رواية نبضات الصخر الفصل الثاني 2 بقلم هاجر سلامة
التاني
ابتسمت نايا ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها، وظلت واقفة في مكانها كتمثال رخامي لا تهزه الرياح.
لم تظهر أي علامة من علامات النصر أمام انكساره، بل اكتفت بالإشارة إلى المقعد الجلدي المواجه لمكتبها قائلة بجفاء: "اقعد يا معاذ.. كويس إنك جيت بسرعة ووفرت علينا وقت كتير."
جلس معاذ وكأنه جسد بلا روح، أسند مرفقيه على ركبتيه ودفن وجهه بين كفيه لثوانٍ، قبل أن يرفع رأسه وعيناه الحمراوان تشعان خيبة أمل وقهر: "أنا مش جاي أتحايل عليكي، ولا جاي أسألك إزاي عملتي كده.. أنا جاي أنفذ اللي أنتِ عايزاه بس بشروطي أنا."
رفعت نايا حاجباً واحداً، وربعت يديها فوق سطح المكتب الخشبي المصنوع من الأبنوس الفاخر.
في تلك اللحظة، كانت الفصحى تعبر عن الموقف بدقة؛ فقد كانت هيبتها طاغية، والغرور يغلف كل حركة من حركاتها، بينما كان التوتر يسود أركان المكتب الواسع الفسيح الذي تطل واجهته الزجاجية على شوارع القاهرة المزدحمة.
قالت نايا بنبرة آمرة: "سامعاك.. قول شروطك يا معاذ، مع إني مش متعودة إن حد يملي عليا شروطه في مكاني."
تحدث معاذ بصوت حاد ومبحوح: "الجواز ده هيبقى على الورق وبس.. قدام أبوكي ومراته والدنيا كلها إحنا متجوزين، لكن في بيتك مالكيش دعوة بيا ولا ليا دعوة بيكي. والطفل اللي أنتِ عايزاه.. أول ما يتولد وعقد الست شهور ينتهي، هطلقك وأسيبلك الولد والموقع بتاعي في الشركة، وأمشي ومش هتشوفي وشي تاني."
صمتت نايا للحظات، تتأمل ملامحه المجهدة.
كان يبدو كفارس خسر معركته الأخيرة، لكن كبريائه ما زال يرفض الانحناء الكامل. شعرت بوخزة غريبة في صدرها، لكنها سرعان ما نفضتها بعيداً.
تذكرت وجه زوجة أبيها "ميرفت"، وتذكرت طبيبها وهو يلوح بورقة الاستئصال المرعبة.
تذكرت والدتها الراحلة وجدران غرفتها التي ما زالت تفوح برائحتها.
لم يكن هناك وقت للعواطف أو الشفقة.نطقت نايا بثقة: "موافقة يا معاذ.. شروطك مقبولة، بس فيه شرط واحد زيادة من عندي.. كتب الكتاب والدخلة هيكونوا الأسبوع ده. مش هسمح بضياع يوم واحد، وأبويا وميرفت لازم يشوفوا الدبل في إيدينا قبل ما ميرفت تطبخ طبختها مع ابنها."
أومأ معاذ برأسه بآلية، ثم وقف قائلاً: "تمام.. بلغيني بالمعاد والمكان، وأنا هكون جاهز."
وقبل أن يلتفت ليغادر، استوقفه صوتها الحاد وهي تقول: "معاذ.. بالنسبة لسيرين هي فين "
معاذ: مفيش سيرين م بعد اليوم " وسحبها واطلع من المكتب.
في المساء، كانت الأجواء في قصر "شاكر بيه" مشحونة بالترقب.
جلس الجميع حول مائدة العشاء الفاخرة التي امتدت بأنواع الأطعمة، لكن الصمت كان سيد الموقف.
كانت ميرفت تبتسم بخبث وهي تقطع قطعة من اللحم وتضعها في طبق زوجها، قائلة بنبرة أفعى ناعمة: "والله يا شاكر بيه، قرارك بخصوص الميراث ده عين العقل. مازن ابني من دلوقتي مركز في دراسته، وبيدور على بنت الحلال اللي تليق بمستواه عشان يفرحنا بالحفيد الأول."
نظر شاكر إلى ابنه مازن بعين الفخر، ثم التفت ليرى مقعد نايا الفارغ.
وقبل أن يتحدث، دخلت نايا القاعة بخطوات واثقة، مرتدية بدلة رسمية بيضاء تزيدها شموخاً، وخلفها كان يسير معاذ بزيه الرسمي المعهود، لكن بملامح حازمة وجادة.
وقفت نايا عند رأس المائدة، ونظرت إلى أبيها وميرفت وقالت بابتسامة مستفزة : "مساء الخير يا جماعة.. حابة أعرفكم على معاذ، جوزي المستقبلي ورئيس قطاع الحسابات في شركتنا."
سقطت الشوكة من يد ميرفت لتحدث رنيناً مزعجاً على الطبق الصيني، واتسعت عيناها بذهول، بينما اعتدل شاكر بيه في جلسته وعقد حاجبيه بصرامة: "يعني إيه الكلام ده يا نايا؟ ومن إمتى الموضوع ده؟"
تقدم معاذ خطوة إلى الأمام، ورغم انكساره الداخلي، إلا أن رجولته وكبريائه منعا أي شخص من استصغاره. تحدث بنبرة قوية: "يشرفني يا شاكر بيه إني أطلب إيد الآنسة نايا. إحنا بنحب بعض من فترة، ومستنيين الوقت المناسب. وبما إن حضرتك استعجلت الأمور بقرار الميراث الأخير، فإحنا قررنا نعلن جوازنا فوراً.. وكتب الكتاب الأسبوع ده."
نهضت ميرفت وهي تصيح بغضب مكتوم: "جواز إيه ده اللي فجأة؟ أنت مين أصلاً يا شاطر عشان تناسب عيلة شاكر بيه؟ أنت مجرد موظف عندنا!"
التفتت إليها نايا بكل برود، وسندت يديها على الطاولة واقتربت من وجه ميرفت قائلة بفحيح: "الموظف ده يا ميرفت هو اللي شايل حسابات الشركة كلها، وهو اللي من عيلة محترمة وصاين نفسه.. والأهم من ده كله، إنه هيكون أبو الحفيد الأول اللي هيقعدك أنتِ وابنك في البيت.. من غير ولا مليم."
ضرب شاكر بيه الطاولة بيده قائلاً بصوت هز أركان القصر: "بس! بس أنتوا الاتنين! نايا.. لو الراجل ده اختيارك فعلاً، أنا مش هعترض، بس كتب الكتاب لازم يكون في حفلة تليق باسم العيلة، وخلال أربعة أيام بالظبط.. وروني بقى مين فيكم هيجيب الوريث الأول."
في اليوم التالي، كانت سيرين تجلس في أحد الكافيهات الفخمة في الزمالك، ترتدي ملابس جديدة باهظة الثمن، وتمسك بهاتفها الجديد وتنظر إلى حسابها البنكي الذي تضخم بـ 10 ملايين جنيه. كانت تبتسم بجشع وتخطط لكيفية السفر خارج البلاد والاستمتاع بالمال.فجأة، شعرت بظل يقف فوق رأسها.
رفعت عينيها لتجد نايا تقف أمامها بنظرات محتقرة.
لم تدعها نايا تتحدث، بل جلست على المقعد المقابل وأخرجت من حقيبتها ملفاً أسود ورشقته على الطاولة.
قالت نايا بنبرة جافة: "امضي هنا يا سيرين."
نظرت سيرين إلى الورقة باستغراب وقالت بطمع: "ورقة إيه دي؟ أنا عملت اللي أنتِ عايزاه وخليته يكرهني ورميت له الدبلة.. ماليش دعوة بيكم تاني."
التفتت نايا إليها بنظرة جعلت دم سيرين يتجمد في عروقها، وقالت : "هذا إقرار وتعهد.. بأنكِ استلمتِ المبلغ مقابل خدمات استشارية للشركة، وتتعهدين فيه بعدم التعرض لمعاذ أو محاولة الاتصال به نهائياً. وإذا خالفتِ البند، سيتم سحب الأموال فوراً ورفع قضية نصب واحتيا..ل وسجنكِ."
ارتجفت يد سيرين، ونظرت إلى القلم ثم إلى نايا.
كانت تعلم أن نايا قادرة على تدميرها في ثوانٍ.
أمسكت بالقلم ووقعت على الإقرار بسرعة.
أخذت نايا الورقة، ووقفت قائلة بابتسامة ساخرة : "مبروك عليكي الفلوس يا سيرين.. بس خليكي فاكرة، أنتِ بعتي راجل بيكسب دهب، عشان شوية ورق.. بكرة تندمي، بس الندم مش هيفيدك."
جاء يوم الزفاف سريعاً وصاخباً. كان القصر مزيناً بأفخم أنواع الزهور البيضاء والإضاءات المبهرة.
حضر كبار رجال الأعمال والمسؤولين.
كانت نايا تبدو كملكة في فستانها الأبيض المطرز بالكامل باللؤلؤ، لكن وجهها كان خالياً من أي مشاعر فرح حقيقية.
كانت تنظر في المرآة وتهمس لنفسها: "كل ده عشانك يا أمي.. مش هسيبهم ياخدوا مكانك ولا شقاكي."
في الجانب الآخر، كان معاذ يرتدي بدلته السوداء الكلاسيكية.
كان يبدو وسيماً للغاية ولكن ملامحه كانت صارمة كصخرة صماء.
لم يبتسم للكاميرات، ولم ينظر إلى نايا إلا عندما أجبره المأذون على وضع يده في يد أبيها.
انتهت مراسم كتب الكتاب، وصاح المأذون بكلمته الشهيرة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."انطلقت الزغاريد في القصر، وكانت ميرفت تقف في الزاوية وعيناها تكاد تنفجر من الغيظ والحقد، بينما كان شاكر بيه يربت على كتف معاذ قائلاً: "مبروك يا يا معاذ.. حافظ على بنتي، وريني شطارتك في الشغل وفي البيت."
انتهى الحفل الصاخب، وتوجه العروسان إلى الجناح الخاص بنايا في الطابق العلوي من القصر.
دخلت نايا وأغلقت الباب خلفها، ثم التفتت لتجد معاذ يخلع سترته السوداء ويلقيها على المقعد بإهمال.
فك معاذ أزرار قميصه العلوية، ونظر إليها ببرود تام قائلاً : "أهو كتبنا الكتاب وبقينا متجوزين قدام الكل.. ودلوقتي، كل واحد فينا يلزم حدوده. أنا هنام في الأوضة التانية اللي جوة الجناح، ومن بكرة الشغل بينا هيبقى رسمي وبس.. مفهوم يا نايا هانم؟"
لم تجبه نايا، بل اكتفت بهز رأسها بالموافقة وهي تشعر بثقل الفستان الأبيض على جسدها، وثقل اللعبة الخطيرة التي بدأتها للتو، والتي لا تعلم إن كانت ستخرج منها فائزة.. أم ستخسر فيها قلبها للأبد.