ اهو ضل راجل ياختي.
ثم أشارت إليها محذرة:
_ المهم القرش بتاع وليد خليه معاكي ينفعك، انتي على وش ولادة.
ابتسمت عبير وهي تعيد النقود إلى مكانها الآمن:
_ متوصيش حريص يا أمه.
وغادرت نحو المطبخ لتغرف الطعام، بينما بقيت شادية مكانها، شاردة على غير عادتها. كانت تعيد تقييم غزل من جديد، وتراجع كل ما ظنته عنها سابقًا، محاولة أن تفهم كيف استطاعت تلك المرأة أن تنتزع مكانتها داخل بيت وليد بهذه السرعة.. والأهم، كيف ستتعامل معها من الآن فصاعدًا.
--------------
امتزجت رائحة الشواء في بيت سالم بإشراف غنى وزوجة أخيها، مع أحاديث الرجال الجانبية وفوضى الصغار المحببة حولهم وضحكات نبعت من القلب، ليقف سالم يتأمل المشهد بعينين ممتلئتين برضاٍ دافئ، قبل ان يصفق بكفيه فجأة هاتفًا بمرح:
_ نقطة نظام يا ولاد، عايزكم تقفوا كلكم صف واحد بسرعة، جه معاد العيدية!

بهتافات متحمسة وهم يركضون نحوه، قفز زين أولًا وهو يصيح:
_ أنا الأول يا خالو!
لتدفعه زينة بكتفها الصغير معترضة:
_ لأ! البنات الأول!
لتضحك الجدّة من موضعها فوق الأريكة قائلة:
_ كلكم هتاخدوا يا حبايب تيتة، وبعدها تعالوا عندي عشان أعيد عليكم.

ثم نظرت نحو "نوح" ابن سالم الأوسط الجالس جوارها دون أن يشترك معهم وغمغمت برفق:
_ قوم يا حبيبي اقف مع ولاد عمتك خد العيدية.
تردد الصغير وقدا بدا غير مرحب مفضلا الجلوس معها، ليجذبه أبيه بحنان:
_ تعالى يا حبيبي أقف مع اخواتك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم حاول سالم عبثًا تنظيم الصف الذي تحول إلى ساحة عِراك بينهم، أما عمرو ويحيى فكانا بعيدا بالزاوية يتابعان المشهد بابتساماتٍ هادئة دون أي نية للمشاركة، لمحهم أصيل فورًا، فرفع حاجبه قائلًا بتمثيل الجدية:
_ وإنتوا قاعدين بعيد كده ليه؟
تمتم يحيى بخجل:
_ يا عمو إحنا كبرنا على الكلام ده، انا خلاص في تالت جامعة.
وأضاف عمرو بهدوء:
_ بالظبط يا عمو، خليها للصغيرين.
لكن أصيل نهض واتجه نحوهما، ثم جذب عمرو من ذراعه وقال بمرح:
_ قوم يا ابني، ده أنا نفسي هاخد عيدية من خالك!

أنفجر الجميع ضاحكين، بينما دفع أصيل يحيى معه في صف الصغار فهزّ رأسه مستسلمًا وهو يضحك، قبل أن يقف جوارهم أخيرًا، بدأ سالم وأصيل توزيع العيديات وسط فرحة ومرح الأطفال، كما فعلت الجدة ليزداد صراخهم وهم يحصون ما جمعوا من نقود جديدة تحمل رائحة المحبة والبهجة، وامتلأ بيت سالم بذلك الدفء البسيط الذي تصنعه العائلة حين تجتمع دون حسابات، لكن ركنٍ ما في نفسه تمنى لو استطاع جمع اختيه معا "غنى وغزل" لكنه يعلم ان الأمر مستحيل، اصيل لم يتراجع عن موقفه مقتنعا انه يحمي صغاره وزوجته من تهور غزل، ولا يستطع لومه في ذلك.

بعد فترة من الجري واللعب في الردهة، أخرجت شهد التابلت من فوق الطاولة الصغيرة، ولوّحت به أمامهم:
_كفاية تنطيط بقى وتعالوا نلعب لعبة اسمها اختبر ذكاءك، هتعجبكم أوي.
ثم ضيّقت عينيها بمشاكسة وهي تنظر إليهم جميعًا:
_هتكونوا فريقين والفريق اللي هيكسب فيكم له عندي هدية.
انتفضت فاطمة بلهفة:
_هدية إيه يا شاهي؟
ردت شهد بتشويق:
_دي مفاجأة طمطم.
اقتربت عائشة بحماس وجلست على السجاد:
_طيب يلا نبدأ بسرعة قبل ما بابا وماما يقولوا انهم ماشين.
تجمع الجميع وصنعوا صفان أما نوح فظل واقفًا في الخلف كعادته، يراقب دون رغبة في الانضمام، قبل أن تنهض و تجذبه عائشة بعفوية لتجلسه بجوارها:
_تعالى يا نوح، انت شاطر وهنكسبهم سوا.
ألقت عليها فاطمة نظرة جانبية.
_آه طبعًا فريق العباقرة اجتمع، بس انا وليان اللي هنغلب وهتشوفوا.
ابتسمت شهد وهي تفتح اللعبة موضحة:
_ انا الحكم بينكم، كل فريق له سؤال يحله في عشر ثواني، الكسبان له خمس نقاط والخسران مالوش حاجة.
برق الحماس بأعينهم وزين وزينة يجلسون معهم يراقبون ما يحدث وكفوفهما معبئة بالحلوى التي يأكلوها بتلذذ.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

صاحت شهد:
_ السؤال لفريق فاطمة ( اذكر خمس حيوانات بحرف السين خلال ١٠ ثواني).
استجمعت فاطمة تركيزها وقبل ان تنتهي العشر ثواني اجابت سريعا لتصيح شهد:
_ برافو، فريق فاطمة كسب خمس نقاط.
صار بعض الصخب ثم وجهت شهد السؤال لفريق نوح: اذكر خمس حيوانات بحرف العين خلال ١٠ ثواني.
سريعا ما جمع نوح الاجابة في عقله، لكن ما أعاقه تهته في حديثه تلازمه منذ صغره، نطق ألاسامي بلعثمة وبطء، لتساعده عائشة وهي تنطق الإجابة سريعا قبل ان تنتهي العشر ثواني.
من جديد هتفت شهد بفوز فريق نوح الذي شاب وجهه الخجل واراد لو ينسحب، كاد يفعل لتجبره عائشة على الجلوس هامسة له ( متخافش يا نوح انا معاك وهنكسب).

من بعيد رمقته والدته بحزن واقتربت لتجلس جواره وهي تربت على رأسه هامسة:
_ انت شاطر وذكي يا قلب ماما، كمل وانا معاك.
لتتدخل عايشة بعفوية:
_ لا يا طنط مينفعش حضرتك تكوني في الفريق، كده اللعبة تبوظ.

ابتسمت غنى التي تراقب كل شيء ثم صاحت وهي تجلس قريبا:
_ احنا مش هنلعب يا شوشو، انا ومرات خالك هنتفرج عليكم وبس.

بدأت جولة اخرى مختلفة عبارة عن تجميع قطع صورة حيوان غير مرتبة في خلال دقيقة، بدأ الامر بفريق فاطمة التي فشلت بتجميع صورتها قبل نفاذ الوقت، ليأتي دور فريق نوح الذي رتب صورته في غضون نصف دقيقة فقط، لتهتف عائشة بصراخ:
_ كسبنا كسبنا.
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة صغيرة، خجولة لكنها واضحة هذه المرة، بينما ربتت والدته على ظهره وهي خير من تعرف ذكاء طفلها وفراسته، توالت الاسئلة وتارة يجيب فريق فاطمة واخرى فريق نوح وعائشة، ليصبح الفرق بينهما خمس نقاط.
_ السؤال الاخير للفريقين، واللي هيجاوب اسرع هو الفايز ( إيه اللي كل الناس بتستخدمه أكتر منك رغم إنه بتاعك).
_ ا..اسمي.. ط..طبعا.

اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
بلحظات قالها نوح لتزغرد والدته بمبالغة هاتفة:
_ ابني حبيبي الذكي اللي كسب.
ضحكت غنى وهي تراقبها متفهمة دعمها المبالغ به لنوح، بعد تعرضه وقت ولادته لنقص الأكسجين، ما اثر على مناطق التنسيق الحركي لديه في الكلام، لذا رغم ذكاءه تخرج كلماته متلعثمة وتزداد لعثمته مع التوتر وسط الاخرين، ما يجعله يميل للعزلة أحيانا كثيرة.

حُسم الأمر أخيرًا وشهد تعلنها وهي تصفق بمرح:
_اللي فاز معانا بالمركز الأول هو فريق نوح وعائشة.

صرخت ليان تدعم أخيها:
_ اخويا كسب.. اخويا شاطر!
أخرجت شهد من حقيبتها مغلف شيكولاتة كبيرًا، ومدّته نحوه بابتسامة واسعة:
_اتفضل يا نوح، دي ليك انت وعائشة، اقسموها سوا
ارتبك قليلا واحمر وجهه قائلا:
_شـ.. شكرا.. مـ.. مش عايز.
رفعت شهد حاجبها باعتراض:
_ايه مش عايز دي؟ لا طبعًا، دي مكافأتك.
هز رأسه بخجل أكبر، ثم قال بعفوية وهو ينظر ناحية عائشة:
_أ.. أديها لـ.. عائشة.. و ..ليان.

لتنتفض فاطمة باعتراض طفولي:
_إشمعنى بقى؟! انا كمان عايزة شيكولاتة ماليش دعوة.
ضحكت شهد وهي ترفع يديها باستسلام:
_خلاص خلاص متزعليش.
ثم مدت يدها لها لمغلف اخر كبير قائلة:
_ دي ليكي انتي وزين وزينة.

وقبل ان تمد فاطمة يدها، خطف زين مغلف الشكولاته كأنه "لص" صغير وهرول يصيح:
_ ده بتاعي لوحدي انا وزينة.
كادت فاطمة ان تجري خلفه لتوقفها عائشة وهي تضحك:
_ رايحة فين أنسي تاخدي منه حاجة هو والنصابة شريكته.
ثم كسرت نصف ما معها ومدته لها:
_ خدي حتة كبيرة من معايا.
أخذتها فاطمة وهي تتوعد رغم ذلك:
_ بس وربنا لأربيه الواد ده لما نرجع البيت، كل حاجة عايز ياخدها هو لوحده.
-----------
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

على النقيض من ضوضاء الردهة، كانت غرفة يحيى أكثر هدوءً بصحبة عمرو الجالس على طرف الفراش، يمسك كوب العصير بين يديه وأمامه قطعة من تورتة عيد الميلاد، لاحظ يحيى شروده، شرود شخص يقف على باب مرحلة جديدة سوف تبدا في حياته، ولا يعرف إن كان مستعدًا لعبورها أم لا،
قطب يحيى حاجبيه قليلًا ثم قال:
_إيه يا عمور؟ سرحان في ايه؟
ابتسم عمرو بخفوت وغمغم:
_بفكر.
_في الكلية؟
هز رأسه ببطء، صمت يحيى لحظة، ثم سأله مباشرة وهو يراقبه:
_وليه الحيرة؟ انت ان شاء الله لما تجيب مجموع عالي، هتدخل هندسة زي ما عمتو غنى نفسها، يعني الامور واضحة بالنسبالك يا باشمهندس.

شخصت ملامح قليلًا قبل أن يزفر بهدوء.

_بس انا..
رفع يحيى حاجبيه:
_بس إيه؟
تردد عمرو وكأنه يخشى حتى الاعتراف لنفسه بما يجول بخاطره.
_ اتكلم يا عمرو، هتخبي عليا؟!
قال بعد تنهيدة اخبرت عن حيرته:
_مش شايف نفسي في الهندسة يا يحيى، مش حاسس بيها، اللي بتمناه حاجة تانية خالص.
أراح ظهره أكثر فوق الكرسي، وعقد ذراعيه وهو يتأمله لحظة طويلة، ثم قال بهدوء لا يخلو من جديته:
_بص يا عمرو، هكلمك بصراحة.
رفع عمرو عينيه نحوه منصتا له باهتمام.
_مفيش مجاملة في تحقيق الذات، أصلا مينفعش.
انعقد حاجبا عمرو قليلًا، أما يحيى فأكمل بنبرة أهدأ:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
_في النهاية دي حياتك انت ومستقبلك، الكارير اللي هتصحى له كل يوم، والضغط اللي هتستحمله، والحاجة اللي هتفضل سنين بتحاول تنجح فيها لأنك ببساطة اختارتها وحاببها.
ثم أشار ناحية كتبه المكدسة فوق المكتب:
_أنا دخلت طب عشان بحبه، وعشان شايف نفسي فيه.
ابتسم نصف ابتسامة وهو يربت فوق كتاب مفتوح قربه قائلا:
_وعارف إني غالبًا هكمل في جراحة المخ والأعصاب، ورغم إنها مهنة متعبة، وساعاتها بتاكل العمر.
عاد ينظر إليه بتركيز أكبر:
_بس ده عالمي اللي انتميت إليه بإرادتي.

صمت عمرو ولازال يحيى يتابع بهدوء:
_لو انت دخلت كلية هندسة فقط عشان ترضي أمك، هتخسر نفسك مع الوقت، احتمال تنجح على فكرة، لكن هتكون مبسوط؟ معتقدش.
ثم مال للأمام قليلًا وأضاف بصراحة أكبر:
_ لانك هتكون بتحقق حلم حد تاني، مش حلمك انت.

ظل عمرو صامتًا، لكن كلمات يحيى أخذت مكانها داخله بعمق، وافقت الصوت الذي يهمس له أن قلبه لا يميل للطريق الذي يتوقعه الجميع، هناك حلمًا آخر يريده، لا يريد غيره، عاد ينظر نحو يحيى وكأنه فتح له نافذة صغيرة كانت مغلقة أمامه طيلة الوقت، لكنها الأن مُشرعة على مصراعيها، وللمرة الأولى لم تبدُ فكرة اختيار حلمه الخاص أنانية كما كان يظن.

--------------
برقت أضواء المقهى الشعبي وسط الزحام، وروائح المشاوي المتصاعدة تعبّئ الهواء واغاني العيد تنبعث من سماعات بعيدة، تثير البهجة في النفوس.
_ حلو المكان ده يا ريان، اول مرة نيجي هنا.
قالتها ضحى وهي تتفقد بعيناها المكان الذي
بدا واسعًا تتوزع فيه جلسات عائلية بسيطة بأرائك ملوّنة وطاولات خشبية، بينما خُصص جانب كامل منه لساحة ألعاب منوعة يدخلها الأطفال وعائلتهم بتذاكر رمزية، بها نطاطات هوائية منتفخة ومنزلقات صغيرة وألعاب أخرى.

دخل ريان يتقدم أسرته أولًا، يحمل كريم فوق ذراعه، بينما تسير ضحى بجواره، بيديها كارما وراكان يتجادلان حول اللعبة التي سيدخلانها أولًا.
_أنا عايزة النطاطة!
قالتها كارما بحماس وهي تشير بعيدًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
رد راكان سريعا:
_لأ الأول العربية اللي بتلف!
ابتسم ريان وهو ينظر إليهما:
_استنوا بس ندخل يا ولاد، واللي نفسكم فيه هتعملوه، احنا قاعدين هنا لحد بالليل، معانا وقت لكل الألعاب.

اختار لهم جلسة قريبة من ساحة اللعب، تطل مباشرة عليها، وأرضيتها مغطاة بسجاد أخضر يشبه العشب الطبيعي تماما، جلست ضحى وهي تزفر براحة خفيفة، تسند كريم فوق ساقها بعد ما بدأ يتململ من كثرة الحركة، بينما جلس راكان ملاصقًا لها يراقب المكان بعينين فضوليتين.

ابتسم ريان وهو يحدث كارما وراكان:
_انتوا لسه قاعدين؟ قوموا العبوا واتبسطوا.
ثم شدد قوله لابنته:
_ كارما، متسبيش اخوكي وتلاعبيه معاكي، فاهمة ولا لأ؟
_ حاضر يا بابا.

ولم تنتظر كارما ثانية أخرى، ركضت نحو النطاطة المنتفخة بلهفة يتبعها أخيها، ظلّت ضحى تتابعهما بعينين مطمئنتين قليلا، مستنفرة لأي خطر كأي أم ترى أبناءها يتحركون أبعد قليلًا من ذراعيها.

أما كريم كان ممسكًا بقطعة بطاطس محمرة صغيرة بأصابعه الممتلئة، يعضها بتركيز مضحك ثم مد يده ناحية كوب العصير وكاد يسكبه.
_حاسب يا حبيبي هتوقعه عليا وتبهدلني الله يهديك خليني ساترة نفسي.
لكن الصغير عبس حين منعته، فابتسم ريان وهو يراقبه بتلذذ:
_خليه يشربه ياضحى ويبلع حتة البطاطس اللي بقالها ساعة في إيده.

بعد دقائق نهض ريان قائلا:
_هروح أبص على الولاد واجيلك.
أومأت ضحى وهي تعدل جلستها، اقترب من ساحة اللعب، وعيناه تبحثان سريعًا عن كارما وراكان وسط الزحام الطفولي، وجدها أخيرًا داخل النطاطة الكبيرة، كانت تقفز وتضحك هي وأخيها باستمتاع، لكن عقد حاجبيه بضيق حين رآى حولها أولاد أكبر قليلًا، اندفاعهم أقوى ويصطدمون بها كل لحظة بحكم اللعبة، حتى ترنحت كارما وهي تحاول حفظ توازنها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_كارما!
التفتت الصغيرة إليه مبتسمة.
_ نعم يا بابا.
أشار بيده:
_تعالي انزلي شوية.
عبست فورًا وهي تصيح ولا تزال تقفز:
_لسه بلعب يا بابا، واخويا معايا اهو والله.
اقترب أكثر وعيناه لا تتركان الصبية الأكبر منها وغمغم:
_الولاد عمالين يخبطوا فيكي.
نفخت وجنتيها بتذمر واضح.
_عادي كلنا بنخبط بعض ونلعب.

وقف لحظة يفكر، ثم تنهد باستسلام أبوي يعرفه وقال:
_ خلاص هلعب معاكم.
اتسعت عيناها بعجب:.
_بجد يا بابا؟!
رفع حاجبه بمشاكسة وهو يخلع ساعته يدسها في جيبه:
_أيوه بجد، هو أنا كبرت على اللعب؟
ضحكت كارما بصوت عالي أما راكان فصرخ بحماس:
_بابا هيلعب معانا.. بابا هيلعب معانا.
_ خلاص ياعم هتفضحنا.

ودخل ريان داخل النطاطة يحاول القفز وسط ضحكات أطفاله الصاخبة، وكارما تتشبث بذراعه وهي تضحك:
_بابا انت وقعت كتير اوي، شكلك مش عارف تلعب!
رد وهو يلهث من كثرة قفزاته:
_مين ده؟ ابوكي جامد جدًا حتى شوفي.
لكن قفزة واحدة غير محسوبة جعلته يترنح ويقع وسط ضحكات صغاره، حتى الأطفال الآخرون توقفوا يضحكون، لكن ما أثار حنقه، انه وجد الصبيان الكبار اللذان كانا حول ابنته منذ قليل يضحكون، فصاح عليهم بغيظ:
_ بتضحك على ايه يا عجل انت وهو؟!.

في الجلسة البعيدة رفعت ضحى رأسها لتراه،
فانفجرت ضاحكة رغمًا عنها، وهو يترنح ويقع كلما حاول القفز، وضعت يدها فوق فمها وهي تهز رأسها بيأس ممتزج بحبها:
_مجنون يا ريان والله.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بعد جولة من القفز والضحك، عاد ريان أخيرًا إلى الجلسة معها يلتقط أنفاسه بصعوبة، يمرر كفه فوق شعره المبعثر قليلًا، بينما لا تزال ضحكات كارما وراكان تتردد من بعيد داخل ساحة اللعب، جلس بجوار ضحى بانهيارٍ مبالغ فيه فوق الأريكة الملونة.
_يا ساتر، ركبي فيها ڤايبرشن، اللعبة دي كانت عايزاني أصغر سنتين ولا حاجة، كنت بهدلتهم.
ضحكت ضحى ثانيا وهي تهز رأسها:
_ سنتين؟ قول خمستاشر سنة مش سنتين، ومحدش قالك تروح تنط وتبهدل نفسك معاهم.
رمقها بحنق ثم مال يسند ظهره وقال:
_هاتي كوباية شاي ريقي ناشف، واضح فعلا إني داخِل على مرحلة شيخوخة مبكرة.
قهقهت وهي تفتح الحقيبة الصغيرة بجوارها:
_ لا يا روحي متقولش كده انت لسه صغير.

أخرجت الترمس الصغير الذي أحضرته معها، ثم سكبت له الشاي في كوب بلاستيكي بحرص، قبل أن تمده إليه:
_اتفضل، تاخد باكو بسكوت معاه؟
ارتشف أول رشفة وهو يغمض عينيه براحة مبالغ فيها، وقال:
_لأ..كفاية الشاي اللي يعدل المزاج ده.
نظرت له ضحى لحظة، ثم فتحت العلبة الصغيرة تعرض عليه شيء أخر.
_طيب تاخد سندويتش تصبيرة؟
هز رأسه بحسم.
_لا مش عايز، لما الولاد تخلص لعب هنطلع ناكل مشاوي من المطعم اللي بره.
رمقته بنظرة مرحة:
_يا سلام عليك، مروق علينا و صارف و مكلف والله، يخليك لينا يا سيد الرجالة.

رمقها منتفخا بمرح:
_طبعًا يا بنتي، جوزك ابو الروقان والفرفشة كلها، وانا وعدتكم ابسطكم في العيد.
ثم غمز لها بمكر:
_ المهم توفي بوعدك، واخدة بالك.

ضحكت وهي تعدل كريم الذي غفى فوق ساقها مدركة مقصده:
_ وغلاوتك لأدلعك اخر دلع.
اتسعت ابتسامته حتى تجلت اسنانه ومال هامسا:
_ ايوة الله يكرمك، عايز جرعة دلع مكثفة، احنا في عيد بقا واجازة يا ضيحا.
_ عيوني يا سيد الناس كلها.

ساد بينهما هدوء قصير يرتشفون اكواب الشاي بتلذذ، ثم التفتت إليه:
_بكرة ناوي تخرجنا فين؟
_هنروح البحر.
_البحر؟
أومأ وهو يحتسي الشاي:
_أيوة، نبلبط شوية أنا والعيال.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم أضاف:
_الجو لسه معقول، والحر مش شديد أوي، درجة الحرارة لسه في التلاتينات.
نظرت إلى كارما وراكان البعيدان وهي تبتسم تلقائيًا:
_الحمد لله حظ الولاد حلو، عشان يخرجوا ويتبسطوا براحتهم.

كان ريان قد أنهى نصف كوب الشاي تقريبًا، مسترخيًا فوق الأريكة الملونة، يتابع بعيناه كارما وراكان تتسلقان الزحليقة ويضحكون كلما هبطتا ثم يعودا للصعود من جديد،
لكن شيئًا ما لفت انتباه ريان فجأة، نفس الصبيان يقتربان من الزحليقة نفسها، يركضان خلف كارما وينزلقان معاها، اعتدل في جلسته فورًا ثم قال بغيظ واضح:
_العيال الغتتة دي مش سايبين البت تلعب براحتها، أنا هوريهم العجول دول واخليهم يتزحلقوا على قفاهم.
وكاد ينهض لولا ضحى أمسكت ذراعه:
_بلاش هبل يا ريان.
رمقته بنظرة مستنكرة وهي تشير ناحية الأطفال:
_العيال رايحة تلعب زي كل الولاد، مين قال إنهم قاصدين كارما؟
زفر بضيق وهو لا يزال يحدق نحوهما:
_اسكتي إنتي مش فاهمة حاجة.
ثم قال بنبرة واثقة:
_تفكير الولاد الأيام دي بقى قذر أصلًا.
رفعت حاجبها بدهشة ثم مالت نحوه بنظرة خبث وقالت:
_أفهم من كده إنك في سنهم كنت بتفكر كده؟
رد بعفوية كاملة دون ذرة حذر:
_طبعًا.
ثم أضاف وهو يشير بيده وكأنه يحكي تاريخ طفولته بفخر:
_أنا كنت بخرج في العيد مخصوص عشان أعاكس البنات.
اتسعت بعينيها بدهشة تحدق به، أما هو فرفع كفه سريعًا وكأنه يبرئ نفسه:
_بس الحلوين بس يا ضحى والله!
حدقت فيه لحظة ثم انفجرت ضاحكة:
_يعني بتعترف إنك كنت بتخوني من نعومة أظافرك؟
شهق باعتراض مصطنع:
_هي دي خيانة؟!
ثم قال بسخرية بريئة تثير الضحك:
_ده كان ترفيه عن النفس.
ارتشف باقي الشاي ثم أكمل بحسرة مضحكة:
_وبعدين أنا مكنتش بخرج بعيد عن منطقتنا، أصلًا مكنش في فلوس نروح أبعد من كده.
وواصل بقوله:
_العيدية كانت بسيطة أوي، ولبس العيد نفسه ساعات كان يبقى قديم من السنة اللي قبلها.
رغم نبرته المرحة، شعرت ضحى بشيء صغير ينقبض داخلها، لم يكن يحكي بحزن، لكنه كان يتذكر ببساطة كم كان طفلا عاش أقل مما يستحق.
أكمل ريان حديثه ضاحكًا:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_وأمي كانت تشتري لنا لبس العيد بمقاس يكفينا سنتين تلاتة.
ضحك وهو يمثل شكل القماش الفضفاض بيديه:
_تلاقي الكم ملوش آخر والبنطلون متني مرتين فوق بعض.
ثم تنهد، وفي عينيه لمعة حنين صادقة:
_رغم كده كانت أجمل أيام والله.
نظرت إليه طويلًا ثم ربّتت على كفه بحنان صامت، وهمست:
_ربنا يخليك ليا أنا وولادك يا ريان، وتعوض فيهم كل اللي اتحرمت منه.
ابتسم بعينيه وهو ينظر لها، ثم فجأة اعتدل وهو يحدق ناحية ساحة اللعب ثانية:
_العيال الغتتة دي مش هتجيبها لبر!
أشار بإصبعه ناحية الزحليقة:
_والله لأغلس عليهم عشان يبعدوا عن بنتي!

تنهدت ضحى باستسلام وهي تهز رأسها، تراقب غيرته المجنونة التي لا تنتهي على كارما، وحمايته المبالغ بها كأنها كنزه الغالي، خفضت نظرها إلى كريم النائم فوق ساقها، أنفاسه الصغيرة المنتظمة تدفئ قلبها،
مررت أصابعها برفق فوق شعره الناعم، ثم همست بحب:
_أكبر انت كمان يا كيمو عشان تلعب مع اخواتك يا روح ماما.
وانحنت قليلًا تطبع قبلة ناعمة فوق خده الصغير، بحذر شديد كي لا توقظه.
-------

انخفضت حدة الشمس قليلًا مع اقتراب العصر، وامتلأت الحديقة بالعائلات المتوافدة مع أطفالها، تتداخل الضحكات مع صخب الركض وأصوات النداءات البعيدة. جلس وليد وغزل على مقعد خشبي يطل على مساحة واسعة من العشب، بينما ركض ياسمين وطارق بين الأطفال، ولم تمضِ دقائق حتى اندمجا في اللعب مع صغار يقاربونهما عمرًا.
_ كويس الولاد لقوا حد يلعبوا معاه.
قالها وليد، فاكتفت غزل بهزة رأس خفيفة وابتسامة صغيرة بالكاد لامست شفتيها، راقبها بطرف عينه، ولاحظ ذلك الشرود الثقيل الذي يطفئ ملامحها كأن عقلها غارق في مكان بعيد، مد يده نحو علبة عصير بجواره وناولها لها.
_ اشربي عصير، يمكن يفك التكشيرة اللي في وشك من ساعة ما نزلنا.
التفتت إليه لحظة، ثم أعادت نظرها نحو الأطفال.
_ عادي مش مكشرة.
أمال رأسه قليلًا محاولًا اقتناص نظرة منها:
_ لسه كلام خالتي مزعلك؟
زفرت بنفاد صبر:
_ مش زعلانة يا وليد، بس…
توقف منتظرًا، فأكملت وهي تشبك أصابعها ببعضها في توتر خافت:
_ ممكن اسألك سؤال؟
_ أكيد، أسألي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

صمتت لحظة قصيرة، وكأنها تنتقي كلماتها بحذر، ثم قالت:
_ أنت ليه مفكرتش تتجوز عبير بعد وفاة مراتك؟ بمقايس العقل هي بنت خالتك وشكلها كانت هتموت عليك هي وامها.
ظل وليد ينظر إليها لثوانٍ، قبل أن يجيبها بهدوء:
_ لان عمري ما تخيلت عبير تكون زوجة ليا، ما هي كانت قدامي من زمان بس لما جه النصيب اخترت بنت خالتي الكبيرة، هي دي اللي لقيت نفسي معاها، كان في بنا وفاق واتجوزنا.
_ لسه بتحبها يا وليد؟
باغته السؤال لم يجب فورًا، بل أطرق برأسه للحظات قصيرة، كأن الكلمات تحتاج أن تمر أولًا على قلبه، قبل أن يرفع عينيه إليها مجددًا ويقول بثبات:
_ لما حد يكون في حياتك وكان له اهمية وقيمة كبيرة فيها والموت ياخده منك، مش سهل يتنسي يا غزل، خصوصا لو ليكي منه اطفال يفكروكي بيه طول العمر.
لم تقاطعه، كانت تنصت بصمت، كأنها تزيح ستارًا عن جزء خفي من روحه، فاسترسل:
_ بس ده مش معناه ان كل مشاعري ملك لمراتي الاولى، كل الحكاية اني محافظ على ذكراها لان جمعتنا عشرة وذكرايات وولاد.
_ وانا؟ بتحبني يا وليد؟
لم تكن غزل يومًا ممن يشغلهم سؤال الحب. غرورها قديمًا أقنعها أن مشاعر الآخرين تجاهها أمر مفروغ منه، شيء يحدث تلقائيًا دون جهد أو خوف من فقدانه. كثيرون تمنّوها، وكثيرون سعوا إليها، لكنها حين واجهت نفسها بصدق اكتشفت حقيقة أكثر قسوة، أنها لم تُحب أحدًا حقًا، لم تُحب أصيل لأنها لم تختاره، ولا رامي لأنها أخطأت في اختيارها، حتى أمومتها نفسها تعثرت يومًا تحت وطأة أنانيتها، فتركت صغيريها خلفها وانتصرت لنفسها أكثر مما انتصرت لقلب أم، لكن السنوات كانت قاسية بما يكفي لتعلّمها.

الوحدة نهشتها، وتركتها جسد يمضي بلا روح، حتى جاء زواجها من وليد كنافذة انفتحت على حياة لم تتخيل احتياجها إليها، شيئًا فشيئًا، ارتوت بداخلها نبتة أمومة ذابلة، وعاد لقلبها نبض افتقدته طويلًا، ولأول مرة لم تعد تكتفي بأن تُحب، بل اشتهت أن تُحَب أيضًا، حبًا يروي ذلك الفراغ الصامت بداخلها.
_ طبعا بحبك يا غزل.
انتشلها صوته من شرودها العميق، اعتراف بسيط لكنه جاء على حين غرة، وسط ضجيج الحديقة وصخب الأطفال، ومع ذلك تلاشى كل شيء من حولها، ولم يبقَ سوى صوته وكلماته.

_ لما شوفت نظراتك أول مرة لولادي وازاي اخدتيهم في حضنك وضمتيهم ليكي بحنان عجيب كأنك لقيتي حاجة كانت ضايعة منك، لدرجة حسيت وقتها انك نسيتي الدنيا، كأنك مش شايفة غير ياسمين وطارق.
توقف قليلًا وعيناه تزدادان دفئًا:
_دي وقتها كانت البداية يا غزل، انا ندرت قلبي للي هتقدر تحب ولادي من قلبها، وانتي نجحتي ده، عشان كده بقولهالك من جوه قلبي.. بحبك يا غزل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 


ظلت تحدق فيه لثوانٍ، كأن الكلمات وصلت متأخرة إلى قلبها أو ربما وصلت أسرع مما ينبغي، شعور لا تعرف له اسمًا واضحًا،
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم أشاحت بعينيها نحو الأطفال كأنها تهرب من وطأة نظراته:
_ يعني، بتحبني عشان بحب ولادك؟
لم يحمل صوتها سخرية، بل ارتباكًا، سؤال امرأة لا تعرف إن كانت تُرى حقًا أم فقط تؤدي دورًا أحسن من غيرها، مال نحوها قليلًا وقال:
_ لا حبيتك لما شوفت قلبك، والولاد كانوا أول باب عرفني عليه.

هزّت رأسها ببطء، بينما ارتجف شيء صغير بداخلها دون إرادة، صمتت لحظة، ثم خرج صوتها أخفض مما اعتادت، كأن الكلمات تُنتزع منها انتزاعًا:
_ وليد، أنا مش بعرف أقول الكلام ده.
وتوقفت، كأن الاعتراف نفسه عالق في حلقها، ثم أضافت بصوت أكثر خفوتًا:
_ بس وجودك.. بجد فرق معايا، مرتاحة ومطمنة.
منحها ابتسامة راضية، ثم تنهد قائلًا:
_ أوعدك تفضلي حاسة بالراحة دي معايا، وإني هعمل كل اللي في وسعي عشان حياتنا تكون أفضل.
اتسعت ابتسامتها تلك المرة، ابتسامة صغيرة لكنها صادقة، ثم راحت ترتشف من العصير وهي تتابع الصغار بأعين أكثر هدوءًا، قبل أن يباغتها صوته بسؤال لم تكن مستعدة له:
_ غزل، هو ليه مش بتشوفي بناتك؟
ارتبكت فجأة من وقع السؤال، فسعلت بشدة، ومال نحوها سريعا يربّت على ظهرها، ثم ناولها قنينة ماء:
_ خدي اشربي حبة مية.
ارتشفت قليلًا حتى هدأت أنفاسها، فتابع بنبرة أكثر حذرًا:
_ أنا آسف، مش قصدي أي تدخل في ماضيكي، بس بناتك دول مينفعش يكونوا ماضي، حتى لو انفصلتي عن أبوهم من حقك تتواصلي معاهم وتشوفيهم.
قالت بارتباك، بينما تشيح بعينيها بعيدًا:
_ طلاقنا كان له ظروف صعبة شوية يا وليد، والنتيجة كانت إن البنات عاشوا مع والدهم، وأنا بعدها اتجوزت وبعدت عنهم واتلهيت في حياتي، نسيوني مع الوقت.
ظل صامتًا لحظات، يحلل كلماتها بعقله، قبل أن يقول بهدوء:
_ يمكن ظروف جوازتك التانية منعتك تقربي من بناتك.
ثم لانت نبرته، كأنه يحاول أن يمنحها وعدًا لم تطلبه:
_ بس صدقيني يا غزل، أنا معنديش أي اعتراض تجيبي بناتك عندي ولو يوم كل أسبوع، على الأقل ولادي يتعرفوا عليهم ويكونوا إخوات.
غامت عيناها بحسرة أثقل مما تحتمل، وتمتمت بصوت خافت:
_ ياريت كان ينفع.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

قطب حاجبيه باستغراب:
_ ليه لأ؟ أنا ممكن أكلم سالم في الموضوع ده.
ثم أبدى أقصى ما عنده من استعداد:
_ أنا معنديش مشكلة حتى أتكلم مع طليقك نفسه، ده حقك و…
قاطعته وقد بدا الذعر واضحًا على ملامحها:
_ لأ أرجوك يا وليد، أوعى تعمل كده.
انعقد حاجباه دهشة من رفضها الغريب، فحاولت استعادة هدوئها وقالت:
_ أنا وطليقي عدّينا بمرحلة صعبة مليانة مشاكل، مش سهل تتحل في يوم وليلة.
رمقها طويلًا قبل أن يسأل بهدوء مشوب بالاستغراب:
_ يعني هتسافري من غير ما تشوفيهم؟

ظلت تنظر إليه بصدمة امتزجت بوجع ساكن في قلبها، كان الفراق هذه المرة أشد قسوة، فالمسافة التي ستفصلها عن صغيرتيها لن تترك لها حتى تلك الرؤية الخاطفة التي كانت تختلسها في الخفاء كما اعتادت، ألا تستحق لحظات وداع قليلة؟ نظرة واحدة أخيرة، ولو من خلف حجاب؟
------------
في شرفة منزل سالم، جلس أصيل بهدوء يحتسي كوبًا من الشاي، مستمتعًا بنسمة المساء اللطيفة بعيدا عن ضجيج الأطفال الصاخب، كان مسترخيًا في جلسته حتى انتبه إلى خطوات صغيرة تقترب منه على عجل، أعقبها صوت بكاء حارق، رفع رأسه فورًا، فوجد زين يتقدم نحوه وعيناه غارقتان بالدموع.
_ إيه يا زين يا حبيبي؟ بتعيط ليه؟
رفع الصغير عينيه الحمراوين إلى أبيه وقال بشكوى موجوعة:
_ زينة وليان فرقعوا كل البالونات يا بابا، ومفيش بالونة واحدة ألعب بيها، وفاطمة أخدت مني الشيكولاتة بتاعتي.
ولم تمضِ لحظة حتى ظهرت فاطمة خلفه، وقد لحقت به لتدافع عن نفسها:
_ والله يا بابا هي حتة صغيرة اللي أخدتها منه، هي أصلًا كانت بتاعتي أنا وليان.
قطب أصيل حاجبيه وقال بقدر من الحزم:
_ كده برضه يا فاطمة؟ بتعملي عقلك بعقل أخوكي الصغير؟
أسرعت تهز رأسها معترضة:
_ والله يا بابا هو اللي...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لكن أصيل قاطعها قبل أن تكمل:
_ خلاص يا فاطمة، روحي انتي خليكي مع إخواتك وابعدي عن زين خالص.
تبدلت ملامحها على الفور، واستدارت مبتعدة بعبوس واضح، وقد أثقلها غضب أبيها عليها،
أما أصيل فمال نحو صغيره، وحمله بين ذراعيه، ثم أخذ يمسح دموعه الغزيرة بحنان:
_ وانت يا بطل، ينفع تعيط بالشكل ده عشان بالونة ولا شيكولاتة؟
قال زين بين شهقات بكائه المتقطعة:
_ عشان دي بالوناتي وحلوياتي، كنت عايز أخدها معايا البيت ألعب أنا وزينة.
ابتسم أصيل رغمًا عنه، وانحنى يقبل خده الممتلئ:
_ خلاص يا حبيبي، ولا تزعل نفسك، هننزل حالًا أنا وانت أشتريلك كيس بالونات كبير، وشيكولاتة كمان.
اتسعت عينا الصغير فجأة:
_ بجد يا بابا؟
_ أيوه، بس بشرط، تدي أختك وليان من البالونات والشيكولاتة اللي هجيبها، موافق؟
هز زين رأسه بقوة وحماس:
_ موافق.
ضحك أصيل بخفة، ثم أنزله على الأرض وأمسك كفه الصغير متجهًا نحو الخارج.
وفي اللحظة نفسها أطلت غنى من الداخل:
_ على فين يا أصيل؟
أجابها ببساطة وهو يواصل سيره:
_ هشتري حاجة لزين وجاي، مش هتأخر.
أومأت له مبتسمة، ثم عادت تنخرط في حديثها مع زوجة شقيقها، أغلق أصيل الباب خلفه، واتجه نحو الدرج ممسكًا بكف زين برفق، وما إن خطا أولى درجات السلم حتى تجمد في مكانه فجأة، تصلبت ملامحه واتسعت عيناه على نحو مفاجئ.
هناك..على بعد أمتار قليلة منه.
رآها.
آخر شخص كان يتمنى أن يراه في تلك اللحظة..غزل!
كانت تصعد الدرج ببطء، شاردة فيما يبدو، ولم تنتبه إلى وجوده بعد وما إن رفعت وجهها حتى التقت عيناها بعينيه،تجمدت هي الأخرى.
كأن الزمن توقف بينهما للحظات، انعقد الخوف في ملامحها، ثم هبط بصرها نحو زين الدي يحمله أبيه، قبل أن يعود إليه من جديد.
بقيت مكانها حائرة.
لا تعرف هل تواصل الصعود؟.
أم تعود أدراجها قبل أن يقع ما تخشاه؟
أما أصيل فاستدار تلقائيًا نحو باب شقة سالم.
ذلك الباب المغلق الذي يفصل بين الماضي والحاضر.
خلفه توجد صغيرتاه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

فاطمة وعائشة.
عاد ينظر إلى غزل، وقد بدأ القلق ينهش أعصابه على نحو لم يتوقعه، لم يكن خائفًا من مواجهة جديدة معها، ولا من حديث عنيف قد ينشب بينهما، بل من شيء آخر تمامًا.
ماذا لو انفتح الباب الآن؟
ماذا لو خرجت إحدى ابنتيه إلى الممر؟
ماذا لو التقت عيون طفلة منهما بأمها التي حُرمت منها سنوات؟
هناك لحظات لا تحتاج إلى صراخ كي تكون كارثية، لحظات يكفي فيها أن يلتقي شخصان في المكان الخطأ، والوقت الخطأ، لتنهار سنوات كاملة من الحذر والصمت.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل، شعر أصيل أن الموقف يكاد يخرج من يده ويفقد سيطرته تمامًا.
--------


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات