📁 آخر الروايات

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الثالث 3 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الثالث 3 بقلم هاجر عبدالحليم


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
الفصل الثالث
لم تنم ورد تلك الليلة. لم تغمض لها عين.
ظلت جالسة على طرف السرير الحديدي، ظهرها للحائط، وجلابيتها السوداء لا تزال عليها، كأنها في عزاء لا في ليلة زفاف. وكلما أغمضت عينيها، عاد إليها صوت حبيبة وهي تبكي: "عايزة ماما"، فتفتح عينيها مفزوعة كأن الصوت يطعنها من جديد.
كانت أم عبده نائمة على الأرض بجوارها، في نوم متقطع، تهمس بالدعاء أحيانًا، وتغرق في شخير خافت أحيانًا أخرى.
أما سيد، فلم يعد إلى البيت أصلًا. بات في المخزن فوق شوالات الخيش، وعيناه معلقتان بالسقف. لكنه لم يكن يرى الخشب، بل يرى وجوهًا ثلاثًا تتناوب على تعذيبه: فاطمة، وحبيبة، وورد. ثلاث وجوه، وثلاثة طعنات لا تهدأ.
مع أول خيط من الضوء، سمعت ورد صوت الباب.
دخل سيد. كان وجهه شاحبًا، وعيناه محمرتين من السهر، ورائحة التعب والبرودة تسبق خطواته. لم ينظر نحو الغرفة التي تعلم أنها فيها، بل دخل مباشرة إلى الحمام، ثم خرج متجهًا إلى المطبخ.
كانت دقات قلبها تتسارع. هذه أول صباحية لها كزوجة. في العرف والشرع والواقع… الزوجة هي من تُعدّ طعام الصباح لزوجها في أول يوم.
نهضت ببطء، عدّلت طرحتها، وغسلت وجهها سريعًا. خرجت من الغرفة، فوجدت أم عبده تصلي في الصالة.
همست لها وهي تنهي صلاتها:
"قومي يا بنتي... قومي اعملي للراجل لقمة. ده واجبك. والرجالة قلبها بتلين من بطنها مش بيقولوا قلب الراجل معدته . اعملي له فطار، وافطري معاه. يمكن... يمكن ربنا يهدي السر. بينكم والحجر يلين"
أومأت ورد بصمت، ثم دخلت المطبخ.
كان سيد واقفًا يسخن إبريق الشاي، ظهره لها، وكتفاه العريضتان يسدان الطريق. لم يلتفت.
"صباح الخير ." قالتها بصوت منخفض مرتجف.
لم يجب، واكتفى بحركة بسيطة من كتفه كأنه سمعها دون اهتمام.
بلعت ريقها وفتحت الثلاجة. لم يكن فيها إلا بيض وجبن قريش وطماطم. أشياء كانت فاطمة هي من تضعها دائمًا.
"تحب أفطرك إيه بتحب اكل معين؟" سألت وهي تخرج البيض. "أعمل لك بيض مقلي طيب ولا مسلوق؟"
ساد الصمت لحظة، ثم قال دون أن يلتفت:
"ماليش نفس. اكل اصلا كلي انتي"
سقطت الكلمات عليها كصفعة، لكنها تماسكت. كسرت البيض في المقلاة، وبدأت في الطهي.
"لازم تاكل يا معلم. إنت من امبارح على لحم بطنك. وشكلك عجز عشرين سنة الحزن ف القلب والجسم ملوش دعوة"
التفت فجأة، ونظر إليها بحدة:
"قولت مالـيش نفـس انتي مش بتفهمي عربي ولا مخك زنخ؟." قالها بنبرة حادة، آمرة. "شيلي الأكل ده. من هنا او كلي انتي وبلاش تخصيني بالكلام عشان مش هرد عليكي مش عايز حك
تجمدت يدها في الهواء. وفي تلك اللحظة، انفتح باب الشقة.
دخل المعلم دسوقي وهو يحمل حبيبة على كتفه. كانت نائمة، وتمسك بدُب صغير في يدها.
"صباحية مباركة يا عرسان." قالها بصوت مبحوح يحاول إدخال الحياة في بيت ميت. "جبت لك البت. طول الليل تقول عايزة بابا عايزة بابا معرفتش انام منها خوتت دماغي"
نزلت حبيبة، فركت عينيها، ثم ركضت نحو أبيها.
"بابا حبيبي"
حملها سيد وقبّل رأسها مرارًا.
"يا قلب بابا إنتي. نمتي كويس عند جدو دسوقي احنا مش قولنا خلينا شطار وبلاش تزعج حد؟"
هزّت رأسها، ثم رأت ورد.
كانت تقف بجانب الموقد، والبيض يحترق في المقلاة.
تجمدت.
تعلّق الخوف بعينيها، وتمسكت برقبة أبيها.
"هي... هي لسه هنا انا قولت لما تشوف حالتي هصعب عليها وتمشي" همست في ودنه.
تنحنح دسوقي وقال:
"يا حبيبة يا بنتي... دي تبقى... تبقى طنط ورد. هتقعد معانا هنا. هتاخد بالها منك."
لكن الطفلة صرخت:
"لا! أنا مش عايزة طنط! أنا عايزة ماما! هي فين ماما فاطمة؟"
سقط الاسم كالصاعقة.
سقطت الملعقة من يد ورد في المقلاة، واشتعل البيض أكثر.
تدخلت أم عبده:
"بس يا بنتي... بس يا حبيبتي. ماما فاطمة في الجنة. ودي طنط ورد، هتحبك زي ماما. واكتر والله هي جميلة اوي وهتحبيها اديها فرصة"
لكن حبيبة انفجرت:
"لا مش هتحبني!"
ثم رمت طبق الجبن على الأرض.
تحطم الطبق، وتناثر ما فيه على البلاط.
ساد الصمت.
تقدّم سيد، والغضب يملأ عينيه:
"إنتِ اتجننتي يا بت انتي هو عيارك فلت ولا اي ولا عشان عيلة مش هشوف غلطك احترمي نفسك قدام الكبار وبطلي دلع ماسخ وقلة رباية؟"
رفع يده فجأة.
تجمد المكان كله.
لكن قبل أن تسقط اليد…
أمسكتها ورد.
"لا يا معلم... أبوس إيدك لا." همست، وعيناها في عينه. "دي طفلة حرام ايش فهمها باللي حصلنا هي بتحبك وغيرانة عليك ومحدش عرفها انا مين وعايزة منها اي ؟ هي متلغبطة وحيرانة واحنا دورها نعلمها ونصبر عليها. لو ضربتها... هتكسرها. وهتكسرني معاها. وهتندم طول عمرك وهي مش هتنسي وهيفضل في شرخ بينا عمره م يتصلح."
نظر إليها طويلًا، ثم أنزل يده ببطء.
ركضت حبيبة خلف دسوقي:
"بابا كان هيضربني! عشانها! بابا بيحبها هي مش بيحبني انا خلاص انا بكرههم هما الأتنين مش عايزة اعيش معاهم!"
تراجع سيد، ثم خرج مسرعًا من البيت دون كلمة.
في المساء، لم يعد إلا متأخرًا.
دخل غرفته، وأخرج جلابية فاطمة، واحتضنها يبكي بصمت لأول مرة منذ سنوات.
وفي الغرفة الأخرى، كانت ورد تسمع بكاءه، فقامت بصمت، ووضعت كوب ينسون أمام بابه، ثم عادت دون كلمة.
بعد قليل، خرج سيد، ورأى الكوب، فشربه بصمت… وكأن شيئًا داخله بدأ يلين قليلًا.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات