رواية هوية منسية الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم بسملة محمد
|هويَّة منسيَّة|
"الحلقة السادسة والثلاثين_أسوأ ليلة."
"______"
شعور الموت شعور مهيب، أنت الآن قفل باب توبتك، وبعد لحظات ستنزل تُربتك! تحاسب على كل كبيرة وصغيرة فعلتها في حياتك! عمل صالح أم عمل طالح، رب قدِّم يوم الساعة، رب ارچعني أعمل صالحًا!
أنت الحنَّان يارب وأنا العبد المذنب، كل أعمالي كانت صفر! كنت أظن إنني أحسن صُنعًا! يقول الجميع عني أحسبه صالحًا! يارب ظُلمة القبر مهيبة! ولقاءك ومحاسبتك لعبدك الفقير أكبر من طاقته!
كيف يقابلك وبالأمس كان يعصيبك؟
قال يتوب ولم يتُب! في المساء عصاك وفي النهار استمالك برحمتك وعزتك وجلالك أن تغفر له!
تخبط بين الدنيا، أحبها وما كان يجب! ظن إن يوم الحساب بعيد!
أنا الشاب!
والعجوز جالس!
أيحق أن أُقارن هذه المقارنة؟ أظننت العمر فارق؟ ليتني قولت أنا الضال وهو المهتدي في أرض الله! وشعرت بالغيرة وتحركت!
تحركت أقوم بالسُنن! أحافظ على قرآني! أرتب أولوياتي ألف باء فروض وطاعات!
لم تسوقني صُحبة سوء..
لم يغرني متاع الدنيا..
ليتني جلست في آخر ساعات حياتي على سجادة صلتي بربي، وأتناول المصحف بين كفي وأتضرع إلى الله أن يُخرج روحي راضية، طيبة، مطمئنة!
يا الله عبدك يطمع في كرمك!
كان يصلي لأجل رؤيتك، انتظم على صلاة فجرك لأجل رؤية وجهك! كان يُصلي السُنة يتقرب بها إليك! يا مَن ليس لنا سواه أنت الغني ونحن الفقراء؛ دعوت لك ورفعت يداي وقولت بعزتك وجلالتك أن تقربني منك بالطاعات، عبدك ضعيف أمام الشهوات! هو مسكين وأنت قوي! قادر على أن تقول كُن فيكون!
1
جاهدتُ وحاربت شيطاني، تارة كنت منتصر وتارة أخرى أخرج منهزم! ذُلت قدمي ولكني جاهدت! وفشلت ثم نجحت ثم دارت الكلمات وراء بعضها!
أخشى من ظلومات القبر، أخشى من سؤال الملاكين، أخشى ألا أجيب وأفقد ذاكرتي وأقول لا أعلم!
وبعد كل هذا هل سيذكرني أحد؟ الدنيا الواسعة التي صنعت فيها مجد! هل ستقف تبكي عليَّ؟
مجرد ذكرى عابرة، وسيرة إما طيبة أو خبيثة.
سنة اثنين سأكون في ذاكرة أقاربي ومن ثم تلهيهم الدنيا إذا كانت لم تلهيهم قبل تلك المدة!
أنا فقط الذي سيظل معي عملي! كل شيء فاني إلا عملي!
من وسط التخبط شعر إنها النهاية، وانعزل عن العالم، جاهد ورفع لسانه يحركه بثقلٍ يردد الشهادة بتعبٍ_:
_أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله.
تلك النهاية، الجميع يعلم إن الله واحد أحد، وإن "مُحمَّد"_صلى الله عليه وسلم_خير البشر هو الرسول الكريم المكرم من الله في السماء والأرض!
المسلم يعلم إن _أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله_حق
المسيحي يعلم إن_أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله_حق
اليهودي يعلم إن _أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله_حق
حتى الملحد والكافر يعلمون إن واللهِ الكون لا يسع إله واحد ولا أكثر! وإن محمد الذي يُسب ويلعن منهم_استغفر الله_هو رسول من عند الله والله مكرمه ورزقه بنهر كامل في الچنة!
...
لكن كيف يكون الإنسان إلا إذا كابر وعارض؟ إذن وعقلنا كيف نستخدمه؟ هل نستخدمه بما يرضي الله أم نسأل أين الله؟ مَن خلقه_حاشا لله أن يكون مخلوق_ من أين وُجِد الكون؟ كيف وُلِد المسيح إلا إذا كان الله أب له!_حاشا لله أن يكون أب لأحد_
(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الأنعام/101
[مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ] (مريم: 35).
[قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ](4).
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾البقرة/ 116، 117.
وفي النهاية فارقت روحي الحياة المؤقتة إلى الحياة الأبدية! يا چنة خالدة يا نار أبدية!
5
"____"
دق هاتفه باسم صديقه أوس أوس، تعجب من الاتصال، وفتحه لكن لم يتحدث، سمع أوس أوس يحدثه سريعًا"عمير محمد أخو زينب مات، عمل حادثة بالموتوسيكل ومات".
6
انتفض جسده، وتوسعت عيونه بفزعٍ، سأله بتلجلج"مات إزاي!"
_محمد أخوها مات ياعمير والعمارة مقلوبة ومراتك مش بتعمل حاجة غير تصوت، هي راحت المستشفى، اسمها "++++++" في مدينة نصر.
سقط الهاتف من بين يديه، وأرجع رأسه على الحائط يضربها بعنفٍ، والعبارات تجمعت فوق عيونه وهبطت بغزارة، دفن وجهه بين يديه وأجهش في البكاء، محمد كان أفضل شاب في بنايتهم! شاب محترم، في حاله، ليس له في وقفة شوارع، ليس لديه أصدقاء شارع، أصدقاؤه قلَّة ومحترمين! جدع، ودود، يساعد والدته في كل شيء، يعمل بكل جهد ليوفر لشقيقته كل شيء تريده، متفوق، جاد، حنون! كان تركيبة جميلة! الجميع كان يحبونه! كان بشوش الوجه!
زينب لا تحب سواه! تعامله معاملة الابن! بالله كيف ستعيش بدونه! هو تعامل معه في عدة مواقف فقط وتعلق به، ما بالها هي؟ التي شاركت في تربيته؟
اقتربت منه سيلا تسأله بتعجب"مين مات؟"
_محمد أخو زينب.
خرجت شهقة بسيطة من فمها، ورأته ينهض متجه تجاه الخزانة يخرج ملابسه، حدثته سريعًا"هاجي معاك".
"مش هتيجي، زينب مش ناقصة وجع قلب، خليكي هنا."
قالها بحدة، وارتدى ملابسه وعلى عجلة هبط، استقل سيارته وطار بها، طار ليصل إلى المشفى في أسرع وقت.
وصل إلى المستشفى وبدأ يسأل الممرضات عن تلك الحالة حتى وصل إلى مكانه أخيرًا! وجد ناس كثيرة وبعيونه بحث عنها حتى وجدها! وقعت عيونه عليها منزوية على حالها فوق الأرضية مستندة على الحائط بانهزامٍ، ضامة قدميها إلى قلبها، ورأسها فوق ركبتيها، جسدها ينتفض أثر الشهقات المتتالية، ورأى خالها يقف وعيونه تنزف محمد كان بمثابة الابن له!
عرف من زينب إنه عاش وحيد طوال حياته بعدما زوجته توفت هي وطفلها في رحمها! هو كان متزوج في منتصف الثلاثينات وربه لم يرزقه بالذرية إلا بعد خمس سنوات علمت زوجته إنها تحمل نطفة منه! كان العيب منها طوال تلك السنوات، وبعدما علمت إن الله رزقها اخبرتها الطبيبة إن الحمل خطر عليها وهي صمتت! حتى خانها جنينها ونزل شلال دماء من بين قدميها وهي كانت بمفردها وقليلة الاختلاط والحديث ولم يسعفها أحد! حتى الطبيب فشل في هذا، وهو بعد وفاتها زهد الحياة، عاش وحيد بمفرده فقط شقيقته وزوجها وأولادهم يحلُّون حياته! ومن كرم وحب حسين والد زينب له كان يرسل محمد يجلس معه بالأيام لقرب المنزل.
محمد كان ابن له، بدأ في تربيته وهو في الخامسة من عمره! لم يبخل عليه بالحنانٍ والحب والأموال، كان متعلق به وكإنه أب له! وحسين لم يغار يوم بل كان يخبره إنه في مقام والده، حتى بعدما صار شاب لم يلتهي عنه في يومٍ، يذهب في الصباح ومعه الفطور يأكل معه ومن ثم يذهب إلى دروسه ويرحل إلى والدته ووالده، وبعدما توفى والده كان مهتم به وبعائلته لأقصى درجة لكنه حصَّل والده بعد أقل من عامين! عاش معه أيامه وسنينه! طفولته ومراهقته التي لم يكملها! الآن فقد ابنه للمرة الثانية! وتلك المرة كان فقدانه أشد قسوة!
ووالدته كانت في عالم ثاني تحدثه بحرقة وهي ترجف"قالي يا ماما أنا فرحان إنكم عارفين المجهود إللي عملته، أنا صاحبي أدبي وجاب 85٪وأهله قعدوا يحبطوا فيه، قالي هخرج مع صحابه! وروحت طلبتله البت إللي بيموت فيها، مكنتش عارفة إنه ياحبيبي هيبقا آخر حاجة يعملها في حياته! قولتله أخرج ياحبيبي وروح اسكندرية وهوِّي نفسك، لو كنت أعرف كنت قفلت عليه".
_ميغلاش على إللي خلقه، قدر ربنا، كله مكتوب، الحمدلله.
قالها عبد الله وهو بالأساس يبكي! وأخذها في أحضانه، بكت على صدره، وهو رأى زينب وحيدة، اقترب منها وجلس على ركبتيه أمامها مع كلمته المترددة"زينب.."
رفعت عيونها المقهورة له، وكإنها كانت تنتظره حتى ترتمي بداخل أحضانه تبكي بحرقة وصوت عالي، وهو في الحال طوقها بقوة، نحيبها تعالى، وجسدها انتفض بين يديه، ضربت على صدره وهي تردد بعدم تصديق وهي على وشك الجنون_:
_محمد مات! مات ياعمير ونتيجته كانت لسة الصبح! روحنا خطبناله نسمة إللي بيحبها، يوم واحد حصل فيه كل حاجة! روحي راحت ياعمير، محمد كان كل حاجة عندي! محمد وبابا وماما ماتوا وأنا وحيدة!
لا يعلم ماذا يقول لكن لم يجد حل إلا أن يمسد فوق ظهرها بحنانٍ، ضمها بقوة إليه، وهو لا يعلم أهكذا ردها إلى عصمته أم لا، وهي شعرت بذراعيه مقيدينها، ابتعدت عنه وهي تحاول السيطرة على شهقاتها، سمعت جملته الجادة"إنتِ مش وحيدة، معاكي أمك إللي ربتك، وخالك، وأنا".
استندت برأسها على الحائط، وأخفت عيونها الباكية عنه، وهو علم إنها لن تقول شيء زيادة، تركها وهو يربت فوق قدميها ونهض، تقدم من الواقفين في دوامة بعيدة عن الدنيا، واحتضن عبدالله مع جملته المواسية"شد حيلك، البقاء لله".
_ونعمة بالله، مقدرش أقول غير راح للحنَّان، الحمدلله.
قالها برضاء رجل شاب شعره وكساه اللون الأبيض، متوقعها منه، رجل لا يفوت فرض في المسجد والمصحف في يديه دومًا، ربت فوق ذراعه بحزمٍ، وأجلسه على المقعد مع جملته الحازمة"أنا هعمل كل الإجراءات وهطلع تصريح الدفن في أسرع وقت عشان نلحق ندفنه على صلاة الجمعة".
1
هبت والدتها وهي تتحدث بانهيارٍ، وملامحها شابت على شيبتها، وكانت لا تصدق الأمر، ملامحها مذهولة"لاء لاء ابني بخير، ابني مامتش".
اللعنة لماذا الفراق صعب؟ صعب ومذاقه مر! مر كالعلقم! الفراق يشبه طفل صغير تعلق بلعبة ولمدة طويلة لم يتركها وجاء أحد الأطفال ينزعها منه عنوة! يأخذها ويحرمه منها! حرمه من لعبته الجميلة! والفراق والموت كان أصعب اختبار يمكن أن يختبر الله عبده به!
بعد وقتٍ طويل دخل عمير يرى محمد! أزال عن وجهه الغطاء ليجد محمد جميل الوجه وجهه مازال جميل! وبشوش كما كان! وجهه لم يتأثر إلا بخدوش بسيطة لكن كان لرأسه النصيب الأكبر، مات بسبب إن جسده طار فوق السيارة التي دفعتهم، وسقط بقوة على مؤخرة رأسه، حتى زميله الثاني فارق الحياة! طيش شباب أدى إلى فقدانهم إلى حياتهم!
10
بالخارج كانت عرفت الخبر نسمة وجاءت تركض ومعها والدتها، كانت في حالة مريبة، تصرخ صراخ غريب، يديها ترجف بطريقة لا تصدق، عيناها مدمية، شفتاها زرقاء، اللعنة على الحب! اللعنة على الحب! جلجلت المشفى بهستريتها تلك، ونداءها عليه بصوتٍ عالٍ! واضح إن الفتاة منحته قلبها في حياته، وفي مماته سرق عقلها!
بسببها بعدما كان هدأ الجميع أشعلتهم، وانفجروا باكيين! الفقدان مر! كانت تريد أن تقتحم الغرفة تراه، تضمه إلى قلبها! تخبره إنه فارسها الأول والأخير! أول رَجُل في حياتي، ليس لها أخ، ووالدها لا تعلم عنه شيء، أول رَجُل يصب حنانه عليها! بالله كيف يتركها؟ دوى صوتها المقهور وهي تدبدب في الأرض_:
_يامحمــد أنت قولتلي عمري في حياتي ما هسيبك! وعدتني إنك هتكون راجل معايا ونتجوز ونعمل بيت! قوم بقا بطل هزار بايخ!
زاد بكاء الجميع، وزينب رمقتها بنظرات متحسرة، كانت تعلم منذ طفولة نسمة إنها لا ترى سواه! هو بطلها الخارق! سندها في الحياة! تأثرت عليها، ستتعب في حياتها لتتخطى وفاته! وهي فتاة صغيرة لا تفكر بعقلها، يمكن تؤذي حالها! اقتربت منها وكفكفت دموعها بظهر كفها، لا وقت للبكاء، هي وقوية وهم الضعفاء، أخذتها في أحضانها مع جملتها الحنونة محاولة منع شهقاتها_:
_ربنا يرحمه ياحبيبتي، خلاص يا نسمة كفاية عياط هو في الجنة إن شاء الله.
_لاء يازينب أنا مستحيل أعيش من غيره! هو كل حياتي، والله أنتم متعرفوش محمد كان معايا إزاي! كان بيخاف عليا من نفسه! من الهوا الطاير! ياربي والله ما هقدر أعيش من بعده!
قالتها بعدم تصديق، وشعرت إن قلبها سيتوقف عن عمله بسبب نحرها لحالها، أمسكت بقلبها وهي تردد بحرقة"أنا ما صدقت إننا مش هنغضب ربنا تاني في علاقة مش حلال، أنا كان نفسي ربنا يجمعنا بالحلال!"
ربتت فوق وشاحها مع جملتها المتعبة"ربنا يجمعك بالأحسن منه، كفاية يا نسمة عشان ميتعذبش".
_هو هو كلمني وقالي هيروحوا بالموتوسيكلات ووالله قولتله لاء وشديت معاه لكن هو مسمعش كلامي، قولتله قلبي مش مطمن، والله كنت عارفة إن هيجراله حاجة!
تحسرت بكلماتها وهي تولول وتضرب على فخذيها، تركتها زينب وابتعدت تجلس على المقعد بانهاك، لا تتحمل أن تسمع أي شيء ثاني، لا تريد أن تعرف ماذا كان يفعل حبيب قلبها مع الجميع، لا تريد أن تؤكد إن ابنها فقدته للأبد!
"_______"
يوم الجمعة؛ يوم عظيم! إذا توفى فيه مُسلم فدلالة على حسن الختام! كان المسجد كعادة يوم الجمعة مزدحم بالرجال والنساء! المسجد كبير وواسع ومزدحم! سبحان الله بعدما والدته رأت المنظر وسمعت الخطبة قلبها استراح!
كانت غير راضية عن علاقة ابنها الغير شرعية بالفتاة التي سرقت عقله، تشاجرت معه هي وأخته لمرات لا حصر لها حتى ملَّوا!
نسمة أكلت عقله رغم هو الذي مَن أعانها على الحجاب الصحيح_كانت في علاقة غير شرعية وهي ترتدي حجاب كامل!_سبحان الله كانوا متناقضين بسبب حبهم!
كان يصلي وهي كذلك…! وزينب تسخر منه بكلماتها"الشيخ والشيخة مش هيكملوا مع بعض حتى لو بيصحيها تصلي الفجر، ما بُنَي على باطل فهو باطل!"
4
لم يحدث فتاة سواها ووالدته لم تكن تفهم مبدأه، هل حرام الحديث مع الفتيات وحلال عليها هي فقط!
لكن الحمدلله هي مَن فاقت من تلك الغيبوبة وابتعدت، وهو كما قال إنه ندم لإنه كان يعلم إنه حرام ويكابر! لكنها تعلم إنه تاب لربه، من قبل سمعته يبكي ويطلبها من الله! كان يبكي بكاء طفل صغير! وهي والدته التي ضاعت من بين يديه! رغم إنها لم تفارق الحياة أو حتى المدينة! استغفر ربه ودعى أن يسامحها الله قبل أن يدعي لحاله أن يسامحه الله! كان توقف لمدة شهرين أن يتحدث معها وهذا كان أصعب شيء! يراها في منزل خاله، يراها في جميع دروسه، يراها في أحلامه! لكن كان الأمر أشبه بشخص يقف على حافة برج كبير وسيسقط إذا تقدم ويسقط ميت أو يتراجع لعدة خطوات حتى ينجو؟ وهو اختار النجاة، سينتظر، امتحاناتهم ليست ببعيدة! وشهادتهم أقرب من امتحاناتهم!
لا تعلم هل الله تقبل توبته، أم ماذا؟ لكن ما جعل قلبها يهدأ حديث صديقه الذي كان معهم"قال لعبدو الله يرحمه يقفل الأغاني عشان حرام، وخلانا كلنا نقفلها، وسمعته بيقول الشهادة".
رفعت يديها ورأسها للسماء وهي تتضرع بالدعاء"يارب ارزقه الجنة، يارب نوَّر قبره وفرحه بمكانه في الجنة".
صلُّوا عليه وبعدها حمل نعشه عمير ومعه أقارب محمد وبعض من رفاقه ورجال المنطقة، وحدُّوا الله، ما دائم إلا وجه الله.
ساروا بالنعش ولم يكن ثقيل، وكان الجميع يقول إن النعش يطير!
5
هل شعرت إن روحك ردت بسبب حديث حنون ربت على قلبك بدون قصد؟ هكذا كان شعور زينب وأمها! حديث الناس، وشكرهم في أخلاقه الحميدة، وتسبيحهم من الناس الكثيرة والنعش! رغم إنهم يرون إن حادث السير بالطريق أمر مرعب ولا قدر الله من سوء الختام! لكنهم يعلمون إن لا فارق بين حادث أم مات على فراشه، هو كان يخرج مع أصدقائه وصلى فرضه الأخير وسنَّته هو وأصدقاءه، ولم يسمع موسيقى، كان تهور فقط بالدراجات، تهور لم يحمل له أحد حساب! ودفع الثمن هو وصديقه "عبدو" بل وسمعوا آخريين يقولوا إنه شهيد لإنه مات في حادث طريق"شرط أن يهدم أي: تتقطع أشياء من جسده".
بالنسبة لها يكفي إنه نطق الشهادة وصلى العشاء وسُنتها وجعل أصدقاءه يغلقون الموسيقى ومات يوم الجمعة وحشد كبير صلى عليه.
5
"_______"
بعد يوم شاق متعب يُهلك البدن والأعصاب عادوا إلى منزلهم، والجميع جاء إليهم، جلست هي ووالدتها في حالة حزن وأقاربهن النساء بدأوا يقومون بالواجب ويعدون القهوة السادة.
كانت رودينا معها، ووالدتها مع والدت زينب، وإياد ووالده بالأسفل، الذي يربطهم ليست صداقة بل قرابة، والدت رودينا ابنة خالة والدت زينب والاثنين أصدقاء، لم يبعدهم عن بعضهن إلا توتر علاقة بناتهن ببعضهن منذ عدة أشهر، ضمتها رودينا وهي دموعها تتساقط"محمد كان غالي عليا أوي، كان بيحبني".
_كان بيحبك جدًا وكان بيبقا عايز يفرحك ويضحكك، الله يرحمه كان طيب.
قالتها بابتسامة باهتة، والثانية حدثتها بجدية"عارفة إنك قوية أوي؟ أنا طول عمري عارفة إنك كدا بس مكنتش أتخيل إنك تقفي على دفنة أخوكي ومتصوتيش!"
ضمت شفتيها بأسى، وهزت منكبيها مع جملتها الهادئة"مش هستفاد حاجة، الكل هينهار ومحمد مش هيرجع، لازم أقوي ماما وخالي ونسمة وأقوي نفسي، مينفعش أقعد أصوت، الصوات مش هيبين حبي ليه، الله يرحمه كان فرفوش أصلًا ومش بيحب الصوت العالي".
"_______"
مرت ليالي العزاء ورحل الجميع، وقف عمير أمام زينب يحدثها بحزنٍ بعدما رأى ملامحها"أنا موجود يا زينب لو محتاجة أي حاجة."
هزت رأسها هزات متتالية ورددت بهدوء"ربنا يباركلك يا باشمهندس عمير، نردلك وقفتك معانا أنت وصاحبك أوس أوس في الفرح إن شاء الله".
وعلى ذكر أوس أوس الثلاث ليالي لم يتركهم، صحيح لم يستطيع المساعدة بقدر كافي بسبب يديه لكن هو أشرف على كل شيء خاص بعزاء الرجال، ووقف في الدفن مع خالها عبد الله، لم يتركه، وعمير هو الذي تكفل بكل المصاريف من بداية المشفى حتى اليوم.
كانت رسمية معه للغاية، جادة وقوية كعادتها، لم يراها تبكي بكاء عنيف مثل الجميع بل كانت تهون عليهم وهي في أشد الحاجة لمن يهون عليها، تلعب دور البطولة، أو يمكن هي بطلة، جذبت انتباهه وهي تخبره بجدية"ابقا عدِّي على خالي عبدالله؛ عشان يدفعلك حق الحاجات إللي عملتها وكدا، ولو صاحبك أوس أوس دفع حاجة خليه ياخدها."
_كلام إيه دا يازينب؟ بلاش هبل هو إللي بيني أنا ومحمد كان إيه؟
تعجب منها وهو يرفع حاجبيه باستهجانٍ، وهي لم تفعل أي ردة فعل جديدة، وردت"مش هبل يا باشمهندس دا حقك وإحنا حاليًا مفيش حاجة بتربطنا".
نظر لها بحزنٍ، ونبس بشرودٍ"بس إحنا كان في بينا كتير!"
"معلش، كل حاجة دلوقتي اتغيرت."
طريقتها الهادئة استفزته، اللعنة تستفزه أكثر من سيلا المزعجة المستفزة! هز رأسه وهو يبتعد عنها"ماشي يا أبلة، لو احتاجتي أي حاجة أنا في مقام أخوكي الكبير."
غيَّر نبرته ووضع الألقاب، وانتهى من الجملة يخبرها إنه انتقل من مكانة «الزوج» إلى مكانة«الأخ»
1
شكرته واستأذنته في غلق الباب، ابتعد بظهره عدة خطوات حتى تخطى عتبة منزلها، أغلقت الباب بوجهه بحذرٍ، ضاعت خلف الباب، وهو شرد فيها، بحياتها لم تكن فائقة الجمال لكنه يراها جميلة! حتى بعدما تلبسها السواد من أعلاها لأسفلها، صعد إلى منزله، وتقابل مع أوس أوس، حدثه أوس أوس بابتسامة صغيرة_:
_إيه اخبارك؟
_تمام، شكرًا على وقفتك في العزا.
بادله البسمة ببسمة ظهرت لثانية ومن ثم اختفت، والثاني حرك رأسه بحزنٍ"شكر إيه؟ محمد كان الكل بيحبه، وأنا كنت بحبه بس هو مكنش بيطيقني، كان معاه حق."
_الله يرحمه.
رمى الكلمة واتجه ليصعد إلى منزله، أكمل الثاني هبوطه ومشاعر الوحدة سيطرت عليه، وقعت عيونه على رودينا التي صعدت، الفتاة متسامحة للغاية! زينب طردتها من منزلها وهي الآن كل يوم معها تواسيها وتخفف من حزنها، لقطها تدقق نظراتها به ليفزعها بكلماته بعدما وجَّه نظراته لها"أنا آسف".
ظهر عليها التوتر، وحكت أصابعها ببعضهم في حركة تدل على التلبك"ليه؟"
_عشان أنا مكنتش سالك معاكي بربع جنيه، مكنتش نيتي خير من الأول، لولا إنك جد كان زمانك متعلقة بيا وقلبك هيتكسر للمرة التانية.
قالها صريحة! لم يذوَّق في حديثه أو يقدم مقدمة قصيرة على الأقل لها! لمح ذهب خِطبتها، وعلق عليه بجدية"مبروك الخطوبة، عقبال الجواز وربنا يعوضك بأحن الرجالة، وأنا والله مش محتاج منك غير تقولي إنك مسمحاني لو كنت زعلتك في يوم."
استغربت من تغيره لكن هذا وضح على مظهره؛ توقف عن السير بالسجائر في فمه، ورمي النِكات، وفك تجعيدات شعره وقصَّره، وطريقته في الحديث تغيرت، وكان في العزاء يساعد الجميع رغم إن يديه لا يساعدانه، حالته الجسدية تغيرت للغاية مثل شخصيته، ابتسمت بسمة عادية واخبرته بعفوية_:
_يارب، أنا مسمحاك واللهِ عادي محصلش حاجة لكل دا، ربنا يشفيك.
أفسح لها الطريق يسمح لها بالصعود، وهي صعدت سريعًا بخطواتٍ مرتبكة، لعنت حماقتها التي من قبل دفعتها للممازحة معه، خجلت من حالها، ماذا سيقول منقذ عنها إذا علم بماضيها المخجل!
1
وعلى ذكر الماضي أصفر لونها، هي لم تخبر منقذ بأي شيء إلا إن سامر أجهضها متعدي عليها بالضرب، والرحم تدمر بسببه، لم تخبره بأي شيء يخص ماضيها، ضربه المستمر، لمحت له فقط بإنه كان«سادي»مريض نفسي، وحتى في أمر معاذ قالت إنه كان مجرد جار وابن عم زوجها، لم تخبره بحبها الذي فضحها من قبل أمامه، هي تشك إنه يعلم، كان يسمع شجارها معه، ويرى دموعها، لا تعلم ماذا أحب فيها؟ ولم تسأله! لا تريد معرفة الإجابة.
"______"
بعدما هبطت من عند صديقتها وأدَّت واجبها، اطمئنت على حالها، وحال والدتها ومن ثم رحلت، هي تألمت لخبر فقد محمد، تذكرت عندما كان في صفه الثالث الإعدادي وهي انفصلت عن سامر، ومعه انفصلت عن الحياة، كان يمازحها بإنه سيتزوجها ويصبح فارس أحلامها، ويعوضها من كل هذا، كان مشاغب ويحبها كشقيقته زينب، كان لطيف وودود وحنون! فقدت رفيق لها، رحمه الله كان سيموت على دخول كلية الطب، فارق الحياة قبل أن يخوض حتى تجربة الكليات والعالم الجديد!
وصلت أمام محلها الخاص بالزهور ومحل منقذ، اشتاقت لزهورها، وقت طويل مر ولم تزر المكان، كانت تخشى أن تواجه أحد من عائلة معاذ أو معاذ نفسه، تخشى أن يفسد زواجها من منقذ، دخلت إلى محلها الذي كان يعمل فيه شاب مراهق، سألها. بجدية"محتاجة نوع ورد معين ولا هتشوفي لسة؟ ولفرح ولا هدية؟"
_هاخد وردة.
قالتها ببساطة واتجهت تقطف زهرة من زهور بنفسجية اللون، سمعت صياحه"مش بنبيع بالوردة!"
سخرت بعيونها قبل جملتها"منقذ مادي جدًا، أنا كنت ببيع بالوردة عادي! افرض في اتنين عشَّاق أندر إيدچ والواد حب يبين نفسه سي السيد ويجيب ليها وردة! إيه ميعرفش يترسم عليها؟"
شعرت إن عقله توقف عن التفكير، وصاح عليها بعدم فهم وقلة صبر"إنتِ عايزة إيه دلوقتي؟"
_خلاص خلاص، أنا خطيبة منقذ، صلي على النبي يا أخ مش كدا، خليك شخص حباب مع الزباين عشان يحبوك ويشتروا من عندك.
تحدثت في النهاية بغيظٍ وهو استهجن بكلمته_:
_هو أنا هتجوزهم!
1
ضحكت بخفة، واستدارت بظهرها تحدثه بسخرية"لاء هتشتري زبون، دا أنت ومنقذ دا عايزين كورس في كيفية التعامل مع الزبائن!"
_ليش ياعمري؟ ما إنتِ كنتي زبونة عندي وأنا كنت شاطر إكتير لدرچة إني الزبونة صارت مرتي!
قالها بسخرية طفيفة بعدما ظهر أمام وجهها، وجه نظراته إلى الزهرة ليلتقطها منها مع جملته المرحة"أكيد سرقتيها مشاني مو هيك؟"
فتحت فمها بدهشة، قال حديث كثير لكن عقبت على كلمة واحدة فقط بفلسفتها العميقة!
_أنا خطيبتك.
_رح تصير مرتي الشهر الچاي، بعتذر.
تصنع الملل وهو يتحدث بها، وسألها باستنكارٍ رافع الزهرة أمام عيونها"في حدا بيچيب وردة بنفسجي لزوچه؟ لك والله عيب عليكي قصر معكي شي الورد الأحمر؟ ما بتفهمي في الحب والرومانسية؟ قلبكِ أعمى لا يرى؟"
"قلبكِ؟ أعمى إزاي يعني؟ أنت بقيت تقول حاجات غريبة لو دكتور سمعها هيفرح بيك جدًا".
وجِّه نظراته إلى الصبي مع جملته المرحة"ياحبيبي عيب هيك، مو شايف _مدامي_واقفة هيك في محل الورد لحالها؟ هات الماية بنسقيها بخاف على وردتي تذبل، هَي أهم وردة في المحل كله".
_عم منقذ خلَّص فقرة عشقك الممنوع ومسلسل سمر ومهند بتاعك دا واسقي زهرتك بعيد عني وناديني، أنا مش ناقص فقع مرارة الله يخليك، أنا واحد عندي الضغط.
قال جملته وهو يترك من بين يديه المقص، وسار أمامهم وهو يغمغم بعدة كلمات مع حركة يديه الممتعضة!
8
انفجر في الضحك وهو يصفق بحرارة، وهي وقفت تحدق فيه بغلٍ مع صياحها"منقذ بطَّل بقا، واللهِ هشتكي لبابا فضحتني في كل حتة أنت ومراهقتك دي!"
حاول كبت ضحكاته، وفرد عوده مع حديثه الجاد المصطنع"خلاص آسف، تحبي تشربي إيه؟ هو أنا معنديش غير القهوة، بس أهو".
_أنا بحب قهوتك موت بجد، بس للأسف إنهاردة مش هقدر أشرب أي قهوة عشان ماما منعتني منها.
ببساطة تحدثت، وهو ضيق ما بين حاجبيه مع تعجبه"حماتي منعتك؟"
هزت رأسها بهدوء وهي توضح له بلا مبالاة"آه عشان بتعب منها وبفضل سهرانة كتير بسببها، فماما حلفت إني مش هشرب قهوة تاني."
_سلامتك، خلاص رح چيبلك عصير، شو بدك؟
_مش عايزة دلوقتي صراحة، هشوف الورد وأسقيه، وكمان نفسي أقعد في المحل عشر ساعات كدا.
كانت تتفحص الزهور وهي تحدثه، تتفحصهم بشغف واشتياق، وهو ردد من خلفها بابتسامة حانية"إنتِ ذوقك تحفة يا رودينا، والجُمل إللي كتباها والركن المخصص لكل حاجة دي فكرة تحفة".
تحمست ملامحها، والتفتت له تخبره بحيوية ظهرت على وجهها"من وأنا صغيرة كنت بحب الأغاني القديمة والشعر وجُمل الروايات والغزل وحتى الكلام الحزين المتقن، جمعت كل دا وحطتهم في المحل عشان يكون جميل وجديد، لايق جدًا مع لون الكافيه بتاعك جدًا، كتب وقهوة وورد واو بجد، جو ولا أروع".
ملامحه الجميلة المبتسمة براحة كانت تقول إنه يحب حديثها، وهي أكملت بنبرة تسرب إليها الخجل"أنا كنت بحب البلاغة جدًا، والأدب، كانت بالنسبة ليا ثانوية نقلة تانية في حياتي، كنت أنا وإياد بنقرأ روايات وإياد كان شطور جدًا وأنا كنت فاشلة موت في النحو، بعدين دخلت ثانوي وحسيت إن اللغة العربية جزء مني بجد، والبلاغة بعد ما فهمتها وفهمت تركيب الجملة وإننا بنلعب بالجمل كدا بالجناس والتورية والكناية والمجاز بجد حاجة تحفة، فبقيت بكتب خواطر."
10
انتبهت حواسه لأخر كلمة لها، كان ملتهي في بسمتها الجميلة لكن جملتها نجحت في جذب ذهنه"بتكتبي خواطر؟ يعني مرتي كاتبة؟"
حمحمت بارتباكٍ وشبكت أصابعها تخبره بنفي هادئ"لاء مش بالظبط، دا كان في فترة تالتة ثانوي لحد تالتة جامعة بعدين اتلهيت بقا واتجوزت في آخر رابعة فمكنتش بكتب نهائي، وبعدها انفصلت وانعزلت شوية وبطلت أكتب، حتى دلوقتي بردو مكتبتيش، آخر مرة كتبت كانت من كام شهر لما معـ.."
لحقت جملتها في النهاية بعدما انتبهت إلى ما تقول، كانت ستقول إنها كتبت خاطرة كاملة تخبر معاذ عن حزنها لفراقهم؟ وتشتت أيامهم؟ وبؤسها لخطبته وإقباله على الزواج من سيدة غيرها!
وهو حدثها بحماس وهو يحرك يديه بسعادة مبالغ بها كإنه طفل صغير متشوق للذهب إلى رحلة تضم جميع ألعاب الأطفال بالعالم"الله، اكتبيلي خاطرة، ونزليها على جروبك وقولي منقذ حبيبي ونور عيني وكل دنيتي، ونزليها على الأكونت بتاعك واعمليلي منشن قولي قرة عيني ربنا يحميه."
3
سقط فمها وهي تسمع كلماته، وسألته باستنكارٍ وضح على تقاسيم وجهها"مش عايزني أنزل صورتك بالمرة مع الخاطرة وأقول زوجي سندي، الله يخليه ليا هو والعيال"!
"واللهِ دي ذوقية منك، أنا مش هطلب الاهتمام!"
قال وهو يحرك كتفه الأيمن بتذمر، وهي رددت جملتها بعده فورًا"دا أنت دشملت الاهتمام!"
قهقه بنبرة عالية، ولوى فمه بحديثه المتهكم"ما إنتِ مو مهتمة فيني، بس بتعرفي؟ أنا مهتم فيكي، خليكي هون لدقيقة."
سار من أمامها يدخل المقهى الخاص به، وخرج بعد نصف دقيقة ممسك بحقيبة هدايا من اللون البيچ الدافئ وعليها قلوب مفرغة من اللون الأحمر صغيرة للغاية، مد يديه يعطيها لها مع حديثه المازح"اتفضلي هديتك".
حدقت به ونظراتها أكثر من مسرورة، أخذتها منه ببسمة بشوشة وهو متعجبة، اقتربت من مقعد تضعها فوقه، وبدأت بإخراج هديته اللطيفة، التقطت علبة مستطيلة صغيرة وردية اللون مدون عليها عدة كلمات باللغة الإنجليزية باللون الذهبي، رمقته بتعجب وهو شجعها بنظراته أن تفتحها، فتحتها لتشهق بصدمة بعدما وقعت عيونها على زهرة زجاجية تبرق ألوانها باللون الوردي والأزرق والأصفر الشفافين! وجذعها ذهبي يضوي، وهو أشعل ضوء هاتفه موجهه على الزهرة البراقة لتعكس هيئتها على الجدار أمامها، وألوانها تجسمت على الحائط وعلى يديها، وضع يديه تجاه الظل لتتحول يديه إلى ألوانها.
1
بدأت في القفز فوق الأرضية بطفولة وهي تحتضنها مع حديثها المتهلل"دي تحفة، بجد بجد ربنا يديمك ليا، أنا بحبك جدًا".
ضحك على بساطتها، مجرد زهرة تضوي كسب قلبها بها! وهو تحدث بابتسامة"عارفك مغرمة بالورود لهيك چبتلك وردة ما بتذبل، متلك".
_ربنا يديمك في حياتي يا منقذ، فعلًا شكرًا.
قالتها وانتبهت إلى الجواب الأبيض الموضوع أسفل الزهرة، قرأتها بصوتٍ مسموع"مشان تضوِّي غرفة نومنا."
"كملي كملي."
1
التقطت زجاجة صغيرة شفافة من الأسفل على هيئة مثلث بها مسحوق أسود، وغطاءها ذهبي يلمع على هيئة معين، فتحته باستغراب وهي تجهل ماهو، ظهر من المعين بعدما فتحته خط مستقيم أسود، سألته باستنتاج"دا إيلاينر؟"
_تؤ؛ كحل إسود عربي.
عرفها عنه ببساطة، وهي سألته بضحكة بلهاء"واو! دا بيتحط إزاي؟"
1
أخذ منها الغطاء وهو يقربه من عيونه"بصي بتحطيه هيك قريب من عيونك، وبتقربيه من رموشك وعند جفونك وبعدها بتغمضي عيونك عليه وبتسحبيه بيطلعك الملكة"كليوباترا".
"مين بيجيب الحاجات التحفة دي! أنت مش معقول بجد!"
أبدت إعجابها به وهي تأخذه من بين يديه، تقربه من عيونها وهو سارع ينشله من بين يديها مع جملته المرحة
_عادي إنتِ علطول مش معقولة، علطول حلوة!
واسترسل بتذمر"وبعدين دا يتحط في البيت بس وليا بعد الجواز."
رفعت سبابتها أمام عيونه تحدثه بنبرة محتدة"بص يا منقذ عشان خلاص هضربك، اتلم عشان أنت طلعت منحرف وبتقعد تعاكس فيا وأنا كنت فكراك محترم".
_معكي حقك، خلاص كلها شهر ورح عاكسك براحتي، غير هيك رح أسكت.
تحدث بهدوء، واسترسل وهو يخرج لها رواية من الحقيبة"اقري الرواية دي، بتتكلم عن حاجات حلوة، هو أنا مش فاهم قصتها، بس قصتها جامدة، ومش فاهم نهايتها بس باين نهايتها حلوة، ومش فاهم البطل عايز إيه لحد دلوقتي بس كان دوره حلو ماشاء وعيونه لونها أزرق."
5
تعالت ضحكاتها وهي تهز رأسها بعدم تصديق، واستهانت به بحديثها"أنت ضايع."
_أنا زوچك عيب هيك.
اعترض بكلمته المستاءة، وهي سألته بهدوء تلك المرة"بجد شكرًا على الهدية بس إيه سببها؟"
هز منكبيه ببساطة وهو يخبرها بابتسامة حنونة"كنتي زعلانة على محمد الله يرحمه ويغفرله وأنا عارف البنات بيفرحوا بالحاجات دي."
"محمد كان عزيز على قلبي جدًا، آه هو آخر فترة علاقتي كانت بيه مش كويسة عشان كان بيسلط زينب عليا بس هو كان كويس وبيحب زينب جدًا، ربنا يصبرها بجد مش عارفة هتلاقيها منين ولا منين، كل المشاكل جت فوق دماغها مرة واحدة."
كانت مشفقة على صديقتها، دخلت دوامة حزن لن تنتهي، وهو ابتسم نصف بسمة حزينة مع جملته البائسة_:
_فقدان الأهل ما بيتنسي، حتى بعد ما الحياة بترچع لعادتها أخر الليل بتفكر فيهم وبتبكي! الله يكون في عونها رح تعيش أيام حزن دفينة!
"_________"
توقف بسيارته أمام بناية منزل زوجته، هبط من السيارة وجاء ليدخل البناية لكن توقف بعدما سمع ضجيج بداخلها، دخلها بمللٍ وعدم اهتمام بالتأكيد هذا صوت البوابة التي طوال اليوم تصيح على أولادها الخمسة أو السبعة لا يعلم، وقعت عيونه على رنا الداهية، زوجته المصيبة من عند الله، عقاب، عقاب له!
تقف بشموخٍ وعجرفة معروفة بها، وشعرها الطويل الهائج ترفعه في ذيل حصان محكم تاركة بعض الخصلات حرة على عيونها، كانت تحدث البوابة بنبرة عالية متكبرة، ضحكت بسخرية وهي تستفسر منها باحتقارٍ_:
_هتدفعي حقهم؟ هتقدري تدفعي المبلغ؟ دا إنتِ وعيلتك كلها لو قعدتوا تحوشوا فيه مش هتجمعوا.
_واللهِ أنا آسفة يا ست هانم، مكنتش أقصد أوقع الشنطة، الشنط كانت كتير بس هدفعلك حقهم واللهِ.
قالتها بنبرة حزينة محرجة، والثانية رفعت حاجبيها وهي تسألها بلهجة عنيفة"هو إنتِ أصلًا إللي وقعتيها؟ ولا ولادك إللي مش فالحة بس غير في إنك كل سنة تولدي عيل ورا التاني زي الجموسة؟ ما إنتِ لو تهتمي بالعمارة والسكان وتخلي عيالك يهمدوا مكنتش الحاجة هتقع."
ابتلع إهانتها الجارحة لها، وهبطت دمعة من عيونها تمسحها في الحال وهي تخبرها بنبرة خافتة"معلش يا ست هانم، هدفعلك حقهم."
_طيب أنا عايزة خمس تلاف وحالًا، دا حقهم.
أمرتها بحدة وهي تفرد ذراعها أمام عيونها وتفتح يديها لتأخذ أموالها، والثانية شهقت بصدمة وهي تستنكر بكلماتها"إيه! خمسة إزاي يا ست هانم دا مكياچ و.."
قطعتها بنبرة عالية غاضبة"ما أنا عارفة إنه مكياچ، هو إنتِ فكراني بشتري من على الأرصفة زيكم؟ دا من أغلى البراندات، على العموم أنا مش عيزاهم بس إنتِ وجوزك وحبة القرود دول ملكوش قعاد في العمارة تاني."
الجبابرة في الأرض كانوا كثير، وهي أكثرهم جبروت وجحود على الآخرين، لم ترحم الناس القريبة منها، هل سترحم الفقراء والمساكين! هيهات هيهات!
لطمت الثانية صدرها بعدما هبطت دموعها، ورددت بنبرة خائفة"يلاهوي ياست هانم! واللهِ هجمعلك تمنهم بس اصبري عليا لأخر الشهر."
"لاء، يا حالًا يا تغوري."
نهضت النقاش بصوتها الحاد، وهو ظهر صوته من العدم بالنسبة لهم، اقترب منها يسألها بعصبية وعيونه شرسة تريد قتلها"في إيه؟ بتكلميها كدا ليه؟ ما تحترمي نفسك هي كسرتلك إيدك ولا رجلك!"
بُهت لونها لم تتوقع إن إياد سيهينها أمام أحد! حتى بعد كل شيء حدث بينهم يعاملهم معاملة لطيفة أمام عائلته ولا يحرجها نهائي_يحترمها لكن مخها الصغير لا يفهم معنى الاحترام_، ويأتي الآن يصيح عليها أمام خادمة! توسعت عيونها حتى كادت أن تخرج من محجريها، وشبه أمرته بفظاظة_:
_إياد ملكش دعوة أنت، غلطت تتعاقب.
1
فقد آخر ذرات تحمل كان يحملها تجاهها، وسحب يديها يدخل بها المصعد وهو موجه حديثه إلى البوابة"تعالي اركبي معانا."
_إياد أنت اتجننت!
سألته رنا بعصبية وهي تضرب يده الممسكة بها، أُغلق المصعد على ثلاثتهم وصعد بهم إلى الدور المحدد في وسط ثورتها العظيمة تلك، خرج وهو يجرها من يديها، فتح الباب بمفتاحه وتركها ودخل إلى غرفتهم، خرج بعد وقتٍ ممسك برزمة أموال يعطيها للبوابة مع جملته الآمرة لها
"دول خمس تلاف حق القرف بتاعها، ارميهم في وشها وانزلي، ولو أي وقت طلبت منك حاجة إنتِ وعم عابد ولا حد من ولادك مترديش عليها تجيب حاجتها لنفسها."
رمقته البوابة باندهاش، وأخذته منهم تمد يديها لها مع جملتها المتوترة"اتفضلي يا هانم."
أخذت أنفاسها تتعالى وكإنها في سباق ركض! ووجهت نظراتها لإياد، رفعت يديها تدفعه في صدره بهمجية، وصاحت بانفعالٍ"إنت إزاي تعمل كدا! هي تطول أصلًا تخدمني؟"
_أما تتشلي تخدمك ساعتها، لكن إنتِ زيك زيها ويمكن اقل بتفكيرك المتخلف دا، خدي الفلوس.
نهى جملته وهو يمسك بالأموال يلقيها بجانبها على الأريكة مع جملته الناهية للنقاش"خلصت خلاص، حقك عليا أنا يا أم محمود، أنا هنزلك إنتِ وعم عابد بعد شوية."
_لاء يا بيه دا أنت تشكر، ربنا يكرمك ويرزقك.
قالت جملتها وهي تغادر من المنزل بسعادة وهي تدعي له بكل الأدعية، اتجه يغلق الباب خلفها، وبهدوءٍ اتجه إلى غرفته يغير ملابسه، دخلت خلفه وهي لا تستوعب ما فعله، قبل أن تتحدث أمرها بنبرة عالية بدون أن يستدير لها، ورفع سبابته بجانبه مع تحذيره_:
_اخرسي يا رنا مش عايز ولا كلمة.
_أنت متخلف، افضل كدا عامل في الناس الجرابيع دول كدا لحد ما ميعملوش ليك أي قيمة.
كانت نيرانها تأكل فيها، وملامحها عاصفة، ضحك والتفت لها يخبرها بثقة_:
_عارفة يا "رنا"؟ هيجي وقت عليكي وغرورك دا هيتكسر، والناس إللي بتكسري نفسهم هيكسروكي.
"طلقني وإلا واللهِ العظيم هرفع عليك قضية خلع ومش هتاخد يوم وهخلعك."
توعدته بغليل واضح، عيونها توحي بالشر، وهو تسلى بجملته المتحدية"هطلبك في بيت الطاعة! وبعدين مش قولنا أما يجي ليا مزاج؟ إيه لاقيتي رهان جديد إنتِ وصحابك؟"
اقتربت منه لدرجة إن جسدها لامس جسده، وسحبته من سترته بطريقة هوجاء مع نبرتها المقيتة"واللهِ لا تندم، هعرفك مين "رنا الصياد".
_أحب أشوف.
كان مستسلم ليديها القابضة على ملابسه، وسخر بكلمته وهو يهز منكبيه.
فقدت أعصابها أكثر وتركته بعنفٍ تاركة الغرفة بكاملها لها، وهو خرج من الغرفة يحدثها بلا مبالاة"ابقي روقي الشقة المعفنة دي، الواحد عايز ينام في حتة نضيفة يا رون".
"________"
يوم وراء يوم والأيام كلها متشابهة، وسريعة لدرجة إنها تمر في لمح البصر! الأحداث على الجميع كما هي لا جديد، لا جديد سوى زواج رودينا ومنقذ في الغد!
3
كانت متوترة، تجهزت وتحضرت لزوجها في أسبوعين كاملين، من هذا إلى هذا إلى هذا، أشياء العرائس التي لا تنتهي واتخذوها عادات وتقاليد وإذا لم تفعلها الفتاة بالتأكيد ستكون _مقرفة_حتى إن كانت تهتم بحالها اهتمام فائق لكن تلك العادات وأي فتاة في بداية عمرها مقبلة على الزواج ستطير من السعادة، ستشعر بشعور جميل! جميل للغاية بإنها أصبحت شابة جميلة مرغوبة وبعد أيام معدودة ستملك زوج يحبها ويشاركها حياتها.
هي أيضًا كانت متحمسة ومتهيئة لكن سامر حطم جميع أحلامها الوردية الجميلة البسيطة! ليلة لطيفة، يوم حنون دافئ بين الزوجين، حديث حنون، بالنسبة لها كانت أسوأ ليلة في حياتها بأكملها، لولا إنها أخذت فترة علاج طويلة لكانت رفضت الزواج إلى الأبد.
لكن بداخلها شيء سعيد، هي أتمت عامها السابع والعشرين منذ شهر ونصف، كبرت في نظر الجميع، وهي شعرت إن أهلها لا يريدونها ليست لإنها حمل بل لإنها فتاتهم التي يريدون أن يروها في أحسن حال مع أحسن رجل! كانت تريد أن تتزوج رغم كل شيء مرت به، ومنقذ بالأساس فرصة لا تفوَّت.
رغم كل هذا دموعها انهارت من محجريها، ترسم مليون قصة لأول يوم زواج لها مع منقذ، سيغلق عليها الباب ويستحل جسدها بعنفٍ تحت مسمى إنها زوجته أم...أم سيضربها مثلًا؟
ماذا لو توترت وامتنعت عنه هل سيجبرها على شيء؟ تخشى أن يفعل بها ما فعله سامر، هو أيضًا كان ودود معها ومع عائلتها في البداية، انتابها هواجس لم تتركها منذ ثلاثة أسابيع، تزداد كلما اقترب الموعد، صارحت والدتها بها وهي بدورها هدأت من روعها واخبرتها إنه سيكون "ونعمة الزوج"بسببه ستنسى أي شيء حدث لها في الماضي.
تخشى أن يزيد من ألمها رغم إنه ونعمة الرَجُل! كانت تعد الدقائق بخوفٍ، خمسة عشر ساعة وستصبح زوجته وحلاله!
سجدت لربها في صلاتها تدعيه، تدعي ربها وتحدثه بخوفٍ لا يعلمه سواه!
_يارب منقذ يطلع كويس، وميطلعش زي سامر، يارب يبقا حنين وطيب وبيخاف عليا، يارب يبقا كويس، يارب ميضربنيش، يارب ميضربنيش.
3
انتهت من صلاتها وجلست فوق المصلية تقرأ القرآن الكريم كعادتها بعد صلاة العشاء، دق باب غرفتها، أذنت بالدخول ليدخل إياد، حدثها ببسمة"ربنا يثبتك يا حبيبتي، هعطلك؟"
_لاء أنا بقرأ بقالي كتير تعالى.
قالتها بهدوء وهي تنهض، وضعت المصلية والقرآن في موضعهم، وهو جلس على مقعد مكتبها الصغير يحدثها بابتسامة مشرقة"في عروسة قمر أوي كدا؟ يا بخت منقذ واللهِ."
"شكرًا يا إياد".
شكرته بنبرة عادية على إطرائه اللطيف، وهو تحدث بجدية_:
_رودينا أنا كنت عايز اتكلم معاكي كام كلمة في موضوع محرج شوية.
حمحم بجملته بحرج واضح على معالمه، وهي ضيقت نظراتها بتعجب لكن انصتت لله تسأله باستفهام"موضوع إيه؟"
اخبرها بمقدمة تمهيدية أولًا قبل الحديث متفهم حساسية الأمر"يعني أنا كنت هشرح لأمك تشرحلك بس هي مش هتفهم وهتبقا فاكرة الموضوع عادي ولو عرفت أفهمها هي مش هتعرف تفهمك لأن هيبقا بالنسبة ليها الموضوع عادي، لكن أنا دكتورتك النفسي مش أخوكي دلوقتي فعايز اتكلم معاكي في النقطة دي عشان علاجك النفسي قبل الجسدي"
فهمت ما يرمي إليه، وشجعته بكلماتها البسيطة"قول، أنا حكيتلك حاجات حساسة جدًا مش هتيجي على دي".
_حيث كدا بقا فإنتِ لازم تبدأي حياتك مع منقذ صح، وقبل ما تبصي البصة دي وتقوليلي ما أكيد هبدأها صح هقولك تعاملي مع منقذ على إنه أول زوج ليكي في أول ليلة وخليه يتعامل معاكي لأن إنتِ عندك صدمة من الجواز وخوف بسبب كدا، بس طبعًا قبل أي حاجة اقعدي اتكلمي معاه، وفهميه وضعك بيولوچيًا ونفسيًا، والطريقة إللي تحبيه يتعامل معاكي بيها، وحياتكم بعدين، اتكلموا في حاجات كتير لحد ما تاخدوا على بعض.
تملك منها الإحراج، وأخفضت نظراتها إلى الأرضية تحدثه بتلبك"ما دا أكيد كان هيحصل".
_مكنش هيحصل غير بعد مدة أنا عارفك، كنتي هتخافي لكن أنا جي أشيل من قلبك الخوف وأقولك منقذ مش زي سامر، عيشي مع منقذ كإنه أول تجربة في حياتك.
حدثها بعملية، وهي رسمت بسمة ساخرة على وجهها مع تهكمها"مش هينفع، أنا خبرة، منقذ هو إللي لسة بيبدأ حياته المسكين".
مسد فوق ظهرها بحنانٍ مع جملته الحنونة"لاء ياحبيبتي إنتِ لسة متعرفيش حاجة في الدنيا والجواز غير السادية والعنف، لسة مشوفتيش الحب والفرحة والحنية".
_أنا فهمت إنت عايز تقول إيه ممكن نوقف كلام؟
أنهت الحديث بلهجة جادة وهو هز ؤأسه ببساطة، ورجع يسألها باهتمامٍ"إنتِ حكيتي لمنقذ إيه بالظبط عن سامر؟"
تحدثت بسرعة تخبره وهي تحرك يديها"لاء لاء أنا مقولتش أي حاجة غير إنه كان عنيف معايا وسقطني وكانت إيده طويلة، محكتش أي حاجة تانية لا على معاذ وسبب الجواز، ولا على قبل الطلاق، أنا مردتش أحكي حاجة عشان ميبصش ليا بنظرة مش كويسة وكدا وكمان عشان ميعملش زيه ويرجع يعايرني بدا زي ما الكل بيعمل".
"جدعة، كدا كدا كل إللي فات ماضي، وحتى سامر مستحيل يقدر يعملك حاجة تاني".
قالها بهدوء، وهي تحدثت بارتباك وضح على تقاسيم وجهها"بس منقذ بيجي مصر كتير وكان بيضايقني وبعتلك فيديوهات، أخاف يضايقني أنا ومنقذ."
هز رأسه بجمودٍ وهو يخبرها بنبرة متوعدة"يومها اعرفي إنه مش هيطلع عليه نهار الخمورجي دا."
_هو ممكن منقذ يضربني لو عملت حاجة غلط؟
سألته سؤال كان متوقع منها، وهو ابتسم بلطافة مع جملته المرحة"لاء، ولو فكر يعملها بردو أخوكي مش هيطلع عليه نهار، يمكن قبل ما يفكر ما يطلعش عليه نهار، ياحبيبتي أنا اتحول ليكي سفاح."
مزح معها وهو يغمزها بمشاكسة، لكن هي كانت متأكدة من صدق جملته، إياد يتحول إلى سفاح بعدما يتعلق بها أي شيء! يلغي عقله ولا يستخدم إلا ذراعه في أي شيء يخصها ويخص البلطجي الثاني، بالنسبة له قانونه هو ذراعه.
دخل والدهم عليهم وتليه والدتهم محدثهم بمزاحٍ"سكتتوا يعني أول ما شفتوني؟"
وجه نظراته لها محدثها وهو يقرب منها صحن فوقه شطائر"على العموم ياستي أنا كنت عاملك بنفسي سندوتشات مربى بالقشطة."
ضمته في الحال وهي تحدثه بحبٍ ممتزج بامتنانها"شكرًا يا بابا".
_ومفيش شكرًا للولية الغلبانة إللي بقالها أسبوعين دايخة معاكي؟ ومن هنا لهنا لهنا!
صاحت عليها والدتها باستشاطة وهي تلقيها بكريم صغير موضوع فوق تسريحتها، ضحكت بنبرة عالية ورددت بمرحٍ وهي تغمزها"ياست دا إنتِ الحب كله".
"كلمتي منقذ انهاردة؟"
سألها والدها باهتمامٍ، وهي هزت رأسها بجدية"آه الصبح".
ابتسم بسمة صغيرة وجلس بجانبها يأخذها في أحضانه مع جملته المتفهمة"الواد ابن حلال وشاريكي، كفاية إنه بيحبك وبيقولك على كل حاجة آمين، حتى الفرح إللي لغتيه وقالك ماشي، يعني هيشيلك جوا عينه".
_ما أنا مش هينفع أعمل فرح ومحمد لسة ميت!
بررت سريعًا وهو هز رأسه بتفهم وهو يكمل"عارف يابنتي ربنا يرحمه، بس أنا بقولك متزعليش الواد، دا عسل وبيقولك يابعد عمري ودخيل قلبي وتؤبريني وبيدعي على نفسه من ساعة ما عرفك في سبيل الرومانسية يعني الواد أصلي وعداه العيب!"
ضحك على جملته والجميع شاركه الضحك، وتحدثت والدتها"متعرفيش يا رودينا واحدة من قرايبه نجوزها لإياد ونفرح بيه كدا وبنت الحلال السورية في بيت واحد"
رفع نظراته لها، وعلق بسخرية لاذعة"على أساس إللي متجوزها بنت ***؟ ماهي عسل ولبنانية كمان!"
3
هزت رأسها بضجر وهي تأمره بانفعالٍ"بس ياواد متفكرنيش بيها".
_دا إنتِ حما عقربة أوي يا ماما.
مرح معها إياد وهو ينهض يقرصها من وجهها، وهي إلتوى فاهها وهي تردد بتهكم"ياخويا لو عقربة على دي فموافقة وبالعشرة!"
"_____"
_يابنتي إنتِ فيكي شي؟ مچنونة؟ فرح شو وأنا عيلتي بمصر ما بتكمل سبعة؟ أعزم مين!
استنكر منقذ بنبرة عالية وهو يسأل ميسة بعدم تصديق، وهي ردت في الحال"بتعزم صحابك، چيرانك، أي حدا! لكن بتلغي الفرح؟"
هز رأسه بقلة حيلة ووالدته ردت بدلًا عنه"يابنتي الله بهديكي الصبية عندها حالة وفاة، عيب للميت حرمته، وبعدين إنتِ بتعرفي منقذ بالأساس ما كان رح يعمل عرس كبير ولا رح يعزم حدا! فشو المشكلة؟"
_المشكلة إن أول فرحته هيك! عروس مطلقة، مافي عرس، مافي أي شي!
1
تحركت رأسه بعدم رضاء، وتحدث بضيقٍ"الله يهديكي وتعقلي وتعرفي إني هيك بدي عيش، والله العظيم حياتي مو حياتك!"
نهى جملته وغادر من منزلها ناهي هذا النقاش العقيم، أخرج هاتفه يدخل على برنامج فتح تلقائي على جملة"ست الحسن والدلال رح تكون مرتي."
وأسفله ساعات ودقائق وثواني يحسبون كم متبقي على يوم زفافه! ظهر له إنه باقي أربع ساعات فقط ويوم زفافه غدًا يأتي! ابتسم ابتسامة متهللة وردد بحماسٍ وهو يحرك يديه"Yes".
2
"______"
لم تنم بشكل جيد، نومها كان متقطع، أتى الصباح وذهبت هي ووالدتها إلى مركز التجميل، وصففت شعرها ووضعت لها مساحيق تجميل خفيفة ورقيقة للغاية تلائم فستانها الذي يماشي أكثر مع يوم كتب كتاب وسترجع الفتاة على منزل والدها وليس زوجها.
وصل منقذ في تمام الساعة السادسة مساءً، خرجت عليه لتتسع ابتسامته! الفتاة زادت جمال على جمالها! كانت كتلة من الجمال واللطافة والآن هي كتلة من الأنوثة والجمال والرقة واللطافة! شملتها نظرته المتقنة بدايةً من حذائها الغير ظاهر أسفل فستانها الأبيض حتى وشاحها، كان فستان رقيق وبسيط للغاية، أبيض اللون، ليس به أي رسمة ولا نقوشات، من الحرير، وليس منفوش واسع بعض الشيء لكنه يظهر إنه مجسم، كان أرق شيء عيونه رأته_بعدها_، ووشاح أبيض كامل يزين وجهها، الفتاة فاتنة بدون أي مجهود أو بهرجة!
اصطحبها إلى قاعة كتب كتابهم، كانت قاعة مخصصة لعقد القران فقط لا أغاني ولا فرقة موسيقية ولا أي شيء سوى قطعة_جاتوا_وزجاجة مشروب غازي، ورودينا لم تعزم أحد إلا صديقتها"زينب"وفقط، لم يكن زفاف لتعزم أحد، وبالأساس هي مقاطعة عائلة والدها ووالدتها منذ طلاقها، الجميع تحدث عنها بأسوأ الحديث، حتى قالوا عنها أشياء بحياتها لم تفعلها، لكنهم ساروا مع الموجة!
1
كانوا رفاق منقذ فقط ليحيون الليلة، جلست رودينا على مقعد بجانب والدها، وجلست حياة فوق أقدامها لتحدثها جدتها بخفوت"لاء لاء الفستان يبوظ، اقعدي جنبها."
ابتسمت لها رودينا وداعبت شعرها الجميل، دنت تجاهها تقبلها بحبٍ، والثانية جلست على مقعد بجانبها، مضت على جميع الأوراق، ومنقذ كذلك، ووضع يده في يد والدها الذي دموعه تساقطت في منتصف الحديث، وانتهى المأذون ونهض هو يضم والدها، ووالدها حدثه بتأثر"متخذلهاش يا منقذ، ولو زعلتك تعالى ليا وأنا هجيبلك حقك، بس أنا معنديش أغلى منها، دي نور عيني".
_هي في عيوني يا عمي، متخافش عليها.
قالها بصدق وهو يربت فوق ظهره، وبعدما ابتعد عنه ضمه إياد بمرحٍ"أبو نسب أبو كلام زي السكر، أنا بحبك والكلام مش ليا، يابخت أختي، مش هوصيك عليها بقا عشان عارف إنك هتحطها في قلبك."
ضحك معه واخبره بمشاكسة_:
_بس أنت هتزعل عشان رودينا هتبقا بتحبني أكتر منك.
_متقدرش، أنا بردو مسيطر!
تباهى بجملته، والثاني اقترب منها ووالدته كانت تضمها بقوة، حدث والدها بتذمر"أنا كمان عايز أحضنها!"
ضحكت، وخرجت من أحضان حماتها، اقترب منها يقبل جبينها مع حديثه"عشان هي خجولة بس."
كان قلبها يرفرف من السعادة، واتجهت زينب تضمها بحرارة، وتبارك لها، حدثتها رودينا بحرجٍ"اوعي تزعلي مني إني اتجوزت اليومين دول".
_لاء يا بنتي إنتِ هبلة! وبعدين إنتِ عاملة أقل حاجة واللهِ، دا أنا إللي مكسوفة من نفسي جدًا.
قالتها وهي تتحدث بابتسامة بالفعل محرجة، والثانية حدثتها بضحكة ودودة"إللي فات مات يا زينب، وأنا فرحانة إنك جيتي".
بادلتها البسمة بابتسامة حنونة وهي تقرص وجهها بخفة"لو مجتش ليكي أجي لمين؟"
3
غادروا بعد وقتٍ من القاعة، ومنقذ ورودينا كانوا جالسين في سيارة إياد من الخلف، وإياد بجانبه زوجته، ساروا في شوارع عديدة وخلفهم رفاق منقذ يدورون حولهم بالدراجات والسيارات، وبعد وقتٍ وصلوا إلى المنزل والزغاريد لا تفارقهم من والدتها ووالدته، بعدما جلسوا معهم لمدة خمس دقائق فقط غادروا، ووالدت منقذ جلست تقنع حياة أن تصعد معها إلى منزل ميسة لكن الثانية كانت محتضنة رودينا بتصميمٍ وهي تصرخ بنبرة باكية_:
_لاء بدي أقعد مع رودينا وبابا.
_يابنتي الله يهديكي إنهاردة بس بتنامي فوق والصبح بننزل ليهم.
قالتها جدتها بقلة حيلة، ورودينا ضحكت وهي تقبل حياة بقوة من وجنتيها مع جملتها اللطيفة"أنا علطول هقعد معاكي في البيت، وهنقعد بعد كدا نلعب ونهزر ونصور تيك توك وأعملك مكياچ، بس إنهاردة صحابك عايزينك تطلعي تقعدي معاهم ياعيوني، مش إنتِ بتحبي عابد وغيث؟ وبتحبي تشيلي نورين؟"
تحمست بكلماتها وهي تسألها بطفولة"يعني ما رح تمشي؟"
_لاء خلاص اتجوزت بابا هفضل قاعدة على قلبكم.
مازحتها بكلماتها، والثانية وجهت نظراتها المنفعلة إلى منقذ تحدثه بتهديد بعدما رفع سبابتها أمام عيونه"رح سيبها معك بس ما تضايقها."
تعالت قهقهته، ودنى قبلتها يبعثر شعرها مع جملته الحنونة"من عيوني يا عمري، ما رح أضايقها في حياتي."
اقتربت والدت منقذ تضم رودينا واخبرتها بابتسامة"مبروك يا حبيبتي تتهني في حياتك."
حماتها لطيفة للغاية! لم تتوقع أن تعاملها تلك المعاملة الحنونة! لكنها كل يوم تبهرها.
صعدوا أخيرًا إلى منزل ميسة، وهي تحدثت ببسمة ودودة"مامتك وحياة عسولين أوي، مش عارفة حياة هتعمل إيه في الأسبوع إللي هنسافره، ما تاخدها معانا".
_آه ناخدها معانا وناخد أمي وناخد ميسة وأحمد وأولادهم وأمك وأبوكي وأخوكي ومراته، عايزة حد كمان ولا نجيب عم مصطفى البواب؟
سخر منها بحديثه وهو يرسم ملامح مستهجنة على ملامحه، وهي رمقته بضيقٍ مع جملتها"على فكرة بتكلم جد، البنت متعلقة بيك أكيد هتزعل لو سبناها."
جلس بجانبها محدثها ببسمة صغيرة متفهمة"بصي يا عمري دا اسمه أسبوع عسل حتى مش شهر، أسبوع لطيف هنقضيه مع بعض، لكن بوعدك إن بعد شهر مثلًا هاخدك إنتِ وماما وحياة ونروح المصيف، تمام؟"
_ماشي، هقوم أدخل الأوضة.
هز رأسه بموافقة صامتة، نهضت تدخل إلى غرفة نومه، تفحصتها بهدوء، هي التي اختارت الديكور والألوان الخاصة بالمنزل كله ووالدته لم تمانع في أي شيء بل رحبت بالفكرة.
وقفت ترمق حالها بفستان الزفاف، كان رقيق للغاية عكس فستان زفافها السابق المبهر! كان فستان ضخم وجميل لكنها لم تكره في حياتها مثل هذا الفستان، فكت وشاحها الابيض الجميل، وخلعت الوشاح الصغير من أسفله، وخلعت فستانها عنها مرتدية منامة حرير بيضاء، وقفت أمام المرآة تتزين، بدأت بتمشيط شعرها، كان جميل للغاية، ورائحته ملأت الغرفة، بدأت برش عطورها على ملابسها وجسدها، دق منقذ على الباب وتذمر بضجر_:
_يا أميرة والله برا في عبد مسكين بده يغير تيابه! مو معقول نص ساعة بتغيري شقفة فستان!
تحشرجت الكلمات في حنجرتها، شعرت إن وجهها ملتهب من خجلها وتوترها، تريد أن تبكي وتهرب، اتجهت تفتح له الباب وواضعة وجهها في الأرضية باستحياءٍ، وهو كان أصدر صفير عاليًا، يحدق بها ببسمة واسعة، شعرها جميل وثقيل وطويل! يصل إلى منتصف ظهرها، أسود داكن يلمع! تركته حر فوق منامتها البيضاء الستان، اقترب منها يمسك بأناملها يديرها بمرحٍ وهو يردد بضحكة عالية_:
_والله أجمل شعر بشوفه في حياتي!
"شكرًا".
شكرته على استحياء، وهو رفع ذقنها برقة مع جملته اللينة"شكلك اكتير چميل يا بعد قلبي، الله يديمك لإلي يا عمري."
نهى حديثه واقترب منها يضمها إليه، دفن وجهها في صدره وهو استنشق شعرها، شعر بها ترتجف، وسمع دقات قلبها، ابتعد عنها بخفة مع حديثه المتريث"رح غير يا عمري وبنقعد نتكلم؟ اتفقنا؟"
حركت رأسها من أعلى إلى أسفل واتجهت تخرج من الغرفة بأقدامٍ متعثرة، شعرت إن قلبها يهتز بعنفٍ، منقذ شقلب كيانها، وقارنت بين أول ليلة لها مع سامر ومع منقذ، سامر جعلها ترتعب! أما منقذ فهو لطيف للغاية!
مر عدة دقائق ووقفت في مطبخها الجديد تمسك بشريط حبوب طبي بيدٍ مرتجفة، منقذ لا يستحق منها هكذا لكن لتكون هادئة معه يجب أن تأخذ تلك المهدئات، أخذت أول واحدة ومن ثم الثانية بكوب مياه، دخل عليها منقذ يسألها ببسمة_:
_شو بتعملي؟
انتفضت من صوته بخوفٍ ليسقط الكوب من يديها متهشم أسفل قدميها، وعت لحالها تضع الشريط فورًا في جيب بلوزتها الحرير متحدثة بتلبك"أنا آسفة واللهِ".
اقترب منها بلهفة يسحبها بخوفٍ مع سؤاله القلق"مالك؟ حصل حاجة؟"
هزت رأسها وملامحها صفراء، واعتذرت بكلماتها"آسفة.."
قطع جملتها بجملته المهدئة من روعها"فداكي يا عمري، خوفت عليكي بس، سبيها وأنا بلمها".
أخرجها برفق من المطبخ ومن ثم نظف هو المطبخ من الزجاج المهشم، خرج لها يحدثها بابتسامة واسعة"أحلى حاجة مساعدة الزوج في أول يوم جواز دا، ليها متعة كدا".
غمزها في النهاية بمرحٍ وهي ضحكت باصطناع، جلس بجانبها بعدما شعر بتوتر ملامحها محدثها بروية وبسمته تزين ثغره، وحديثه الحنون ذوبها_:
_بتعرفي إنك أجمل بنت شافتها عيني؟ مش في الشكل بس في الروح، يعني والله روحك هي ياللي شدتني، ضحكتك، عيونك وهي عم تبكي كانوا حلوين رغم إني ما بحبهم يبكوا، كلامك ويا الله من كلامك، حبك لبنت أختي، كل شي كان بيجذبني ألك، حتى حبيت اللهجة المصرية بعد ما سمعتها منك، وعصبيتك وإنتِ بتقولي رودينا هي الوحشة في رواياتهم، بس إنتِ الحلوة في روايتي، وأحلى الحلوين كمان، بتتذكري أول اختلاط بينا حقيقي لما روحتي معي أنا وحياة المسچد مشان صلاة العشاء، وهلأ رح نقوم نصلي أول صلاة لينا ببيتنا.
شعرت إن حديثه هدأ من روعها وطمئنها، كانت تحتاج لتلك الكلمات التي تربت على قلبها برفق، فتحت ذراعيها بعيونٍ دامعة وهي تخبره بتذمر"طب احضني طب."
تعالت ضحكته الهادئة وسحبها من ذراعها بلينٍ وهو يقربها إلى أحضانه وردد بجانب أُذنها بصوتٍ خافت مرح"أنا أحب في اللحظات دي أحضن جدًا".
_أنت عوض ربنا ليا، بالله عليك ما تعمل حاجة تخليني أندم إني اتجوزت تاني.
قالتها بخوفٍ واضح، وهو طمئنها بضمة إلى قلبه فقط دون الحديث، تنهدت براحة مع كلماتها"ربنا يديمك ليا."
_ويديمك يا عمر منقذ، تؤبريني إنتِ.
قال كلمته الأخيرة لتصفق بحماس كبير ممتزج بسعادتها"الله، تعرف أنا اتجوزتك عشان الكلمة دي واللهِ، طول عمري بسمعها في التركي".
زفر بقلة حيلة وهو يسخر منها"التركي جننك، يلا قومي اتوضي".
نهضت تدخل إلى المرحاض، خرجت بعد قليلٍ مرتدية جلباب الصلاة، وهو توضأ وخرج كانت هي فرشت بساط الصلاة موضع القبلة، تقدمها وهي وقفت خلفه، كبَّر وبدأ يجهر بتلاوته وهي شعرت بهيبة اليوم والموقف! لم تتزوج كما قال أخوها! استشعرت آيات ربها الذي يتليها منقذ باتقان…:
(وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). [الأنبياء، آية: 89-90]
كبَّر وركع وخلفه هي فعلت ما فعله، ورفع يديه يردد بيقين وخشوع واضح في صوته"سمع الله لمن حمده".
وبداخلها كانت تردد بدقات قلب تتسارع"الحمدلله، الحمدلله".
رددت بصوتٍ خافت وعيونها مملوءة بالدموع"ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا".
كبَّر وسجد وهي سجدت ودموعها انحدرت على وجهها وهي تشكر ربها، عطاء الله واسع! يا الله! في سجودها كانت تدعو الله أن يحنن قلبه عليها ويجعله زوج صالح لها ويجعلها زوجة صالحة له، انتهى من صلاته وقبل النهوض بدأ يدعي بصوتٍ متوسط وصل إلى مسامعها"اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليهِ وأعوذُ بِكَ من شرِّها ومن شرِّ ما جبلتَها عليهِ".
اتسعت بسمتها وجلست فوق بساط صلاتها بهدوء، وهو نهض يطبق بساطه واضعه في درجه الأساسي مع كلماته الهادئة بسعادة واضحة"مبارك يا عروسة".
نهضت تفعل ما فعله، ودخلت غرفتها خلفه، وقفت أمام خزانتها تسأله بخجلٍ"عايز لون إيه؟"
_أي حاجة ياستي أي لون من ذوقك حلو.
ضحك معها بجملته، وهي أخرجت قميص نبيذي بأكمام طويلة يصل لقبل كاحلها بأشياء بسيطة، لاحظت إنه كان سيعترض لتتحدث بتوتر"لو مش عايز دا خلاص نبدله".
هز رأسه بهدوء"لاء أي حاجة، بحب النبيتي".
دخلت إلى المرحاض تغير منامتها إلى ذلك القميص، ابتلعت لعابها باضطراب مع حديثها بصوت مرتفع تذكر نفسها"دا منقذ جوزك الحنين، عشانه عشانه، هو مش ذنبه حاجة".
خرجت عليه راسمة بسمة مهزوزة وهو كرد فعل منه طبيعي أثنى عليها بعبارات بسيطة لكن لاحظ ارتباكها الذي حركاتها تفضحه، حدثها ببساطة ليزيل ارتباكها"شو رأيك نتكلم شوية؟ يعني شو بتفكري تعملي بحياتنا بعدين، وكيف بدك أكون، وبتطلبي إيه وهيك يعني؟"
_عيزاك تفهمني بس وتكون طيب، ولما تفكر تتجوز عليا عشان تخلف قولي ومتتجوزش من ورايا.
هكذا طموحها وفي أول ليلة! شحب لون وجهه وهو يسألها بصدمة"هيك بتقولي؟"
ضحك وهو يخبرها بمرحٍ"واللهِ الراچل العاقل إذا بيعملها مرة ما بيفكر يعملها مرة تانية أبدًا خلاص بيتعب والله ما بيقدر"!
ضحكت بقوة عليه وأكملت بجدية"وكمان عايزة أعمل حاجات كتير أوي مع حياة باعتبار إني هبقا زي مامتها، يارب هي بس توافق، وهخلي مامتك إن شاء الله في عيني لإنها هي إللي جوزتك ليا ودي أول أم متتعقربش عليا ولا تقولي حاجة تزعلني ويارب دايمًا، وكمان أنت هحطك جوا عيوني الاتنين".
سمعها بانصات، وحرك رأسه بتفهم وهو يردد"الله يرزقك الچنة ونعيمها على نيتك."
وسألها بانتباه"وفي علاقتنا الزوچية؟"
ازدردت لعابها باضطراب مع حديثها المتلبك"عاملني باللي الدين قال عليه".
هز رأسه بموافقة ولحقته جملته"الله شاهد عليا وعلى معاملتي ليكي".
_وأنا مستعدة دلوقتي نبدأ حياتنا.
قالتها بشجاعة تحسد عليها، وهو ضيق نظراته باستنكار، حديثها يقول شيء ونظراتها تقول عكسه ليسألها بتردد"مستعدة؟"
_جدًا.
أجابته بها في الحال، وبعد عدة دقائق وصلوا إلى نصف ساعة أو أقل بدقيقة أو اثنين ردد بصوتٍ خَشن"اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وجَنِّبِ الشَّيْطَانَ ما رَزَقْتَنَا".
كانت في عالم آخر لا تشعر بشيء إلا بالاشمئزاز، كإنها إنسان آلي لا تبادله أي شيء، فعلت كما كانت تفعل مع سامر من قبل، أن تستسلم فقط وتتركه هو يقوم بمهمته، رغم إن حديثه كان معسول يلين الحديد، ويجعل القلب كطير يطير، أسوأ شيء فعلته هو الزواج مرة ثانية، تلك أسوأ ثاني ليلة زواج تمر عليها، سالت دموعها تلهب وجهها، وهو انتفض يسألها ما بها! اجهشت في البكاء وهي تدفعه عنها بهلعٍ، ساحبة معطف نومها الحريري ترتديه راكضة تجاه المرحاض مغلقة الباب خلفها بالقفل!
7
"_______"
والله البارت عسول محدش ينكر😠😠
بحس كل بارت كدا لازم أموتكم وأنزلكم القبر وأخليكم تتعذبوا وتدخلوا النار😭😭😭😭😂
3
مكروتتش موت محمد بس أكيد مش هنقعد فيه سنة يعني، المهم هو في أحداث بردو بتترتب بعد موته.
قولولي رأيكم في البارت ومشهد موت محمد؟
4
وتوقعاتكم؟
ومنقذ ورودينا؟
1
وعمير وزينب؟
2
وإياد ورنا؟
إيش رأيكم في هدية منقذ؟
1
وفي أوس أوستنا؟
6
وزينب ورودينا؟
1
وزينب؟