📁 آخر الروايات

رواية دهب بين أيادي الشيطان الفصل الثالث 3 بقلم اميرة خالد

رواية دهب بين أيادي الشيطان الفصل الثالث 3 بقلم اميرة خالد


الفصل الثالث

استيقظ همام متأخراً على غير عادته، وملامح الضيق ترتسم على وجهه. بادرتْه زوجته أكابر بنبرة تعجب:
— "أول مرة تصحى متأخر يا حاج؟"
رد همام بعصبية مكتومة:
— "أصل ما نمتش طول الليل.. دماغي مشقوطة من التفكير في قعدة عيلة أبو زهران النهاردة."
ربتت أكابر على كتفه بهدوء:
— "إن شاء الله خير يا بو بدر.. متقلقش واصل."
تنهد همام وقال: "حضري لي الهدوم." ثم دخل إلى الحمام ليقف تحت المياه الباردة، علّها تطفيء النيران المشتعلة في عقله، فصورة "دهب" لم تفارق خياله طوال الليل. حين خرج، وجد ثيابه جاهزة، فبدأ يرتديها وقال لأكابر:
— "روحي صحي الرجالة عشان يجهزوا للقعدة."
​خرجت أكابر وهمّت بجمع رجال البيت. خبطت على غرفة ابنها الأكبر "بدر":
— "يا بدر يا حبيب أمك، أبوك مستنيك."
فتح بدر الباب وهو يزرر قميصه: "أنا جاهز يا أمي، بس خلي حد يعمل لي فنجان قهوة يصحصحني."
قالت له: "من عنيا." ثم اتجهت لغرفة "يونس" ونادت عليه، فأجابها من الداخل: "حاضر ياما.. نازل وراكي طوالي." وفي طريقها خبطت على غرفة "عزيز" قائلة: "الفطور جاهز يا جماعة"، فرد عزيز: "صحيح.. جايين وراكي يا مرت أخوي."
​نزلت أكابر إلى المطبخ، فوجدت "دهب" شعلة من النشاط، تساعد الفتيات بهمة. نظرت أكابر إلى "نورا" وقالت: "اعملي القهوة للرجالة بسرعة." فردت نورا بطاعة مصطنعة: "حاضر يا ست الناس." والتفتت أكابر لدهب قائلة بحنان: "خدي يا دهب، اطلعي رصي الأطباق دي على السفرة."
​أخذت دهب الأطباق وخرجت. وفي تلك اللحظة، كان همام ينزل على الدرج. ما إن وقعت عيناه عليها حتى شعر بهزة عنيفة في أعماق قلبه، نفضة لم يفهم لها سبباً ولا معنى! تجاوزها بهيبته وجلس على رأس السفرة.
​دخل بدر قائلاً: "صباح الخير يا بوي."
رد همام: "صباح النور.. ها يا يونس، جهز حالك عشان هتيجي معايا قعدة أبو زهران بعد العصر."
تدخل بدر: "وأنا معاك يا بوي."
رد همام بحسم: "لا، عايزك تروح الأرض وتراجع ورق صفقة المحاصيل الجديدة."
قال بدر بطاعة: "حاضر يابا."
​في تلك الأثناء، خرجت أكابر من المطبخ وهي تحمل فنجان قهوة همام المخصوص وقدمته له. ارتشف همام رشفة واحدة، ولم يستطع تحمل مذاقها فبصقها فوراً وسط دهشة الجميع! نظر لأكابر بحدّة وسأل:
— "مين اللي عمل القهوة دي؟!"
ردت أكابر بتعجب: "أنا اللي عملتها بيدي يا حاج! ونورا عملت قهوة بدر ويونس."
هز همام رأسه وقال بيقين: "لا.. القهوة دي مش من إيديكي واصل!"
حاولت أكابر تدارك الموقف فقالت: "خلاص متزعلش عاد، هعمل لك غيرها على السبرتاية حالا." صنعتها له مجدداً، وحين تذوقها وجدها نفس الطعم المر، لكنه آثر ألا يكسر بخاطرها فشربها وسكت، وبدأوا في تناول الإفطار.
​تحدث عزيز: "أنا هاجي معاك القعدة يا همام."
رد همام: "لا يا عزيز، روح مع بدر على الأرض، الشغل هناك محتاج عين واعية."
أومأ عزيز: "حاضر يا خوي."
​التفتت أكابر وهمست لهمام: "معلش يا حاج، كنت عايزة أنزل المحافظة النهاردة."
سألها: "ليه؟ خير؟"
قالت: "عايزة أشتري شوية هدوم لدهب، وكمان نجيب حاجات لعالية.. ولو وفاء ونودي يحبوا يجوا معانا يغيروا جو."
وافق همام باقتضاب: "ماشي.. ولو عوزتي فلوس خدي من الخزنة."
قالت بامتنان: "ربنا يخليك لينا وما يحرمناش منك."
​قام همام والرجالة وتوجه كل منهم إلى أشغاله. نادت أكابر على الفتيات: "يلا يا بنات عشان نجهز وننزل."
ردت نودي بتعاليها المعتاد: "أوكي يا طنط، هطلع ألبس." وقالت عالية بفرحة: "يلا بينا." نظرت أكابر لدهب وسألتها: "مش هتيجي معانا يا دهب؟"
ردت دهب بخجل وانكسار: "لا يا ست أكابر.. هفضل هنا، شوفي وراكي إيه في المطبخ وأنا هعمله."
قالت أكابر: "خلاص، ادخلي مع البنات وخلصوا الأكل على ما نرجع."
​نزلت أكابر ووفاء والبنات وركبوا مع السائق، بينما عادت دهب للمطبخ. كانت "نورا" تنظر إليها بغلّ وحقد يأكل قلبها، خاصة بعد رؤية العباءة الجميلة التي ترتديها دهب. تعمدت نورا إثقال كاهل دهب بالعمل، فجعلتها تغسل جبالاً من المواعين حتى غرقت عباءتها بالماء بالكامل. اضطرت دهب للذهاب إلى غرفتها وتغييرها، لتعود مرتدية جلابيتها القديمة المهلهلة وتكمل الشغل بصمت.
​بعد فترة، عاد همام إلى البيت قبل موعد القعدة. كان يشعر بصداع قاتل وأراد تغيير ملابسه ليلبس جلباب الهيبة والوقار للمجلس. وهو يدخل من البوابة، تيبّس في مكانه بغضب أعمى حين رأى دهب تمسح السلم، والغفير واقف ينظر إليها بتمعن!
​انفجر همام كالبركان وزعق في الغفير:
— "بتعمل إيه عندك يا ولد المحروق أنت هنا؟!"
ارتجف الغفير بارتباك شديد: "ما.. مافيش يا بيه! البنت نورا كانت عايزاني أدخل السرير ده في الأوضة اللي في الأرضي."
برقت عينا همام وقال بنبرة مخيفة: "طب اطلع برة.. ورجلك دي ماتعتبش هنا تاني!"
​هرب الغفير، فالتفت همام لدهب الواقفة ترتعش، سألته بخوف: "في حاجة يا بيه؟"
رد بعصبية يحاول مداراتها: "مافيش! اخلصي وروحي اعملي لي فنجان قهوة."
قالت بطاعة: "حاضر يا بيه."
​جلس همام في المضيفة، وبعد دقائق دخلت دهب تحمل صينية القهوة بهدوء. أخذ منها الفنجان، فنظرت للأرض وسألت: "عايز حاجة تاني مني يا بيه؟"
قال وعيناه مثبتتان عليها: "لا.. غوري على شغلك."
بمجرد أن رشف الرشفة الأولى، اتسعت عيناه.. نعم! هذا هو المذاق الأصيل الذي يبحث عنه، القهوة المضبوطة التي عدلت دماغه في ثانية! شربها بمزاج رائق، ثم صعد لغرفته، استحم وارتدى جلبابه الفاخر، وعباءته، وعمته، ورش من عطره الثمين ومسك عصاه. أخرج هاتفه واتصل بيونس:
— "أنت فين يا ولد؟"
رد يونس: "أنا رايح على المجلس يا بوي."
قال همام: "لا.. فوت عليا في البيت الأول نروح سوا."
قال يونس: "حاضر يا بوي."
​بينما كان همام نازلاً، انفتحت البوابة ودخلت أكابر ومعها وفاء وعالية ونادية محملات بالحقائب. سألته أكابر بقلق: "في حاجة حصلت يا همام؟ رجعت بدري يعني؟"
رد: "مافيش، جيت أغير هدومي للمجلس بس."
ركضت عالية نحو أبيها بسعادة: "شفت يا بوي، أمي جابت لي إيه؟"
قبل همام رأسها بحنان: "جابت لك الخير كله يا بنيتي.. لما أرجع أشوفهم."
​نادت أكابر بصوت عالٍ: "يا دهب.. يا دهب!"
خرجت دهب من المطبخ، فصدمت أكابر حين رأتها بالجلابية القديمة: "إيه اللي مبهدلك وموقفِك بالجلابية دي عاد؟"
ردت دهب بحرج: "معلش يا ست أكابر.. الجلابية التانية وقعت عليها مية وغرقت فغيرتها."
مدت أكابر يدها بحقيبة كبيرة: "خدي دي.. دي ليكي."
احمرّ وجه دهب خجلاً: "إيه ده يا ست الناس؟"
أكابر: "دي هدوم جديدة جيبتهالك معايا.. روحي غيري والبسي جلابية منها واقفي وسط الناس بنظافة."
تراجعت دهب: "شكراً.. مش محتاجاهم، كتر خيرك."
هنا تدخل صوت همام الجهوري الآمر: "اسمعي كلام ستك وروحي البسي!"
​ارتعبت دهب من نبرته، فأخذت الحقيبة وجرت إلى غرفتها. فتحت الحقائب لتجد جلاليب في غاية الروعة والجمال. اختارت واحدة وارتدتها، ووضعت طرحتها وخرجت.
ما إن خطت خطوتين حتى تسمر همام في مكانه، صُعق من فرط جمالها ورقتها في العباية الجديدة، كانت كالبدر في تمامه!
شهقت أكابر بإعجاب: "الله أكبر عليكي يا بنتي.. قيد شمعة!"
قالت دهب بكسوف شديد: "شكراً يا ست أكابر."
علقت وفاء بابتسامة: "بجد شاطرة يا أكابر، عرفتي تنقي لها المقاس والحاجة المظبوطة."
هنا، تدخلت نادية بنبرة متعالية ومليئة بالسم: "هي في الآخر خدامة.. وكتر خير طنط أكابر أصلاً إنها افتكرتها وجابت لها هدوم!"
​انكسرت فرحة دهب ونزلت دموعها محبوسة في عينيها. وفي تلك اللحظة دخل يونس: "يلا يا بوي، المجلس فاضل عليه نص ساعة عقبال ما نوصل."
قال همام وهو يحاول التغاضي عن ضيقه: "يلا يا ولدي." ومشيوا.
​عادت دهب للمطبخ والكسرة تملأ قلبها. ما إن رأتها نورا بالثوب الجديد حتى اشتعلت غيرتها وغيظها من اهتمام أكابر بها. قالت بغلّ: "يلا يا ست دهب.. خلصي معانا الأكل بلاش دلال!"
ردت دهب بضعف: "حاضر." وبدأت تعمل معهم.
​وفي مكانٍ آخر، في قصرٍ مهيب يخص عائلة "أبو زهران"، كان الحاج جمال أبو زهران (كبير العائلة) يستعد. قال لابنه:
— "يلا بينا يا زين أنت وعمك عشان نروح المجلس ونحل المشكلة اللي بيننا وبين همام أبو رسلان."
رد زين باعتراض: "وإنت يا بوي هتسيبه ياخد حقنا في الأرض ببلوش؟"
قال جمال بحكمة: "لا يا ولدي.. هنحلها بالتراضي، إحنا مهما كان ولاد بلد واحدة ومش عايزين دم."
تدخل "حماد" (شقيق جمال) بحقد: "إيه اللي بتقوله ده يا خوي؟ ده حقنا ولازم ناخده بالقوة، سيبك من كلام المصاطب ده!"
التفت إليه جمال بحدة وزجر: "بقول لك إيه يا حماد.. إحنا مش بتوع مشاكل، وأي كلمة هتقولها هناك هطردك من المجلس، فخلي لسانك جوة خشمك وما تتكلمش واصل!"
برطم حماد بغل: "حاضر يا كبيرنا."
قال جمال: "يلا يا ولدي." وركبوا السيارة واتجهوا للمجلس.
​هناك، كان شيخ البلد، والعمدة، والمأمور في الانتظار. سلموا وجلسوا. نظر حماد في ساعته وقال بفتنة: "شفت.. إحنا جايين في ميعادنا وهم مأخرين!"
قال جمال: "اسكت يا حماد، الوقت لسه قدامنا."
​في تلك اللحظة، دخل همام أبو رسلان بكبريائه وهيبته ومعه ابنه يونس. جلسوا، وبدأ شيخ البلد المجلس بآيات من القرآن الكريم تهديء النفوس. ثم تحدث المأمور:
— "يا جماعة، القعدة دي أساسها الصلح والخير.. ولا إيه يا حاج جمال؟"
رد جمال: "أيوة فعلاً يا فندم، إحنا جايين للصلح، والحاج همام راجل يعرف الأصول ومقامنا عنده كبير."
ابتسم همام وقال: "وإنت كمان يا حاج جمال تعرف الأصول وأنا متأكد من كده."
​قال العمدة: "كويس قوي إنكم متفقين على المبدأ."
ثم تحدث شيخ البلد: "يا جماعة، الأرض دي أساساً كانت ملك مين في الأول؟"
رد همام بثقة: "الأرض كانت ملك الحاج زهران، وهو باعها لعمي الله يرحمه لما كان مزنوق في فلوس، ساعتها لما محصول الأرض بتاعه باظ والدنيا ضاقت بيه."
انفجر حماد معترضاً: "كيف يعني يبيعها لعمك وهو أصلاً ما لوش كلام مع عيلتكم؟! ومعنى إيه يختار عمك بالذات؟!"
​دون أن يهتز، مد همام يده في جيبه وأخرج "عقداً ابتدائياً" لبيع الأرض، وقدمه للمأمور. تفحصه المأمور بعناية وقال: "فعلاً.. العقد سليم وموجود.. بس العقد ده مش متسجل يا حاج همام."
رد همام: "عارف يا فندم، عمي ما حبش يسجله ساعتها مراعاة للحاج زهران لأنه كان في كرب، وقال يستنى شوية يمكن زهران يرد الفلوس وياخد أرضه.. بس اللي حصل إن الحاج زهران توفاه الله، والدنيا سكتت. ومن قيمة تلات شهور بس، اتصل بيا المحامي وقالي إنه لقى العقد ده وسط أوراق عمي القديمة، وأنا جيت أطالب بحقنا."
​نظر جمال لهمام وسأل: "طب والمطلوب إيه دلوقتي يا حاج همام؟"
رد همام بحسم: "الأرض أنا عايزها.. يا إما تدفعوا ثمنها بسعر النهاردة، لأنها بقالها سنين معاكم وبتستفادوا من خيرها."
صاح حماد بجنون: "إيه الجنان ده؟! أنت عارف الأرض دي النهاردة تسوى ملايين! والعقد مكتوب فيه ملاليم من أيام زمان!"
رد همام ببرود: "وأنا ذنبي إيه؟ الأرض أرضنا وده حقنا."
قال جمال محاولاً التهدئة: "طب نقسم البلد نصين.. تاخد نص حق الأرض دلوقتي وتتنازل عن الباقي."
رفض همام: "لا.. الأرض لو كانت معايا طول السنين دي كانت جابت حقها أكتر من خمس مرات."
​ساد الصمت، فتدخل شيخ البلد وقال: "أنا عندي حل، بس يا ريت تسمعوني للآخر."
قال همام وجمال في صوت واحد: "قول يا شيخنا.. خير."
قال شيخ البلد: "مش أنت عندك بنت يا حاج همام في سن جواز؟ (يقصد عالية)"
رد همام: "أيوة."
التفت الشيخ لجمال: "وأنت يا حاج جمال عندك زين زينة الشباب وعلى وش جواز.. خلاص، يبقى نجوز بنت الحاج همام لابن الحاج جمال، وتكتبوا الأرض دي باسم البنت وتكون هي 'مهرها'.. وبكدة الأرض ما خرجتش برة، ونكون قفلنا باب الدم والزعل ونبقى نسايب."
​فكر همام قليلاً ثم قال: "سيبني أفكّر يا شيخ البلد، وهبقى أرد عليكم."
قال جمال بترحيب: "وأنا ما عنديش مانع واصل، دي كفاية إنها بنت الحاج همام أبو رسلان."
رد همام: "شكراً يا حاج جمال."
ختم المأمور القعدة: "خلاص، إن شاء الله الأسبوع الجاي نتقابل هنا ونشوف ردك النهائي يا حاج همام."
قام الرجال وسلموا على بعضهم وانفض المجلس.
​في طريق العودة بالسيارة، سأل يونس والده بقلق:
— "أنت صحيح يا بوي ممكن تجوز عالية لابنهم عشان الأرض؟"
رد همام بعينين صقريتين: "أنا عايزك الأول تجيب لي كل كبيرة وصغيرة عن الواد ده.. أصله، وفصله، ومشيه.. وبعد كده هقول لك هنعمل إيه."
أومأ يونس: "حاضر يا بوي."
​أما في سيارة عائلة أبو زهران، كان حماد يغلي: "أنت كيف توافق على الكلام ده يا خوي؟!"
رد جمال بسخرية: "عشان أنت غبي ومبتفهمش! البنت لما تتجوز زين، الأرض هتتكتب باسمها، يعني هتبقى تحت إيد جوزها.. يعني في الآخر الأرض رجعت لينا وخدنا البنت معاها!"
قال حماد بتشكك: "وأنت فاكر إن همام عبيط عشان يوافق بالسهولة دي؟"
قال جمال بثقة: "وزين يعيبه إيه؟ ده زينة الشباب والموضوع منتهي يا حماد.. اسمع وأنت ساكت!"
​في البيت، كانت النساء يحضرن السفرة بانتظار عودة الرجال. وصل همام ويونس، فنظر همام لأكابر وقال: "حضري الوكل بسرعة."
دخلت أكابر المطبخ وصاحت بالبنات: "يلا يا بنات شيلوا الأكل بسرعة الرجالة وصلوا." ثم التفتت لدهب وقالت: "اعملي حسابك هتقعدي تاكلي معانا برة النهاردة."
ردت دهب بحرج: "لا يا ست أكابر.. أنا هاكل في المطبخ مع البنات."
صممت أكابر: "قلت هتاكلي معانا برة يعني برة!" هزت دهب رأسها بالموافقة.
​بدأت البنات ينقلن الصحون. كانت نورا تكاد تنفجر من الغيظ بسبب معاملة أكابر المميزة لدهب. نظرت لدهب وهي تحمل وعاء 'الشوربة' الساخنة جداً، وقالت في نفسها: "والله ما هعديها لكِ!"
بينما كانت دهب تمشي بالشوربة، مدت نورا رجلها بخبث وكعبلتها!
​توازن دهب اختل، وسقطت الشوربة المغلية بالكامل فوق جسدها وصدرها!
دوت صرخة مروعة هزت أرجاء البيت. ركض الرجال والنساء نحو المطبخ، وكان همام أولهم وهو يصيح بهلع: "في إيه؟! إيه اللي حصل؟!"
كانت دهب تصرخ وتبكي بحرقة من شدة الألم. قالت أكابر بذعر: "البنت وقعت عليها الشوربة المغلية يا حاج!"
انفجر همام فيها: "أنتِ لسه هتتكلمي؟! خديها فوراً الحمام قلعيها الجلابية دي وحطي عليها مية ساقعة عقبال ما أجيب الحكيم!"
​اقتربت أكابر وعالية لمساعدتها، لكن دهب من شدة الألم والوجع تراجعت وهي تصرخ وتنتفض. لم يتمالك همام نفسه، وبدافع غامض وجنون، تقدم وشالها بين يديه بقوة ودخل بها إلى الحمام، ودخلت أكابر وراءه بسرعة. بدأوا بصب المياه الباردة عليها وقاموا بتغيير ملابسها. ملتفتة لعالية، صرخت أكابر: "اجري يا عالية هاتي لها جلابية قطن واسعة من عندك!"
​سألت أكابر دهب وهي تحاول تهدئتها: "مين اللي قال لك تشيلي الشوربة يا بنتي؟" لكن دهب كانت تبكي وتشهق من الألم ولم تنطق بحرف.
​بعد وقت قصير، وصل الطبيب وكشف عليها. خرج وهو يوجه كلامه لهمام وأكابر:
— "كويس قوي إنكم حطيتوها تحت المية فوراً، وإلا كان الجلد كله اتشال! أنا كتبت لها على مراهم ومسكنات، ولازم تلبس حاجات قطن واسعة وخفيفة عشان منطقة الصدر والبطن متلتهبش وتخف بسرعة."
قال همام بوجه متجهم: "شكراً يا دكتور." ونادى الغفير: "خد الروشتة دي هاتها من الأجزخانة بسرعة ووّصل الدكتور." ثم التفت لأكابر وقال بنبرة صارمة: "دهب مش هتحط إيدها في شغل البيت تاني واصل لغاية ما تخف!"
قالت أكابر: "حاضر يا حاج."
​قالت وفاء بمحاولة لكسر التوتر: "ما تيلا يا جماعة ناكل لقمة عشان الأكل برد."
جلس الجميع على السفرة، لكن همام كان في عالم آخر، باله مشغول، وعيناه تلتفتان نحو غرفتها، متمنياً لو يستطيع الدخول والاطمئنان عليها بنفسه. أما دهب، فكانت ترقد في غرفتها الصغيرة تبكي في صمت وتتأوه من الحروق.
​بعد الغداء، عاد الغفير بالمراهم. أخذتها أكابر ودخلت لدهب، دهنت لها المرهم بحرص، وألبستها قميصاً قطنياً فضفاضاً مفتوحاً من الأعلى حتى لا يمس الحروق، وقالت لها: "خليكي في أوضتك ومرتاحة اليومين دول لغاية ما تخفي خالص."
ردت دهب بضعف: "حاضر يا ست الناس."
​خرجت أكابر، فسألها همام بلهفة حاول إخفاءها: "عملتي إيه؟"
قالت: "دهنت لها المرهم ولبستها، وقلت لها ترتاح." أومأ همام: "كويس."
​تحدث عزيز كاسراً الصمت: "صحيح يا همام.. عملت إيه في قعدة أبو زهران؟"
قص عليهم همام كل ما دار في المجلس وعرض شيخ البلد. سألته أكابر باعتراض: "وإنت ممكن توافق تجوز عالية لابنهم يا همام؟"
رد همام بحسم: "لما أعرف كل حاجة عن ولدهم الأول.. ساعتها هقرر وافق ولا لأ. يلا بينا كل واحد على أوضته أنا تعبان وعايز أنام."
​صعد الجميع لغرفهم. في غرفة "بدر"، كان ممسكاً بهاتفه يحاول الاتصال بـ "منة"، لكنه اكتشف أنها قامت بعمل "حظر" (بلوك) له! بعث لها برسالة عتاب لكنها لم ترد. تنهد بضيق، وفتح مقطع فيديو قديم لها، وجلس يستمع لصوتها وعيناه تملأهما الحيرة.
​وفي غرفة "نهلة ويونس"، سألت نهلة بزوجها: "تفتكر يا يونس خالي ممكن يوافق على جواز عالية من ابن أبو زهران؟"
رد يونس باقتضاب: "لسه ما نعرفش.. ويا ريت تنامي وتشيلي الموضوع ده من دماغك." قالت بطاعة: "حاضر"، ودخلت الحمام.
​أما في غرفة "همام"، كانت أكابر قد غطت في نوم عميق بعد تعب اليوم. لكن همام كان يتقلب في فراشه، ينهشه القلق والخوف على "دهب". لم يستطع المقاومة، نظر إلى الساعة فوجدها الثالثة فجراً. تسحب بهدوء ونزل الدرج المؤدي لغرفتها.
​فتح الباب ببطء شديد وبحذر.. وجدها نائمة بعمق، لكن آثار الدموع كانت لا تزال تجري على خديها كاليرق. انقبض قلبه حزناً عليها. كانت رافعة الجلابية قليلاً عن بطنها وصدرها بسبب سخونة الحروق، فرأى أثر الحرق الأحمر على بشرتها الرقيقة. شعر بضيق شديد وألم يعتصر قلبه، فأغلق الباب بخفة وتوجه نحو المطبخ ليشرب شربة ماء علها تطفيء غليانه.
​وهو يقترب، سمع همساً خافتاً.. دقق السمع فوجدها "نورا" تتحدث مع الغفير عند الباب الخلفي للمطبخ!
كانت نورا تقول له بلهجة غاضبة: "عشان تبطل تبص عليها كويس عاد!"
رد الغفير بدافع: "وأنا هبص عليها ليه يعني؟!"
قالت بنبرة حاقدة: "أنا شفتك لما همام زعق لك وأنت واقف تتأمل فيها وهي بتمسح السلم!"
رد الغفير بنبرة استعطاف: "يا نورا مافيش حد في قلبي غيرك أنتِ.. ده أنتِ الأصل!"
قالت نورا بغلّ: "بس أنا متضايقة منها ولازم البنت دي تمشي من البيت.. من ساعة ما جت والست أكابر بتعاملها أحسن مني ومن البنات، كأنها ست البيت!"
رد الغفير محذراً: "إييه.. دي غيره نسوان عاد! بقول لك إيه.. عارفة لو الست أكابر ولا الحاج همام عرفوا إنك أنتِ اللي كعبلتيها ودلقتي الشوربة عليها هتحصل مصيبة سودا! ريحي دماغك وابعدي عن البنت، دي يتيمة وغلبانة ومش قدك."
​خلف الجدار.. كانت عينا همام تتوقدان بنيران الغضب الماحق. قبض على عصاه بقوة حتى ابيضت مفاصله، وعلم الحقيقة كاملة.. "نورا" هي من أحرقت دهب!
اتخذ همام قراره الحاسم بداخل عقله بطرد نورا وتلقينها درساً لن تنساه، وصعد لغرفته والضيق والتوعد يملآن قلبه.. فكل شيء إلا "دهب"!



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات