رواية هوية منسية الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم بسملة محمد
|هويَّة_منسيَّة|
"الحلقة التاسعة والثلاثين_قاتل قتل الجميع!"
"____"
_أنا مبقتش عارفة عايزة إيه، دماغي متشتتة، وخايفة عليه وعلى نفسي، أنا شوفت الموت بسبب أخوه وأبوه، بس هو ملوش ذنب!
كانت تبوح بما داخلها لرفيقتها، والثانية حدثتها بشرودٍ_:
_إن جيتي للحق عمير اتغير أوي يا زينب، تحسيه بعد ما مسك قرش إنه مبقاش هو نفس الشخص إللي حبتيه.
تحدثت بضعفٍ من بين شفتيها"أنا تايهة، وعارفة عمير لو هيجي على الدنيا كلها مش هيجي عليا بس...أهله؟"
ردت رودينا بسؤال جاد"إنتِ فرحانة إنه ردك؟"
رسمت نصف بسمة على ثغرها وهي تجيبها بصدق محدقة بالجدران أمامها"آه فرحانة؛ عشان متخلفة، هو بس لو ربنا يهديه ويبطل جو الانتقام دا ونبعد عن كل حاجة!"
_طب ما تقعدي كلميه، لا إنتِ تجرحيه بالكلام ولا هو، اتكلموا زي الناس العاقلة، عمير طيب يازينب، والطلاق مش حل مناسب أنتم بتحبوا بعض، الطلاق دا حاجة وحشة جدًا، ونظرات المجتمع ليكي أوحش.
تحسرت بسخرية وهي تلوي فمها"ويفيد بإيه الحب لو هنعيش في خوف ورعب وهاكل بمال حرام؟ نظرات المجتمع متفرقش معايا، ههتم بنظرات المجتمع ولا بربنا وهو شايفني ساكتة ومتقبلة الفلوس الحرام؟ دا عمير! عمير إللي كان بينزل شغلانتين عشان بس يجمع فلوس بالحلال؟"
ضمت شفتيها بيأس، علاقتهم معقدة، لا تعلم كيف تساعدها لكن معها حق، مَن يوافق يعيش بأموال حرام؟ وفوق كل هذا أموال بسببها تخرب البيوت العمرانة! تنهدت وهي تخبرها بتيه_:
_مش عارفة، بس هتعملي إيه؟ اقعدي اتكلمي معاه وفهميه إنه حرام وإن...
قاطعتها وهي تخبرها بسخرية"مفيش حد بيعمل حاجة غير وهو عارف هي حرام أو حلال، وعمير أكتر واحد عارف هو بيعمل إيه وحكمه إيه."
هبطت دمعة من عيونها هاربة ورددت بحرقة"أنا قلبي مقهور يا رودينا، مكنتش متخيلة إن هيوصل بيه الحال لكدا؟ دا كان أحن الناس!"
سألت باستغراب"هو إنتِ صحيح فين؟ هو إنتِ في شهر العسل صح؟"
انتهت وهي تسألها باستحياء من حالها، وهي أكدت على سؤالها، لتتحدث بحرجٍ"أنا آسفة يارودينا حقك عليا بجد، بجد آسفة أنا نسيت خالص واتصلت ازعجك إنتِ ومنقذ، بجد آسفة أنا مكسوفة جدًا من نفسي".
"إيه يابنتي الهبل دا؟ بلاش هبل ياهبلة، إحنا كنا لسة جايين من برا وخلاص هو بيستحمى بقاله ساعة".
قالتها ببساطة والثانية اعتذرت منها بنفس الحرج"لاء معلش أنا آسفة، روحي شوفيه، ومتزعليش مني إني متصلة أشيلك الهم، إنتِ بس عارفة إني مش بعرف أفضفض مع حد، حقك عليا."
ضحكت بهدوء وهي تخبرها بحنانٍ"بلاش هبل، اتصلي في أي وقت يابنتي دا أنا وإنتِ إخوات."
_شكرًا يارودينا، إنتي طلعتي أحسن مني.
قالتها وهي تشعر إنها حقيرة للغاية بالنسبة لأفعال صديقتها لتتحدث الثانية سريعًا"لاء طبعًا إنتِ أحسن، وأنا إللي آسفة، من قلبي آسفة".
لم تفهم سبب اعتذارها وبعد دقيقة أغلقت معها، ورودينا كانت تشعر بالذنب، من قبل دعت على زينب بحرقة أن تتزوج وتطلق مثلها وتتذوق معاناتها التي من قبل وقفت تعايرها بها، لم تتوقع أن تتحقق الدعوة، لفت انتباهها منقذ بسؤاله المستغرب_:
_مالك؟
_لاء مليش، كنت بكلم زينب، منقذ هو أنا عارفة حاجة عن جوز زينب دا، هي حاجة مهمة بس هي متعرفهاش، أقول ليها ولا أعنل إيه؟
طلبت أن يساعدها وهي لا تعرف ماذا تفعل، وهو استفهم منها بانتباه"على حسب الحاجة، إيه هي الحاجة؟"
تحدثت بحزنٍ"عمير لما طلق زينب راح اتجوز عليها بنت غنية جدًا جدًا وكان فرح كل الناس الغنية بتتكلم عليه، وهي متعرفش، وهو دلوقتي ردها."
كرمش ملامحه وتعجب بحديثه"وإنتِ إيه عرفك؟"
_إياد قالي، مرات إياد تبقا بنت خالتها سما ودول ناس غنية جدًا، وسما أخت عمير جوز زينب.
قالتها وهو ضحك يسألها بتعجب"وأنا في الآخر هطلع أخو رنا؟ إيه الترابط دا! والشامي على المغربي!"
ضحكت وهي تخبره ببساطة"والله ممكن تطلع قريب رنا، رنا يبقا بابها لِبناني".
_لحظة بس! إنتِ وأخوكي متزوچين من چنسيات متعددة! شو هالوحدة العربية؟ إنتِ سوري وهو لُبنانية، ومعكم مسلسل تركي مدبلچ بالعيلة!
داعبها بحديثه وهي أكدت عليه بضحكها الرقيق، وهو تنهد محدقها بجدية"مش عارف رفيقتك بتفكر إزاي بس مستغرب زوچها، فرح الكل بيحكي عنه وهو مو مخبرها؟ رح تنصدم لما بتعرف، بس ما تحكيلها هلَّأ مشان ما تتعب أو يحصل شي".
"ماشي".
قالتها بطاعة، وبعد لحظات اقتربت منه تحدثه بخجلٍ"هو أنت هتفضل كدا؟"
سألها بنبرة مستغربة"كدا إزاي؟"
_مش هت..
كانت تتحدث باستحياء واضح وعلقت جملتها في النهاية، وهو فهم وردد بصرامة"لاء".
تحدثت بسرعة وهي تخبره بقلة حيلة"بس إحنا كويسين مع بعض".
_كويسين آه عشان إنتِ مش بترمي السم في كلامك، خلينا بقا كويسين ومبسوطين لحد آخر الأسبوع، عشان نعرف نصور تيك توك ويومنا ونعوم ونروح كل حتة في دهب.
كان يحدثها بلهجة لم تحبها، سألته بضيقٍ وهي تضيق ما بين حاجبيها"هو أنت عايز تنكد عليا وخلاص؟"
ضرب جبهته بيأسٍ وحدثها بنبرة مماثلة لنبرتها"إنتِ إللي بتنكدي، ولو نكدتي انهاردة واللهِ هـ.."
قاطعته وهي تسأله بتعجب حزين"هتعمل إيه؟"
لا يحب أن يحزنها لذلك ردد بمرحٍ وهو يغمض عيونه متسطح بجانبها على الفراش"ولا أي حاجة، نكدي براحتك، بس ممكن بعد النكد تغنيلي أغنية نامي يا عصفورة ونام يا عصفور إللي ماما بتغنيها لبنت أختي لما تيجي تنام؟"
_نام يا عصفور؟ أنت عصفور يامنقذ؟
سخرت منه بسؤالها، وهو أجابها بمضضٍ ساخر"عندي قلب أرق من قلب العصفورة".
شدته من خده وهي تردد بمرحٍ ونبرتها رقيقة"ياروحي، عسول أوي، هغنيلك حاضر، بس بكرة هتوافق أنزل صوري معاك على الجروب ها؟"
_يابنتي داري على شمعتك تقيد بدل ماهي مطفية كدا.
تحدث كالنساء الكبار وهو يتذمر مع فمه الملتوي، وهي ضحكت تخبره بصدق"أصلي فرحانة، أنا مكنتش قايلة لحد خالص من الجروب أو صحابي السوشيال إني مطلقة أو حتى اتخطبت، كلهم بقا كانوا مستغربين كرهي للرجالة وبتاع وشايفني بدلع بقا وبحقق الكوميديا، وكلهم كانوا بيدعوا اتجوز فكلهم اتصدموا لما عرفوا إني اتجوزت، آه صحابي كلهم زعلوا مني إني خبيت عليهم وكمان معزمتهمش بس هما كلهم فرحوا ليا وأنا فهمتهم إنه كان كتب كتاب وروحنا البيت والموضوع حصل بسرعة."
_اعملي إللي عيزاه، بس مش بتغيري من كومنتات البنات إللي بيعاكسوني؟
سألها بمرحٍ في النهاية وهي ضيقت حاجبيها تسأله بصدمة"هو أنت دخلت الجروب ولا إيه! هو أنت جوز الأونر آه بس دا جروب بنات، دا في بنات جامدين أوي جوا."
_بس بس دا مجرد استبطان، أنا عارف إني قمور وهتتحسدي عليا دا أمر طبيعي.
ردت عليه في الحال بابتسامة واسعة"ما أنا بصفيهم إللي بيعاكسوك".
_مافي دم.
تذمر بحديثه، وهي تحدثت ببسمة جادة"على فكرة يا منقذ أنا منزلتش ليك ولا صورة، حتى صورة جوازنا نزلت الصورة إللي وشي ووشك مش باين فيها عشان مغطينه بالبوكيه، لسببين؛ الأول إني بغير عليك، والتاني إني مش عايزة أنزل صورنا والبنات المطلقات أو الأرامل أو إللي عايزين يتجاوزوا ولسة نصيبهم مجاش يزعلوا ويتأثروا."
أخذ كفها الصغير يقبله بحبٍ مع جملته المحفزة لها"شطورة يا عمري، وكمان هاي لحظات خاصة ما بيصير الكل يعرفها."
"_______"
تضحك مع والدتها وأدهم، أسرة سعيدة!
وهي تقف هناك لحالها تحدق بهم وتحترق بنيرانها
أيحق أن الحياة تكون مسروقة؟
حياتها سُرقت أمام عيونها من الجميع
تقف تشاهد هذا يسرق قلبها..
وتلك تسرق بسمتها..
وهذه أي شخص يحبها!
أيحق أن تعيش مسلوبة؟ مسلوبة الحياة والشخصية؟
4
اقتربت منهم بخطوات هادئة رغم إنها أقرب للبطء، جلست على الطاولة معهم، امتدت يديها تأخذ شرائح الخبز البني تداعبه بسكينة الطعام الصغيرة وهي تضع عليه الجبن، أكلته بهدوء وهي صامتة والجميع يتحدث، هي بالأساس لا تتحدث مع أي أحد من المنزل، جذب انتباهها جملة أدهم الموجهة لها_:
_كُحِّي حتى وإنتِ داخلة لو مش عايزة ترمي السلام.
رمقته بنظرات مستكينة، وحدثته بنبرة عادية"حاضر، إزيكم؟"
تحدثت رنا ببسمة واسعة وهي توجه حديثها للجميع إلا هي"عارفين سما كانت بتتعالج نفسيًا عند مين؟ جوزي إياد".
انتقلت ببصرها لها ترمقها بنظرات باغضة لكنها هادئة للغاية، تحدثت بنبرة جامدة وهي تكمل طعامها"كنت، حاليًا أنا الحمدلله كويسة ومش بتعالج عند حد".
قبل أن تتحدث رنا رأت بدر يقترب منهم، صمتت في الحال، وهو اقترب ببسمة متهللة بعدما رأى ابنته، قبِّل رأسها بحبٍ يغدقها به، وحدثها بابتسامة"إيه القمر دا؟"
لم تفعل أي رد فعل كالعادة، وأكملت طعامها، وبعدما جلس هي تحدثت ببرود"أنا هسافر أكمل بقيت حياتي في فرنسا، أنا بحبها جدًا".
سألها والدها بجدية"هتعملي إيه في فرنسا بقيت حياتك؟"
_هقعد هناك عادي زي زمان، وهدير شغلي كله من هناك وأجدد جو.
أجابته ببساطة، وأدهم تحدث بنبرة معترضة بحدة"مفيش سفر، إنتِ مش هتقعدي لوحدك وتخربي الدنيا كالعادة".
حدثته بنبرة مماثلة لنبرته"هو أنا مش بوجهلك كلام، أنا بعرفكم مش باخد الإذن، هقعد شهرين بس في مصر عقبال ما أخلص كل حاجتي وهمشي."
انتهت من الجملة ونهضت تغادر من غرفة الطعام، غادرت المنزل بأكمله، وركبت سيارتها تنطلق بها إلى"الدكتور إياد".
"_____"
_متأكدة إنها سما؟ غريبة.
قالها بخفوت، وهي أكدت عليه ببساطة"آه واللهِ هي، دفعت حق الكشف خلاص."
زفر بضيقٍ وهز رأسه"ماشي دخليها."
خرجت وأذنت لها بالدخول، دخلت هي عليه بخطوات هادئة، رائحتها ملأت الغرفة، عطرها قوي لكن رائحته رقيقة، رقيقة للغاية تجعلك تريد النوم، لم تترك تلك المرة شعرها حر، عقدته على هيئة كعكة مرتبة وعدة خصلات تسقط منها عن قصد، ابتسم لها بعملية مع جملته_:
_اتفضلي اقعدي.
جلست على المقعد الاسفنجي كالعادة، وهو كان لا يجد عين ليتحدث، حمحم بحرج وهو ينطق باسمها، لكن هي لحقته وتحدثت بنبرة يطغى عليها الحزن لكن ملامحها جامدة_:
_أنا أما جتلك هنا كنت مدمرة وأنت بفضلك أنا اتغيرت في حاجات كتير، كنت مرتاحة معاك بشكل غريب، يمكن أنت بعد يونس إللي كنت مرتاحة للكلام معاه، وسيبتك لظروف أنت أكيد عرفتها من رنا، أنا بس زعلت يعني إنك طلعت متجوز رنا ومغفلني وبتروح تحكي ليها كل حاجة عني.
تركها تقول كل ما في قلبها، الفتاة بريئة وقلبها رقيق، دارت دارت ورجعت له تشتكيه غدره، سمعها بآذان صاغية، وهي تابعت وهي تنظر في عيونه التي في الحال هو الآخر بادلها النظرات بها_:
_مع إن شكلك مش كدا، وكمان أنت رنا متستحقكش، هي وحشة مش بتحب حد غير نفسها.
ربط نهاية جملتها ببداية جملته وهو يسألها بجدية"طب هتصدقيني لو قولتلك إني وأقسم بالله عمري ما حكيت لرنا عنك حرف؟ ولا حتى هي كانت تعرف إني دكتور نفسي إلا من مدة قليلة وهي كمان معرفتش إني أعرفك غير لما شافتنا مع بعض؟"
_هصدقك، عشان هي كالعادة أذكى مني وبتعرف تستغل كل حاجة لمصلحتها.
قالتها باقتناع تام، وهو بالأساس كان متعجب منها، ورجعت وجهت نظراتها له تخبره بابتسامة ساخرة_:
_قالتلي إمبارح إنك حكيت ليها حاجة غريبة جدًا عني، وأنا قعدت مصدومة مكنتش متوقعة إنك تحكيها وهي تعرفها، بس لما عقلي أخيرًا بدأ يشتغل اكتشفت إني محكتش الحكاية دي ليك أصلًا وإنها عرفتها من مامي لإنها الوحيدة إللي كانت حاضرة فيها، بعدها عرفت إنها بتكدب وعايزة بس ميبقاش عندي ثقة في حد.
رفع يديه أمام وجهها وحدثها بنبرة متفهمة وهو يحركهم_:
_بصي أنا فاهمك؛ لأني اتعاملت معاها بس هي مش ذكية ولا حاجة، هي خبيثة بس وفاهمة الدنيا بتمشي إزاي، إنتِ عكسها عفوية وهادية وبريئة، دا ميقللش منك بس ميمنعش إنك تعامليها بنفس الطريقة وهي إنك تتذاكي عليها.
ضحكت وهي تحدثه بسخرية"دي المفروض مراتك."
_تؤ؛ طليقتي.
رمى الجملة في وجهها وهي كانت سألته بلهفة سعيدة"بجد؟"
حرك رأسه بتأكيد واخبرها بنبرة جادة"آه، أنا وهي أصلًا اتجوزنا بطريقة غريبة، عارفة؟ عيبك إنك مش بتفكري، هي لا اتعمل ليها فرح ولا خطوبة وولا حد كان بيقول إنها متجوزة يبقا مين الخسران؟ إنتِ؟ ولا هي؟"
_هي؟
سألته بانتباه، وهو هز رأسه ببساطة، لتسأله باستغراب"طب ليه أنت وهي متجوزتوش قدام كل الناس، هو كان عرفي؟"
_لاء رسمي وأهلي عارفين وكنا عايشين معاهم، رنا بنت خالتك كانت بتلعب، عملت رهان إنها تتجوزني وأنا صراحة محبتش أخسرها واتجوزتها واتسليت معاها زي ما كانت بتتسلى، وبعدها اطلقنا، يعني أنا وهي مكناش دايبين في حب بعض.
شرح لها الأمر ببساطة هكذا! وهي اشمئزت مع كلماتها التي خرجت عفوية"الموضوع مقرف!"
"جدًا".
أكد عليها بضحكة وهي استنكرت بحروفها الغير مصدقة"طب وأنت وافقت على كدا ليه؟"
حرك منكبيه بلا مبالاة مع جملته المتهكمة"مش بحب حد يبقا بيستغلني ويلعب عليا؛ فلعبت عليها زي ما عملت."
_دي مش أخلاق دكتور نفسي!
الرقيقة العفوية تتحدث عن الأخلاق؟ رد عليها بهدوء ونبرة جادة_:
"دكتور نفسي أما هي تجيلي تتعالج عندي، لكن أنا بني آدم طبيعي جدًا برا المستشفى بل ممكن أكون مريض نفسي وبروح اتعالج عند دكتور تاني! مش كل الناس ينفع معاهم الأخلاق."
تلاشى كل هذا ورجع يستفهم منها باستغراب وخيبة أمل"ليه قلعتي الحجاب؟"
صمتت صمت طويل وهو كان مستعد أن يسمع منها الرد ولو قالته بعد حين، وخرج صوتها مجهد محمل بوجع قلبها ووهنها_:
_عشان أنا مش بحب يونس، ولازم أي حاجة عملتها بسببه أمحيها.
_هو يونس هو إللي أمر إنك تتحجبي ولا ربنا من فوق سبع سماوات ورسوله الكريم؟ ربنا إللي أمر، دا أمر وفرض عليكي تنفذيه، يونس بقا كان سبب في إنك تنفذي الأمر دا فدا مش معناه إن كدا الفرض دا متعلق بيه!
كان جاد ولكن رغم جديته ملامحه كانت متفهمة تشوشها وتشوش أفكارها، وأكمل بنبرة حانية دافئة_:
_إنتِ اتحجبتي عشان رغبة يونس كدا، لكن إنتِ مفيش حد قدامك متحجب أو إنتِ أصلًا مقتنعة بالحجاب، لازم تحبي الموضوع وتبحثي عنه، واتعمقي فيه هتحبيه.
1
اختنق صوتها وسألته بنظرات دامعة"هو لو قولتلك حاجة هتصدقني؟"
_طبعًا قولي.
قالها وانتبهت حواسه كلها، وهي تحدثت ببسمة ساخرة مريرة"أنا كنت مستعدة لو يونس قالي ارمي نفسك في البحر هعمل كدا"
شاكسها بكلماته وهو يرفع حاجبيه بتعجب ساخر"تيمور وشفيقة بقا ونرمين نفسنا في البحر ويجيلنا دور برد أو حد فينا يغرق والحوارات دي؟ لاء إنتِ رومانسية وبت نايتي."
_بت نايتي؟
رددتها بصدمة، وهو هز رأسه بتأكيد مرح"آه يعني فافي كدا."
اعترضت بكلماتها الحادة"أنا مش فافي".
أشار على ملابسها واستنكر بعيون متسعة"بهدومك دي؟ فافي ونص، يا ماما إنتِ جاية بكروب توب، طب قلدي حتى الناس إللي بيلبسوا حاجات غريبة تحت الكروب توب، بطلي تبقي معفنة ".
_أنا معفنة! هما إللي بيخترعوا وبيلبسوا عك تحته.
تذمرت بحديثها، وهو ردد بتهكم"أنا مش عارف هلاقيها منك ولا من بنت خالتك! بس عايزة الحق؟ إنتِ أحسن من بنت خالتك."
بكلمات بسيطة للغاية كانت شهقت واعتدلت في جلستها تسأله بلهفة مصدومة"بجد أنا أحسن من رنا؟"
تراجع في جلسته بتوتر مصطنع وهو يحدثها بشبه بسمة خائفة"ما بلاش تخضيني، أحسن آه بس في شخصيتك، المهم إيه رأيك نرجع للجلسات تاني؟"
_مش عارفة أحكي صراحة، حاسة إن بقت في بينا قرابة، وأنا أي حد قريب مني بأمن ليه بعدها بيرجع يغدر بيا.
قالتها بعدم ثقة، وهو تنهد بقلة حيلة مع جملته"على فكرة ممكن نتكلم على إننا صحاب مش مريضة ودكتور."
7
"هو أنت عارف من رنا إيه إللي حصل في الأيام الطويلة إللي سبتك فيهم؟"
حرك رأسه وهو يوضح لها الأمر ببساطة"لاء بس أنا كنت بسمعها بتكلم مامتك وأدهم وهما بيحكوا ليها فكنت بربط الأحداث، وعلى فكرة أنا أعرف أخوكي عمير وزينب مراته وليا علاقة بيهم لأن زينب قريبتي وصاحبة أختي فربطت الأحداث."
أصفر لونها في الحال لا تريد أن يراها شريرة خبيثة أهانت شقيقها الأكبر تحدثت مدافعة عن حالها بجملة سريعة"أنا مكنتش عايزة أسقط زينب أو حتى أخطفها."
_بصي ياسما صراحة إنتِ بعملتك دي إنتِ وأهلك موتتوا عمير البني آدم، بصي أنا حتى عارف حكاية جوازه من البنت الغنية دي وإنه اعترف إنه من عيلة الشرقاوي، بس تفتكري هو في نيته إيه؟
حديثه أخافها، وسألته بارتباك ممتزج بخوفها"هو ممكن يخطفني بردو ويهنني؟ أنا والله بعدت عنهم كلهم واللهِ وبطلت اتكلم معاهم حتى عمير أنا محضرتش الفرح، ومش بقابله نهائي."
"لاء لاء متقلقيش الموضوع مش هيوصل لكدا، أنا بس عايز أسمع أول الحكاية منك، بس توعديني تتقبلي رأيي".
قالها بجدية وهي أغمضت عيونها تخبره بحرقة ونبرتها كانت قوية"عمير هو إللي بعت صاحبه يونس عشان ينصب عليا، وأنا واجهتهم وهو حبسني معاه في الشقة، حصل حاجات كتير، بعدها يونس أنا روحتله وقالي حاجات وحشة وكان عايز يعمل حاجات أوحش، وهو خلاني مجنونة وأنا اتقهرت أنا اتصدمت فيه، وأنا صغيرة على كل دا، روحت حكيت لبابي ويونس كان هرب بس بابي جاب عمير ومراته، أنا مكنتش عايزة كل دا بس هما إللي ظلموني، وبعد ما يونس هو إللي قالي عمير طلب مني كذا وكذا رجع بعد ما دخل المستشفى قالي إن عمير بريء، طب أنا أصدق مين؟"
سألته بتشتت، وهو هدأ من روعها بكلماته الحنونة"بس خلاص اهدي."
هزت رأسها باعتراض وهي تحدثه بتصميم وعيونها تبكي لكنها صامتة"لاء أنت متعرفش أنا حسيت بإيه وأنا مع الاتنين دول! أنا كنت مرعوبة! أنا بسببهم قعدت شهر كامل في البيت مرعوبة، بقيت اتلفت في كل مكان خايفة حد منهم يعملي حاجة، حتى بقيت أوقع الحاجات من إيدي، أعصابي باظت، كنت مرعوبة، أنا كنت بدأت أتخن وأنا معاك بس خسيتهم الضعف، حتى صعبت على أدهم وسألني مالك؟ أنت عارف يعني إيه أقعد في أوضة ضلمة كحل محبوسة عشان خايفة أخرج أشوفهم؟"
كإن حديثها جاء على جرحه، وعيونه تكون عليها غلاف رقيق لم يهبط وتلاشى، وهي تابعت بمرارة وهي تشبك أصابعها مع بعضهم"أنت عمرك ما هتفهم ولا تحس بشعوري، أنا حسيت بالغدر والخوف والرعب، أنا كنت عايزة أخد سم وأموت بس معرفتش، كنت بسمع اسم عمير أو يونس جسمي يتنفض وأخاف عمير يجي يأذيني ولا يونس إللي مكنتش بحب قدهم، عمرك ما هتفهم إحساسي."
_عمري ما هحس ولا هفهم شعورك؟ عارفة؟ الدكتور إللي قاعد بيسمع بنات ورجالة الدنيا وحكاوي تشيِّب الأبدان هو نفسه عاش كابوس بسببه عايز يروح يتعالج عند دكتور زميله، أنا عارف نفس الأوضة الضلمة، وعارف نفس الجنون وحالاته، وعارف الغدر والخوف والرعب، كلهم حسيتهم مع أختي الصغيرة.
كان يتحدث بهدوء شديد رغم إن بداخله يحترق، وهي توسعت عيونها وسألته بتعجب"أختك الصغيرة؟ عندها كام سنة؟وحصل ليها إيه؟"
أجابها بهدوء وهو ينهض يخرج عبوات عصير من الثلاجة الصغيرة ويرجع لها بواحد وهو واحد"حاليًا ستة وعشرين، أسوأ أيام حياتها كانت تلاتة وعشرين، هي كمان اتغدر بيها زيك، يمكن هي عاشت أسوأ أيام حياتها بجد، لو سمعتي حكايتها يمكن تعيطي عليها، هي بقا بدل ما قعدت شهر في البيت مرعوبة محبوسة قعدت سنة ونص مش بتشوف الشارع، سنة ونص مش بتقابل ولا بتكلم حد، حتى دكتورها النفسي من خوفها ورعبها من أي راجل أو ست مكنتش بترتاح معاهم فأنا كنت دكتورها، وليكي أن تتخيلي بقا دكتور نفسي لأخته إللي مضطر يقعد يسمعها ويسمع كل حاجة ويولع هو من جواه وميبينش عشان مترجعش تتأثر وتتعب تاني.".
_كان إيه إللي حاصل ليها؟
سألته بانتباه، حكايتها ثارت انتباهها، وهو ضحك مع جملته العادية"اتجوزت مريض نفسي فطلع أمراضه عليها، باختصار ياسما إنك مش لوحدك، في غيرك كتير، وكلهم عدُّوا الأزمة دي، كلهم تجاوزوا، أختي اتجوزت واحد وهو حنين، وإنتِ كمان هيجيلك حد ياخد بإيدك، بس عارفة؟ مينفعش راجل هو إللي يكون سبب تعاستك أو سبب فرحتك! عيب إن الست تبني حياتها على كدا، مش راجل إللي هيحسن ليها حياتها وغيريها، أختي مش جوزها هو إللي غيرها، ومتعافتش بيه، ولا أي حاجة، هو يمكن ميعرفش حاجة عنها، هي اتعافت بصحبتها، وبدعمنا ليها، عملت جروب وكبرته وربنا رضاها وبقت تجيلها فلوس في دقيقة وهي قاعدة، نزلت فتحت محل ورد وبقت تتعامل مع الناس بجرأة أكبر وأكبر بكتير رغم إنها مكنتش كدا وكانت خجولة نوعًا ما، مينفعش إنتِ تنتظري يونس الخاص بيكي، إنتِ اتقوِّي بنفسك واعمليك حياة تعيشي عشانها، مش راجل إللي هيبقا سوبر هيرو بتاعك وبطل أحلامك، يونس شاف إنك عايزة كدا وعايزة حد يرد عنك فعمل كدا وبمنتهى البساطة بقالك سوبر هيرو".
"بس كان نفسي يحبني ربع الحب إللي حبيته ليه! أنا روحتله البيت وبسبب أدهم كان اتشل يا إياد! قلبي وجعني بس مع ذلك رميتله سلسلته في وشه وبينت إني شمتانة فيه، منكرش إني فرحت شوية إنه اتكسر زي ما كسرني رغم إن كسرتي أكبر بكتير منه، قالي سمحيني معرفتش يا دكتور إياد! معرفتش والله أصل أنا قلبي شايل منه أوي وكسرتي كانت قوية! كل دا مخليني مش طايقة افتكر لحظاتنا مع بعض."
متأثرة بالحديث وهذا واضح عليها، عيونها تتحدث بمعاني القهر كلها قبل حروفها، وهو تحدث بجدية_:
_إنتِ متعرفيش فين الخير يا سما، متعرفيش بعد ساعة ممكن يحصل إيه، يمكن ربنا أراد كدا عشان تكوني قوية، أنا بس مستغرب إنك فاكرة قوتك في التعري! أو في إنك تقطعي كلام مع الكل وتبقي سما الصعبة! أو أو أو أو حتى إنك تيجي هنا تبيني ليا إن مش فارق معاكي كلام رنا وجاية تثبتيلي حاجة صح؟ دي مش قوة.
16
في النهاية رمى لها الجملة، وهي رمقته باستنكار، وضح ببساطة"عايزة تثبتي إني يا كداب يا صادق، إنتِ جاية تحكيلي عشان أروح أحكي لرنا، وخصوصًا إنك تعمدتي تحكي ليا حكاية إنك روحتي ليونس وقالك سمحيني! عشان لما رنا تحكيها تعرفي إنها كان معاها حق، لو بان إنها متعرفش يبقا هي الكدابة، بس متنكريش إنتِ عايزة تحكي وتفضفضي وتتعالجي من قيد يونس بدليل إن مش دا السبب الأول، السبب الأول إنك تايهة بس بدأتي تجمعي كام خيط، متقلقيش أنا فاهمك."
ضحكت وهي تخبره باستغراب"أنا أتفه من كدا يا دكتور!"
_طب تراهنيني إنك كنتي ناوية أول ما تخرجي من هنا إنك مع أقرب فرصة هتقولي لرنا إني طلقتها وتحكيلها كل إللي قولته عشان تغظيها وتفهميها إن أنا كمان كنت بحكيلك عنها؟
شهقت في وسط حديثه وسألته بنبرة شبه طفولية متعجبة"هو أنت بتقرأ أفكاري ولا ذكي ولا إيه؟"
1
سألته وهي على وشك البكاء وضحك ضحكات عالية وهو يردد بهدوء"أنا دكتور نفسي دارسك ودارس كل حاجة عنك، عارفة ليه مينفعش معالج نفسي يتجوز حالة عنده؟ لأنه بيبقا حافظ شخصيته ونقط ضعفه وطريقته وتفكيره، المريض بيكشف ورقه كله لدكتوره، فمينفعش الدكتور يتجوز حالة هو مفصصها! ممكن نقول إنه ممكن يتجوز الحالة دي بعد مثلًا وقت طويل شوية وتكون الحالة بعيدة عنه عشان شخصيته تبدأ في التغير، بس تفتكري لو واحدة اتجوزت دكتورها النفسي هتبقا حاسة براحة؟ لاء طبعًا بل هتبقا حاسة برعب! أختي لما كشفت ورقها كله قدامي أنا بقيت عارف هي بتفكر في إيه، قبل ما هتقول حاجة في أي موقف عارف طريقتها هتبقا إزاي، عشان كدا يا سما بلاش تلعبي عليا، لأن رنا حبت في أول يوم قابلتني فيه تلفت انتباهي عن طريق الكتب إللي بقرأها! كانت فكراني مش واخد بالي من حركات إيدها ووشها".
9
_تمام تمام هبدأ أخاف منك لأن رنا بخبثها دا كله وكشفتها!
قالتها بسرعة وهي تتذمر، وهو سألها بتهكم"يابنتي رنا مين وخبث إيه؟ دي هبلة! هي وصحابها فاكرين إنهم جامدين وهما حرفيًا لو قعدوا معايا مش هياخدوا مني غير كلمة وهتبقا على مزاجي."
صفقت بيديها بتحمس بالغ وهي تشجعه بحديثها"شطور بجد."
واسترسلت ببسمة خجولة مستحية"ويعني على فكرة أنت أحلى منها ودمك أخف منها وطيب".
_نسيبنا من رنا ونرجع نكمل كلام عليكي إنتِ.
6
"________"
_يلا اصحى، اصحى أنا خلصت لبس.
قالتها وهي تدفعه بخفة لعدة مرات في ذراعه، تحرك بمضض وهو يردد بنعاسٍ"عايز أنام لسة بدري".
_لاء لاء عشان نلحق اليوم من أوله.
قالتها وهي تحاول شد ذراعه لينهض، اعترض بصوت متحشرج وهو يشد ذراعه منها"رح نبات في الكامب يعني ما رح يفوتنا شي".
1
زفرت بضيقٍ وتحدثت بأمر حاد"منقذ قدامك دقيقة تقوم فيها، يلا قوم أنا مش جاية هنا أنام."
_حكم القوي.
رددها وهو ينهض بارهاق، رمقها وعيونه مغلقة نصف غلقة، كانت ارتدت ملابسها، سخر بسؤاله"في حدا بيلبس تيابه من الساعة ستة ونص الصبح؟ رايحة عـَ طابور المدرسة؟"
3
تحدثت بتبرير حانق"يا منقذ دي دهب!"
_إيه بعرف والله، بس مو هيك يا حبيبتي إنتِ الله كارمك بصحة، أنا صحتي بعافية ما تشفطيها كلها.
قال جملته بقلة حيلة وهي ضحكت برقة واقتربت منه تضمه بشقاوة مع جملتها الرقيقة"بدلع عليك، يلا بقا."
_تعيشي وتدلعي، خمس دقايق وبكون جاهز مشان ننزل نفطر ونروح.
دخل المرحاض وخرج بعد عشر دقائق مرتدي ملابسه، سروال قصير للبحر يغطي عورته من اللون البني، وتيشرت بنصف ذراع لونه أبيض، هبطوا إلى الأسفل حتى يتناولون الفطور، وبعدها اصطحبتهم السيارة، كانت رودينا متحمسة للغاية عن رحلتهم السياحية في "محمية نبق"، وصلت بهم السيارة بعد وقتٍ وهو هبط ممسك بيديها، المكان لم يكن مزدحم، به سيَّاح أوروبيين أكثرهم نساء عاريات، جميع جسدهم ظاهر، شهقت وهي ترى كل هذا، على أساس ثلاث ليالي وكل يوم تشهق من المظهر!
وضعت يديها على عيون منقذ تحدثه بأمر حاد بعدما حجبت عنه الرؤية"متبصش، متشوفش، واللهِ أغرقك في البحر مع السمك لو شوفتهم."
_ياعمري على الغيرانة، بس الصح أحط شي على عيوني، هيك رح ضيع كل حسناتي!
مازحها بكلماته وهي رددت بنبرة مغتاظة"يارب لو بصيت ليهم بق تدخل النار، كانت مالها بس يارب اسكندرية! لازم أعمل نفسي من حواري إيچيبت!"
أبعد كفيها متحدث بنبرة مرحة وهو يضمها"يا عمري ما تخافي والله مو شايف غيرك".
_طب أرجوك متعاكسهمش بينك وبين نفسك.
حدثته وكإنها طفلة تطلب منه شيء، وهو ضحك مع هزات رأسه البسيطة، ساروا تجاه البحر، وقفت أمامه متعجبة من لونه وهدوئه ودفئه! المنظر كان بديع، سبحان الله!
أقدامها ظاهرة من أسفل المياه الزجاجية! المياه لونها عجيب! لا تعلم أهو أخضر فاتح أم أزرق أم مياه شفافة تظهر الأحجار الكريمة من أسفلها والأسماك! حتى الشجر والزرع ظاهر منها بمظهر جذاب! تتحرك ببطء المياه لتداعب أقدامها وتنورتها الصيفية الملونة المناسبة لهذا المكان!
1
شعاع الشمس البسيط، والسماء الزرقاء الصافية مع البحر الخلاب، والأحجار الكريمة من أسفله وتلك الخضرة الجميلة كوِّنوا مظهر بديع! وهو أكمل المظهر وهو يطوقها في أحضانه، سندت رأسها على ذراعه تستشعر دفء قربه منها، قربه حنون! ولحظاتهم جميعها حنونة، أسند رأسه فوق رأسها، ووقفا يتأملان سحر المظهر العجيب! في وسط تلك اللحظات مد يده لها بثلاث أزهار من اللون الوردي الدافئ، وسألها بابتسامة واسعة واضح بها الحب_:
_عمرك جربتي ترقصي على أصوات الموجة في البحر؟
ضيقت ما بين حاجبيها وسألته بمضض"على صوت أمواج البحر؟ فاكر نفسك في حواري باريس يا ابن عيشة؟ ولما الناس يقولوا اتجننا وينزلونا على الفيس ونطلع تريند والناس يشتموا فينا هتفرح؟"
_دا هيحصل لو كنتي بتعملي شهر عسلك في الترعة مش في حتة راقية مبيدخلهاش غير السُياح يا بنت صفاء!
سخر منها وجاءت تعترض لكنه كان سحبها من خصرها يدخل بها إلى المياه التي تتراقص من حولهم مردد بنبرة جاد صنعها"كدا، شوفي الموجة رايحة فين وروحي معاها."
رفع يديها في السماء وهو ممسكها بأنامله،
وبيده الثانية تملك بها خصرها..
حرك يديه وهي تفاعلت معه،
بدأ في التحرك بها في المياه وهو يديرها بيديه بخفة،
كانت أغرب رقصة ممكن أن يرقصها شخص بحياته!
لكنها كانت رقصة مختلفة جميلة! هادئة ودافئة!
أنغامها كانت صوت الأمواج..
ومتقنيها اثنين لا يفقهون شيء عن حياة الأزواج!
لكن جمعهم شيء مميز وكل مميز يدفعك بدون قصد إلى المجاذفة!
والرقصة لتُكمل كان ينقصها حركة بطيئة درامية!
ساعدتهم فيها الأحجار بعدما كانت ستسقط بسببهم
لكن المنقذ أنقذها في لحظة، لحظة وفي غمضة عين!
كان هو منحني بجذعه يمسك بخصرها وهي متمسكة بعنقه!
إن كان المشهد سينمائي لكانت اللقطة حققت نسب مشاهدة عالية!
أو لو كانوا معهم مصريين لكانوا وقفوا يصفقون لهم بحرارة على هذا العرض العاطفي!
انفجرت في الضحك واعتدلت وهي تدفعه بخفة على قفصه الصدري وتركض منه في المياه!
كانت تضحك من قلبها،
وهو ضحكاته عالية راكض خلفها بصدر رحب!
وبعدما أمسكها غامزها بمرحٍ،
وانحنى يلتقط الزهرة التي سقطت منها يحدثها بتذمر ونبرته بطيئة شتت كيانها!
_لمِّي ورداتك.
ضحكت أكثر، وهو ردد بنفس نبرته المشاكسة"بس إذا كان هيك ضيعيهم عادي، دخيل قلبي شوفي كيف بتضحكي؟ بتؤبرني ضحكتك."
7
لم تتوقف عن الضحك، هي مازالت لا تصدق إنها وقعت في مسلسل تركي مدبلچ، تحدثت بعفوية ونبرتها رقيقة"كلامك حلو واللهِ".
_بعيش بحكيه كرمالك.
كالعادة حديثه السوري المعسول الذي يقلب كيانها رأسًا على عاقب، حمحمت بحرج وهي تخبره بنبرة مستحية"طب بالمناسبة في حاجة عايزة أعملها من زمان بس مكسوفة منك".
رفع ذقنه ببساطة وهو يردد بصدر رحب مع جملته المشجعة بممازحة"لاء لاء اعملي أي شي، بالأخير أنا زوچك."
سمح لها وهي صفقت بسرعة، واقتربت منه تسمك يديه تحدثه بنبرة شبه عالية باللهجة التركية من وجهة نظرها راسمة ملامح حزينة"منقذ بيك بترچاك لا تتركني هيك، لك دخيل الله لا تتركني وتروح."
6
سقط فكه بصدمة، لا لم يتوقعها منها! رمقها باستهجان وهو يسألها بنبرة محتقنة بها استهانة واضحة"بچاد؟ بتحكي بچد؟ من زمان نفسك تقولي هيك؟ يا حبيبتي حالتك خطر اكتير! الله يشفيكي."
1
_ماتتريقش على مسلسلي التركي المفضل.
امرته بانفعالٍ وهي توجه سبابتها أمام عيونه، وهو ردد بحنقٍ وهو يسحب سبابتها بخفة"كل مشاكلك كانت هتتحل لو بس اتفرجتي على مسلسلاتك التركي مترجمة مش مدبلچة! وعرفتي إن لغتهم تركية مش لهجة سورية!"
"وأوجع نظري ليه في القراية؟ أما ممكن أسمع اللهجة العسل واتفرج كمان على الأتراك العسل؟"
هز رأسه نوعًا ما باقتناع، وتحدث ببساطة"تمام اقتنعت، بس أنا بوعدك إني همسح قنوات المسلسلات التركي".
1
شهقت وهي تدفعه بانفعالٍ مع حديثها"لاء كله إلا دا، دا أنا بتابع مسلسل حلو أوي بيتكلم عن أخين حبوا نفس البنت وتبدأ الصراعات والمشاكل بينهم وبعدها واحد منهم بيموت والتاني بيتجوزها واختها هي بتموت والنهاية هيخلفوا ولد قمور".
5
كان ستأتي له نوبات جلطة، وسألها باستشاطة"يعني عارفة النهاية وبتتفرجي عليه؟ "
_ما قصته حلوة.
بررت له في الحال وهو بدأ يحرك رأسه بسخرية وهو يكمل"بعرف بعرف، الممثل فيه حلو وهيك وشعره أصفر.".
1
رجع يكمل حديثه بانبهار مسيطر عليه وهو يمشط المكان بنظره
_سبحان الله رغم إن إحنا روحنا البحر كتير لكن كل مكان تحسي البحر بتاعه غير البحر التاني خالص! دهب دي ساحرة.
"مصر جميلة أوي."قالتها بابتسامة واسعة، وهو أكد عليها ببسمة حنين"مِصر جميلة، وأهلها طيبين وأهل كرم."
مرَّ عليهم الوقت وخرجوا من الشاطيء يتنزهون بعدما بدلوا ملابسهم بأخرى نظيفة، دخلوا إلى السوق، كان سوق به كل ما يخطر على البال، ملابس سباحة، بازارات، ملابس خروج وبيت، زينة للنساء، أدوات تجميل، مطاعم، ألعاب أطفال، مثلجات ومشروبات، كل شيء جميل! وخصوصًا في الليل! والأجواء خطيرة! والسائحين منبهرين بكل شيء حولهم!
وقف بها منقذ أمام متجر زينة للنساء به كل شيء يخصهن، دخل معها وردد ببساطة"هشتريلك حاجة".
_ونشتري لحياة ومامتك ومامتي ماشي؟
قالتها ببسمة واسعة، هز رأسه بهدوء، وبدأ في تفحص الأشياء، تحدثت بسرعة بتحمس"منقذ بص الغوايش دي، كنت وأنا صغيرة بحبها موت".
"شكلهم واو بصراحة."
أبدى إعجابه بهم، كانوا أساور زجاجية ملونة بشكل مبهج، بدأ ينتقي منهم باهتمام شديد، كانوا سبع أساور، ثلاثة متشابهين من اللون البنفسجي، واثنين من اللون الأبيض، واثنين من اللون الأصفر، اخبرها ب"حلوين؟ كلهم ليكي."
تهللت ملامحها وحدثته بسعادة كبيرة"تحفة بجد، تسلم إيدك".
مازحها بكلماته العابثة"بشتريهم كلهم بس حسابك بيتقل ها؟"
_ياعم أنت هتذلني!
تهكمت بسؤالها، وهو حرك رأسه بغيظٍ"إنتِ الواحد ما بيعرف يستنفع منك في شي!"
ضحكت بخفوت وهو أمسك بعقد به صدف ونجوم ملون بشكل لطيف ومنظم، وضعه على عنقها مبدي إعجابه الشديد بها"بتلبق لك."
"بلاش تكلف نفسك".
_أكلف نفسي! يا بنتي أنا كنت ابن أكابر اكتير بس الزمن، وما تقلقي معي مصاري اكتير.
قالها بابتسامة واسعة، وبدأ يشتري لها أشياء كثيرة، وهي بدأت تنتقي لحياة أعقاد وأساور لطيفة وربطات شعر طفولية جميلة، واشترى منقذ لها أدوات تجميل كثيرة رغم إن غرفتها ببيته وببيت والدتها مليئة بهم لكنها مولعة بتزيين وجهها في المنزل_لأنه حرام في الشارع_واشترت لوالدتها ووالدته جلباب صيفي ألوانه فاتحة مبهجة، واشترت لوالدها ولإياد، تحدث منقذ بتذمر_:
_سامع عصافير بطني بتصوصو، چوعت اكتير تعالي نشوف المطاعم هدول.
أخذها إلى مطعم شهير في تلك المنطقة، بعدما جلسوا سألها باهتمام"بدك تاكلي شو؟"
كانت ممسكة بقائمة الطعام، وحدثته بعد عدة دقائق"بص، هات سمك تونة مشوي، وسنجاري، ورز وجمبري."
_ماشاء الله كل دا ليكي لحالك؟ ارچعي اتكسفي مرة تانية.
قالها وهو يفتح فمه بتعجب، وهي حاولت إمساك ضحكاتها مع حديثها"أصلي بحب السمك!"
أغمض عيونه بمداعبة مع جملته"ما بيبان عليكي، بتاكلي وما بتتخني!"
_بصلي أوي في اللقمة، أنا ماما قالتلي اطلبي براحتك وكله على جوزك.
_هي الحجة مالها داخلة بقلب جامد كدا ليه؟ هي ناوية تحاسب لينا؟
سألها بطريقته المضحكة وهي شاركته في الضحك تلك المرة، عاد يحدثها بجدية"عم بمزح، رح أطلبهم."
1
طلب الطعام وهو يحمحم بحرج مسيطر عليها مع حديثها الخافت"منقذ متزعلش مني."
رفع حاجبه الأيمن باستهجان، وردد بسخرية"لاء زعلان، السمك سعره غالي اكتير!"
تعلم إنه يمازحها وهي وضحت له بهدوء"لاء يا منقذ مش بهزر، أنا آسفة عشان إللي حصل في بيتنا في القاهرة."
حدق بها لعدة ثواني، ومن ثم حرك منكبيه ببساطة وهو يحدثها بنبرة لا مبالية"لاء عادي يعني ما حصل شي."
_أنا آسفة بجد يا منقذ، أنا مكنش قصدي كل إللي قولته أو إللي حصل، أنا عارفة إنك زعلان مني لحد دلوقتي بس أنا آسفة.
اعتذرت منه وهي تضغط بأظافرها على جلد يديها، وهو هز رأسه بتفهم محدثها بخشونة"مش مهم يا رودينا، إحنا جايين هنا نستجم شوية."
_طب واللهِ خلاص أنا بقيت مؤهلة لـ...
تحدثت بها بسرعة ولكن هو قطعها يسألها بضحكة تحمل بين طياتها بعض السخرية"مؤهلة شو؟ بتقدمي على وظيفة ياعمري وأنا ما بعرف؟"
زفرت بضجر، وحذرته بعيونها قبل جملتها"بطل تتريق عليا، أنا أقصد إني بقيت مؤهلة عشان أعمل كل واجباتي."
ضحك ضحكات عالية، وسألها بمرحٍ وهو مغمض عيونه بشكٍ
_تأهلتي في يوم وليلة؟ ماشاء الله! يعني رح أچي أمسك شعراتك المرة هادي وما رح توقعيلي صف سناني؟ أو تخزقي عيوني؟
2
علقت عليه بسخرية وهي تصب المياه في الكوب الزجاجي لنفسها
_ماهو مفيش حاجة اسمها شعراتك يا منقذ، اسمها شعرك!
_ياحبيبتي ما هاد ياللي بطوله منك! اسكتي اسكتي الأكل إچى.
في النهاية أشاح لها بيده وهو الطعام يضع أمامهم، كانت رائحته وشكله شهي للغاية، تحمست وهي ترتدي قفازات يديها وتهم بالانقضاض على الأكل لتأكله كله، رفعت انظارها لمنقذ الذي كان يبادل السمكة بنظرات شر، يرفع لها حاجب ويهبط الثاني وكإنه يحقق معها تحقيق حاد! ويراقب تصرفات تلك المتهمة أمامه!
جذبت انتباهه بجملتها الساخرة"سيادة الباشا المتهمة اعترفت بكل حاجة ولا لاء؟"
لم يفهم كلماتها وعقد حاجبيه يسألها باستغراب"مو فاهم."
_ياحبيبي أنت بتبص للسمكة على إنها ممسوكة آداب! في إيه ما تاكل!
هز رأسه برفض مع حديثه المبرر"ما بحب السمك وكمان ما بعرف أفصصه."
شهقت وهي تضع كفها على صدرها بصدمة، ورسمت ملامح باكية"لاء بالله عليك ما تقول كدا، أنت دلوقتي عايزني أفصص ليك؟ والله أنا مش بعرف أمي هي إللي كانت بتفصص ليا! وقالتلي جوزك يفصصلك، أومال مين هيفصص لينا، أجيب أمي أنا منين؟ وبعدين مش بتحب السمك إزاي؟"
حدق بها ببلاهة، ونطق باستنكار"هو إنتِ شو بتعرفي تعملي بحياتك؟ حتى السمك ياللي بتحبيه ما بتعرفي تفصصيه؟"
_طب بص هو السمك دا كدا كدا فيه شوك كبير يعني هيبان قدامنا، توكل على الله بس يا أخي وكُل دا طعمه تحفة وشكله يجنن متبقاش رخم زي إياد مش بيحب الكبدة وإحنا كنا كل يوم بنعملها حرفيًا.
6
"أخوكي فهمان، اتعلمي منه شوي الكبدة ما بتتاكل".
إلتوى فاهها بتهكم ورفعت سبابتها له تحدثه بحزمٍ"حتى الكبدة؟ اومال أنت بتاكل إيه بالظبط! عشان أنا طيبة بس هفصصلك السمك بس لو سمحت متاخدش على كدا عشان أنا واللهِ بحب السمك وبحب اندمج فيه، وأنت لازم تحبه وتاكله عشان هنجيبه كل أسبوع في بيتنا."
5
هز رأسه بأدب وعلى محياه بسمة متسلية، وهي أخذت صحنه وبدأت في تقطيعه باهتمام شديد، قدمته له وتحدثت ببسمة واسعة"أهو ياعم ولا تزعل نفسك، كُل بقا بالسلطة وهتعرف إنك مش بتعرف تتذوق، ودا سمك تونة مفيهوش غير شوكة كاملة افتحها وشيلها".
_تسلملي إيدك.
بدأ في وضعه على الأرز ومعه السلطة، للحق كان المنظر يجعل اللعاب يسيل وهو لم يقاوم وبعد دقيقة أو اثنين ردد بتعجب متحمس"إيه السمك إللي أول مرة أدوق في حلاوته دا! أنا لو رجعت القاهرة وملاقتش نفس الطعم دا وربنا هاجي كل شهر آكل من عنده!"
تهللت ملامحها وتحدثت بتحمس مبالغ به"شوفت شوفت مش قولتلك! بس متخافش ماما بتعمل سمك تحفة ابقا تعالى كله عندنا".
_أكل حماتي تحفة صراحة بحبه جدًا.
_طب وأكلي؟
سألته بحاجب مرفوع بغيظٍ، وهو غمزها بمشاكسة"عليكي حتة لفة صباع محشي تحفة! وأنا نقطة ضعفي المحشي."
مرَّ عليهم الوقت بين التسكع هنا وهنا، ورحلوا إلى الفندق في اليوم التالي بعدما ناموا في_مخيم_صغير أمام البحر.
وقفت كالعادة أمام المرآة تحدث نفسها كالمجانين مع حديثها المحفز حتى لا تبكي وتنهار حصونها"اهدي بقا، هتقدري، إنتِ واخدة المهدئ، ومنقذ كمان معاملته معاكي عسل، وطيب، وبيحبك، وبيهزر معاكي، وقمر ابن السوري دا، وبيتكلم مصري حلو أوي كإنه متربي في حواري القاهرة، هو إنتِ عمرك كنتي تحلمي تتجوزي واحد عيونه خضرا في أصفر يا معفنة؟ دا عنده نمش أصفر! كتك خيبة وإنتِ مش فالحة في حاجة كدا!"
1
اقتنعت أخيرًا وتخللت أصابعها بين خصلات شعرها الأسود الحر، وحدثت حالها بمرحٍ"واللهِ إنتِ قمر دا يا بخت منقذ والله، هو آه أنا بومة معاه هو الوحيد ومش عايزة أطلعله الست الفرفوشة إللي جوايا بس أنا عسل بردو".
استدارت لترجع إلى الفراش لكن وجدته يقف ساقط فكه السفلي وملامحه مستغربة بطريقة حمقاء، شهقت وهي تسأله بقلقٍ"أنت واقف هنا من كتير ولا إيه؟"
1
_من أول قمر ابن السوري، أنا بس مش عارف دي شتيمة ولا مدح ولا نوع جديد، وبعدين ما إنتِ فرفوشة أهو أومال ليه كنت كل أما أبص في خلقتك ألاقيكي بتعيطي!
استهجن بكلماته، وهي تحدثت براحة بعدما تنهدت"أنا فرفوشة والله بس أنت لسة ملاقتش الزرار بتاعي."
وضع أنامله على وجنته بسخرية وهو يحرك رأسه، واستفسر باستهانة"وهنلاقي إمتى الزرار يا أخت رودينا؟ ولا هنقضيها الحرامي والبوليس؟"
رنت ضحكاتها العالية بغنجٍ وهو رمقها بعدم تصديق متحدث بريبة"مش مطمن ليكي، تعالي ننزل نتغدى جعان موت.."
_لاء بقولك إيه بقا أنت بطنك فيها تمساح! كل أما تشوف خلقتي تقولي جعان! وبعدين أنت مش شايفني لابسة إيه؟ مفيش دم؟ مفيش إحساس؟
انفجرت به بعصبية مضحكة، وأخذت تحرك يديها في الهواء بطريقة همجية منفعلة، وهو قهقه بصوت عالي، ومشط نظره بسرعة وهو يرى ما ترتديه، تحدث بصعوبة من بين ضحكاته"جميل جميل، يلا ننزل جعان موت واللهِ، يلا قبل ما يقفلوا البوفيه تحت".
عقدت ذراعيها أمام صدرها، ورددت بعندٍ وهي تهز قدميها بعنفٍ"طب مش هنزل بقا، وأنت مش هتنزل، وعقابًا ليك مفيش عَشا كمان."
_طب هتسمحيلي أنزل أصلي العِشا تحت ولا دي كمان متعاقب فيها؟
علق بسؤال متهكم، وهي نفخت وجهها بضيق، وجلست على الفراش بعنفٍ، اقترب منها بملامح مستغربة وهو يستفهم منها بهدوء"في حاجة؟"
هزت رأسها بنفي وهي تتحدث بنبرة حاولت جعلها عادية لكن وضح بها ضيقها"مفيش يا منقذ، انزل كُل."
عقد حاجبيه باستنكار لهجتها ورجع يتساءل من جديد"في إيه؟"
رفعت أنظارها الحزينة له مع سؤالها المتأثر"هو أنت لحد دلوقتي زعلان؟"
_يارودينا والله ما زعلان بس هيك أفضل، خدي وقتك.
قالها بجدية شديدة، وهي اعترضت بتصميم"لاء بقا أنا انهاردة لازم اصالحك."
ضحك كالعادة وهو يهز رأسه بقلة حيلة مع حديثه المتحجج
"يابنتي إنتِ إيدك طويلة! ولسانك أطول، وبتقولي كلام غبي، مش هستحمل أنا تقلب مزجاتك دا، بتبقي عشرة على عشرة وبعدها بدقيقة إيدك بتطول!"
_لاء لاء ثق فيا والله مش هعمل حاجة تاني، أنا خلاص بقيت استرونج.
قالتها سريعًا وهي ترجع شعرها للخلف، وهو أكد بنفس طريقته العبثية"أيوة استرونج دلوقتي وبعد عشر دقايق هتعيطي زي البت الزنانة المملة إللي حياة مشغلاها أربعة وعشرين ساعة على قناة الكرتون!"
3
كان يمازحها لكن هي قلبها ألمها، وشعرت إنه مل منها، رمشت بأهدابها تحدثه بنبرة مجروحة"متزعلش مني، عارفة إني مملة ومش هكفيك وكدا بس أنا بحاول أعمل كل إللي أقدر عليه، على فكرة هو سهل الحكي لكن لو مهما حكيت مش هتفهم، يمكن أنا موضحتش، أو أنت مفهمتش، بس أنا كنت كل يوم سامر بيدبحني، سبع شهور ونص عايشة كدا، عايزني دلوقتي اتقبل الحكاية ببساطة وأنا كل أما يحصل حاجة افتكرها؟"
سحب نفس عميق وأخرجه على مهلٍ بعدما أغمض عيونه، وضمها بحنانٍ وهو يربت فوق ذراعها مع حديثه اللين محاول إخراجها من تلك الحالة"خلاص متزعليش أنا بهزر، وبعدين إنتِ عسل مملة إيه بس؟ خلاص أنا فاهمك واللهِ، بس بوعدك إني هنسيكي أي حاجة وحشة الخسيس دا عملها."
تمسكت بأحضانه بخوفٍ، تخاف من فقده، تحدثت باضطراب ظهر عليها"متسبنيش يا منقذ مهما يحصل، حتى لو عايز تتجوز مرة تانية عشان تخلف أنا قابلة، ولو عايز تتجوز بنت صغيرة وفرفوشة ماشي بردو موافقة، بس متسبنيش، أنا اتعلقت بيك وبحنيتك وبكلامك وبحبك."
"لاء ياعمري ما تقلقي مارح اتزوچ مرة تانية ياللي بيعملها الأولى بيبقا مچنون لو عملها مرة تانية، بيكفي معي زينة البنات."
حديثه كالعادة يريح قلبها لبعض الوقت لكن ليس دائمًا، بداخلها شعور النقص، ترى إنها ناقصة ولن تكفيه حقوقه بحياتها، وهو شعر بكل هذا وحاول إثبات إنه غيره، وإنه مستعد أن يفعل أي شيء ليسعدها، وهي استسلمت له مع جملتها الخافتة"أنا بحبك أوي يا منقذ، يارب تدخل الجنة."
6
"_______"
أسبوع والثاني مر والأحداث سريعة، سريعة لدرجة مخيفة! وعمير شخصيته الجديدة كانت مخيفة أكثر! ليته ظل عمير الصائع الذي كان يتخذ التشرد منهج في حياته، نظراته حاقدة، رغم إنها كانت كارهة منذ زمن لكن الآن توحشت وهو كله توحش!
وقف أمام البوابة لتصدر سيارته السوداء الفارهة صوت عالي، وهبط من السيارة وخلفه ثلاث رجال أعمال تابعين لـ"عبد الوهاب"، وقف يحدق بالشركة بنظراته الجامدة، الدنيا صغيرة! الآن هو يقف سيد في الشركة التي كان يعمل بها حارس يأخذ ألفين ونصف في الشهر!
وعلي كان يقف يراه وفمه مفتوح كله! لا يصدق عيونه! أسامة قال إنه أصبح شخص آخر لكن لم يتوقع، توسعت بسمته، كان مشتاق له، منذ مدة طويلة لم يراه، ركض تجاهه منادي عليه بسعادة"عمير، عمير."
والثاني رمقه بطرف عيونه ولم يبالي، أكمل سيره بخطواته الواثقة، وعلي وقف للحظة مبهم، لكن كذب حاله وهو يردد إنه بالتأكيد لم ينتبه له، واقترب منه من وسط الجميع يضع كفه على ذراعه ليجعله يستدير له، اقترب منه في الحال رَجُل يدفعه عنه بعنفٍ اتضح إنه كان حارس شخصي لهم، وسأله بخشونة وهو يقبض على يده_:
_عايز إيه من عمير باشا؟
3
_باشا!
نطقها بملامح مصدومة، ورمق عمير الذي لم يهتم وأكمل سيره مع جملته الآمرة بلا مبالاة"سيبه سيبه".
11
ارتسمت تلقائي بسمة مهزوزة على وجهه وتحدث بمرارة"كتر خيرك يا باشا".
ابتعد عنهم ورجع إلى مكانه، شعر إن نيران صدره من شدة الحزن ستقتله، عمير لم يرمقه حتى! ماذا ينتظر؟ هو باع الجميع! انضم لأبيه ولأقذر خلق الله كما كان يقول من قبل! هيئته النظيفة جعلته ينسى أصله وإنه كان عامل أقل من أي أحد هنا! لكن ماذا يقول؟ هذا هو ما يسمى بـ"النقص"، وعمير كان أنقص خلق الله!
1
دخل عمير إلى الشركة وهو يردد بخفوت صارم"لاء ياعمير مفيش مكان للمشاعر، أنت في غابة".
2
بعدما قالها رجع يراجع حاله! غابة؟ وما ذنب الفقراء بتلك الغابة! وماذنب أصدقاءه الذين يأكلون التراب حتى يحصلون على أبخس الأموال؟ هو كان منهم! وقلبه كان يؤلمه إذا تعامل معه أحد بتلك الطريقة العنجهية، ضربته الذاكرة عندما كان يعمل في مطعم الأكل الموجود بالشارع، وسمع حديث الأب المستهين به لصغيره!
_شوفت حاله إزاي؟عشان مش متعلم لكن أنت لو اتعلمت هتبقا حاجة كبيرة مش زيه.
_اتعلم يا بني عشان تلاقي شغل بشهادتك، بس أنا أهو وإنت أهو إنك لو اتعلمت بردو مش هتبقا زيي، لأن مفيش شغل بتعليم ياحبيبي، أنت كدا هتقعد عاطل طول العمر مش هتبقا زيي، بس لو عايز تبقا زيي اتعلم وامسك في أي فرصة شغل تجيلك، محسوبك ياباشا معاه هندسة يعني تعليم أفضل منك.
ومرات عديدة عندما رأى شقيقه، ووالده، والبشاوات كما يقولون! وهو فاق من كل هذا وهو يرى نظرات التعجب المحتلة وجوه الجميع! الجميع يردد بخفوت أهذا عمير حارس البوابة الذي طُرد من قبل لسبب مجهول!
تقابل في طريقه مع معاذ، ومعاذ جعد وجهه وهو يقترب منه يسأله بدهشة"عمير؟ عامل إيه وحشني."
_الحمدلله يا معاذ بيه، أنت إيه الاخبار؟
بادله أطراف الحديث والثاني رد بهدوء"بخير الحمدلله، أنت بتعمل إيه هنا؟ وإيه اللبس دا؟"
لاحت على شفتيه بسمة شاردة، وردد بضحكة جادة"أنا يا سيدي باشمهندس عمير النائب عن عبد الوهاب بيه صاحب شركة..."
قبل أن يكمل كان قطعه بذهول"عبد الوهاب بيه؟ مبروك ياصاحبي وكل حاجة فرحتلك واللهِ بس هي مفاجئة، دا علي هيفرح بيك جدًا، سلمت عليه تحت؟"
_مخدتش بالي منه.
قالها بهدوء، والثاني ربت فوق كتفه وتحدث ببسمة"ابقا سلم عليك، كان واكل دماغي بيك من فترة."
أكمل طريقه وعمير دخل صالة الاجتماعات، تقابلت عيونه مع عيون رئيس عمله السابق الذي طرده بدون أي سبب، والثاني كان بالأساس حضر زفافه على سيلا، حدثه باحترام شديد وهو يضع المقامات، بالنسبة لهم عمير يعمل في مرتبة عالية لصاحب الفضل عليهم كلهم! عبد الوهاب الذي يخطط لكل شيء ويديره بحنكة وذكاء، جلس على المقعد بجدية، وسأله بدر بغصبانية"فين طارق بيه؟"
_عنده شغل في أمريكا، وعبد الوهاب بيه بعتني أنوب عنهم.
قالها برسمية شديدة، وتلاقت عيونه مع أدهم البارد، عمير كان بمفرده والحديث سيكون ثقيل عليه، وكلام الكبار هو لن يفهمه وسيرى إنه بلا مساندة سيلا وعبد الوهاب ولا شيء! كانت مبتسمة على ثغره بسمة متسلية، وعمير بادله ببسمة واثقة، وبدأوا يتحدثون، كل أعمالهم قذرة! سيبنون منتجع سياحي في"الساحل الشمالي"ليغطي على مصائبهم وأعمالهم ويكون هو مستقر لهم! كانوا يتوقعون أن عمير سيظل صامت، لكن هو فجاءهم وتحدث وبثقة! وشاركهم في فكرة بناء المنتجع، للحق تعليمه كان واضح! متعوب عليه مثل تعليمهم وهو تعلم في أقذر المدارس الحكومي! وهم ففي بلاد الغرب!
لم يتوقع أحد منه حرفته والتحدث بطلاقة باللغة الإنجليزية ومصطلحاتها! والانشاء والمعمار، جميعهم صدموا لكن والده نظر له نظرة مختلفة، هو كان يعلم إنه نزل يعمل في سن صغير للغاية ليعلم حاله، وكان يسهر بالمساء يذاكر دروسه، كان يتابعه من بعيد حتى أنهى جامعته وكان يبهره بعبقريته! تعلم لغات، التفوق في مجال دراسته وحب جميع معلميه في الجامعة، والسعي وبذل الجهد في أخذ منحات بأموال باهظة لتكتب في ملفه لعله يشفع له ويتعين في شركة خاصة بتعليمه، لكنه في كل مرة كانت زوجته تقف في طريقه وتسد أي فرص عمل له، وهو علامه بالنهاية أفاده! وقف يناطحهم بالمعلومات وخبرات التدريب رأسًا برأس، إذا كان لم يتدرب بعد جامعته ويأخذ دورات عديدة لكان تعليمه طار مع الهواء لكنه كان ذكي!
بدأ الجميع يشاركونه رأيهم وهو كان يشعر بالسعادة من داخله، لأول مرة يرى تعليمه يفيده! والجميع نظر له نظرة ثانية بأنه بالفعل متعوب على عقله! ليس تابع فقط لعبد الوهاب وزوجته سيلا!
فض الاجتماع بعد وقتٍ وهو غادر وعلى محياه بسمة سعيدة، خرج وسار بجانب أدهم، وأدهم حدثه ببسمة ساخرة"برافو، سيلا حفظتك كام حاجة وجيت تسمعهم."
_عقبالك.
قالها بتبارد وهو مازال يسير بجانبه، والثاني ضحك ضحكات عبثية وردد بتعجب"دي الدنيا صغيرة، دا أنت لسة كنت موطي على رجلي تبوسها! ومراتك غرقت في دمها عندي!"
1
كان يعلم أدهم إن تلك المنطقة حساسة للغاية لديه لذلك لعب عليها، وعمير لم يتحمل ودفعه بعنفٍ على الحائط واضع يديه الاثنين على عنقه يضغط عليهم بقوة، والثاني دفعه ووضع أنامله فوق كفيه ليبعدهم لكن الثاني كان مصمم أن يخنقه وردد بكره مرتسم على ملامحه_:
_دلوقتي الروس اتساوت ويمكن أنا بقيت أحسن منك ومع الأقوى منكم ووأقسم بالله لا هتنزل أنت وأمك وأبوك وأختك تحت رجلي وقريب أوي، هخليك تحس ب****من الإحساس إللي حسسته ليا، أنا وأنت والزمن طويل يا ننوس عين أبوك.
تركه في النهاية وهو يدفعه بقساوة، وابتعد عنه محدثه بسخرية"لو أنت علمت عليا مرة فأنا كنت معلم عليك قبلها في شقة سما، وبعدها مراتي وهي غرقانة في دمها علمت على وشك الحلو بردو، يعني اتقل منك من واحدة ست".
قالها وهبط الأدراج، خرج خارج الشركة واتجه تجاه البوابة، أخذ نفس عميق قبل أن يدخل على "علي"، والثاني رأه وشملته نظرته المقللة منه، اقترب منه عمير والثاني سأله بجدية"عايز مفتاح العربية يا باشا؟"
_عايز نتكلم شوية.
قالها بهدوء وعيونه تدور على ملامح صديقه الممتعضة، وردد بنفس نبرته الأولى"محمود بيه منبه علينا منتكلمش مع البشوات."
أغمض عيونه بقوة، وتحدث ببسمة مهزوزة"أنا مش باشا أنا صاحبك."
رفع عيونه له يسأله بهجوم ساخر"صاحبي إللي بنادي ليه خلى الحارس يشدني بعيد عنه؟ إيه داء النقص دا يالا! كل دا عشان لبست حتة بدلة؟ ما كلها بتعرف تلبس بدل! ولا تكون فاكر عشان انضميت ليهم؟ ما كلها عارفة هما إيه والغنا والعز دا بسبب إيه؟ بس هزعل ليه دا أنت النقص وصل بيك إن صاحبك إللي كان متربي معاه تسيبه في عز ماهو محتاجك!"
انقبضت ملامحه، وسأله بعصبية، ووجهه تحول إلى اللون الأحمر من انفعالاته المفرطة"صاحبي؟ كلكم بقيتوا شايفين عمير هو إللي ابن ***غدار وواطي، وأسامة هو البريء! أنت عارف أنا عيشت أسود أيام حياتي بسبب الشيخ أسامة الجديد! راح ضحك على أختي وقالها عمير حالف إنه يصورك ويكسر أبوكي ويذلكم، ضربها وشتمها واتعدى عليها وهرب هرب وسابني أنا أشيل الليلة، وقبلها كان سابها في فرحها بعد ما قبلها بليلة كان بردو متعدي عليها، وكان مغفلني! سابني لأبويا وهو أكتر واحد عارف إنه بيهيني وبيكسرني لو بس فتحت بوقي! هرب أكتر من تلات أيام وأنا أبويا جه خد مراتي وابنه اتهجم عليها وسقطها وقعدت ليلة غرقانة في دمها وبين الحيا والموت، كانت بتموت بين إيدي بسبب أوس أوس، نزلت وطيت على رجلهم كلهم أبوسها عشان بس يرحموها عشان أنا واقف عاجز أقل من ***مش قادر يدافع عن مراته، وبعدها أما ظهر إداني بالمطوة في بطني وروحت المستشفى بسببه، وجه أبويا خده ورغم كل دا روحت لأبويا تاني واتكسرت واتذليت عشان بس ميأذيش أسامة إللي دمرلي حياتي! خدت بيعت شبكة مراتي عشان مش معايا ربع جنيه في جيبي وعملتله العمليات بيها، وطلقت مراتي بسببه، وأول بس ما شد حيله قولتله كل واحد في حاله، المطلوب مني إيه بعد كل دا؟ أنا أعمل إيه تاني عشان أرد الدين؟ المطلوب مني إني أنسى غدره بيا وأروح أضحك وأهزر معاه؟ أنت نفسك زعلت أما أنا عملت نفسي مش شايفك، ما بالك هو بسببه خسرت حياتي كلها! دخلت في حاجات أنا أكبر منها! دخلت في شغل مؤامرات، ومخدرات، والمطلوب مني أبقا عمير إللي مش بيتهزله جفن، دخلت بسببه وعشان أرد كرامتي لمصايب، رجعني تاني لأهلي وأنا كنت بعدت! خلاني أخسر حياتي! ياريتني أرجع حتة أمن تاني ولا إني كدا، بس بعد كل حاجة حصلت ليا عايزني أفضل عمير الغلبان؟ الطيب؟ دا الكل موت فيا كل حاجة حلوة، الكل موت عمير دا بأبرد سكينة."
15
عيونه كانت دامعة لكن هو جامد ولن يبكي، ومن داخل قلبه كان يتألم! يبكي بقوة من الداخل، وينزف، ونزيفه نزيف حاد سيقتله! في النهاية وضع يده على منكب علي مردد بابتسامة جادة"متزعلش مني، أنت ابن حلال وملكش علاقة بكل دا".
في النهاية ضمه، وامتدت يد علي بصدمة يحضنه، كان مصدوم، كل هذا حدث له؟ وذاقه لحاله؟ ابتعد عمير وربت على ظهره وهو يردد بهدوء"همشي أنا بقا عشان ورايا شغل مهم، هنتقابل تاني إن شاء الله."
قبل أن يمشي حدثه علي بسرعة"متزعلش مني، زعلي كان من عشمي."
اتسعت بسمته الحنونة كبسمته القديمة وتحدث بامتنان"أنت إللي متزعلش مني، سلام."
دخل إلى الجرچ يأخذ سيارته وانطلق بها تجاه شركة عبد الوهاب.
وبداخل تلك الشركة كانت سيلا تجلس مع جدها تسمع كل شيء عمير قاله في الاجتماع وبعد الاجتماع، للحق لم تتوقع سيلا إنه سيقدر أن يقنع الجميع برأيه الذي لم يكن على البال والحسبان، لكنه كان رأي في صالح عبد الوهاب! حتى النسبة ستكون أكبر، لكن بالنهاية سمعت حديثه مع علي رفيقه القديم وعيونها أدمعت، رمقها جدها بتعجب يسألها_:
_كلامه أثر فيكي للدرجة؟
1
هزت رأسها بتأكيد بعدما دموعها هبطت، وجففتهم بالمحارم الورقية وهي تحدثه بنبرة مختنقة"جدًا، عشان هو حياته كلها باظت، وكمان علاقته بمراته وحشة جدًا وصاحبه وهو مكنش ليه غيرهم،و ودخل طريق مش طريقه."
تحدث بجدية قاسية"لاء طبعًا غلط إنه يأثر فيكي ويصعب عليكي، إحنا في شغلانتنا معندناش حاجة اسمها إحساس، وبالعكس كل إللي بيحصل في حياة عمير دا في صالحنا، إنتِ مش واخدة بالك إن عمير عنده شحنة جبارة إنه يهد البلد؟ وقوته بتكبر أكتر لما يشوف أدهم، بيقول حاجات وبيعمل تصرفات مستحيل تطلع من حد ذكي بس، لاء دي بتطلع من حد ذكي ومجروح وكرامته وجعاه، بيتحدى الكل عشان يثبت إنه أحسن منهم زي ما قاله صاحبه نقص، عايز هو الوحيد إللي يتكلم ويثبت مهارته والكل ساكت ودا في الحقيقة بيفيدنا والفضل كله يرجع لإنك إنتِ إللي دخلتيه معانا، وبردو لازم إنتِ إللي تكرهيه في الدنيا أكتر وأكتر عشان لو الوحش الحقيقي طلع وظهر عمره ما هيختفي."
_هو لو عمير ساب كل حاجة ورجع لحياته الطبيعية أنتم هتصفوه؟
سألته وقلبها يأكلها عليه، وهو هز رأسه ببساطة، التفتت برأسها بعيد عنه وحاولت أن ترمش لعل دموعها لا تهبط، هي التي أدخلت العمير هذا الطريق واشعلت كرهه، هي السبب في تدميره لكنها تتمنى أن يكون ذكي ولا يتركهم وسيظل في عز وسيتربع على عرش الملوك بعد سنوات بسيطة إذا ظل في أحضانهم، لكنها تعلم إن بداخله شريف!
5
وهو دق على مكتب عبد الوهاب، رأه في شاشة مكتبه الكبيرة ليأذن له بالدخول، وهي جففت دموعها، دخل عليهم عمير ببسمة حازمة، لكنه رأى دموع سيلا ليسألها بقلق مقترب منها"مالك؟ فيكي حاجة يا سيلا؟"
_لاء خالص ليه؟
سألته مدعية الاستغراب وهو أجاب في الحال"شكلك معيطة."
"سيلا وعياط؟"سأله عبد الوهاب بسخرية، وعمير جلس أمامه بجدية وبدأ يحدثهم عن الاجتماع، وانتهى بجملته"هما منتظرين موافقتك الأولى بس هما اقتنعوا".
_تمام، أفكارك حلوة، وأحسن حاجة فيك إن كلها علمية وسريعة.
اثنى عليه وهو اتسعت بسمته بسعادة فائقة، وشكره برزانة"متشكر يا عبد الوهاب بيه، كله من فضلك، محتاجني في حاجة تانية؟"
"لاء، ممكن تروح مكتبك، وآه خد بالك لو فضلت ماشي بنفس الدماغ دي احتمال كبير جدًا تمسك أنت مهمة كاملة لوحدك".
قالها ومن المفترض أن يفرح لكن قلبه قبض، هو سيتولى مهمة كاملة! سيشرف على الجميع! وبدلًا من مجرد منظر أمام الجميع سيكون هو الزعيم! اهتزت بسمته وشكره وخرج، شعر إن جسده يتصبب عرقًا، وابتلع لعابه بصعوبة،، وغادر من الشركة يركب سيارته منطلق بها، وسأل نفسه_:
_إيه ياعمير؟ مش دا كان هدفك من زمان؟ مش أنت كنت عايز تبقا أعلى من أبوك وأدهم؟ كدا دا معناه إنك هتبقا مسؤول عن مهمة وهما تحت إيدك! دا كان هدفك إنك تثبت للكل إنك تستحق!
أقنع نفسه بهذا لكن رجع يتحدث بسخرية"كنت زمان عايز تستغل تعليمك وتفيد البلد! دلوقتي بتستغل تعليمك ****استغلال! ولا فين تعليمك! الاسم مهندس المهنة مهرب مخدرات وبتفكر وتتكتك عشان ترسم كل حاجة صح!"
هو بين نارين! لا يعلم ماذا يفعل! كل شيء ضده، رجع على بنايته بعد مدة طويلة للغاية لكن وجد الأوضاع غريبة، والحكومة تملأ البناية، وصوت عويل، عويل عالي، والنساء جميعهم يبكون، دخل بتيه، وقلبه كان منقبض! رأى جارتهم في البناية تصرخ! وتضرب فوق صدرها بحرقة! اقترب منها ورأى الجميع متجمع حولها! وهي كانت تتحدث بهستريا!
_قالتلي يا ماما عايزة أروح مع إسلام! قولتلها ماشي، قولتلها ماشي وأنا مش في دماغي! عشان إسلام تربيتي، إسلام ابن أختي تربيتي! ومش بيحب قدي وقد عيالي! بعتاها معاه وأنا عارفة إنه بياخد حقن وبراشيم! بعتها معاه وأنا عارفة إنه مدمن!
اختنقت أنفاسه، ووقعت عيونه على زينب الباكية، كانت ترمقه، تلومه! وهو ليس له ذنب، ولا يفهم ما جرى! ماذا حدث! لا يعلم؟ ماذا فعل إسلام؟
وهي صرخت بقهرٍ مع جملتها وهي تخنق عنقها بالوشاح الأسود"كان ابني مكنش في نيتي حاجة! خدها اغتصبها لحد ما ماتت! وسابها وهرب! طفلة عندها 10سنين! كان بيقول "عُلا"أخته الصغيرة! المخدرات خلته يغتصب أخته ويقتلها! أنا السبب، أنا إللي بعتها مع مدمن! بس واللهِ كان شب زي الورد! ولاد الحرام ضحكوا عليه! وهو ضحك عليا وخد بنتي قتلها وهرب!"
8
دارت الدنيا من حوله، واهتز جسده بعنفٍ، اختنقت أنفاسه وهبطت دموعه بغزارة، شعر إنه هو الذي قتل"عُلا"الطفلة البريئة التي كانت تلعب على الأدراج مع أشقائها وبنتين من البناية، طفلة! المخدرات طيرت عقله لدرجة إنه لم يفرِّق ما بين الطفلة والشابة الفارعة الصالحة للزواج!
المشكلة إن إسلام هذا قبل سنتين وقبل أن يأخذ المخدرات كان شاب ودود، علاقته جميلة مع الجميع! يعمل في محل نحاس، شغلانة صعبة! وفجأة تبدل حاله! بسبب المخدرات، والآن عمير يساعد في دخول المخدرات إلى بلده ومن ثم منطقته ومن ثم جيرانه! وله ولصديقه! لم يتحمل كل هذا وغادر، دخل يجلس في سيارته وهو ينتفض، جسده كالثلج! حاول أن يرخي أعصابه، وفرد مقعد القيادة للخلف ليتسطح فوقه، بكى بقوة، وتأوهاته العالية تعالت، هو لم يشارك في اغتصاب وقتل الطفلة لكن يرى دمها على يديه! يتذكر من قبل عندما تلك الطفلة وقعت على الأدراج وهو حملها وأدخلها المنزل ويومها شكرته ببراءة العالم كله!
ماذا فعلت الطفلة لتكون ضحية المخدرات؟؟ ماذا فعلت لتكون تلك طريقة نحرها؟ ظل جالس بسيارته لمدة طويلة حتى سمع آذان الفجر، أطفأ سيجارة الحشيش ورجع يغادر إلى البناية، بالتأكيد النواح سيكون سكت!
رجع البناية وهو يتأرجح، صعد إلى منزله ودموعه هابطة، خلع تلك الحلَّة التي يرى عليها دم تلك الفتاة وكل شاب انجرف إلى ذلك الطريق، وكل شخص حياته تدمرت بسببه، هو القاتل! قاتل قتل الجميع!
أشعل تبغه للمرة التي لا يعلم عددها يريد أن ينسى، لكن شكل الطفلة لا يروح عن باله! كلما يشرب تظهر صورتها أكثر! ووالدتها وهي تبكي، يكى بكاء عنيف، شعر إن قلبه سيقف، دخل طريق الجحيم! ليته لم يرى شادي! ليته لم يرجعه إلى أسرته!
فاق من شروده على صوت جرس الباب، نهض بتأرجح يفتح الباب ليجد زينب في وجهه، فتح لها ليسألها بنبرة متعجبة وملامحه مزرية ورائحة فمه سجائره المنفرة!
_في حاجة.
_جاية أقعد معاك، شكلك تعبان.
قالتها وهي تدخل، وهو ترنح في سيره مع حديثه المعترض"انزلي يا زينب."
كان سيقع لكن هي لحقت به تسنده بعدما وضعت رأسها أسفل ذراعه متمسكة بظهره مع جملتها الخائفة"حاسب هتقع، أنت شارب خمرة ولا إيه؟"
1
_لاء حشيش بس.
أجابها ببساطة وهي تسنده ليجلس على الأريكة، بعدما جلس حدثته بنبرة مترددة"أنا شوفتك لما كنت واقف وعرفت إن علا.."
على ذكر اسمها تدفقت الدموع بغزارة إلى عيونه وردد بانهيار"أنا مش عايز أسمع اسمها، هي مش عايزة تسيب راسي، أبوس إيدك لو هتتهميني إن أنا السبب أجلي الاتهام دا لبكرة، مش قادر واللهِ".
سارعت هي بالتحدث وهي تضمه، ممسدة على ظهره بحنان، ورفضت بحديثها المنهار مثله بعدما خانتها عباراتها"لاء أنت مش السبب، أنت مش السبب يا حبيبي واللهِ".
_أومال ليه حاسس إن أنا إللي قتلتها؟ وقبلها قتلت إسلام؟
سألها بحرقة وهو يجهش في البكاء مبتعد عنها، يشعر إنه هو مَن قتل الأبرياء، هو الذي دمر البلد وشبابها! خارت قوته وتحدث بشهقات عالية وهو يضرب رأسه بقوة"حاسس إنها هتطلع في حلمي وتقولي إنت مننا وبتدخل لينا المخدرات، أنا مش ببيع البلا إللي هما بياخدوه دا! إللي في المنطقة هما إللي المفروض يحسوا، بس أنا مشترك مع إللي بيدخلوا المخدرات ليهم! يعني أنا بدخلها الدولة ومن الدولة للمحافظات ومن المحافظات لأهل منطقتي! يعني كل دول ذنبهم في رقبتي! أنا مش وحش يا زينب، أنا أنا عايز أجيب حقنا، عايز أرد لأبويا إللي عمله معانا، هو جه هنا وضربني بالقلم قدامك، وبعدها كسرني، اتكسرت، لازم أبقا أقوى منهم بنفس طريقهم الوسخ يا زينب، أنا مليش ذنب في إللي حصل لعلا صح؟""
2
كإنه طفل صغير يبكي بقوة وينتظر عطف والدته عليه، وهي هزت رأسها تنفي عنه بحدة"لاء لاء أنت مش السبب، أنت خلاص هتتوب، وهتبعد عن كل دا، أنا وأنت وأمي هنسيب مصر كلها ونبعد، أبوس إيدك يا عمير أنا مستعدة أسيب دنيتي، تعالى نهج، أنا مسامحة".
رفع حاجبيه باستهزاء، وسألها بضحكات عالية ولسانه ثقيل أثر المخدرات"نهج؟ وأبعد عن كل دا؟ إنتِ هبلة؟ لو فكرت بس مجرد فكرة بسيطة هتصفى في لمح البصر، دول مش بيهزروا، أبوس إيدك إحنا مش في فيلم والنهاية البطل هيطلع متفق مع البوليس ويخرج منها زي الشعرة من العجينة، واللهِ دول أخطر ناس اتعاملت معاهم، دول معندهمش في قاموسهم الرحمة، معاهم ملايين وبردو عايزين أكتر".
1
_إحنا مش هنأذيهم وولا هما هيأذونا، أبوس إيدك أنت فوق وارجع لربنا أنت عمرك ما كنت كدا.
قالتها بتوسل له وهي ممسكة بيده، وهو ابتعد عنها ينهض جالس فوق المقعد المقابل للطاولة الموضوع عليها المرمدة، التقط عقب السيجار بين يديه وتحدث بسخرية"ياريت كان ينفع، بس لا عمر ناري هتهدا وولا عمري هرتاح".
اقتربت منه تحدثه بقلة حيلة"ياعمير أنت كدا هتفضل عايش في ذنبك وذنب الناس".
_أنا محتاجك...
علق جملته في الهواء، يريد رمي اثقال قلبه عليها لتحملها معه حتى يخف العبء، ويتسع صدره، ويتحرر لبعض الشيء، لكن رجع وتذكر إنها في خانة كان بوجودها معه، وإنه لا يؤتمن عليها! هو ليس رَجُل! رجع ينفي ما قاله..:
مش محتاج حد لاء، امشي يازينب.
قالها باختناق واضح من نبرة صوته، وهي رمقت حالته المزرية بعدم رضاء ونظرات حزينة! يجلس بتيه ظاهر للعيان يدفن وجهه في كفيه المستندين على فخذيه ورغم كل هذا لا يترك تبغه الممنوع من بين أصابعه! وقعت عيونها على المرمدة! أكثر من سبع أعقاب عاديين واثنين مصنوعين وهذا غير الثالث القابع في يديه! استنكرت بصدمة معاتبة_:
_كل دي مخدرات بتشربها ياعمير!
رسم بسمة صغيرة على ثغره متلاعبة وردد بسخرية"دي مش مخدرات دا حشيش".
_اتقي الله في نفسك! حرام عليك بقا!
قالت جملتها بقلة حيلة ودموعها انهمرت بصمت، جلست بجانبه تأخذ منه العقب بحزمٍ مع جملتها"مفيش شرب تاني".
رمقها بنظرات خاوية، ومازالت البسمة المنكسرة فوق وجهه، بسط كفه يحدثها بجدية"هاتي أشد النفسيين".
ضمت وجهه بين يديها تحدثه بدلالٍ مقصود
_هو أنا موحشتكش طب؟
رمق السجائر بدهشة ووجه نظراته لها مرة أخرى مع سؤاله الضاحك"هو أنا مسطول أوي كدا؟ ولا إنتِ إللي بتحششي ومسطولة!"
_لاء مش مسطول، أنا موحشتكش؟
سألته من جديد بابتسامة واسعة حنونة، أبعد كفها عنه ببرود ورمى كلمته"لاء، امشي".
_لاء مش همشي، أنا عايزة نونو ألعب بيه.
قالتها بتصميمٍ وهي تسحبه من يديه لتدخل غرفتهم، وهو صاح عليها بضجر"نونو مين يازينب! أنا قايلك مش هلمسك".
3
تحدته بجملتها وعيونها المرحة"مش بمزاجك ياعم الأوروبي".
اختنق صوته وهو يخبرها بخمولٍ"زينب أنا عايز أنام، انزلي عند أمك بقا".
_تؤ.
تحدته وهي بالأخير نجحت، هو لم يكن بحالته الطبيعية، رأسه خفيف للغاية وهو شرب مخدرات كثيرة فكان بنصف عقل، أو عقله كله طائر! وردد من وسط كل هذا بعقلٍ تائه_:
_أنا خايف.
_أنا معاك.
قالتها تطمئنه، وهو رد بحسرة"دي المشكلة".
وقع أسير النوم، وهي دموعها انحدرت تسقط فوق وسادتها، مازالت تتألم، جرحها لم يلتئم لكن تفعل كل هذا لحمايته من شيطانه اللعين، هو يستحق، الفرح قليل بحياته، حرام أن يظل مشرد حزين! حرام أن يظل يتيم!
نامت هي أيضًا بجانبه أخيرًا متمنية أن يتغير عمير ويعود إلى سابق عهده.
"______"
جلست مع الصغيرة حياة على الأرضية ووضعت صحن مستدير كبير وواسع من الداخل تخبرها ببسمة"يلا اكسري البيضة".
كسرت البيضة بالملعقة ووضعتها بسعادة فائقة، واخبرتها رودينا بحنانٍ"يلا بقا قلبي وأنا هقلب لحد ما مل المكونات تتخلط ببعضها."
أخذت تقلب بتحمس كبير، ورودينا كانت تشاركها وهي تضحك، والثانية تسألها بين الثانية والتانية"هيك أنا شاطرة يا ماما؟"
"ماما"جملة بسيطة تخرج من فمها تكون لرودينا بمثابة المهدئ الذي يهدئ أمومتها، حياة لم تحرمها من أي شيء، بل أحيانًا تشعر إنها هي التي تحتاج حياة وليس العكس، أرسلت لها قبلة هوائية مع جملتها"هيك إنتِ أشطر الشطورين ياقلب ماما."
_لما يچي بابا رح قوله إنك عملتيني ارسم وردة كبيرة بكراستي.
قالتها ببسمة طفولية جميلة، واقتربت منها بوجهها تطبع قبلة رقيقة على فكها، تركت أثر مسحوق الشكولاتة على وجهها، وهي تقبلتها منها بصدر رحب، رن هاتفها لتنهض تحضره لها حياة مع كلماتها"طنط مامتك."
أخذت الهاتف تفتح الاتصال مع جملتها المرحة"صفصف روح قلبي وحشتيني مع إنك كنتي عندي إمبارح."
_كيفك يا طنط؟
حدثتها حياة برقة وهي تضحك نصف ضحكة، والثانية ردت عليها بحبٍ"أنا بخير ياحبيبتي، إنتِ إيه الاخبار؟ واخبار بنتك لولو إيه؟"
سألتها بمرحٍ، لتجيبها بسرعة"لولو مريضة، عم تسعل اكتير، وبابا ما بده يوديها عند الدكتور."
_أخس عليه منقذ أما يجي هتخانق معاه.
قالتها رودينا بضحكة عالية، لترفع حياة سبابتها أمام عيونها تحذرها بعصبية طفولية"لاء ما تتخانقي مع بابا."
_أنا غلطانة، تعالي يلا اعملي البتاعة.
تحدثت مع والدتها حتى أغلقت، دق منقذ على الباب لتنهض حياة بسرعة تفتحه، تحدث بتهليل عالي"بابا إچا، بابا عملتلك أنا وماما كيكة بالشوكولاتة، دوق."
انتهت من كلماتها وهي تمد يديها بالملعقة التي تقلب بها، رمق الملعقة ويديها الملطخين بالشوكولاتة السائلة ليحملها بين يديه متحدث بمرحٍ ممتزج بحبه وهو يلعق الملعقة_:
_يا الله بتعرفي إنَّ جميلة متلك؟
انتها من الملعقة ليلعق أصابعها المليء بها، ضحكت وهي تتحدث بصراخ"يا بابا أنت عم تاكلني!"
مازحها بكلماته وهو يغمزها بمشاكسة"وأنا عم قول ليش الشوكولاتة طعمها شهي!"
ضحكت رودينا وهو رمقها بتعجب مع سؤاله"في حدا بيقعد يعمل كيكة على باب البيت؟ المطبخ أثر معكم؟"
_والله ماما هي إللي قالتلي أقعد هنا عشان متعبش، عشان كنت واقفة وبعمل مكرونة بشاميل.
قالتها بهدوء وهي تنهض ممسكة الصحن بعدما انتهت منه، ووجهت حديثها لحياة بلطافة"لو سمحتي يا حياة شيلي الحاجات دي في المطبخ".
_تسلم إيدك
تركها منقذ لتلملم الأشياء سريعًا، وتحدثت بحماس"هيك رح ناكلها بعد شوي؟"
"آه يا عسولة، هولع عليها الفرن وكلها ساعة إلا ربع وناكلها، انزلي بس نادي تيتة من تحت عشان هحط ناكل."
نفذت ما طلبته وهي تركض مغادرة المنزل مصطحبة في يديها دميتها التي في مثابة ابنتها بعدما اشترتها رودينا لها في أسبوع عسلها، دخل منقذ المطبخ يحدثها ببسمة_:
_ريحة الأكل اكتير بتشهي.
وجه نظراته عليها ليغمزها بعبثٍ مع جملته المرحة"وبعدين إيه الجمال دا؟"
زفرت وهي تتحدث بمللٍ"جمال إيه دا أنا حرانة وعرقانة وبقالي ساعة بعمل الأكل."
مشط نظره عليها، كانت تضع مستحضرات التجميل بإتقان، ووجهها يلمع باللون الفضي، وترتدي جلباب فتياتي وردي يصل لبعد ركبتها، وترفع شعرها على هيئة كعكة منظمة وعلى غرتها اليسرى تضع فيونكة وردية، سخر منها بحديثه"هيك وحرانة؟ اتقي الله شكلك اكتير أمورة."
ابتسمت بسمة واسعة، وشكرته بخجلٍ، انشغلت تضع الطعام في الصحون، وهو ردد بمرحٍ"طول حياتي بتفرج عالمسلسلات وبيچي الممثل يضم مرته هيك في المطبخ، كان نفسي أچرب الشعور".
ضمها وهي حدثته بتذمر محاولة التملص منه"طب متتفرجش بقا على الحاجات دي عشان حرام وعيب".
_يعني هاد كله ياللي لفت نظرك؟
سألها باستنكار وهو يدير وجهها له، تحدثت ببراءة"بقولك عشان متاخدش ذنوب".
_وأنا ما بدي آخد ذنوب، يعني هاد حلال مو هيك؟
تركته يفعل ما يريد وهي تشعر بالخجل، ماذا ستفعل إذا دخل عليهم أي أحد، وحدثته باستحياء"منقذ ممكن ماما تدخل في أي وقت."
_رح تعمل أي شي وهي داخلة ما تقلقي.
قال جملته ولم يكمل ثانيتين وسمع شهقة من حياة وهي تركض خارج المطبخ، انتفض وهو يلتقط أول شيء وجده أمامه وركض عليها يمسكها من يديها يحدثها بضحكة مصطنعة وهو يشعر بالحرج"حياة حبيبتي إميح إنك چيتي، كنت محضرلك هاي، ورودينا في شي دخل بعيونها كنت عم شوفه."
رمقت ما يمسكه لتجدها ثمرة طماطم! سألته باستغراب"كنت محضر طماطم ليا؟"
رمقها وسعل بقوة وهو يتحدث بتبرير"لاء طبعًا أنا خدتها من غير قصد، أنا كنت محضرلك طبق مكرونة، تعالي خديه من رودينا."
دخلت المطبخ لتجد رودينا مازالت تقف مكانها وملامحها مبهمة، شدتها من ملابسها وهي تتحدث بنبرة عالية"ماما فيكي شي؟"
ابتلعت لعابها ونظرت لها وهي تهز رأسها، ضحكت من الموقف_حتى لا تبكي_ وهي تخبرها ببساطة"عيوني كانت وجعاني شوية، تعالي حطي الأطباق معايا."
أخذت الصحون منها، ورودينا وضعت يديها على عيونها سمعت ضحكات منقذ وهو يربت فوق ظهرها مع حديثه"متقلقيش مشافتش حاجة."
_بس بقا يا منقذ أنا واللهِ مضايقة جدًا لأن الطفل بيلقط أي حاجة بيشوفها في البيت، وحرام هي تشوف حاجة وهي طفلة كدا، الطفل لازم نكون حريصين إن نوفرله بيئة مفيهاش أي حاجات غلط لأنه بيقلدها بسهولة! وأنت مراهق جدًا.
كانت منفعلة عليه للغاية، وهو هدأ من روعها مع حديثه"خلاص اهدي محصلش حاجة أنا آسف".
تحدثت باعتراض"لاء حصل، عشان في أوضة لينا وإحنا في بيت عيلة وفي أطفال، في أطفال غير حياة، في ولاد أختك ميسة، ومامتك، مينفعش".
رسم ملامح باكية وهو يتحدث بقلة حيلة"واللهِ أنا جوزك! وإنتِ مراتي، بس آسف، والله ما شافت حاجة غير إني حاضنك."
أخذت الصحن الموضوع عليه الدجاج وخرجت مع حديثها"خلاص بس لو سمحت متعملش كدا تاني."
خرجت تسأل حياة بهدوء"أومال فين ماما مطلعتش ليه؟"
_كانت طالعة بس قابلت مع خالة دينا.
إلتوى فم منقذ مردد بتهكم"آه هي أمي بتحب الرغي أكتر من ولادها."
جاءت بعد دقيقة تحدث رودينا ببسمة"دا والله الجيران كلهم سألوا عليكي وكانوا عايزينك تنزلي بس أنا قولتلهم إنك بتعملي كيكة فوق إنتِ وحياة."
_هبقا أنزل ليهم مرة تانية إن شاء الله، تعالي بقا دوقي المكرونة البشاميل بتاعتي.
تحدثت بلطافة، ووالدته تحدثت بعتاب وهي توجه حديثها لمنقذ"يرضيك يا منقذ رودينا مترداش تخليني أدخل المطبخ خالص أساعدها؟"
تحدثت رودينا بعفوية"واللهِ يا طنط عايزة متعبكيش".
استمعت إلى حديث منقذ الجاد"لاء يا رودينا اشتركوا في الأكل وعمايل البيت سوا، أنتم الاتنين ساعدوا بعض".
استرسلت والدته بحنانٍ"ياحبيبتي إنتِ مش جاية هنا عشان تخدميني ولا تشيلي مسؤولية البيت، أنا الحمدلله ربنا كارمني وصحتي كويسة، مش هقعد أحط رجل على رجل يعني وإنتِ تخدميني!"
في الحال احتضنتها رودينا بقوة مع حديثها السعيد"إنتِ كويسة أوي يا ماما، بجد ليهم حق هنا الكل يحبك."
مسدت فوق شعرها وهي تخبرها ببسمة حنونة"إنتِ إللي كويسة وجميلة وبتحبي منقذ وحياة، وإللي يحبهم أشيله في عيوني، وبعدين أنا عندي كام رودينا؟"
تدخل منقذ ينهي ذلك الحديث العاطفي"خلاص كلوا أنا وحياة خلصنا الأكل!"
انتهوا من الطعام وبدأت هي وحماتها ينقلونه إلى المطبخ، تحدث حماتها بجدية"هغسل أنا المواعين وشوفي إنتِ منقذ".
جاءت لتعترض لكن الثانية زفرت بضيقٍ"يابت روحي أنتم لسة عرسان، سيبك مني ومن القردة الصغيرة، وشوفي منقذ".
نفذت حديثها ولكن قبل أن تدخل استوقفها سؤال حياة"هو إحنا عنا نبي اسمه "علي"؟ و"الحُسَين"؟
استغربت سؤالها لتجلس على ركبتيها أمامها متحدثة ببساطة"لاء يا حياة هما مش أنبياء، سيدنا "علي"رضي الله عنه وأرضاه كان ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان زوج بنته السيدة "فاطمة" رضي الله عنها، وسيدنا "الحُسِين" رضي الله عنه ابنهم وحفيد الرسول صلى الله عليه وسلم".
_هو إحنا بنحبهم؟
أكدت على حديثها بسرعة"طبعًا دول أهل سيدنا محمد، بنته وزوجها ابن عمه وحفيده".
أكملت بتعجب"بس إنتِ عرفتيهم منين وبتسألي ليه؟ يعني إنتِ مش بتروحي المدرسة عشان تخديهم وولا معاكي موبيل عشان تسمعي عنهم! منقذ إللي حكالك؟"
_لاء شوفت في الكرتون.
قالتها ببساطة، والثانية اتسعت بسمتها وهي تتحدث بانشراح"جدعة إنك بتعرفي حاجات عن دينك، أنا بردو كنت بتفرج على قناة كوكي ومودي وبيعلموني كانوا القرآن."
هزت رأسها بحماس وهي تخبرها"هما كمان بيعلمونا القرآن، ودعاء الفرچ، والآذان بس في شي غريب."
ردد باستنكار وهي ترفع حاجبيها"دعاء الفرج؟ إيه دعاء الفرج دا يا حياة؟ والآذان في إيه غريب؟"
هزت منكبيها بجهلٍ وهي تحدثها ببراءة"ما بعرف هما بيچيبوا دعاء الفرچ بعد الآذان، بس الآذان في شي غير ياللي خالو محفظني ياه، حتى الصلاة غريبة".
1
انتابها القلق، وأخذتها من يديها تجاه التلفاز تحدثها بجدية"شغليلي قنوات الكرتون دي يا حياة."
أمسكت بجهاز التحكم وكتبت رقم القناة، جاءت لها قناة "Mpc"الخاصة بالكرتون، لتقلب القناة وتأتي لها قناة "كوكي"تحدثت رودينا باطمئنان"كل دول تمام، في قنوات تانية؟"
_في هدهد وطيور الچنة وطه وبيبي وكرتونتورك وشهاب.
_هاتيهم.
بدأت تقلب حتى وقفت على قناة "هدهد"كانت قناة كرتونية لطيفة للغاية، وعليها كرتون لطيف تحدثت حياة بتحمس"هاي أكتر قناة بحبها هي وطه وشهاب وكرتونتورك لأنهم چداد وما بيچيبوا إعلانات كتير".
4
قلبت القناة بعدما لم تجد فيها شيء غريب بل على العكس القناة ألطف مما توقعت! وكانت "بيبي" ونتورك" كانوا عاديين وهي تعرفهم، صرخت على حياة لتتوقف بسرعة بعدما لمحت مقطع لفتاة صغيرة ترتدي ملابس سوداء واسعة وتغني، حدثتها بجدية_:
_علِّي الأغنية.
بدأت تتعالى الأغنية وكلماتها وضحت يتحدثون عن سيدنا"الحُسِين"في نطقنا، وفي نطقهم"الحُسَين" وجدت حياة تردد معها! الفتاة تحفظ الأغنية! الأغنية الخاصة بالشيعة؟؟
جلست تشاهد ما سيعرض بعد تلك الأغنية، وجدت شعار القناة مدون عليه"يا حُسَين"! بعدما كان مدون عليه"طه" استشفت إنها قناة عراقية أو إيرانية، وعُرض بعد تلك الأغنية كرتون لطفل يرتدي جلباب صلاة، تحدثت حياة_:
_أنا بحب الكرتون هاد چدًا.
شاهدته وهي ستنفجر، كان الطفل يقول"لعنة الله على الظالمين قَتلة آل البيت"! وسأله صديقه مَن هم وقال"الكفار الذين قتلوا"الحُسَين"! أصحاب "مُحمد"!!! وبعدها دعى دعاء مختصره أن يظهر "المهدي"وقال رددوا معي يا رِفاق!
6
حولت القناة لتأتي في وجهها قناة"شهاب"، قناة مظهرها لطيف لكن مَا بالداخل خبيث! كان لمجموعة شباب مراهقين، يغنون بداخل مسجد"الحُسين"بكربلاء، يضربون بعنفٍ على صدرهم ويرتدون الأسود، يقولون العباس! ياعلي؟؟ يا فاطمة! يستغيثون بالأموات! ورب الجميع الذي لا يموت لا يهتمون بذكره!
تلك من المفترض قناة أطفال! انتهت الأغنية وجاء بعدها كرتون"الأميرة والوحش"! كل شيء عادي، اشتعل الكرتون ولم يأتي إلا إعلانات بسيطة للغاية_لذلك ينجذب لهم الأطفال لأن القنوات السنية كلها إعلانات أو أغاني فقط فيملون ويتركون القناة متجهين إلى قناة لا تأتي أي إعلان خارجي أو دعايا أو أغاني غريبة!_
جلست تشاهد أي شيء غريب بالكرتون لكن ولا خطأ فيه! حولت القناة لتأتي قناة أخرى لكنها كانت عادية ومليئة إعلانات لأكثر من ساعة ليس لها داعي! حولت إلى قناة أخرى تسمى بـ"هدهد" ولحسن حظها الآذان أذِّن في تلك القناة كل شيء كان جيد حتى ذكروا اسم سيدنا"علي"!
ازدادت ملامحها عبوسًا، ورأت حياة تردد معه الآذان وواضح إنه تحفظه، انتهى وجاء بالفعل دعاء الفرج! طفل صغير يمسك كتاب يشبه المصحف يدعي منه! وانتهى ونهض يتوضأ، يتوضأ وضوء الشيعة، واتجه ليصلي صلاة الشيعة واضع التربة الحسينية أسفل رأسه! قلبت القنوات لكن كانوا انتهوا!
1
رجعت لأول قناة لتجد سيدة ترتدي ملابس نساء الشيعة الرسمية تتحدث، وبدون مقدمات لعنت خير الناس على الأرض بعد الأنبياء! لعنت ثاني اثنين! والفاروق الذي لم يفرق في حياته بين أي أحد! لعنت أصحاب النبي! لعنت صاحب رسول الله في الغار! ولعنت الفاروق الذي والله كان يغار على دينه غيرة حارة! الذي كان يقول جملة ومن بعدها ينزل الوحي على رسول الله والله ذاكرها!
4
أصحاب الرسول الذين حملوا الدين على أكتافهم يسبون ويلعنون؟ وزوجته المطهرة؟ والسيدة تقول للأطفال بمنتهى الوقاحة إنهم كانوا يكرهون رسول الله وبنته وزوجها وحفيده! وبدون مقدمات تسب في أم المؤمنين المطهرة الشريفة وتطعن في شرفها والله مكرمها في القرآن ومبرأها! برأها رب العالمين ويأتون اليوم حثالة المجتمع يقولون عنها ما ليس فيها؟
تدس السم في أذن الأطفال وهي تقول أحاديث لم تحدث، تقول كسروا ذراع ابنة الرسول وتعدون عليها! تقول لعنة الله على أبي بكر! وعمر الفاروق وعثمان الذي تستحي منه الملائكة!
5
حولت قناة أخرى لتجد قصص الانبياء كرتون، والرَجُل يقف ويقول ساعدنا يـــا "علي" ساعدنا يا"حسين" ساعدينا يا فاطمة! ربي هو علي!
رأسها لم تستوعب إن حياة الطفلة صاحبة الخمس سنوات تسمع كل هذا وبهذا المنظر اللطيف المعسول!
تعالى صوتها وهي تنادي على منقذ خرج يسألها"مالك؟"
_إحنا عندنا قنوات كرتون شيعية! وحياة أربعة وعشرين ساعة بتتفرج عليهم.
قالتها في الحال، ومنقذ ضيق نظراته وردد بنفي"مستحيل الريسيڤر عندنا من أربع سنين وأنا بنفسي ماسح أي قناة ليها علاقة بالشيعة".
خرجت والدته ترى ما يحدث، لتخبرها رودينا بضيقٍ"ماما حياة حافظة حاجة الشيعة! هو القنوات دي موجودة من إمتى؟"
_مش عارفة بس ممكن لما القنوات اتمسحت وانتي ومنقذ بتصيفوا والبت نوجة نزلت لينا القنوات.
أكدت حياة ببسمة"إيه من وقتها."
_بص يامنقذ القناة؟ الست بتتكلم وحش أوي عن الصحابى!
تحدثت وهي على وشك البكاء، وجهت نظراتها لحياة وهي تخبرها بجدية وهدوء لتفهمها_:
_بصي يا حياة دي قنوات غلط، دول مش زينا، إنتِ دلوقتي لو عندك صاحبة كويسة جدًا وانتي عارفة إنها مؤدبة وبتصلي ومش بتقول كلام عيب ومش بتزعقلك ولا تزعلك وعمرها ما سرقت، وبتحبك وبتخاف عليكي وجت بنت وحشة خالص مش بتصلي وبتشتم ومش مؤدبة وقالتلك إن صحبتك سرقت حاجة كبيرة، هل هتصدقيها ولا إنتِ عارفة إنها محترمة؟
فكرت لبعض الوقت ومن ثم تحدثت بعقلانية"أكيد مش هصدقها، عشان هي وحشة وصحبتي كويسة."
"بالظبط يا عمري، إنتِ بقا تخيلي الناس الوحشين دول بيشتموا صحاب الرسول بتاعنا! بيقولوا إنهم وحشين، وصحاب الرسول دول كانوا كويسين جدًا، سيدنا أبو بكر كان بيحمي رسول الله، وكان بيقوله فداك نفسي يا رسول الله، وهاجر معاه وكانوا هيموتوا، وهو بعد موته مسك الدولة وحكمها بعدل الله، وبعدها الفاروق سيدنا عمر كان بيدافع عن الرسول وبيطبق كل أوامر ربنا وبيحب العدل وحكم الدولة الإسلامية كلها ومحدش كان يقدر يعمل حاجة وحشة ساعتها، وكانوا بيحاربوا مع الرسول وهما إللي جمعوا القرآن، دول كدا وحشين؟"
حدثتها رودينا بطريقة تناسب عقلها، وهي رفضت بسرعة"لاء لاء دول هيك حلوين خالص".
_بالظبط، هما الناس دول بيشتموا أصحاب الرسول، وبيقولوا إن سيدنا علي دا ربنا وإن هو إللي المفروض كان يبقا النبي، دا كلام اسمه كفر، هل دا كدا كلام صح؟
هزت رأسها برفض وتحدثت بانفعالٍ"لاء ربنا واحد بس".
_بصي ياحبيبتي كمان لو منقذ عرف مثلًا إني وحشة وقليلة الأدب وبكلم رجالة وبعمل حاجات متنفعش الدين يبقا هل منقذ هيفضل يحبني ولا هيطلقني؟
سألتها بطريقة جعلتها تدافع عنها"لاء إنتِ جميلة".
1
_بالظبط هو دا، الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة عائشة وكانت بنت أبي بكر الصديق! تخيلي هما يجوا يقولوا عنها إنها قليلة الأدب؟ هما بيضايقوا مننا ومن المسلمين، وبيضايقوا من أصحاب الرسول وعايزين الكل يكرههم عشان هما مكروهين لكن سيدنا علي وسيدنا الحسين ملهمش علاقة بكل دول، سيدنا محمد كان بيحبهم جدًا وسيدنا علي كان صحابي شجاع من أول الصبيان إللي آمنوا بالرسول، وكان قوي وبنت الرسول السيدة فاطمة بتحبه جدًا.
تحدث منقذ بجدية"بصي يا حياة هدول ما بيحبونا، وما بيحبوا ديننا ولا قرآن الله ورسوله، ولا أصحاب الرسول، بس احنا الكبار عارفين إن دول ناس غلط فمشان يسيطروا عليكم بيعملوا هيك في الكرتون، بيحببوكم في ناس غلط ويكرهوكم في أصحاب الرسول وزوجاته، بيعملوا كدا عشان تكبروا وتبقوا وحشين وربنا يزعل منكم وتدخلوا النار، وهما مش بيحبونا ولا بيحبوا اسمنا لو روحنا بلدهم ممكن يقتلونا أو يموتونا، وعايزين يكرهونا في كله ويحببونا في شخص واحد بس! رغم إننا بنحب الصحابي دا جدًا هو وبقيت الصحابى كلهم، فاهمة ياعمري؟"
هزت رأسها بفهم وهي تتحدث بتبرير"أنا ما كنت بعرف إنهم مو زينا، أنا بس استغربت صلاتهم وهما عندهم نفس الآذان ما كنت بعرف."
قبلها بحنان وهو يردد بهدوء"بعرف يا عمري، تعالي نمسحهم وتتفرجي على القنوات التانية، شو اسمهم يارودينا؟"
_هدهد، طه، شهاب.
أزالهم من التلفاز وتحدث بجدية بكرة إن شاء الله هقلب في التلفزيونات كلها أشوف القنوات إللي فيها وأمسحهم."
بعد وقتٍ دخلت رودينا غرفتها، تحدثت بضيقٍ"أنا مضايقة جدًا إن حياة عرفت الحاجات دي، تخيل في أطفال أمهاتهم مشغولين في شغلهم أو الأكل أو مليون حاجة ومش متابعين أطفالهم! الأطفال هيكبروا وفي دمغهم الحاجات دي! يعني وأنا صغيرة كنت بتفرج على قنوات الكرتون واتعلمت منهم القرآن والصلاة، ماما كانت علطول بتعلمني منهم، لكن هما دلوقتي بيزرعوا في دماغ الأطفال حاجات غلط! ولو طفل اتساب كدا حرفيًا هيضيع."
8
_خلاص نزلي على جروبك وصفحتك كدا كدا عندك متابعين اكتير، الكل هيشيرهم وتكوني عرفتي قدر كبير منهم.
قالها ببساطة، وهي هزت رأسها مع جملتها"هعمل كدا، ربنا يبعد عن حياة أي حاجة وحشة هي عايزة إللي يراقبها عشان هي لسة صغيرة خالص."
ابتسم وتحدث بحبٍ"عارفة؟ فرحان بعلاقتك إنتِ وحياة، وفرحان إنها بتقولك ماما، الكلمة منها زي العسل!"
_حياة كلها عسل يا منقذ.
"_____"
وهو استيقظ بعد ساعات كثيرة، لم يستوعب للأن ما حدث وعندما استوعب انتفض بصدمة وكإن لدغته حية! اللعنة الحشيش غيب عقله تمامًا لدرجة إنه استسلم! نهض بعدم تصديق يرتدي ملابسه وهي شعرت بحركته لتفتح عيونها، ابتسمت له نصف بسمة مع جملتها المتحشرجة"صباح الخير ياحبيبي".
كالإعصار سحبها من رسغها يسألها بغضبٍ"إنتِ إيه إللي هببتيه دا؟"
_هببت إيه؟ أنت ردتني لعصمتك ياعمير في إيه؟
سألته بعيونٍ حادة، وهو صاح عليها بعدم تحمل"إنتِ متخلفة! أنا مش عايزك! بترمي نفسك عليا ليه! أنا كنت امبارح مسطول ومش شايف قدامي! إنتِ عارفة إن دماغي خفيفة وبتسطل من الريحة ما بالك بكل إللي شربته امبارح!"
4
سخرت منه بحديثها"وأما أنت دماغك خفيفة كدا بتشرب ليه ياعم القوي؟"
_ملكيش دعوة، يلا برا يابت أنا مش طايقك، مش خلاص عملتي إللي في دماغك؟
قلل منها للغاية بجملته! حدثها وكإنها ليست زوجته! بل فتاة مأجورة! وللحق قلبها ألمها، سألته بصدمة ونبرة منخفضة"هو أنا عملت إيه غلط؟"
فاض به الكيل، وفجر كلماته بدون أي مراعاة لمشاعرها"جيتي ليا ترمي نفسك عليا، أنا قولتلك إني مش عايزك، إنتِ بترمي نفسك عليا ليه؟"
4
انهارت تبكي وهي تخبره بقلبٍ ممزق"أنا مش عايزة أسيبك، مش عايزة، ماشي أنا رميت نفسي عليك بس خليك معايا، أنا هفضل معاك ومش همشي من بيتي."
وهو ما كان منه أن يفعل إلا إنه اقترب منها يحدثها بقسوة"هتنزلي بيت أمك، الحاجة الوحيدة إللي ممكن تطلعك هنا لو شوقك جابك زي إمبارح أهلًا وسهلًا، بس في الخفى بقا يعني زي الحرامية كدا".
12
وقعت جملته عليها وقوع قاسي، وشهقت بذهولٍ وقلبها يعتصر، سألته بعدم تصديق"أنا بتقولي كدا؟ أنا كدا؟ يعني أنت شايفني طلعتلك عشان كدا مش عشان خايفة عليك؟"
سألته وفعليًّا كانت انهارت تبكي بقوة، دفنت وجهها داخل يديها تحاول كتم شهقاتها لكن فشلت، ورددت بانهيار ممتزج بقهرتها_:
_أنت بتعمل معايا كدا ليه؟ دا أنا كل إللي حصلي دا ولحد دلوقتي بخاف عليك، بعد كل دا بتقولي إني كدا؟
لم يتمالك نفسه، وسقطت هو دموعه يجيبها بصدقٍ وحديثه يقطع نياط قلبه متأثر من حالتها تلك"ما عاش ولا كان إللي يقول عليكِ كدا، أنا آسف، بس سبيني في حالي، سبيني بقا أنا دخلت صفقة مخدرات عالمية، سبيني بقا أنا مقدرش إنك تبقي في حياتي وأنا حياتي كلها خراب كدا".
_طب ليه كل دا يابني؟ ليه وجع القلب دا؟
سألته بجهلٍ وهي تحرك يديها بعدم معرفة، وهو أجاب بجمود"عشان الفلوس يازينب".
رددت الكلمة كثيرًا وهي لا تصدقها، وملامحها مقهورة"فلوس؟ فلوس؟ فلوس إيه دي؟ من إمتي وأنت بتاع فلوس؟"
_من امبارح، من امبارح وأنا بقيت بتاع فلوس.
أجابها بملامح غير مبشرة بالخير إطلاقًا، وهي سألته مرة ثانية"عشان خاطر الفلوس تروح تحط إيدك في إيد إللي كان عايز يهتك عرضك وشرفك؟"
لم يتحمل عباراتها المستنكرة وكإنه حقير! وعباراتها وقعت على قلبه تحطمه؛ ليطيح بيديه الطاولة المجاورة لفراشه، سقطت زجاجها متهشم وصاح بحرقة قلب رجل مكسور، ورجولة دُهس عليها بأحقر الأقدام!
"أهو أنا عشان شرفي دا إللي كان هيضيع على إيد الكلب أدهم دا فأنا بقولك وحياة شرفي وشرفك لا ما هسيب حقي، أنا بعمل كل دا بسبب إللي هو عمله، سبيني يا زينب أنا جوايا نار، زينب متخلنيش دلوقتي أطلقك بالتلاتة عشان تتحرمي عليا خالص ومتطلعيش، متخلنيش أعمل حاجة تبعدك عني العمر كله، إنتِ متعرفيش يازينب يعني إيه راجل يداس عليه قدام أهل بيته، ومتعرفيش يعني إيه راجل يبقا عاجز عن حماية أهله! فأنا بقولك أهو اوعي تظهري في الحوار عشان إنتِ الكارت الكسبان بتاعهم."
2
كانت ستتحدث وتناقش كالعادة لكن هو نهى حديثه بنبرة عالية منفعلة وهو يمسك يديها"فهمتي؟ إنتِ إللي يقدروا يدوسوا عليا بيكِ، إنتِ الحاجة الوحيدة إللي في حياتي الكل عارف إنها نقطة ضعفي، أقولك حاجة؟ أنا هطلقك وتروحي تتجوزي، واللهِ هطلقك وتتجوزي راجل تاني عشان ينسوكِ خالص".
نشلهم من كل هذا دق على الباب، وهو رمى عليها نظرة نارية، خرج يفتح الباب وهو يكمل ارتداء كنزته المنزلية بضجر، وفتح رافع حاجبيه بقلة صبر بعدما رأى والدتها أمامه! كان ينقصه؟؟ دفعته بسخط ودخلت تبحث بعيونها عن عديمة الكرامة ابنتها، ورأت باب غرفة نومهم مفتوح وهي تقف ملامحها باكية، وواضح إنها محطمة! ركضت عليها ولكن في لحظة واحدة وقع كفها يصفعها بقسوة، وتليها جملتها المعنفة الحادة_:
_طالعة ليه بعد ما ردك غصب عنك؟ رجعتيله بتاع المخدرات؟ دا شيطان هو وأهله! هيموتوكي أو هيجننوكي! مهزقة وأول ما بس قالك كلمة جريتي تطلعيله! طلقك قدام الكل ومهنش عليه يردك قدامهم! وإنتِ طلعاله في آخر الليل زي الحرامية!
_أنا قولتلها كدا والله يا أم محمد، قولتلها عيب كدا، مرات أبوكي هتزعقلك مسمعتش كلامي، خديها وانزلي بقا عشان أنا مش فاضي للنقاشات الحادة الأسرية دي!
تحدث بها بنبرة باردة مقللة منهم، والثاني رفعت حاجبها الأيسر تستفهم منه بتهكم واستهانة واضحين_:
_طبعًا وأنت هتعرف منين النقاشات الأسرية! ما أنت أهلك بيخطفوا مراتك علطول! ولا أهل إيه؟؟ هو المقطوع من الشجرة ليه أصل؟
قللت منه في النهاية وهو ضحك مردد باستفزاز_:
_أنا عارف!
1
_دا أنت مفيش دم، الطفلة لسة ميتة بسبب المخدرات إللي بتدخلها البلد وبجح، ربنا ينتقم منك أنت وأي حد دخل المخدرات للبلد، بتموتوا الناس عشان خاطر تجيلكم فلوس، ذنب علا في رقبتك أنت وأي واحد مشترك معاه، بكرة هتقف بين إيد ربنا وربك هيسألك كان ذنبهم إيه الأبرياء إللي دخلت ليهم مخدرات؟ ليه كنت بتفسد في الأرض؟ منك لله أنت وإللي زيك بتبوظوا الشباب وتهدوا البيوت.
حديثها كان قاسي عليه لكنه بادلها بنظرات باردة، وزينب تحدثت بسرعة وهي تربت على صدرها مستعطفة والدتها"بالله عليكي ياماما خلاص".
1
نظرت لها بحدة ونهرتها بنبرة عالية"إنتِ اخرسي".
وهو اغتاظ منها، وسحب ذراع زينب بعصبية محدثها باشتعالٍ"طب اتصدقي بقا هي كبرت في دماغي، دي مجرد بنت جوزك، جوزك وابنك إللي كانوا ربطينكم ببعض ماتوا، وهي ملهاش قعاد في البيت إللي تحت، هتقعد في بيت جوزها معززة مكرمة."
1
شهقت له برداءة مع سؤالها المستهجن"وأنت مين عشان تمنعني عن بنتي؟ وربنا لا هفضحك في العمارة وهخلي سيرتك على كل لسان."
شهقت زينب بخوفٍ وهي تحدثها بسرعة ومازالت تتوسلها لتصمت"خلاص يا ماما بالله عليكي، واللهِ هنزل ومش هطلعله تاني، بس خلاص كفاية خناق بالله عليكي".
"يكون أحسن، متطلعيش تاني بدل ما أقل منك."
قالها بنبرة شرسة وهو يدفع ذراعها، وهي تحدثت بخنوع وهي تلف وشاح إسدالها"حاضر".
6
_ضربة في قلبك ما تمدش إيدك عليها.
سحبتها من ذراعها ورحلت بها من منزله وهي تتمتم بكلمات حادة، وهو حك وجهه بغيظٍ، وردد بشرودٍ
"أنا آسف يازينب بس دا افضل لينا، لو قربتي مني تتحرقي! مكتوب علينا البعد عشان تعيشي بخير، رغم إنك لو بعدتي أنا أولع! إنتِ تتحرقي في قربي، وأنا أولع في بعدك!"
13
مرة واحدة ضرب رأسه شيء، ليبحث بعيونه في الغرفة عن هاتفه، قلب عليه الغرفة كالمجنون لكن لم يجده ليشعر بالراحة نوعًا ما، خرج إلى الردهة ليجده موضوع على الطاولة، تنهد بارتياح ومن داخله اطمئن إن ما حدث بليلة أمس لم يطلع عليه أحد، هو يعلم إنه مراقب عن طريق هاتفه، هاتفه المُهكر، لتجلس سيلا بكل بساطة تشاهده صوت وصورة ومعها جدها أو طارق، يعلمون كل شيء يفعله، وحقهم، إن كان في مكانتهم لكان سيشك ويراقب أصابع يده! ما بالك بابن الشرقاوي ابن اليهودية ومهرب المخدرات؟
3
هو بالنسبة له يراقبونه كما يريدون غدًا سيكون هو مالك السوق والذراع الأيمن لـ"عبد الوهاب".
سيصنع اسم يُذكر، وعد وأخذه على نفسه في فترة قصيرة سيكون اسم عمير يدوي في أُذن الجميع! وسيلاعب والده بالقوة والنفوذ كما كانوا يفعلون معه من قبل.
تلك الهوية المدنسة سيجلعهم يتمنون لو إنها لم تكن له!
"________"
البارت إللي هيقعد معاكم عشر أيام أهو 😆😆
7
والله البارت طويل أوڤر أوڤر أوڤر.
3
بس الأحداث جامدة صح؟ قولوا صح متتكسفوش.
2
على العموم أنا انهاردة بحبكم ودا على غير العادة😆😘❤️
1
يلا الأسئلة؟
رأيكم في إللي عمير عمله مع علي؟
3
وإللي زينب عملته مع عمير؟
7
وإللي عمير قاله؟ والطفلة علا؟ كان مشهد قاسي بصراحة.
3
وتوقعاتكم للي هيحصل في عمير؟
3
رودينا ومنقذ في شهر العسل؟
4
كنت هنسى أقولكم على تصميم الصورة إللي في بداية البارت روحوا شوفوا، ودا من تصميمي فأرجو التطبيل
2
رودينا وحياة ومنقذ؟
ومشهد القنوات؟ وخدوا بالكم من القنوات دي لأنها بنت😠😠
4
إياد وسما؟ وتوقعاتكم؟