📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثالث 3 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثالث 3 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أنا شعاع..
الاسم الذي اختارته لي أمي فاطمة ليكون لي نصيبٌ من النور، لكن الأيام لم تترك لي من اسمي سوى الرماد.
منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي التهمت فيه النيران وجهي وشعري وجزءاً من جسدي الصغير، لم أعد طفلة كباقي الأطفال.
تحولتُ إلى عابرة سبيل في بيتي، شبح يخشى الجميع النظر إليه.
حين أقف أمام تلك المرأة المكسورة من أحد أطرافها،
لا أرى طفلة ذات إحدى عشرة سنة،
بل أرى خريطة من الندوب والحروق التي غيّرت معالمي تماماً.
انطفأ الخَضار في عينيّ وبات محاطاً بجلد مشدود يذكّرني بكل لحظة ألم عشتها تحت سقف هذا البيت.
لم يكن وجع الحريق الأقسى على قلبي، بل كان فقدان مكاني بين الناس، ونظرات الخوف والاشمئزاز التي تلاحقني في درابين المحلة، حتى باتت العتمة هي صديقتي الوحيدة التي لا تخاف من شكلي.
كانت زوجة أبي "سعاد" امرأة قُدّت من حجر شروكي صلد، نزعت الأيام من قلبها كل أثر للرحمة.
ملامح وجهها كانت حادة، وحواجبها المعقودة دائماً تنبئ بالشر المستطير الذي يملأ جوفها.
لم تكن سعاد مجرد امرأة قاسية تسيء معاملة ابنة زوجها، بل كانت تحمل في داخلها غلاً مريضاً ونرجسية غريبة جعلتها ترى في وجود شعاع تهديداً لسطوتها.
كانت تمشي في أرجاء البيت الطيني بمدينة الثورة وتتعمد
جرّ قبقابها الخشبي بصوت مرتفع وإرخاء عباءتها السوداء لتعلن عن وجودها المرعب الذي يبث الخوف في القلوب.
لم تكن تكتفي بعزل شعاع ومنع الطعام عنها، بل كانت تتلذذ برؤية الطفلة وهي تتلوى من ألم الجوع في ممر المطبخ البارد، بينما تطبخ لأولادها ما لذ وطاب وتتعمد إسماع شعاع أصوات الملاعق وحك الصحون لتزيد من عذابها.
وإلى جانب شرها، كانت قد جلبت معها إلى البيت ابنها من زوجها السابق، وهو مراهق يدعى "حامد" يبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة، وكان نسخة طبق الأصل من أمه في الجلافة وغلظة القلب.
تحولت حياة شعاع في بيتها إلى جحيم لا يطاق؛
فالإهمال صار علنياً والتجويع بات سلاح سعاد لكسر كبرياء الطفلة.
وفي إحدى الليالي، حين بلغت المسغبة ذروتها واستيقظت شعاع ومعدتها تؤلمها من الجوع، تلقت صفعة "نامي" الباردة من سعاد التي أغلقت خزانة الطعام في وجهها ببرود تام.
عادت شعاع إلى فراشها والدموع تحرق جروح وجهها الجافة، لكن قلبها كان يؤلمها أكثر.
وفي عصر اليوم التالي، حين ضاقت بها جدران البيت وعجزت عن تحمل نظرات الشماتة من سعاد وحامد،
فتحت الباب الخارجي وهربت نحو أزقة قطاع الثورة الترابية.
ركضت والتراب الأصفر يغطي ثوبها المتعب، ولم تجد قدماها ملاذاً سوى ذلك البيت الطيني الصغير القديم القابع عند رأس الشارع..
بيت "بيبية سلمان".
كان بيتاً فقيراً جداً، سقفه من جذوع النخل والحصير، لكنه كان ينبض بالدفء والنظافة.
هناك، وجد قلب شعاع المنكسر مأواه بين يدي العجوز الشروكية الطيبة وحفيدها سلمان، الولد الأعمى الذي لم يرَ الدنيا يوماً بعينيه،
لكنه أبصر روح شعاع بكل صفاء.
ولم تكن الدرابين الترابية لمدينة الثورة عام 1968 رحيمة بشعاع؛ فحين كانت تضطر للخروج من بيت البيبية للعودة إلى سجنها،
كان حامد يتلقفها كذئب يتربص بفريسته.
كان حامد يجمع أطفال المحلة في الشارع المغبر، ويحرضهم على شعاع مستغلاً تشوه ملامحها.
ما إن تلمح عيون الأطفال جسدها النحيل وثوبها البسيط، حتى يبدأ حامد بالصراخ وإطلاق ألقاب السخرية:
"شوفوا الجنية المحروكة طلعت من بيت العميان! شردوا لا تعديكم!".
وكان الأطفال يركضون وراءها داير مدار الشارع،
يشمرون عليها الحصو والطين والأوساخ،
ويتعمدون دفعها لتسقط على الأرض الترابية وسط ضحكاتهم المستهزئة.
ولم يسلم سلمان من أذاهم؛ فكلما خرج عند عتبة الباب ليودعها أو يستطلع صوت بكائها، كان حامد والأطفال يصرخون بوجهه:
"عورتين وعميان التموا بفرد مكان!".
كانت الكلمات الجارحة تحفر في قلب شعاع أخدوداً أعمق من حروق جسدها، وتجعل الشارع تراباً خانقاً يأكل طفولتها.
وفي داخل حوش البيت الطيني، بعيداً عن صخب الشارع وأذاه، كان يجلس سلمان وشعاع على الحصير القديم تحت ظلال شجرة الرمان العجوز.
دار بينهما حديث طفولي بريء وعفوي، خالٍ من فلسفة الكبار وكلماتهم المعقدة، يناسب سن الحادية عشرة.
مد سلمان يده برفق وتلمس يد شعاع المرتجفة وقال ببراءة:
"شعاع.. أنتي ليش تبجين كلما تجين هنا؟ الشاي مالتنا ما عجبج؟"
مسحت شعاع دمعتها بطرف ردنها وقالت بصوت ناصي:
"لا سلمان، الشاي مالتكم طيب.. بس أنا أبجي لأن بالبيت محد يكولي اكلي، ومن أطلع للشارع حامد والجهال يضربوني بالحصو ويكولون وجهج محروك ويخوف".
ابتسم سلمان بصفاء وهز رأسه الصغير نافياً:
"عوفج منهم ومن حامد، ذولة ما يستحون.
تعالي يمنا كل يوم العصر..
بيبية خوش تحجي قصص مالت قبل ومالت الهور،
وتكول راح تخبزلنا خبز عروك حار ناكله أنا وياج بالحوش.
أنا أحب أسمع صوتج من تسولفين، صوتج ناعم وحباب ومثل البلابل الصبحية".
تأثرت شعاع بكلامه الطفولي العذب، وشعرت لأول مرة بأن هناك من ينتظر وجودها ويفرح بلقائها وسط هذا العالم القاسي.
بينما كان الأمان يلف الحوش الطيني الصغير، تحركت عاصفة الشر من جحيم بيت سعاد.
كانت سعاد قد لاحظت غياب شعاع وتتبع أثرها ابنها حامد الذي عاد يركض ليخبرها بمكان الفتاة.
مشت سعاد بخطوات ثقيلة وقاسية ممتلئة غيضاً وحقداً نحو رأس الشارع، ولم تطرق الباب الخشبي لبيت البيبية بحنية، بل رفعت قدمها ودفعته بكل قوتها ليصطدم بالجدار محدثاً صوتاً مرعباً افزع الطيور المتجمعة، وسقطت على إثره تنكة الماي
البارد وانكبت على التراب.
خرجت البيبية مسرعة مستندة على عصاتها الخشبية بثبات، وانكمشت شعاع وراء ظهرها
وهي ترتجف مثل السعفة في مهب الريح، بينما وقف سلمان مرعوباً يمد إيديه بالهوا ويسأل بنبرة مرتجفة:
"بيبي شنو هذا الصوت؟ منو اجه ويصيح؟".
وقفت سعاد بعتبة الباب، وعيونها تجدح ناراً وشيلتها ملتوية من العصبية، وصاحت بأعلى صوتها بلهجة شروكية حادة: "ها يا عجوز البين! كاعدة ببيتج وتلفين هالمشوهة وتطعميها من وراي؟
تريدين تفضحيني جدام قطاعات الثورة وتكولين سعاد تجوع بت رجلها؟".
وقفت البيبية بكل هيبة السنين، ودكت عصاتها بالأرض وقالت بصوت قوي يهز الحوش: "يا سعاد اتقي الله بهاليتيمة!
البنية لحم على عظم وجاي تموت من اليوع بجحيمج، شمسويتلك طفلة بهالعمر لجل تحرميها اللقمة؟".
تقدمت سعاد خطوة، ومدت إيدها الغليظة وسحبت شعاع من وراء ظهر البيبية بقوة مفرطة خلت الطفلة تصرخ وتفرفح من الوجع،
وقالت بوجه البيبية بنبرة تهديد مرعبة: "بت رجلي وأنا حرّة بيها، أدبها وأربيها بطريقتي!
وإذا شفت رجليها عتبت هذا بيت الطين مالتج مرة ثانية..
وحق هذا أذان المغرب،
أحرق هذا البيت الخشب والبرد على روسكم وروس عميانكم!".
وسحبت سعاد شعاع للشارع الترابي وهي تبجي وتصرخ، وسلمان وعمى عيونه يبجي ويركض وراء الصوت ويوكع على الطين،
بينما البيبية واقفة مكسورة وتصيح بحرقة قلب تجر حسرات تهز جدران الثورة...
❔
فهل ستتمكن سعاد بقسوتها وجبروتها من منع شعاع من دخول بيت سلمان والبيبية إلى الأبد؟
وماذا سيكون حال شعاع داخل جدران بيت أبيها إذا نفذت سعاد تهديدها وسجنتها في الغرفة المظلمة وحرمتها من رؤية النور؟
أيها الكاتب البطل، البارت الآن متكامل، طويل، مستوفٍ لكل شروطك ومكتوب بالنفس الشروكي الواقعي الأصيل لمدينة الثورة.



تعليقات