رواية هوية منسية الفصل السادس والعشرين 26 بقلم بسملة محمد
|هوية منسية|
"الحلقة السادسة والعشرين_الزنزانة السوداء!"
2
"____"
ليلة من أحب الليالي على قلب الفتيات بالأخص، ليلة تألف فيها القلوب، تجتمع بها جميع المشاعر التي يمكن أن تجتاحنا؛ حب، توتر، رهبة، سعادة، سرور، قلب يتراقص بعد الحصول على مَن تمنيت، وتلك الليلة كانت هي تقف بفستان زفافها الطويل المنفوش ممسكة بباقة الورد الذي اقتناها لها زوجها_باعتبار ما سيكون بعد دقائق_دق قلبها بقوة بعدما جلس أمام وكيلها وبجانبه الشهود، صدحت الزغاريد من حولهم، ودفعتها والدتها برفق لتجلس على مقعد بجانب المأذون لتمضي على وثيقة زواجها، جلست وخفقان قلبها يتعالى، سمعت جملته المرحة بشقاوة_:
_يلا بسرعة عشان مستعجل.
3
ضربه خالها بمرحٍ مع حدته"اتلم، ماهي هتقعد معاك العمر كله".
كانت في عالم آخر، شعرت بالرهبة ومن وجهة نظر الجميع كانت رهبة تقليدية مثل أي رهبة عروس، لكنها بالفعل كان قلبها يرتجف، تشعر إن حياتها مع عمير القادمة لن تكون على ما يرام كما هو يقول، وقع القلم من يديها وتلك حركات الفتيات، دونت اسمها على جميع الأوراق، وفي النهاية كانت تركت بصمتها، وعمير فعل كل تلك الإجراءات بحيوية كبيرة مع مرحه المعتاد
"عايز أمضي وأبصم تاني، الحوار طلع عسل واللهِ".
1
مضت والدتها يديها بسعادة وهي تعطيه البرواز الشفاف المدون عليه اسمه واسمها بطريقة جميلة، وفي الوسط مكان لبصمتين وعلامة يساوي في النهاية ليفعلوا قلب ببصمتهم، صنعوا القلب مع بعضهم وزينب تضحك ضحكة واسعة بعدما مازحها بعباراته"دا الواحد كلها دقيقتين كدا ويحضن حضن كتب الكتاب."
وهي نهضت تجلس بجانب وكيلها، وعمير احتضن كف عمها بكفه، وفي النهاية ردد الوعد أمام الله وأمام الجميع، وبارك المأذون لهم، وصوت الزغاريد يتعالى، ودموع والدتها انهمرت، والجميع من حولها كان موجود يتجه يحتضنها، وفي لحظات كانت هي سُحبت من ذراعها لتلتفت لها ساقطها في أحضانه، حاولت أن تبتعد عن عناقه لكن هو صاح بنبرة عالية_:
_اتهدي يابت بقا، مش خلاص بقيت جوزك! لسة كاتبين الكتاب أهو! وربنا أثبتك بالمطوة.
15
توسعت عيونها بصدمة بينما تعالت ضحكات الجميع، واتجه صديقه ينهره بحدة"مش كدا يابني اتعلم تعامل الجنس الناعم بنعومة! مش جعفر صاحبك هما، اعذريه يازينب دا واحد من تسعة وعشرين سنة محضنش ست".
13
أكد على عبارة أوس أوس بمسكنة"آه واللهِ حتى عمري ما حضنت أمي، دا أنا حالتي تصعب على الكافر".
وخجلها احتلها، حاولت الابتعاد عنه لكنه متشبت بها باستماتة، قلبه كان سعيد بجوارها، وهي رددت بخفوت محاولة خروج صوتها"عمير، الناس عيب".
_عيب إيه! يا مولانا وريها القسيمة! إنتِ بقيتي مراتي خلاص، محدش ليه عندي حاجة.
نطقها بتفاخر مرح، ووالدتها دفعته بتذمر مع كلماتها"ما تتهد بقا ما كلها ساعة وتروح بيتك".
لم يكن زفاف بالمعنى الحرفي الذي يعلمه الجميع، عمير ترك كل شيء على زينب تتولى مهمته، وهي لا تحب بالأساس الأفراح والمناسبات وكانت تتحجج دائمًا لكي لا تذهب أي مناسبة بها موسيقى، كانت قاعة مخصصة لعقد القران في نادي شهير قريب من منطقتهم، قاعة بها مقاعد كثيرة ومن حولهم زينة الزفاف والستائر البيضاء المزخرفة، ومن الأمام عند حمام السباحة المستدير أريكة الزفاف، القاعة مخصصة للتصوير، وبها عدة أماكن مناسبة ومزينة باحترافية لالتقاط أفضل الصور لهم، و"أوس أوس"وقف أمام عمير وزينب يلتقط لهم صورة على غفلة، كالعادة كانت مميزة، وهو ابتسم بحنين إلى آداة التصوير، بها كل مواقفه مع سما!
9
أخذ ركن بعيد عن الجميع وبدأ باسترجاع تلك الصور وهو يقلب فيهم، آه من سما! وآه من تلك الذكريات! وآه من غدره وحقارته!
13
مرَّ الوقت المحدد وزينب چيلان لم تتركها للحظة ومعها بقية الفتيات التي تعرفهم، لكن رودينا لم تأتي، أو بمعنى أدق لم ترسل لها دعوة، لم تخبرها حتى؛ رودينا تتعمد أن تهينها كلما تدخل معها في نقاش تنوي بها مصالحتها.
وفي النهاية زينب كانت تجلس مع عمير في سيارة سوداء اللون وسائقها أوس أوس وبجانبه والدتها، والزفة من حولهم، أصدقاء عمير الصائعين كما تلقبهم زينب كانوا يفعلون مع عمير الواجب كما يقول، وصوت أبواق السيارات والدراجات النارية يتعالى وكإنه نغمة موسيقية، والزفة دامت إلى ساعتين يسيروا في كل مكان في شوارع القاهرة، انتهى بهم المطاف ووالدتها وجارتها وكم فتاة من أقاربها يحملوا لها ذيل الفستان وهي تصعد، ورحل الجميع بعد وقتٍ بسيط وبقيت والدتها تحضر الطعام في المطبخ، وخرجت تقبلها بسعادة كبيرة مرددة بنبرة شبه باكية"تتهني يا نور عيوني، عيشت وشوفتك عروسة".
احتضنتها بحبٍ كبير واخبرتها بدموعٍ"بحبك أوي ياماما، ربنا يديمك ليا".
اقتربت الثانية من عمير تحدثه بحدة ممتزجة بمرحها"وربنا لو عرفت إن دمعة كدا نزلت من عينها لهتشوف العين الحمرا، خلي بالك عليها، وأنا بكرة على العصر هطلع ليكم".
وقفت معها عدة دقائق ومن ثم رحلت، وقفت زينب تنظر إلى منزلها الجميل الذي تعبت فيه هي ووالدتها وصديقاتها، كل شيء جميل وهادئ، وعمير لم يستبخل في أي شيء اشتراه، كما فعلت معها والدتها وأخوها!
3
اقترب منها عمير وبلطفٍ كانت رأسها بين يديه يقبلها بحرارة مع جملته الحنونة"نورتي بيتك يا زينب، إنتِ متعرفيش أنا بحبك قد إيه ومن إمتى، ربنا يباركلي فيكي".
تلك المرة هي تجرأت واستسلمت لعناقه تلف ذراعيها حول ظهره تضمه أيضّا، سرت رجفة في جسدها ولكنها كانت سعيدة، وهو حدثها حديث معسول كثير كان سيقتلها من خجلها، تمتمت بصوتٍ خافض"عايزة أغير الفستان تقيل جدًا".
ابتعد عنها يقيم الوضع ليجده بالفعل ثقيل علق بسخرية"إيه كل دا صحيح! دا أنا لابس البدلة ومش عارف اتحرك!"
_بس شكلك حلو أوي وأنت ابن ناس.
قالتها وهي تضحك وهو شاركها في الضحك، سألت باهتمام بعدما تذكرت"سما أختك مجتش ليه؟ كان نفسي تيجي."
دارت نظراته بتوتر وأجابها بتماسك ظاهر"أبوها منعها تختلط بيا".
كذب بجملته وهي تحولت ملامحها إلى حزينة مرددة بضيقٍ"ليه بجد! متزعلش ياعمير، بس أنت عارف كويس إنها مجتش دا مش بعيد كان يجيلها صدمة وهي شايفة أوس أوس وفكرته يونس، صاحبك انهاردة كان شكله نضيف أوي، هي عمرها شافته؟"
24
أكد بتوتر مع حديثها المراوغ"آه وريتها صوره معايا لما هي ورتني شكل يونس، قولتلها إن صاحبي نسخة منه بس يونس أنضف طبعًا".
4
_بكتير، بجد لما حصل التريند وعرفنا سما بسببه كنت أنا ورودينا مستغربين الشبه دا! لولا بس إننا عارفين إن أوس أوس محلتوش قرش صاغ يروح جمصة مش الساحل مرة واحدة كنت بلغت عنه، رودينا تقولي دا هو أقولها يابنتي أوس أوس هيسوق عربية! ولا هيقول كلمتين عدلين على بعض! دا حشاش! ولا هيبقا عايش في دبي وعنده شقق في الزمالك والمعادي! ماهو متلقح فوق بينزل وهو مش غاسل وشه، وكمان الاسم مختلف واحد اسمه أسامة والتاني يونس، وبعدين يونس دا مصور حلو أوي أشك إن أوس أوس يعرف يمسك كاميرا ويصور صورة عدلة، سبحان الله يخلق من الشبه أربعين!
2
قارنت بينهم من حيث الشبه، معها حق لا أحد يصدق إن أوس أوس هو يونس، هو حتى عندما كان يرى صورهم كان يشعر بالغرابة، يشعر إنه بالفعل يونس ابن الناس الذي تربى في فمه ملعقة ذهب! أناقته! وملابسه! وتعليمه للسواقة! وحديثه معسول لا يعلم كيف كان يقوله بتلك المهارة، وثقة بالنفس والحديث غير طبيعية! ولكن رغم كل ذلك كان عندما يسير معه في الشوارع والفتيات الصغيرات اللتي يتابعن سما يتعرفوا عليه، وهو من حديثه وهمجيته يثبت له إنه شخص آخر شبيه له في ملامح الوجه فقط! وكان أغبى شيء فعله إنه أذعن لها ووافق عنوة أن تصوره وتنزل صوره معها ومقاطعهم وهو كان بحرفة يلعب في ملامحه بعض الشيء حتى لا يتعرف عليه أحد بسهولة إلا الذي يتابعها باستمرار بالتأكيد حفظ شكله بسبب المقاطع، ولم يوافق أن تفتح له حساب ينزل عليه أي شيء رغم إنه كان سيكسب للغاية لكنه اعترض ورفض.
تهرب من حديثه بتذمره"هنقعد نتكلم على شبيه أوس أوس دا؟ هو مش لما عرفتي إن سما أختي هي مندولين أنا فهمتك كل حاجة وإن أوس أوس مش هو يونس وسما بنفسها شافته معرفتوش!"
أكدت بهزة رأس حزينة وعقبت ب"بس يعيني دا كدا الموف أون باظ، كان نفسي أدعي وأقول ربنا يعوضها بأوس أوس بس دا بتاع بنات وحشاش وأنا مرضاش على نفسي بكدا فحرام هي تتدبس معاه."
زفر باختناق مع صياحه المنفعل"خلاص بقا اقفلي ***** أم الموضوع دا."
انتفض جسدها وهي تسأله بصدمة"في إيه! أنت بتشتم ليه إيه الهبل دا؟"
حاول أن يهدأ نفسه، وقال بنبرة لينة مرة أخرى"مقصدش، أنا بس كل أما افتكر موضوع سما أضايق، فلوس سمحتي أقفليه".
_طب اتكلم بأسلوب كويس لو سمحت ومتزعقش ليا.
قالت جملتها بحدة بعدما تغيرت ملامحها، وهو حاول التخفيف من حدة الأمر مردد بمزاح"طب خلاص تعالي نفك الطرحة نفسي أشوف شعرك بقا".
اعترضت بكلماتها الحازمة"لاء أنا مش محتاجة مساعدة".
_خلاص يا زينب بقا أنا آسف، هو أنا شتمتك إنتِ!
قالها بمرحٍ محاول تلطيف الأجواء وهو يضع ذراعيه فوق منكبها، رمته بنظرات شرسة مع جملتها الواثقة"متقدرش تشتمني، هقطع لسانك".
تعالت ضحكاته واعترف لها بحديثه"بجد يازينب من ساعة ما جيت العمارة هنا وأنا أكتر حاجة حاببها فيكي إن لسانك طويل بس شوفي طويل إزاي إلا إنك أكتر بنت في الدنيا بتتكسفي".
_بابا الله يرحمه معلمني اتعامل إزاي مع الرجالة قبل الستات، وإيه الموقف إللي أبقا فيه جريئة وإيه إللي اتكسف بسببه.
قالتها باقتضاب، وهو يأس من أن تبتسم، ذكرها من جديد ببسمة ماكرة"فاكرة اليوم إللي طلعتي ليا السطح فيه؟ كنت..."
قطعت جملته بصدمة وهي تراجع جملته"طلعتلك السطح! إيه ألفاظك المقرفة دي! أنت إللي محتل السطح وأنا كنت طالعة أعمل سلك الدش، وبعدين أنت ملكش نوم في السطح تاني أنت فاهم؟ والكلب إللي فوق دا هو والحمام تطلع تحطلهم الأكل وتطيرهم وتنزل، العمارة فيها مليون بنت".
اغتاظت منها ووضح على ملامحه وسخريته اللاذعة"ما تنقبيني أحسن!"
تعالت ضحكاته وهو بعدما ضحكت عادت بسمته، ورجع يكمل بحنينٍ"اليوم دا بقا أنا كنت تعبان جدًا وبجد كنت هموت وأنام وأنا مش بحس بالراحة غير في السطح، حضرتك طلعتي طيرتي النوم من عيني ومرمطيتني وفي الآخر تعبي راح على الفاضي، بس متتصوريش يومها كان نفسي إزاي بس ألاقي منك ردت فعل بسيطة، تضحكيلي، تعملي أي حاجة."
_أضحكلك! وفي السطح! يابني أنت أهبل؟ هو أنا أصلًا لو كنت أديتك وش كنت اتجوزتني؟ ما أنا عارفة أنت ليه كنت بتفكر فيا أنا الوحيدة، عشان نص بنات العمارة كانوا هيموتوا ويكلموك، والنص التاني كانوا بيجروا معاك ناعم، وإنت ماشاء الله أربعة وعشرين ساعة طالع نازل مش بتتهد، أنا الوحيدة إللي كنت تقيلة عليك، فكنت في الرايحة والجاية تبقا عايز توصلني من غير فلوس عشان تعملها جميلة وكدا ونفتح كلام، مش بقول إنك وحش وكنت هتعمل حاجة غلط او الله أعلم، لكن لو كنت أديتلك وش وضحكت وهزرت وعملت مكنتش هتيجي تتجوزني!
قالتها بجدية كبيرة والثاني صاح ومعالم وجهه تشنجت"ليه يامعقدة إنتِ! إيه كل العقد دي!"
ضحكت وأجابته ببساطة"ماهو بالعقل كدا الممنوع مرغوب، والسهل الممتنع دا حاجة وحشة، يعني أنت معجب بيا من أول ما جيت وأنا فجاءة أجي أديلك رقمي ونتكلم ونعمل الإعجاب هيقل وبدل ما يبقا حب هيتقلب لفتور، عشان كدا بردو في الخطوبة متخطتش حدودي معاك عشان..."
قطعها بسخط مكمل بتهكم"عشان أنا ابن *** كل تفكيري شمال".
ورجع يكمل بهدوء"بس على العموم ممكن يبقا كلامك صح شوية، أنا فعلًا كنت هموت وأكلمك بس ماشاء الله حتى بعد ما اتخطبنا كنت هموت بردو وأكلمك، بس مش مهم إحنا اتجوزنا أهو."
نطقها بتحمس في النهاية، وهي كانت هدأت نوبة غضبها وبدأت تتأقلم معه، اقترب منها يفك وشاحها المليء بالدبابيس البيضاء الصغيرة، وأخيرًا وبعد وقتٍ رأى شعرها معقود على هيئة كعكة مثبتة زفر باختناق وهو يصيح بتعب"كل دا وأنا بفك الطرحة عشان أشوف شعرك! أومال لو عايز أشوف حاجات تانية هقعد قد إيه! الفستان دا هياخد كام ساعة عشان تلبسي الحاجات العيب؟"
سألها في النهاية بتذمر طفولي لاوي شفتيه بامتعاض، ضحكت بعدما حاولت السيطرة على ضحكاتها، ووقفت أمام المرآة تفك شعرها تمشطه بهدوءٍ، وهو جاء من خلفها دافن وجهه في شعرها الأسود الناعم، استنشق رائحة شعرها الجميل ورجع بظهره يقيم طول شعرها، أبدى إعجابه الواضح بانبهار_:
_واو! شعرك بجد طويل أوي! ماشاء الله بس فعلًا طويل وتقيل جدًا.
1
_ماما كانت عيزاني أصبغه أصفر بس أنا مش بحب الصبغة وكمان هيتقصف أنت متعرفش أنا جيباله زيوت إزاي عشان أحافظ عليه.
قالت جملتها ببسمة سعيدة من انبهاره، وهو زفر بارتياح مع حدته المصنوعة"جدعة، اوعي تصبغيه في حياتك، أنا أصلًا مش بحب الشعر الأصفر، واوعي تقصيه بجد حلو جدًا، متعرفيش أنا لما كنت بشوف القُصة بالصدفة يبقا هموت وأشوف بقيت شعرك.
ضحكت وأكدت على جملته"فهمت بقا ليه في فترة الخطوبة مكنتش بسمحلك تشوف شعري ولا تمسك إيدي؟ عشان تحس بإنجاز كدا".
1
_طب الفستان بقا عشان أوصل لقمة الإنجاز.
قالها بمرحٍ وهو يقترب منها يشد سحاب الفستان، صاحت بضجر"بطل قلة أدب، اخرج بقا هغير هدومي".
دفعته إلى الخارج، وهو خرج من الغرفة، خلعت الفستان بسهولة بعدما كان هو فتحه لها، ووقفت ترمق القميص الأبيض الموضوع فوق الشماعة بعناية وفوقه معطفه الأبيض الحرير، ارتدت منامتها البيضاء بنصف ذراع لتظهر حنة يديها دخل بعدما استأذن وأشار على القميص من خلفها بتحسر مصطنع"بس أنا كان نفسي تلبسي دا!"
أشارت بجانبها بحدة مع جملتها"تعالى أقعد ياعمير الله يهديك".
_إنتِ مراتي على فكرة! واللهِ أروح أجيبلك القسيمة!
قالها سريعًا وهي مسكت يده تجلسه بقلة صبر مع جملتها الجادة"تعالى نتكلم شوية يا أخي، وبطل بقا هزار".
جلس بجانبها بانصات وهي تحدثت ببسمة هادئة"بُص بقا أنا بالنسبة ليا الجواز دا حياة كاملة وبيت والبيت دا يا هيطلع راجل سوي نفسيًا محترم وبنت متربية وفطرتها سليمة يا هيطلعهم مشفوش تربية مرضى والناس يدعوا علينا بسببهم وطبعًا دا مش هيحصل إلا لما يصلح الراعي، لأن أنا وأنت لو عايزينهم يصلوا ويتقوا الله وينفذوا أوامره لازم نبقا إحنا كدا، يعني مستحيل تبقا أنت مش بتصلي وابننا يطلع شيخ جامع، ومستحيل أبقا أنا متبرچة وعايزة بنتي تبقا منتقبة، وأنا خدت كورسات عن كيفية التعامل مع الأطفال وسمعت دورات كتير دينية ثقافية عن معاملة الأطفال وتنشأتهم لأن أنت الله يكون في عونك هتبقى في الشغل وهما قاعدين معايا إن شاء الله ربنا يجعلني أم صالحة ليهم، بالنسبة بقا لحياتنا فأنا بحب البيت يكون هادي ومفيهوش مشاكل وكمان أنا بحب الاحترام جدًا يعني لو سمحت متشتمش، أنا بقرف من الشتايم، ومش بحب البني آدم إللي لسانه قليل الأدب، يعني في حياتنا الزوجية أنا مش عايزة أسمع أي لفظ وحش حتى لو على سبيل الإطراء زي ما معظم الرجالة فاهمة إنه إطراء وكدا، ومش بحب الكدب خالص، يعني بجد بتقفل من الواحد لو كدب، وكمان متشربش سجاير في البيت عشان نفسي بيتكتم.".
هز رأسه بتفهم وبسمته على محياه تتراقص، حتى وافقها في نقطة السجائر حتى لا يغضبها، وهو سمع سؤالها"وأنت مش ناوي تتكلم؟"
تنهد تنهيدة طويلة وتحدث بتأثر مسرور"أنا فرحان إننا اتجوزنا، وإن شاء الله هعمل كل إللي في وسعي عشان تكوني مبسوطة وولادنا يكونوا كويسين، وحاضر يا زينب ولا هتسمعي لفظ غلط وولا حتى هشرب سجاير في البيت، وأنا عن نفسي عارف إنك هتراعي ربنا فيا، أنا بس نفسي أملى البيت دا عيال عشان أنا طول عمري يتيم نفسي أحس بالعزوة، وأي حاجة اتحرمت منها هعوض عيالي بيها".
واسترسل بجدية مصطنعة"مش ناوية بقا تلبسي القميص!"
في الحال ارتسمت بسمة على وجهها وتحدثت من جديد"على فكرة أنا واخدة دورة في العلاقات الزوجية و.."
قطعها يرمي عليها نظرة مخزية"إنتِ! إيه قلة الأدب دي!؟ أومال أنا فين دوري؟؟ وبعدين..."
لحقت جملته وهي تصيح عليه"إيه يابني آدم! قلة أدب إيه ودورك إيه! دي دورة علمية من النت لدكتورة كبيرة في علم النفس بتعلمنا إزاي نتعامل أول ليلة جواز وإزاي نهدي نفسنا ويكون عندنا وعي كافي مش سهل إن حد يعرف يستغلني والحاجات دي، ويبقا عندي وعي وحاجات عادية مش الهطل دا."
وضع يده على صدره يعتذر منها ببسمة مراوغة"آسف يا فندم، اعذري جهلي، أول مرة أعرف إن في بنات بيسمعوا الحاجات دي".
_يابني حاجات إيه! دا أنا أمي وأبويا كانوا عارفين! وهما إللي دافعينلي فلوس الاشتراك! استغفر الله هتوديني في داهية!
استنكرت منه وهي تضرب كف على آخر بقلة حيلة، كان سيتحدث ويجادل لكن وقعت عيونه على حنة يديها، هلل بجملته المسرورة"الله وصلنا لمرحلة الحنة! بُشرى كدا إني هوصل لمرحلة اسمي بالحنة وجنبه قلب جواه حرف العين بالرقعة! وربنا أزغرط".
كالعادة ضحكت بسببه، ونهضت تخبره بهدوءٍ"هتوضى عشان نصلي".
_طب ونفسيتي إللي دمرتيها دلوقتي دي؟
سألها بملامح حزينة عبثية! وهي هزت رأسها ودخلت تتوضأ.
توضأت وهو توضأ وتحدث ببسمة بعدما فرش بساط الصلاة"على فكرة أنا صوتي حلو في القرآن، كنت شايف بوست ليكي إنك نفسك تتجوزي واحد مربي دقنه وصوته حلو في القرآن، مردتش أزعلك وحاولت أظبط دقني عشان تبقي حققتي حلمك وكمان فتحت كام ڤيديو تجويد لشيخ كدا إنتِ كنتي مشيرة من عنده ڤيديو ديني، عشان تعرفي بس إنك تتمني كدا."
الموقف وحديثه كان كفيل أن يذوبها! ولولا الوضوء لكانت ارتمت في أحضانه تشكره على اهتمامه، وقفت خلفه وهو كبَّر للصلاة، جهر بصوته الجميل بالفعل وبدأ بترديد الآيات التي يحفظها، كبَّر وركع وسجد ودعى لهم، دعى أن يعيشوا سعداء وأن يتحسن كل شيء! زينب لا تستحق أن تعيش في خوفٍ بسبب حماقة وغباء وتهور، وهي دعت أن يوفقهم الله في حياتهم ويرزقهم بالذرية الصالحة، كبر وهو يصعد للركعة الثانية ومن ثم عاد يركع ويسجد من جديد، وفي النهاية بعدما سلَّم دعى لهم بصوتٍ عالي"اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليهِ وأعوذُ بِكَ من شرِّها ومن شرِّ ما جبلتَها عليهِ".
وأخذ يدعي لهم بعض الأدعية الذي حفظها من قبل، انتهى من كل هذا واستدار بظهره وجدها تبكي، اقترب منها يسحبها بداخل عناقه وهو يجفف دموعها، تعلقت بملابسه بتمسك ورددت بنبرة خافتة وأخيرًا اعترفت له بحبها_:
_أنا بحبك جدًا بجد ياعمير، وكبرت في نظري لما ساعدتني لأكتر من مرة بكل طيبة، ووقفت جنبي في فترة علاجي من غير ما تزهق، بجد شكرًا.
6
_شكرًا ليكي إنتِ لإنك وافقتي عليا رغم كل إللي أنا فيه دا.
شكرها بصدق، هو تائه في أرض الله الواسعة، وهي ستمسك بيده توصله إلى الطريق الصحيح، هو غريب وهي طوق نجاة له.
لا يعلم هل ظلمها وكان أناني أم ستعذره، ستعذره أكيد عندما تعلم أسبابه، لم يفكر كثيرًا وبعد دقائق كان غاص معها في عالمهم الذي هو كان ملكه! ولأول مرة يشعر بشعور إنه يمتلك شيء! الحياة منحته هدية! لأول مرة يشعر إنه يمتلك نجمة في السماء وهو محلق في الفضاء!
"_______"
أسودت الدنيا أمام عيونها، حياتها سُلبت منها أمام عيونها ووقفت هي كالمشاهد الصامت بدون ردة فعل! احتضنت قدميها إلى معدتها وجلست مخروسة تبكي من الداخل فقط، دخل والدها عليها في تلك الظلمة الحالكة، جاء ليفتح الأنوار لتصرخ هي مغمضة عيونها تأمره أن يغلقه، أغلقه سريعًا ملبي أمرها، واقترب منها بقهرة يضمها مع سؤاله المكسور_:
_حصل إيه يابنتي؟ نفسي أعرف مالك؟ بقالك شهر على الحال دا، لو تقولي حصل إيه وتبردي ناري.
_مفيش يابابي، أنا عايزة أقعد لوحدي بس.
قالتها بتقطع وهي تدفن وجهها في بذلته، تنهد بوجعٍ عليها وسألها بقلة حيلة"آه لو تقوليلي حصلك إيه يا سما، هو إللي رجعلك الفلوس هو يونس؟"
هزت رأسها تنفي بجملتها الكاذبة"لاء يابابي أنا زي ما قولتلك واحد جه معرفهوش إداني شنطة الفلوس وقالي بتوع يونس ومشي".
2
_لو أعرف بس استفاد إيه إنه يسرقهم وبعدها بكام شهر يرجعهم!
نطقها بحقدٍ شديد ورجع يخبرها بتوعد"واللهِ لاهجيبه، متقلقيش هيتجاب هيتجاب."
خرج صوتها بصعوبة وهي تتوسله بجملتها"لاء يابابي، لو سمحت خلاص، أنا فرحت إنه رجعلي فلوسي، أنا بس حاليًا مضايقة عشان في بنت صحبتي قعدت تتريق عليا واتخانقت معايا."
_معقول! لاء مش للدرجة إنك شهر بحاله تبقي كدا.
نطقها بتعجب، وهو سأل من جديد"طب بتكلمي عمير؟"
على ذكر اسمه انتفضت أوصالها وهزت رأسها في الحال تحدثه بتلجلج"آه، هو كل يوم بيكلمني، أنا بحبه جدًا".
نطقتها في النهاية بمرارة، وهو وردد بنبرة لا مبالية"كويس واللهِ لو زعلك بربع كلمة قوليلي".
11
_استرسل باهتمام"مش ناوية تروحي للدكتور النفسي بتاعك دا؟ بقالك مدة سيباه حالتك بقت صعبة يا سما.
_مش عايزة أروح لحد يا بابي، أنا مرتاحة كدا.
نطقتها بصوتٍ ضعيف، ووالدها تنهد بوجعٍ يضمها بتأثر شديد لم يتركها إلا بعدما ظنها نامت، وخرج وهي فتحت عيونها، وسحبت من أسفل وسادتها القلادة التي أهداها يونس لها قبل ذبحه لها بليلة، رمقت بحرقة، وصوت نحيبها تعالى وهي تفتحها وتقرأ بصوت عالي تلك الجملة الكاذبة"يونس أمان سما!"
لا يهون عليها أن تقطعها إلى مئة قطعة قلبها يؤلمها، ضمتها إلى داخل أحضانها وهي تشتكيها ظلم صاحبها"يونس كداب، يونس غدر بسما! يونس خان سما!"
وهامت بذكرياتها تصطدم بقساوة في أقسى ذكريات مرت عليها!
"كفاية بقا ياعمير وأقسم بالله تعبت، واللهِ خلاص مش هقول لبابي بس سيبني أمشي، سيبني أمشي بقا من هنا".
كانت تحدثه بهستريا واضحة على ملامحها، وصوتها مضطرب، وعيونها باكية حمراء، وشفتيها ترجف!
_متخليهوش يلمسني ياعمير، واللهِ مش هقول لبابي، واللهِ أنا عايزة أمشي، مش هقول لحد.
من جديد نطقتها، وقلبها ينزف، ويبكي بخوفٍ، ونظراتها مكسورة، لا تستحق كل هذا!
14
تأوه عالي خرج من بين شفتيها، حتى عمير! عمير! كان مخطط لكل شيء! حتى موعد ظهوره في حياتها خطط له! في أضعف وقت لها ظهر، تمامًا كما ظهر يونس من قبل!
"_______"
_مارو، اصحى الساعة بقت تلاتة العصر، قوم أنت مصلتش الضهر قبل ما العصر يأذن.
قالتها زينب وهي تهز عمير برفق، وهو تململ في الفراش بنعاس مع تذمره"عايز أنام".
5
لوت فاهها بتذمر مثله، ورددت ببساطة"يلا قوم، أنت نايم تمانية الصبح مش حاجة يعني."
فتح عيونه على كلمتها، وسألها بسخرية من بساطتها تلك"تمانية الصبح دي تمانية بالليل ولا إيه! دا أنا واحد بصحى للشغل ستة الفجر وبنام واحدة بالليل، سيادتك مرفهة مش بتروحي الجامعة إلا في الفاينل."
_لاء واللهِ أنا بصحى بدري أوي، بس النهاردة يوم مميز وكدا بقا فبدلع، وآه حضرتلك الفطار، هو مش أنا إللي محضراه وماما هي إللي عملاه بس ماشي.
قالت جملتها بدلالٍ وهي تبتسم بسعادة واضحة، وهو نهض بتكاسل وشهره فوضوي للغاية متناثر حول وجهه الناعس بشكلٍ لطيف، اقترب يطبع قبلة على خدها الأيمن ومن ثم الأيسر مردد بصوت أجش"صباحية مباركة يا عيوني، وتسلم إيدك على أي حاجة".
حرارتها ظهرت في وجهها وهو مرح معها بكلمته"يعيني على المكسوف".
_مش مكسوفة.
قالتها ومن ثم سريعًا رددت بمرحٍ"ماشاء الله أنا كل يوم هصحى على الوش دا؟ أنا أمي كانت دعيالي".
_يابنتي أنا انتاج روسي عارفة يعني إيه؟ يعني أجمل خلق الله، هحسنلك نسلك.
تعجرف بحديثه الواثق، ومن ثم أكمل بهدوء"صحيح حضرتي الشنط عشان نسافر؟"
1
_لسة بس هحضرهم بسرعة بالليل في السهرة كدا، عايزة نرجع قبل حفلة التخرج هي ناقص عليها أربع أيام.
توسعت عيونه بدهشة، وسألها بخيبة أمل وملامح مستنكرة_:
_إنتِ يازينب إللي بتقولي الكلام دا! بوظتي خالص! يعني مش كفاية جايبة جيد بالعافية لاء وعايزة تروحي مكان فيه رقص وأغاني ونساء متبرچات يازينب! خيبتي خالص يا زينب واللهِ.
1
ضحكت بقوة وأكدت على حديثه بتفهم"أيوة صح معاك حق، والله بقيت تفهمني".
صمتت وأكملت بهدوء"عمير هو الجيران هيجوا يباركولي بعد شوية مع ماما، المهم يعني ماما قالتلي لو نقطوني أخد النقطة هي منقطاهم كلهم وهي كدا كدا إللي هتردها مش أنا".
مط شفتيه وهو يستفهم منها"هي أمك هي إللي هتاخد النقطة"؟
نفت برأسها ليعلق ساخرًا"طب وإنتِ مال أمك؟"
توسعت عيونها بدهشة وهو عدل من جملته بعدما استوعب ما قاله"لاء بجد أقصد مال مامتك فعلًا، هي مش هتاخدها إحنا إللي هناخدها، يبقا نردها إحنا، سيبي الست في حالها إللي رايح على قد إللي جي".
هزت رأسها لأكثر من مرة وهو هبط يطبع قبلة على عظام صدرها البُني مردد بمرحٍ"بس أنا من رأيي لا تفتحي لأمك ولا للجيران، ونسافر كدا من غير ما نقول لحد".
ابتسمت بسمة خجولة وهي تبعده عنها بعض الشيء مردد ب
_دا أنا ماما تضربني، دي قالتلي أما يجيلي الجيران أو حد من قرايبي أحطلهم كحك وبيتفور و...
قطعها وهو يتحدث معها"إيه يما إنتِ وأمك! فاتحين مطعم! هو العصير وبسكوت وخلصت، الحاجات دي أنا بحبها".
_طب على فكرة بقا كنت ناوية أدي أوس أوس.
رسم بسمة ساخرة وتحدث بلا مبالاة"أهو دا أما يجي تعمليله ماية بسكر".
"______"
لأول مرة منذ شهر كامل بعدما عادت إلى منزل عائلتها تجلس وتأكل معهم، شعرت إن الأنظار حولها، ونظرات أخيها تخترقها، ليتها لم تدافع في يومٍ عن عمير! الجميع كان متعجب منها! سما كانت بدأت في التعافي وهذا ظهر بشكل ملحوظ، وهي الآن رجعت أسوأ من قبل! المسكينة وجهها الجميل أصفر لونه! وظهر الكثير من الحبوب في وجهها، والهالات السوداء تزيين أسفل عيونها، وللحق ثارت شفقة والدتها لتسألها باستنكار_:
_هو في حاجة حصلت جديدة؟
انتبهت لها بعدما انتهت جملتها وسألتها باستغراب وتيه"إيه؟ كنتي بتقولي حاجة يا مامي؟"
_بقولك هو في حاجة حصلت؟
كررتها من جديد على مسامعها، والثانية حركت رأسها تنفي بخرس معهود، وتقابلت عيونها المتعبة بعيون أخيها الجامدة، يقيمها باستنكار! يقسم إن وزنها أصبح لا يتعدى الثلاثين كيلو! راقبها وهي تحاول تقطيع الخبز الاسفنجي المستدير بالسكينة الصغيرة بصعوبة ليأخذها والدها منها مردد بجدية"هفتحه أنا، عايزة سندوتش إيه؟"
_عايزة الجبنة دي وزيتون ولانشون وكاتشب.
قالتها بنبرة خافتة بالكاد وصلت لأذنه، صنعه لها بكل الحب ومد يدهُ لها، أخذته منه تأكلها بدون شهية، هبطت دموعها بصمت على وجهها والجميع لاحظها لكن لم يعقبوا، هي هكذا منذ شهر، باعت منزلها ورحلت الخادمة وهي عادت إلى هنا حالتها غريبة! سحبت كوب الحليب وقدرتها صفر في المئة! ليسقط من بين يديها مبعثر الزجاج حولهم، وضعت يديها على أُذنها تحاول ألا تصرخ ونجحت بالأساس صوتها راح من كثرة البكاء! رفعت يديها الاثنين أمامهم معتذرة منهم بخفوت"آسفة؛ تعبانة شوية بس."
6
لم يعقب أحد إلا والدها وتحدث بحنان"مش مهم، حالًا هتيجي ليكي أحلى كوباية لبن."
هزت رأسها برفضٍ وهي تنهض، ابتعدت عن طاولة الطعام وتحدثت بمرارة"على فكرة يا مامي إنتِ كان معاكي حق، إنتِ علطول على حق إنتِ ورنا".
لم يفهموا جملتها المبهمة، وهي صعدت إلى غرفتها وصوت والدتها ورنا يتردد في أُذنها_:
_دا صايع، بكرة يسيبك، جايبة لينا بلطجي! شاكله شارب حاجة، واللهِ لا يسيبك زي المغلفة، بيضحك عليكي، مش بيحبك، بيستغل نقط ضعفك!
ووالدها رمى الطعام من بين يديه ونهض خلفها، ترك أدهم مع والدته لتسأله بتعجب"هو حصل إيه!"
_مش عارف، بس باين إنها متأثرة أوي إن يونس رمالها الفلوس عشان نشيله من دماغنا ومقدرهاش ولا عبرها.
خمن أدهم بجملته والثانية هزت رأسها برفضٍ مع جملتها الجادة"لاء البت دي فيها حاجة، فكرتني بلما كانت صغيرة والواد دا اغتصبها."
1
علق على كلمتها الأخيرة بسخرية"مغتصبهاش؛ هي إللي راحتله بمزاجها، وعملت العملية بمزاجها".
_هو دا وقته! اسكت يا أدهم، وبعدين آه أنت متعرفش إن عمير دا اتجوز؟ أظن كدا تروح تباركله بقا.
قالتها ببسمة خبيثة، وهو استفهم منها بجدية"عرفتي منين؟"
_مشغلة واحد عندي معاه في الشركة وبيجبلي كل اخباره.
13
نهض على عجالة وهو يسألها بسرعة"تعرفي عنوان بيته؟"
_خمس دقايق ويكون عندك.
قالتها بثقة كبيرة، وبالفعل أرسلت له العنوان بالضبط على هاتفه، وهو علم ماذا سيفعل، أنطلق بسيارته الچيب الرانجلر السوداء ووصل في وقتٍ قياسي بسبب سرعة السيارة، دخل بسيارته الكبيرة الضخمة تلك المنطقة النابية، أوقفها أمام البناية لتسد الطريق إلا من جزء صغير، توجهت الأنظار حول نجم نجوم هوليوود بنظارته السوداء باهظة الثمن، وشعره الحريري الذي يتطاير حول وجهه بسبب الهواء، هبط بعجرفة كبيرة، وبذلته السوداء كانت كفيلة بالتحدث عنه، سار رافع وجهه بغرورٍ وسمع الهمهمات من حوله، الجميع مستنكر وجود_باشا_في منطقتهم تحت الصفر، اقترب من أحد البائعين يسأله بعجرفة_:
_فين بيت عمير؟
_هو سيادتك يابيه تعرف الواد عمير؟ عايز تباركله عشان صبحيته يعني؟
سأله الرجل بصدمة، عمير وناس نظيفة! أكد بهمهمة بسيطة، والثاني تحدث بحرارة كبيرة"نورت ياباشا، هو في الدور الساتس على إيدك اليمين، هتلاقيه بيت عرايسي كدا".
ضحك بتهكم وصعد أمامه تلك البناية الرديئة! وصل بعد دقائق أمام المنزل، ودق الباب منتظر أن يفتح له الباب، وبعد لحظات فتحت له فتاة واضح عليها النعومة والجمال، فتاة بلدي لكنها جميلة! لم تكن زينب كانت چيلان لكنه ظنها هي زوجة عمير، قيمها من أعلاها لأسفلها بإعجاب، شعر قرمزي قصير، وعيون رمادي واضح إنها صناعية، وبشرة خمرية بعض الشيء، استغربته، وفي الحال تحدثت بنعومتها المعتادة_:
_أنت مين؟
10
_أنا أدهم الشرقاوي.
قال جملته وهي ابتسمت له بسمة جانبية، وأفسحت له الطريق تسأله باستنتاج"أنت أخو عمير؟"
هز رأسه بآسف وهي تعجبت ملامحها، خرجت زينب بحجابها وقبل أن تسأل مَن كانت ترى ذلك الشخص الثري، شخص واضح عليه إنه خرج من فيلم أكشن للتو وكان هو الرجل الغني الذي يريد الجميع اغتياله، اقتضبت ملامحها وهي تسأله بحدة"حضرتك مين؟"
_دا أخو عمير يازينب.
قالتها سريعًا وزينب فتحت فمها بدهشة، للحق قلبها ألمها، الآن فهمت لماذا عمير مقهور! له كامل الحق! ركضت للداخل تحدث عمير بسرعة"عمير في واحد برا بيقول إنه أخوك!"
استدار برأسه تجاهها ووقع قلبه، أمرها بحدة"طيب اقعدي هنا واوعي تخرجي، فاهمة؟"
انصاعت له ولم تخرج خلفه، خرج له وتقابلت في الحال العيون، عيون عمير الحاقدة، وعيون أدهم المتسلية، سأله بمرحٍ"إيه ياعمور اتجوزت اتنين ولا إيه!"
_لاء أنا صاحبة مراته.
صححت له چيلان خطأه، وهو ابتسم باتساع، واخبرها بتسلية"يعني العروسة أم حجاب! أنا بردو قولت عمير هيتجوز مين غير فلاحة! لكن إنتِ استغربتك عليه!"
رفع من شأنها بعدة كلمات بسيطة، وهي ارتجف قلبها أثر عباراته الجميلة في حقها، وعمير رمق چيلان بحدة مع جملته الجادة"هوينا يا چيلان."
5
_واسمك چيلان كمان! تنفعي ممثلة في فيلم أجنبي كدا!
لا يعلم عمير لماذا أدهم يمكر على چيلان لكنه صاح بحدة"أدهم وجودك مش مرحب بيه، يلا طرقنا".
كانت خرجت چيلان من الصالة، وأدهم اقترب منه يحدثه بوقاحة"صباحية مباركة ياعريس، متوقعتش إن ذوقك كدا! بس صراحة استخسرت فيك چيلان، هي دي مقامك البنت السودا دي".
هجم عليه يسحبه من تلابيبه مردد بحقدٍ واضح"أنت في منطقتي وجي بتعمل حركاتك ال****دي؟"
_جي أبارك لأخويا!
نطقها ببراءة واضحة على معالمه، وضحك في النهاية بعدما فك معطف بذلته من بين يديه متحدث باستفزاز"استمتع بشهر العسل يا أخويا، عشان إللي بعده هيكون جحيم، أهو بالمرة الناس يقولوا إن العروسة وشها حلو عليك!"
هدده بحديثه والثاني دفعه بعنفٍ مع لفظ نابي له"غور يالا، أعلى ما في خيل أمك اركبه".
تعالت ضحكاته الجذابة وهندم ملابسه وغادر من المنزل تارك جملته الواثقة خلفه"والله أنا هعمل كتير أوي، بس متبقاش تزعل".
خرج وچيلان في الحال خرجت وهي تقول لزينب"هنزل بقا عشان مطولش، مبروك ياحبيبتي".
5
غادرت من المنزل سريعًا، وعمير اقترب من زينب وملامحه جامدة، سألته بقلقٍ"في حاجة؟"
شعر بقلقها ليأخذها داخل أحضانه يطمئنها، ولكن كان العكس هو الذي كان يريد العناق حتى يهدأ وتهدأ نيرانه، تعجبت بحديثها"أخوك غني أوي يا عمير! أخوك شبه الممثلين الأجانب! إللي معاهم فلوس زي الرز."
_كل فلوسهم حرام، بيهربوا مخدارات.
قالها باختناق وهو منحني دافن وجهه في عنقها، وهي توسعت عيونها بارتعاب حقيقي ولكن تركته يكمل رغم إنه كان سيكسر ظهرها بسبب إنه مستند عليها بقوة لكنها تحملت، وعانقته تاركة له الحرية في الحديث"بيهربوا الأدوية والترامادول، وعلاجات السرطان المسكنة، بيهربوها للسعودية، واعتقد طالما أبويا ليه تعامل مع الإسرائيليين يبقا في بينهم عمليات تهريب كتير".
_هو دا ينفع؟ مش الحكومة بتقبض علي إللي بيهربوا الحاجات دي؟
سألته بجهلٍ واضح، وهو هز رأسه بعدم معرفة، وردد بسخرية"الناس الكبيرة في البلد ينفع يعملوا أي حاجة، أومال الهيروين والحشيش بيدخلوا مصر إزاي! ولا أي بلد! الحكومة بتغيب عيونها عن حاجات وتفتحها على حاجات، عايزة الصفقة دي تعدي فتعديها، عايزين الشخص دا يتقبض عليه متلبس يقبضوا عليه، ولو بيه أوي ومعاه علاقات ونفوذ مسموحله يعمل أي حاجة وكل حاجة".
خرجت كلمة مستهجنة منها"معقول!"
_معقول ونص، مش قولتلك إن دول معندهمش قلب؟
صمتت للحظات وبادرت بسؤال مشكك"هي سما أختك تعرف الكلام دا؟"
على ذكر اسمها تنهد بحرقة، وردد ببسمة حزينة"سما! سما دي النقطة البيضة في تاريخهم الأسود، مشوفتش ولا هشوف زيها، حظها بقا خلاها بنت حبيبة وبدر ****ناس".
2
_بس هي عسولة، أبقا اعزمها وأنا أوعدك إني هعمل ليها كل ما ألذ وطاب.
توه الحديث وحدثها بجدية"البت چيلان صحبتك دي مش عايزها تدخلي بيتي، وإنتِ كمان خفي ومتقعديش معاها."
ضيقت ما بين حاجبيها باستغراب واستفهمت منه عن السبب"ليه؟"
_مش تمام، هو أنا مشوفتش منها حاجة وحشة بس دلوقتي وأدهم موجود كانت مايعة أوي.
قالها بجدية وابتعد عنها ينهي النقاش لكن هي علقت على جملته"لاء ياعمير، چيلان كويسة."
3
_زينب البت دي متدخلش بيتي بردو، أنا مش مستريح ليها ياستي!
زفرت بضيقٍ ووافقت على مضض"ماشي".
2
ورجعت هي تتحدث عن عائلته من جديد مع سؤالها المستغرب"هو أنت مكنتش بتتعامل مع أي حد خالص زمان؟ يعني قبل ما تيجي هنا؟"
_كانت تعاملاتي مع أبويا، لكن عمري ما كنت شوفت سما ولا أدهم، أقولك حاجة؟ أقسم بالله ما كنت أعرف إن ليا أخت اسمها سما، هو إللي عرفته إنها كانت في فرنسا، وأدهم في أمريكا وكدا، كنت صغير أوي لما طردوني، ودوني ****حتة وخلوا أخواتي ملوك في بلاد برا، عارفة؟ واللهِ العظيم أنا كنت طفل صغير وبتعامل معاملة زبالة، كانت متوافرة ليا كل حاجة في الڤيلا عشان دي طبيعة حياتهم بس معاملة مرات أبويا كانت قاسية جدًا وست مفترية فعلًا، خلتني من وأنا طفل أبقا بكره أخويا أدهم دا أوي، بس الحمدلله كرهي مجاش على الفاضي وطلع واد حقير يستاهل الكره.
ضحك في النهاية بسخرية شديدة من حياته السابقة وفي لحظة خطفته ذاكرته إلى أكثر موقف شعر بالمهانة فيه وهو طفل، طفل ذاق المهانة بحق..
سقط كوب العصير من يد أخيه الصغير بقسوة ليتهشم إلى أكثر من قطعة، فزع الجميع ونظر تجاه الصوت، فتح عمير فمه وعيونه بدهشة وهو يضع يديه فوق فمه بطفولة، نهض من فوق مقعده يرى الكوب عن قرب، ومن داخله حمد ربه إنه لم يكن هو مَن هشمها، لم ترمش زوجة والده، وأشارت له بيديها وهي تأمره بهدوء"لم إللي في الأرض ياعمير".
أشار على جسده ببلاهة وهو يضع يديه فوق قفصه الصدري وينظر حوله باستغراب"أنا!"
_آه، أخوك الصغير وقعها لمها إنت.
قالتها ببرود ورجعت تنظر لصغيرها وهي تبتسم له بلطافة"خلاص ياحبيبي مش مهم، خد بتاعت عمير".
وعمير بنظراته الحزينة رمق الخادمة من خلفه، وحدث زوجة والده باعتراض"أنا مليش دعوة، خلي الmaid هي إللي تلمه."
رفعت حاجبيها بحدة وهي تسأله بنبرة منفعلة"يعني مش هتلمه؟ هو أنا قولت الخدامة هي إللي تلمه ولا إنت؟"
انفعلت ملامحه وعلت نبرته المعترضة"بس أنا مش خدام! ومش أنا إللي وقعتها".
نهضت تسحبه بعنفٍ معهود من سترته البيتية، وصاحت عليه بنبرة عالية"أنت هتبجح كمان؟ أنا قولت هتلم إنت إللي واقع في الأرض".
شعر بالمهانة وعيونه تحولت إلى جمرة مشتعلة بعدما حاول سجن دموعه بداخل مقلتيه، ووجه نظراته المخذولة لوالده"بابا أنا مش خدام".
ووالده كالعادة خذله، ونطق بجدية بعدما كان صامت طوال الحوار!"اسمع كلامها يا عمير".
_ليه وهو أصلًا يقدر ميسمعش كلامي؟
سألت بنبرة عالية قاسية، وهو رمقها بنظرات كارهة مع رفضه القاطع"آه، ومش هلم الإزاز عشان أنا مش خدام".
ابتسمت له بتحدي محركة يديها بخبثٍ مع حديثها"لاء إنت خدام هنا، إنت لولا أنا سامحة إنك تقعد كان زمان أبوك طردك من زمان، ولولا أنا بردو كان زماني مش بوديك المدرسة إللي في عز الرخص بدفعلك فيها في الترم بالألفات!"
2
_كل دا من فلوس بابي! ما ابنك بردو داخل حضانة بفلوس كتير!
صرخ بها بجنونٍ وهو يرمقها بنظرات حاقدة، تدخلت الخادمة الشابة سريعًا بعدما رأته سيخرب الدنيا فوق رأسه، وانحنت تحاول لملمة الزجاج"معلش ياست هانم أنا هلمهم دا عيل صغير".
رمقتها بنظرات حادة لتجعل الثانية تعتدل فورًا في وقفتها، وهي طردتها بكلماتها"برا دلوقتي ولينا حساب بعدين، سبيله الحاجات عشان يلم بيها".
رمت نظرة مشفقة للصغير وهي ترحل تاركة وراءها أدوات التنظيف، أمرته من جديد وهي تجلس"يلا لم الكوباية عشان تقعد تاكل ".
نظر لأبيه نظرة متحسرة، وانحنى ونفسه مكسورة يلملم الزجاج بقماشة صغيرة نظيفة، تأوه بصوتٍ عالٍ بعدما بعدما جرحته زجاجة صغيرة، والدم تسلل خارج يديه، مسحه بعنفٍ في بنطاله، ونهض يلقيهم في السلة بعدما نظف الأرض، ابتسمت له ببرود مع حديثها"شاطر، يلا تعالى كمل أكل".
لم يرد على حديثها وحدقهم كلهم بنظرات كارهة، والغل تجاههم تمكن بداخله، وكره أخيه الذي يكرهه بالأساس منذ زمنٍ! لم يتجه تجاه طاولة الطعام وغادر غرفة الطعام يركض تارك صحنه بكامله، صعد إلى غرفته مغلق بابها بقسوة لتصدر صوتًا عاليًا، جلس فوق مقعد مكتبه وسحب كشكول له مدون في إحدى صفحاته باللغة الإنجليزية بإتقان"أكرهكم".
وبيدها الحنونة هي ربتت فوق ظهره تنشله من كل هذا مع جملتها التي هدأت من نيران قلبه"كل حاجة وحشة عدت، أنت حاليًا مبقتش طفل صغير، ولا لسة الشاب المراهق، أنت مش كل دول، ومش محتاج ليهم، أنا جنبك، ومعاك ماما ومحمد وصاحبك حبيبك أوس أوس، أنت مبقتش وحيد زي زمان، وولا عمرك هتبقا وحيد".
حديثها كان بمثابة دلو بارد ثُقب على نيران مشتعلة ليهدأ منها قبل أن تأكل كل شيء من حولها، تنهد براحة مستسلم لأحضانها الدافئة، مستنشق عبيرها النفاذ، تغلغلت يدهُ في شعرها المنسدل فوق ظهرها بحرية، وردد بمرحٍ_:
_إنتِ أول ست أحضنها في حياتي حرفيًا، غرقيني بقا بالحنان.
ضحكت بخفة وهزت رأسها بطاعة وهي تحدثه بنفس الحنان"وأنا طول ما فيا نفس اثق إنك مش هتلاقي الحنان غير عندي، ووعد مني ليك عمري ما هحسسك بالوحدة".
_مش واثق أصلًا غير في اختياري ليكي يازينب!
"_______"
رن هاتفها لعدة مرات بـاسم صديقتها"نانسي"، استغربت اتصالها لكنها أجابت ببسمة مرحبة"حبيبتي عاملة إيه، عاش مِن سمع صوتك".
_وحشتيني أكتر يا"رورو"واللهِ اتخضيت عليكِ لما لاقيتك مش موجودة في الفرح قولت أكيد فيكِ حاجة.
نطقتها بعفوية تطمئن على حالها، عقدت حاجبيها باستغراب، متشدقة بتساؤل"فرح مين؟، لاء مش فاهمة".
والأخرى تفاجأت من عدم معرفتها، نطقت بتعجب"فرح زينب يابنتي صحبتنا إنتِ نسيتي ولا إيه؟"
"لاء فرح زينب إزاي؟ دا أنا كنت موجودة في خطوبتها يابنتي واللهِ، كانت في البيت إنتِ إللي مكنتيش موجودة".
قالت جملتها محاولة تكذيب مسامعها، لتهز"نانسي"رأسها بنفي متحدثة بنبرة مستنكرة"مش فاهمة إزاي مش عارفة إن فرح زينب كان إمبارح وخلاص راحت بيت جوزها"!
الجملة نزلت على مسامعها كالصاعقة، بحياتها لم تتخيل إن زينب تفعل زفافها بدونها!!، قلبها تمزق، هبطت دموعها بغزارة على وجهها لا تصدق تغير زينب الغريب هذا، من بين بُكائها اخبرتها بـنبرة عالية مقهورة_:
_لاء مكنتش عارفة، سبيني يا"نانسي"أنا وزينب نهينا كل حاجة بينا ومن زمان.
شعرت"نانسي"بالحزن عليها، ادمعت عيونها تستشعر صدمتها وحزنها، عنفت نفسها على اتصالها بها لتخبرها بهذا الخبر، حاولت تهدأتها لمرات عديدة لكن كان رد رودينا ضعيف"أنا خلاص مش زعلانة، براحتها، لازم أقفل دلوقتي يا"نانسي"عشان ورايا شغل كتير، باي يحبيبتي".
أغلقت معها وانهارت باكية، جلست على الأرضية تحتضن جسدها، تتسائل بصدمة لنفسها، هل ظنت زينب إنها ستحقد عليها عندما تعلم بزواجها!، هل ظنت إنها عندما ستخبرها ستذهب تخرب زفافهم!!، منذ متى كانت زينب قاسية!!!
لكن كيف كانت تريدها أن تدعوها إلى الزفاف وهي بالفعل نهت كل شيء وحظرتها منذ عدة أسابيع! عادت بذكرياتها وهي تبكي محاولة مواساة نفسها بإنها كانت تعلم وهذا شيء بديهي!
فتحت تطبيق المراسلة الالكتروني أخيـرًا بعد وقتٍ كبير، تفحصت القصص المنشورة فيه بمـللٍ، لكنها توقفت فجأة عِند صورة لصديقة لها هي وزينب مع"زينب وچيلان"!، حتى "زينب" في خروجاتها مع أصدقاء الدراسة أصبحت تأخذ معها"چيلان"! بدأ الحُزن يتسلل إلى قلبها، ينهش فيه بلا رحمة، صديقتها المُفضلة تحتضن أخرى غيرها، تحبها الآن ضعف ما كانت تكنه لها من حب، أغلقت تلك الصورة، لا تريد رؤيتها، وقعت عيناها فورًا على مُحادثتها المُثبته، لا توجد صورة شخصية! تمنت أن تكون ازالت الصورة لمدة ولكن ليس كما خطر ببالها، لكن ما خطر ببالها كان صحيح!
أرسلت لها مُلصق وعندما تُجيب ستخبرها بدون قصد، لكن كان الجواب لا رد، لا علامة حتى! أقرب ما لها أبعدتها عن حياتها حتى الالكترونية! سقطت دمعة هاربة من عيونها، وكأنها كانت طوق النجاة لدموعها الأخرى السجينة، ليبدأو بالهرب واحدة تلو الأخرى بغزارة، أولًا بنات عائلتها والآن صديقة عمرها، أغلقت التطبيق وثم حذفته مرة أخرى لم يعد لديه داعي_زينب ليست موجودة به_ لديها أرقام أصدقاء كثيرة ولكن جميعهم خلف شاشة لا يعلمون شيء عنها...!
بعد وقتٍ قصير كانت حذفت جميع وسائل التواصل من هاتفها مُلقية الهاتف على الأرضية بقسوة ودموعها تنهمر،"زينب" أيضًا حظرتها من جميع التطبيقات، كان سؤالها الوحيد المتألم"ماذا فعلت لكِ يازينب"!! ماذا فعلت!
3
رغم إنها لديها أصدقاء_بالهبل_ كما تقول، "مشهورة، وعندي صحاب بالهبل سوشيال، وأدمن في تلات جروبات، واحد جروب بنات، وواحد تاني جروب ميمز، وواحد تالت جروب روايات، بنتكم دي مشهورة وانتو ولا عارفين".
كانت تمزح بها مع عائلتها، ولكنها الآن لا تُريد أي صديق، لا تُريد أي شيء بعد الآن، لا تُريد مجموعات لا تُريد وسائل تواصل، لا تريد زينب، لا تريد زواج، لا تريد حياة، انطفأت.......!
لماذا يا"زينب"!!!، ماذا فعلت؟!
وبعدما حظرتها كانت تظن إنها ستدعوها! خرجت إلى والدتها تسألها بصوتٍ متحشرج"هو إنتِ عرفتي إن زينب اتجوزت؟"
هزت رأسها بتأكيد وسارعت تقسم لها بحديثها"وربنا رجاء عزمتنا بس أنا إللي مردتش وقولتلها محدش يكلم بنتي يعزمها وأقسمت عليها ما تعزمك عشان كفاية إللي بنتها عملته فيكي! يعني تقهرك وتبقا عيزاكي تروحيلها وهي مبسوطة!"
_طب هو كان حد واقف معاها في فرحها ولا كانت واقفة لوحدها من غير صحاب؟ متعرفيش؟
سألتها باهتمام كبير وتمنت أن يكون جميع أصدقائهم جاءوا، أشاحت بوجهها مرددة بنزق"وأنا مالي أعرف ليه!"
صمتت وأمسكت هاتفها تبحث عن قصة چيلان، ووجدتها أخيرًا، كانت صور كثيرة، وچيلان الخبيثة كانت جميلة في ثوبها المنفوش البنفسجي، ورأت صورة زينب، وفستانها الجميل، وصورها مع عمير، وجميع أصدقاء زينب كانوا موجودين! إلا هي!
دخلت على محادثتها وتعلم إن لن يصلها شيء، كتبت لها وقلبها محروق_:
_كان شكلك جميل أوي بفستان الفرح إللي حلفت إني أنا إللي هختاره معاكي وأنا إللي همسكه وأنا إللي هساعدك في فرحك، حلفت كتير أوي واتمنيت وجت چيلان عملت كل دا في ثانية، على فكرة لو كنتي عزمتيني وكنت جيت مكنتش هلفت الأنظار زي ما بتقولي، ومكنتش أكيد هتقرب من عمير، ولو كنتي عزمتيني يمكن كنت مش هاجي أصلًا بس أحس إنك فكراني! على العموم يعني أنا فاكرة إن طنط جت نقطتني في يوم فرحي، وفاكرة إنك إنتِ مسبتنيش من قبلها بشهر، كنت عايزة أردلك الجميل دا عشان إنتِ جمايلك مغرقاني، بس تتعوض أما تولدي، ربنا يهنيكي إنتِ وعمير، أنا بقا لو حصل واتجوزت تاني هعزمك وهطلع أحسن منك.
1
أرسلت الرسالة ومن جديد دونت في رسالة أخرى تعاتبها بحزنٍ متغلب عليها"المشكلة إنك اختارتي عمير من غير ما تسمعي مني، مش يمكن هو إللي كان بيتقرب مني؟ مقولتش واللهِ إنه اتقرب ومش بوقع بينكم وعمير محترم والله لكن كنتي اسمعيلي، ليه سمعتي لجارتك؟ جارتك إللي أصلًا متعرفيهاش، أنا مضايقة منك أوي وبجد مفيش حاجة هترجعنا تاني مع بعض".
نهت الرسالة ورمقت اسمها المدون!"أعظم اختياراتي"من قبل عمير سخر من الاسم، وكان حقه! هي بحياتها لم تختار شيء وكان عظيم! أو أقل منه ببعض الشيء!
1
الحياة ظالمة وتظلمها دائمًا، ودائمًا تأتي عليها، وكل هذا بسبب سامر، لولا سامر لكانت حياتها كانت هادئة! وتزوجت من معاذ، ومعهم أطفال، وزينب معها، ووالدها رأسه مرفوعة في منطقته القديمة، كانت ستكون سعيدة! هبطت دموعها وبدأت بالتمسيد فوق ذراعيها الاثنين بيديها، بسبب زينب تفشل دائمًا في العلاج والتعافي!
لكن أنا لا أُحب أن اتحامل على زينب، هي رأت بعيونها أكثر من موقف غريب لصديقة عمرها مع مَن من المفترض سيصبح زوجها، حتى الجميع استنكر، حتى المُشاهد خُدع مثلها تمامًا مُذعن إن رودينا تريد الاستحواذ على عقل خطيب صديقتها المقربة!
اللوم ليس على زينب، ولا ألوم رودينا، هي بالأخير كانت عفوية والعفوية تهلك وصديقتها للمرة التي لا تعلم عددها حذرتها من تلك التصرفات التلقائية.
1
وزينب كانت رد فعل على كل هذا، بالأخير الفتاة لا تريد رؤية مَن سيتزوجها متعلق بخفة ظل صديقتها، واختلاطها الواضح به ومزاحها الذي ليس له أي مبرر!
لا نبرر الفعل الوقح لكن لا تأتي على صاحب ردة الفعل! حكِّم عقلك.
2
وسيأتي بخاطرك وخاطري لماذا لم تُعاتب؟ لماذا فضلت الاتهام والتخلي؟
هذا خطأها منذ البداية إنها لم تعاتب وتركت أُذنها تسمع لهذا وهذه!
كل تلك الأفكار تشوشت بعدما دخلت والدتها تركض سريعًا متحدثة بعجلة"قومي يابت اللبسي بسرعة أم منقذ جيالنا".
لم تسمع الاسم بالضبط وسألتها باستغراب"أم مين؟"
بدأت بالسعال وهي تردد بالاسم مرة أخرى، ضيقت نظراتها بغرابة وهي تردد بصدمة"أم منقذ؟ مين عزمها؟"
_أنا عزمتها امبارح وأنا بكلمها واتس.
قالتها ببسمة متوترة، والثانية رفعت حاجبها تستهجن منها بحدة"وهو إنتِ جاية تقولي دلوقتي؟"
"نسيت ياحبيبتي الحياة تلاهي، خلصي بقا الست على وصول".
قالتها بمسكنة واضحة على ملامحها، والثانية رفعت سبابتها تحذرها بجملتها المختنقة"لو عرفت إنك جبتي سيرتي أنا ومنقذ في حاجة مش هيحصل كويس، عشان منقذ مستحيل يفكر فيا، وأنا منفعش لأي حد أصلًا".
أشاحت بيديها وهي تخرج من غرفتها بسرعة، والثانية ضربت كف على آخر مستنكرة بتعجب واضح"الست اتجننت، لاء ولحقت تكون علاقات وبتكلمها على الواتس! إيه سرعة الأداء دي؟؟"
خرجت من غرفتها ودخلت المرحاض تغسل وجهها، وبعد مدة كانت تقف أمام المرآة بفستانها الأسود التقليدي وتعكس شعرها على هيئة كعكة، بدأت بلف الوشاح ومن وسط كل هذا ضحكت بسخرية"محاولاتها هتكون فاشلة وهيجيلها تروما الست يعيني وإياد هيجي يعالجها بقا".
دخلت عليها كالاعصار تصيح عليها بقلة صبر"هو أنا مش بكلمك ياللي مشوفتيش تربية؟ انزلي قابلي الست عند الطريق العمومي، ولا هتنزلي أمك إللي بتتعب من السلم؟"
_ياست إنتِ هو أنا إللي عزمتهم ولا إنتِ؟ أنا مالي؟ مش كفاية مفيش أي مراعاة لحالتي النفسية؟
سألتها باستهجان مرسوم على ملامحها، والثانية ضحكت بسخافة وهي تغادر"ياختي ما إنتِ بومة!"
_سمعتك.
قالتها بغيظٍ، ودبدبت في الأرضية وهي مغادرة من غرفتها مرددة بتذمر"كل حاجة رودي رودي، رودي تعبت".
غادرت من المنزل وسارت تحدث نفسها في الشارع كعادتها، وصلت إلى الشارع الرئيسي ولم تجد أحد، اتصلت بوالدتها تسألها عن مكانهم لتخبرها أنهم اقتربوا، وقفت تنتظرهم بتذمر، وبعد وقتٍ لمحتهم يهبطون من سيارة أجرة، ركضت تجاههم متحدثة بترحيب شديد"إزيك يا طنط عاملة إيه"؟
ابتسمت لها بسمة بشوشة وسارعت تأخذها في أحضانها مع جملتها"بخير يا حبيبتي، وإنتِ؟"
_أنا كويسة الحمدلله، حياة ياعسل، وحشتيني واللهِ.
قالتها بسعادة واضحة وهي تأخذ الصغيرة بين أحضانها، رفعت نظراتها إلى منقذ تحدثه بهدوءٍ"إزيك؟"
_كويس.
قالها بشبه بسمة، وتحدث مع والدته بجدية"هرچع عالشغل".
_لاء اصبر، مش هتطلع عندنا؟ ماما هتزعل جدًا.
قالتها بضيقٍ ووالدته تحدثت بهدوء"تعى شوية، الست حرام بدها تشوفك".
رمقتها بتعجب، والدته غريبة للغاية، إن كانت سيدة أخرى لكانت بعدته عنها بعدما علمت إنها مطلقة، سارت معهم وبدأت تحدثها حياة"بتعرفي روحت علمدرسة انهاردة وخدت شهادة تكريم عشان أنا متفوقة وبعرف أكتب الحروف وأقرأ."
_شطورة ياعيوني واللهِ، وأنا صغيرة بردو كنت شاطرة خالص زيك كدا، لحد ما دخلت الجامعة وبقيت أفشل بنت فيها.
مزحت معها بجملتها لتثير فضول منقذ حول دراستها، وسألها بانتباه"كنتي في جامعة إيه؟"
_آثار، بجد أكتر كلية كرهتها في حياتي، عشان أنا أصلًا كنت في علمي رياضة وهموت كدا وأدخل هندسة أو حسابات ومعلومات بس الحمدلله يعني جبت ٨٨٪وكان ساعتها النظام القديم فحطيت الرغبات بتاعتي وآثار دي حطتها الرغبة العاشرة ولا الحداشر لإني أصلًا عندي عقدة من التاريخ والجغرافيا بس لاقتني لبست فيها، بس الحمدلله مشيت جوي يعني واتخرجت منها بخير.
2
_ما تزعلي يعني أكيد الله شايلك خير.
قالها مواسيها، وهي رجعت تستفهم منه بفضولٍ"وأنت؟"
ضم شفتيه للحظات وتحدث ببساطة"خريج كلية تچارة وإدارة أعمال بالتحديد نظم معلومات الأعمال BIS."
_واو بجد أول مرة أسمع عنها، دي بتشغلك إيه؟
اهتمت وهو أجابها بنفس البساطة"حاليًا بشتغل في شركة، شغلي كله بيكون عن تصميم مواقع إلكترونية أو تصميم شبكات المعلومات وكل هدول".
رفعت حاجبيها بتعجب وهي تسأله بغرابة"أنت بتشتغل في شركة؟ دا غير شغلك في وسط البلد؟"
_أكيد يعني هاد شغل ما بيعتمد عليه، وهاد محله لرفيقي، هو مصري وهو اكتير شغوف بالقراية وبيحب القهوة فكان اقتراح واتشاركنا فيه، بس هو مو هون، هو مسافر مع مرته وتاركلي المحل أمانة وأنا بفتحه بالليل بس مو طول اليوم كتسلاية مو أكتر، حتى هو له شغل خاص بيه يعني ما بيفرقله المحل.
5
اتسعت بسمتها واخبرته بمرحٍ"بس لولا المحل مكناش اتقابلنا ومكنتش أنت دافعت عني، أو انقذتني ياعم المنقذ."
ضحك بخفة عليها، وأرجع شعره للخلف بأصابع يده مردد بهدوءٍ"لو الله كاتب علينا نتچمع كنا بنتچمع رغم كل شي".
1
هزت رأسها بتأكيد وداعبت شعر حياة الممسكة بفستانها وكإنها ستركض، رفعت صوتها تحدث خالها مشيرة على مطعم حلويات_:
_خالو البسبوسة ياللي بتحبها.
ابتسم بسمة بسيطة وحدثها بحبٍ"مافي بسبوسة غيرك بحبها يا حيات خالك."
وجهت والدته الحديث إلى رودينا تخبرها ب"عارفة؟ دا ممكن يبيع الدنيا لو حد عمله بسبوسة، وياسلام لو محشية، ممكن يبيعلك كليته، كل أما بعوز حاجة منه بعملها".
رمقته بتفاجئ وهي تردد"يااه! أنا ماما بردو كدا بتحب مكرونة بشاميل، ممكن تبيع الدنيا عشانها، بتعملها كل أسبوع حرفيًا وأنا أصلًا مش باكلها".
مرح معها بحديثه"مامتك ست بتفهم، وبنتها مو بتفهم، أنا ما بعشق إلا البشاميل".
توقفت أمام البناية وحدثتهم بخجلٍ"وصلنا، بيتنا في الدور الرابع".
صعدوا إلى المنزل، ودقت رودينا على الباب، فتحت والدتها ترحب بهم ودخل الجميع إلا منقذ متحدث ببسمة هادئة"كيفك يا خالة؟ چيت مشان سلم عليكي".
_طب اتفضل يابني واقف برا ليه؟
سألته متعجبة وهو أجابها بجدية"چيت أسلم عليكي وبس، لكن ما بيصير أدخل".
لم تصر عليه وهو رحل بعد دقيقة أو اثنين، حملت رودينا حياة بين يديها مرددة بمرحٍ"تعالي أفرجك أوضتي".
دخلت بها إلى الغرفة ووضعتها تجلس فوق التسريحة الخاصة بها تخبرها ببسمة سعيدة"إنتِ أول طفلة تدخل أوضتي وتقعد على تسريحتي".
بدأت بتفحص أشياءها الفتياتي بانبهار مع سؤالها الطفولي"كل هدول بتوعك؟"
_آه ياحبيبتي، دول حاجات لجسمي وبشرتي وكمان لهدومي، ودول مكياچي.
استرسلت ببسمة مرحة"تحطي مكياچ يا حياتي؟"
"بخاف خالو يزعق."قالتها ببراءة شديدة وهي قبلتها وكانت تريد أكلها في فمها من طفولتها، واخبرتها بنبرة طفولية مثلها"ياقلبي أنا خالو مش هيعرف، تعالي نحط ميك أب أطفالي بس الأول نرطب بشرتك."
بدأت بوضع لها كريم للبشرة ومن ثم تحدثت بمرحٍ"دا أنا حلم حياتي إني كنت أخلف عشان يبقا عندي بنوتة أخلص عليها مكياچي".
_اتجوزي وبتخلفي.
قالتها هكذا ببساطة وبراءة الأطفال، ضحكت بخفة وقرصتها من وجنتها وهي تردف بتذمر"دا حل هايل مجاش في بالي."
بدأت بوضع لها أدوات تجميلها باهظة الثمن، وفي النهاية رسمت لها بقلم أحمر خاص بفمها قلب صغير بجانب عيونها، رأت نفسها في المرآة وفتحت فمها بإعجاب واضح"كتير حلو، يسلموا يا خالة".
نهت جملتها وهي تضمها بقوة مقبلة وجهها، طُبع على وجهها رسمة فم حياة الصغير أثر أحمر الشفاه، واخبرتها بتحمس"أنا كمان بدي أحطلك مكياچ".
1
سلمت لها وجهها بكامل إرادتها وتركت الصغيرة تلعب فيه كما تشاء، وانتهت مصفقة لها بطريقة مبالغ بها! تشجعها بجملتها"مشروع بنوتة جامدة في الكبر!"
سمعت نداء والدتها لتخرج لها سريعًا وفي يدها حياة، حدثتها بلطافة"تعالي اقعدي إنتي وحياة هنا".
جلست واضعة حياة فوق قدميها بتعلق شديد، وجلست تتحدث معها بعقليتها الطفولية، ووالدت منقذ تحدثت لها بحبٍ"حياة بتحبك جدًا، قليل إنها ترتاح مع حد كدا".
رفعت نظراتها لها تحدثها بابتسامة عريضة"وأنا كمان بحبها جدًا، لو كنت خلفت كانت بنتي هتكون قدها".
قالتها بعفوية كبيرة، وشعرت بماذا قالت، ضمت شفتيها بآسى، والثانية لحقتها بحديثها المواسي بمرحٍ طفيف"ياحبيبتي متزعليش دا إنتِ كدا مرتاحة، بكرة تتجوزي وتخلفي دستة".
عيونها جاءت بعيون والدتها، كانت ستخبرها بسخرية إنها لا تنجب لكن نظرات والدتها الحادة منعتها، قلبت نظراتها بمللٍ، الأمر سخيف! تريد تزويجها بأي طريقة، وهي لا تصلح لأي شاب في بداية حياته يريد عائلة وأطفال وزوجة سوية نفسيًا، هي لا تصلح إلا لمطلق مثلها لديه أطفال تربيهم له، أو أن تكون زوجة ثانية كمالة عدد لغرض الاستمتاع فقط ليس إلا، لكن منقذ لا يستحقها! الجميع لم يتحملها حتى عائلتها هل هو سيتحملها؟
"_______"
خطوات جنون الرجل بالمرأة هي اتقنتها، الرجل لا يحتاج إلا بسمة، ولمسة، وهمسة وسينحني أمام جمال المرأة الجميلة التي غدقته بكل هذا!
قلب الرجال دخوله سهل للغاية، اللعب على العاطفة والمشاعر، وما أدراك ما المشاعر!
دفعته فوق الأريكة بخفة ممتزجة بدلالها المبالغ به، واخبرته بمكرٍ مع غمزة حيوية له"هرقصلك".
_أنا! الله!
هتف بها بضحكات عالية وهو يصفق بمزاحٍ متحمس كطفل صغير، وهي أمسكت وشاح بدلة رقصها المليئة بالأقراص الذهبية الصغيرة المزينة فتحة صدرها وقدميها يمينًا ويسارًا، ربطته حول وسطها باتقان، وأشعلت الموسيقى الشعبية الذي استنكر إن فتاة مثلها تعرفها! لا وتحفظها! غريبة! لكنه أجمل شيء غريب! بدأت تتحرك مع الكلمات باحتراف، وللحق رقصها كان يأخذ العقل! شعرها وعيونها، وكل شيء فيها يأخذ العقل! دقائق وكان تفاعل معها بسعادة لم يشعر بها من قبل، لكن واضح إن الفتاة كانت تعلم جيدًا ماذا تفعل!
1
غرقته في بحر دلالها! لديها كل المقومات! كل شيء جذب الطبيب النفسي إليها! في شهر ونصف فقط أخذت عقله، بالنهاية هو رجل وتلك فطرته ليس عليه لوم! المريضة النفسية ربحت وكسبت طبيبها السري، أي شيء أمام سطوة جمالها لا يستحيل!
وفي وسط كل هذا خرج اعترافه من بين شفتيه"بحبك".
8
لم يكن الأمر سهل عليها! ظلت لأشهر تحاول تذويب جليده! وكإنه ليس لديه مشاعر! لكن من الواضح إنه أحبها بحق؟ من قبل اعترف لوالده بانجذابه لها! لنكن واقعيين مَن سيقبل بزواجة غريبة عرضتها عليه فتاة إلا إذا كان انجذب إليها! وإياد انجذب إليها بسبب بحثها عنه ووضعه في مرتبة عالية برأسها، وغير كل هذا رنا لها أسلوب خاص! شئت أم أبيت هذه فطرة!
"_____"
_مليش دعوة أنا مش هقابلك تاني من ورا ماما، أختك زينب مش أحسن مني إنها إللي بيحبها يجي يتقدملها ويكون راجل معاها.
قالتها بتصميمٍ بعدما تملك منها الغضب، وهو سألها بلينٍ_:
_هو أنا بضايقك؟ بتخطى حدودي؟ دا أنا بشجعك على عبادتك.
5
حدقت به بسخرية ورددت بتهكم واضح"بتشجعني على الصلاة والحجاب وكل دا وبنضيعه في ثانية! بكلمك من ورا ماما وماما مش بتثق غير فيك، حتى أمك يا أخي قالتلي بدل المرة ألف أبعد وأنا مش بسمع الكلام! حتى أختك نصحتني بدل المرة ألف وقالتلي حرام، فأنهي عبادة دي؟ علاقتنا غلط حتى لو مفيش تخطي حدود بينا رغم إن دا بيحصل!"
1
انفعلت ملامحه وسألها بعصبية"عيزاني أعمل إيه! إحنا خلاص في آخر شهرين ثانوية! مش قادرة تستني لحد أما أدخل الجامعة عشان مش معقول عيل هيروح يخطب! أروح أقول لمامتك إيه؟ بنتك إللي معندكيش غيرها جي يخطبها عيل؟"
هبطت دموعها بتألم، واخبرته بنبرة باكية"أنا مستحقش إني أخرج معاك في الخفا دايمًا، وابقا خايفة ماما تشوف صورنا، أنا عايزة ماما تعرف، أنا مش عايزة أغضب ربنا تاني! أنت أختك كانت ماشية بضوابط الخطوبة! وبعدين ما أنت بتشتغل يا أخي وشايل مسؤولية أختك وأمك وأهي أختك اتجوزت وأمك مش مخليها محتاجة حاجة، يبقا تعالى اتقدم ليا وأنا هوافق وهخلي أمي توافق! أنا زهقت إني بستخبى وأبقا خايفة حد من قرايبي ولا صحاب أمي يشوفني معاك".
تأثر بدموعها الحبيبة، وحرك رأسه بيأسٍ مع وعده الصادق لها"وربنا ما هسيبك، سبيني أظبط طب كام حاجة وهاجي اتقدملك وربنا، اصبري على الأقل لحد ما نمتحن والشهادة تطلع".
حركت رأسها بعصبية، وهتفت بحنقٍ وهي تبتعد عنه"ولحد أما دا يحصل أنت مش هتشوف وشي تاني، وولا هكلمك، وولا حتى هتف في وشك في الدروس، ولو لاقيتك ماشي في طريق هلف وأمشي للطريق التاني."
_يا نسمة اسمعي بس، من وإحنا في ابتدائي مع بعض، هيجي دلوقتي وتسبيني؟ واللهِ كلها شهرين بالعدد وهروح لمامتك.
استعطفها بحديثه الخائف، الخائف من فقدها، وهي نفت بحدة ونبرتها كانت عالية رافضة الأمر"لاء يا هتيجي تتقدم يا أقسم بالله ما عايزة أشوفك، كفاية أوي كدا علاقة حرام زي دي، أهو أنا بتعلم من أختك إللي أنت متطيقش إن عمير قبل الخطوبة كان يمشي معاها، لكن أنا عادي ما أولع، ماهو لا ليا أخ يخاف عليا ولا أب ولا أسوالك شيء، وعمرك ما حطتني في مكانة أختك."
قالت حديثها الهجومي ولم تستمعه! ركضت بعيدًا عنه ومن الواضح إنها مصممة على رأيها ومعها كامل الحق! رجع بيته خائب الأمل، وملامحه حزينة مغتمة، سألته والدته بفزع"مالك ياحبيبي؟ حصل حاجة في الشغل زعلتك؟"
في الحال رمى سؤاله المتألم عليها"هو أنا وحش بسبب إني بحب نسمة!"
فهمت ما يرمي إليه، وضمت شفتيها بضيقٍ مع حديثها المتعقل"مش وحش يا ضنايا بس حرام عليك، وعليها بردو بس أنت الراجل إللي تقدر تبعد وتقول لاء، البنات عاطفتهم بتتحكم فيهم، لكن الرجالة يقدروا يحكموا عقلهم، حرام تخلي البت تخرج وراك من ورا أمها، وأنا يابني غلبت معاك، حرام والله هتدخلوا النار، ربنا نهانا عن الصحوبية بين البنت والولد، حرام يا حبيبي عليك!"
_نسمة سابتني، سابتني بعد كل الوقت دا!
قالها بشبه انهيار، انهيار لكن بدون دموع وعويل، انهيار غريب لكنه موجع القلب، ووالدته كان يعلم ردها الجاد"حقها، رغم إنها اتأخرت أوي، ربنا يهديها، كفاية إنكم واخدين وقت بعض جدًا، واللهِ العظيم أنا أصلًا خايفة من ربنا بسببك، خايفة بعد ما قعدت أربي فيك كل دا وإنت اجتهدت إنك تختلط بالبنات ربنا يسألني ليه مقدمتش رسالتي، يابني حرام عليك مركبها ومركبنا ومركب نفسك الذنوب، اصبر لحد ما تتقدم ليها".
وضع يديها فوق رأسه بانهاك وردد بتخاذل"قالتلي مش هتكلمني غير لو اتقدمتلها، مصممة اتقدملها دلوقتي! ودا مستحيل!"
_مستحيل ليه؟ ما تجرب يمكن تتوفق من عند ربنا! أنت بتشتغل وداخل جامعية وهتعرف تجيب شقة وعفش، روح اتقدم ليها وعرفها ظروفك وقولها تستناك بعد الثانوية تيجي تخطبها، أظن عادي بقا! الكل بيخطب في الجامعة، وإنت بقيت راجل، خد خطوة رجالة بقا، بلاش دلع".
قالتها بجدية كبيرة، وهو سألها بسخرية"عايزة تروحي تخطبي لواد عنده تمنتاشر سنة لسة! هتضحكي الناس علينا!"
هزت رأسها بيأسٍ وسألته بقلة صبر"ناس مين! هو في غير نسمة وأمها! ما أنت عارف أبوها محدش يعرفله طريق! لكن أمها بتحبك من وإنت قد كدا، لو استرجلت وعرفتها ظروفك هتحترمك، مش أحسن ما تعرف من برا إنك عيل وجريت بنتها معاك وتستحقرك؟؟ وتصمم إن مفيش لا خطوبة ولا جواز؟"
حدق بها كثيرًا بحيرة حقيقية، وعقد العزم وفي صدره تمنى أن يفلح! لعله يفلح!
"_____"
مرَّت عدة أيام وكانت من ألطف الأيام على قلب عمير وزوجته زينب، ذهب بها إلى مدينة"مرسى مطروح" لمدة ثلاث ليالي من أجمل الليالي ومن ثم عادوا.
1
توسلها عمير بتصميمه"بالله عليكي يا زينب، يازينب بالله عليكي ارقصيلي".
2
_يابني وربنا الموسيقى حرام! هرقصلك إزاي؟
سألته بعدما جاءها صداع نصفي منه، وهو اخبرها ببسمة حمقاء_:
_ما أنا شيلتلك الموسيقى من أغنية شيك شاك شوك أهو واللهِ!
10
ضربت كف على آخر متعجبة منه وعيونها متسعة"طب دي شيلتها إزاي؟ دا كلها موسيقى أصلًا!"
اعترض بانفعال وهو يصحح لها"لاء مسمحلكيش فيها واحدة بتقول كلمة شاك كدا، طب سيبك من الأغنية، أطبلك حتى!"
_تطبلي! يابابا صلي على النبي ونام بكرة عندك شغل، باينك خدت على الضحك والمرعة وقلة الصنعة!
تهكمت بكلماتها، وهو رمقها بتأثر شديد وهو على وشك البكاء"أومال لو مكناش في أسبوع عسالنا كنتي عملتي إيه؟ على فكرة لو مرقصتيش ليا هدور على حد يرقصلي".
_نام ياعمير وعدي الليلة، مفيش زفت رقص.
قالتها بحدة مصنوعة، وهو تصنع البراءة بكلمته"طب من غير أغاني خالص، أنا راضي".
أشارت على الفراش بأمرٍ"نام يا عمير وعدي الليلة".
تسطح فوق الفراش بضجر، وصاح بانفعالٍ"صعبوا الحلال علينا بقا، من غير تصبحي على الخير، على فكرة الزوجة إللي مش بتسمع كلام زوجها بتبقا ناشز".
ضحكت على جملته، وألقت عليه الوسادة بتهكم واضح"نام ياعمير، نام يا بتاع شيك شاك شوك".
_طول عمري عايش ملك، مش عارف ليه اتجوزت! يابنتي دا أنا معنديش أم و...
قال جملته الاستعطافية لتستنكر بنبرة عالية"يلاهوي عليا! إيه جاب الموضوع دا للأم! أنت حافظ كلمتين بتسمعهم! هي أمك هترقصلك؟"
رمقها بنظراتٍ حزينة مع سؤاله المقهور بمرحٍ"طب وأما اتفرج دلوقتي على أفلام سعد الصغير عشان الستات بيرقصوا فيه؟ تفرحي كدا وإنتِ عاملة ليا عقدة؟ حرام عليكي معندكيش عيال يطلع فيهم إللي بتعمليه فيا دا؟ مش صعبان عليكي؟ مفيش شفقة؟"
واسترسل بهزات رأس مخزية مستهجنة منها"مفيش رحمة مفيش..."
قطع جملتها بعدما رأى نظراتها المشتعلة ليبتسم بخوفٍ مع رميه لجملته وهو يهبط تحت الغطاء"مفيش فعلًا، حقك عليا ياملكة، عيل وغلط!"
رجع يرفع وجهه مرة أخرى لها يسألها بضحكة جميلة مرحة وشعره وقع فوق عيونه بمظهر لطيف ضاحك"طب مفيش بوسة حتى؟ ولا هتحرميها دي كمان يا سوسة يا أم لسان طويل؟"
"_______"
4
_لول وربنا وحشتني يا عم!
قال جملته بسعادة كبيرة وهو يتجه يضم رفيق عمله، والثاني قابله بصدر رحب محدثه بمرحٍ"عامل إيه ياعريس؟ الجواز حلو؟".
_حلو جدًا يا علي، دا أنا أول مرة أنزل الشغل بالحيوية دي! دي صحتني بدري وفطرتني بإيدها كمان، وظبطت هدومي، وحطتلي زيت من بتاع شعرها، حسيت بالاهتمام كدا.
قالها بعفوية كبيرة وهو يضحك، والثاني غمزه بمشاكسة"بكرة هتتخانقوا لو فتحت النور عليها!"
أكمل ببسمة هادئة"بهزر معاك، مبروك يا صاحبي أنت ابن حلال وتستاهل كل خير".
_حبيبي يا لول، هدخل أغير هدومي بقا وأجي.
ابتعد عنه ودخل تلك الغرفة المخصصة لهم وبدأ بتبديل ملابسه إلى ملابس العمل، مرَّ معظم اليوم على خير لكن بالتأكيد لن يكون عمير صاحب أسوأ حد إذا لم يحدث شيء يعكر صفو نهاره!
دخل أدهم بسيارته مفتوحة السقف والأغاني تتعالى منها، اقترب منه علي يحدثه بلهفة"إزيك يا بيه؟"
همهم بلا مبالاة وهبط من سيارته جاء علي يأخذ منه المفاتيح ليشر لعمير الواقف بلا مبالاة وكإنه لم يراه، محدثه بأمرٍ"أنت، تعالى اركن العربية بتاعتي."
زفر بصوتٍ عالي، واقترب منه ينشل من يديه المفتاح بعصبية، صعد السيارة ليسمعه يأمره باستفزاز"براحة عليها، مش كفاية هتوسخها وأنت قاعد عليها!"
تملك منه غضبه، ولم يراعي عمله، واشعلها منطلق بها بأقصى سرعة لحظات ودهس الفرامل لتصطدم في باب حديدي كبير، كان هذا أمام مرأى علي وأدهم، وضع علي فورًا يده على عيونه بعدما سقط قلبه! السيارة أغلى منهم! لن يرحمه أخوه! ابتلع لعابه باضطراب بعدما رأى أدهم يقترب من عمير الجالس بسيارته، ركض خلفه في الحال متحدث بخوفٍ_:
_هنصلحها يا باشا، من غير قصد، هنصلحها حالًا.
وجه نظراته له محدثه بحدة"لو خايف على شغلك ارجع على البوابة".
رمق صديقه الغير مهتم وابتعد عنه، وأدهم ضحك بسخرية وهو يخبره بتهكم"مشكلتك إنك غبي، اركنها وحصلني على مكتب محمود".
رمى الكلمة واتجه يدخل إلى الشركة، والثاني ركن السيارة التي خربها من الأمام وخرج إلى صديقه، والثاني عاتبه بضيقٍ"ليه كدا ياعمير! أنت مش قد الناس دول! يابني أنت هنا ملكش دعوة بحياتك الشخصية! الشغل حاجة والمشاكل الشخصية حاجة تانية".
1
صك على أسنانه باختناق، ونطق بحدة"مبكرهش في حياتي قد الواد دا".
سمعوا صوت الهاتف الأرضي الخاص بالشركة للأمن يدق، اتجه علي يجيب بالاحترام"تحت أمرك يا باشا؟"
_خلي عمير يطلع ليا.
أغلق معه والثاني ضم شفتيه بآسف مع حديثه"اطلع لمحمود بيه، ادعي توصل لخصم بس."
ابتعد عنه وهو يلعن غباءه وعصبيته التي ستهلكه، ليس من المعقول أن يخصم له وهو بالأساس أخذ عطلة لمدة أسبوع نسفت مهيته الشهرية! صعد إلى مكتبه بمضض، ودق على الباب ثم دخل، وقف واضع يديه الاثنين بجانبه مردد بأدبٍ_:
_تحت أمرك يا محمود بيه؟
_بتعمل مشاكل ليه يا عمير؟
سأله بنبرة محتدة، وجاء ليدافع عن حاله بحديثه السريع"من غير ما أقصد خبطت العربية، هوديها عند الميكانيكي يصلحها".
كان أدهم يجلس أمامه ليأمره مدير عمله بجدية مشير عليه"راضي أدهم بيه".
تنفس بعمقٍ وتحدث بعد لحظات ضاغط على نفسه مذكر حاله إن كل هذا لأجل توفير المال وتوفير معيشة لزوجته وله مناسبة في عز هذا الغلاء، تحدث بصعوبة"حقك عليا يا باشا."
قلب نظراته بملل والثاني هتف في الحال"راضيه عدل ياعمير واستسمحه".
_هو ليه يا باشا كل دا! ما قولت هينزل يلاقي العربية صاغ سليم!
نطقها بعدما فاض له الكيل، وكان يريد تكسير أسنانه من شدة ضغطه عليها، وجه أدهم نظراته لمحمود يسأله بتقليلٍ_:
_أنت مشغل مين عندك يامحمود بيه؟ أنت عارف في شركتنا محدش يجرؤ يتكلم كدا! يطرد علطول.
في النهاية وصل له الجملة، والثاني حدث عمير بحدة"أنزل ياعمير أسحب ورقك ورجع ال Uniform ل"جمال" وخد مستحقاتك من "معاذ" بيه."
1
توسعت عيونه بصدمة، وقع قلبه لم يتوقع إن كل هذا بسبب خدش سيارة! لكنه لن يأتي على كرامته ويقف يستسمحه كما يريد، حرك رأسه بهدوء مستأذن منه بجدية"تحت أمرك يا محمود بيه."
هبط إلى الأسفل ودق ودخل مكتب معاذ، حدثه بجدية"إزي حضرتك يا معاذ بيه".
كان يتحدث في هاتف العمل وأغلق بعد دقيقة، سأله باستنكار"أنت قدمت استقالتك ولا إيه؟ لاقيت شغل في شركة هندسة؟"
_لاء، محمود بيه طردني عشان خبطت عربية أدهم الشرقاوي.
قالها بجدية، والثاني رفع حاجبيه بدهشة مع كلمته"غريبة! عمرها ما حصلت!"
ضحك بسخرية وأجابه يريح عنه التفكير"أنا وأدهم بيه في بينا مشاكل فعشان كدا".
_بقولك إيه، ما تشتغل على النت أحسن؟ في مجال البرمجة والحاجات دي، أنت ماشاء الله شكلك شاطر.
عرض عليه فكرة بجدية، والثاني زفر بملل وهو يجيبه"أنا معرفش أي حاجة عن البرمجة ومكنتش أعرف من كام سنة كدا إن سوق العمل هيطلب برمجة، ومفيش وقت اتعلم، أنا خلاص اتجوزت ومش هبقا فاضي، وحتى النت أنا مش بعرف اتعامل معاه أحسن حاجة، أنا اتعلمت ألماني عشان سوق العمل وهدور من تاني في شركات الشحن والكول سنتر والحاجات دي."
رمقها بنظراتٍ حزينة مع سؤاله المقهور بمرحٍ"طب وأما اتفرج دلوقتي على أفلام سعد الصغير عشان الستات بيرقصوا فيه؟ تفرحي كدا وإنتِ عاملة ليا عقدة؟ حرام عليكي معندكيش عيال يطلع فيهم إللي بتعمليه فيا دا؟ مش صعبان عليكي؟ مفيش شفقة؟"
واسترسل بهزات رأس مخزية مستهجنة منها"مفيش رحمة مفيش..."
قطع جملتها بعدما رأى نظراتها المشتعلة ليبتسم بخوفٍ مع رميه لجملته وهو يهبط تحت الغطاء"مفيش فعلًا، حقك عليا ياملكة، عيل وغلط!"
رجع يرفع وجهه مرة أخرى لها يسألها بضحكة جميلة مرحة وشعره وقع فوق عيونه بمظهر لطيف ضاحك"طب مفيش بوسة حتى؟ ولا هتحرميها دي كمان يا سوسة يا أم لسان طويل؟"
"_______"
4
_لول وربنا وحشتني يا عم!
قال جملته بسعادة كبيرة وهو يتجه يضم رفيق عمله، والثاني قابله بصدر رحب محدثه بمرحٍ"عامل إيه ياعريس؟ الجواز حلو؟".
_حلو جدًا يا علي، دا أنا أول مرة أنزل الشغل بالحيوية دي! دي صحتني بدري وفطرتني بإيدها كمان، وظبطت هدومي، وحطتلي زيت من بتاع شعرها، حسيت بالاهتمام كدا.
قالها بعفوية كبيرة وهو يضحك، والثاني غمزه بمشاكسة"بكرة هتتخانقوا لو فتحت النور عليها!"
أكمل ببسمة هادئة"بهزر معاك، مبروك يا صاحبي أنت ابن حلال وتستاهل كل خير".
_حبيبي يا لول، هدخل أغير هدومي بقا وأجي.
ابتعد عنه ودخل تلك الغرفة المخصصة لهم وبدأ بتبديل ملابسه إلى ملابس العمل، مرَّ معظم اليوم على خير لكن بالتأكيد لن يكون عمير صاحب أسوأ حد إذا لم يحدث شيء يعكر صفو نهاره!
دخل أدهم بسيارته مفتوحة السقف والأغاني تتعالى منها، اقترب منه علي يحدثه بلهفة"إزيك يا بيه؟"
همهم بلا مبالاة وهبط من سيارته جاء علي يأخذ منه المفاتيح ليشر لعمير الواقف بلا مبالاة وكإنه لم يراه، محدثه بأمرٍ"أنت، تعالى اركن العربية بتاعتي."
زفر بصوتٍ عالي، واقترب منه ينشل من يديه المفتاح بعصبية، صعد السيارة ليسمعه يأمره باستفزاز"براحة عليها، مش كفاية هتوسخها وأنت قاعد عليها!"
تملك منه غضبه، ولم يراعي عمله، واشعلها منطلق بها بأقصى سرعة لحظات ودهس الفرامل لتصطدم في باب حديدي كبير، كان هذا أمام مرأى علي وأدهم، وضع علي فورًا يده على عيونه بعدما سقط قلبه! السيارة أغلى منهم! لن يرحمه أخوه! ابتلع لعابه باضطراب بعدما رأى أدهم يقترب من عمير الجالس بسيارته، ركض خلفه في الحال متحدث بخوفٍ_:
_هنصلحها يا باشا، من غير قصد، هنصلحها حالًا.
وجه نظراته له محدثه بحدة"لو خايف على شغلك ارجع على البوابة".
رمق صديقه الغير مهتم وابتعد عنه، وأدهم ضحك بسخرية وهو يخبره بتهكم"مشكلتك إنك غبي، اركنها وحصلني على مكتب محمود".
دق هاتفه بعدما خرج خارج الشركة، وضع أشياءه بداخل سيارته، وأجاب على زوجته بمرحٍ يحاول إخفاء نبرته"أحلى حاجة في الجواز إن مراتي تتصل تطمن عليا".
_ما أنت معبرتنيش بقا فقولت أعمل بأصلي واتصل بيك.
قالتها بتذمر واضح، وهو شكرها بتصنع"متشكرين لكرم سيادتك".
تحدثت سريعًا بسعادة كبيرة"عارف يا مارو إنهاردة عملتلك أكل، تاكل بقا من إيد مراتك العسولة، عملتلك طاجن بطاطس محشية باللحمة المفرومة، ورز بالشعرية، وكمان ملوخية خضرا وفي كام صباع كفتة، بألف هنا على قلبك".
_الله! تسلم إيدك وعنيكي ورجليكي، واللهِ ما كنت بدوق الأكل دا، دا صحيح الجواز حلو، بس هنطلع لأوس أوس ها؟
شكرها كثيرًا بحبٍ وهي هزت رأسها مع جملتها"حاضر ياعمير لما تيجي وتاكل أبقا طلع ليه إللي عايزه، الأكل كتير الحمدلله".
أغلقت معه بعد وقتٍ، وهو أخرج تبعه يضعه في فمه بضيقٍ، نفخ الهواء لعله يهدأ، ساعات مرت وكان هو يقود سيارته الأجرة، ملامحه كانت متعبة، حتى معدته بدأت تؤلمه، ورأسه ستنفجر، وقف في الصف الطويل في الكمين حتى جاء دوره، تقدم من سيارته ضابط محدثه بغلظة"رُخصك".
2
أخرج بطاقته الشخصية، ورخصة القيادة بهدوء، مد يدهُ بهم لهُ، أخذهم الثاني ورمى عليهم نظرة سريعة، رمقه بتدقيق، ملامحه غريبة! وجبينه يفرز عرقًا بشكلٍ ملحوظ، سأله بحدة"إنت شارب إيه يالا؟؟"
رمقه الثاني باستغراب، وتحدث بنبرة بطيئة"مش شارب".
_مش شارب؟؟ دا إنت شارب أما معمي! وشغال سواق؟؟ وتشرب وتجبلنا مصايب بقا، وحوارات سرقة واغتصاب ماهو من أمثالكم، انزل يالا أما نشوف ضارب إيه على المسا.
قالها بنبرة عالية منفعلة، هبط"عمير" بطاعة، رغم اعتراضه بحديثه الجاد"واللهِ ما شارب حاجة".
4
سحبه الضابط من قميصه، يسخر منه بكلماته"دا إنت شارب حشيش أما معمي، فتِّشه ياعم".
أشار لعسكري بجانبه، والثاني بدأ بتفتيشه بحزمٍ، أخرج من جيب بنطاله عبوة سجائر ماركة رديئة، أعطاها للضابط، أخذها منه وتهكم بكلماته"بتشرب كيلوباترا!"
أفرغ السجائر من العبوة وهو يبحث عن الممنوعات! لم يجد شيء ليلقي العبوة فوق الأرضية بجانب السجائر، ودهس عليهم بحذاءه الأسود! استنكر الثاني فعلته، ونطق بنبرة عالية_:
_ليه كدا يا باشا؟ دي غالية!
1
_أنت هتلوك معايا؟ فتش ياعم العربية دي نشوفه واخد إيه وهو مسطول كدا.
قلل من شأنه عن قصد، والثاني هتف بنبرة متعبة"ياباشا واللهِ ما مسطول، أنا تعبان بس، معدتي ودماغي هيموتوني".
والثاني تساخف بحديثه أكثر، ودفعه بحدة فوق ذراعه مع تحذيره المبالغ به!
_إنت هتحور عليا؟ ما أنا عدت عليا أشكالكم الـ**** دي!
1
رفع حاجبه باستنكار، وصاح عليه بنبرة منفعلة بعدما حديثه ألمه!
"مالها أشكالي يا باشا؟؟ ما أنا بجري أهو على أكل عيشي ولا شايفني واخد غُرزتين، ولا قابضين عليا عشان تقول كلامك دا؟"
والثاني انفعل، أمسكه من تلابيب قميصه بقسوة، وهدر بنبرة عالية وهو يهزه بعنفٍ"إنت بتكلمني أنا كدا يا ******، أقسم بالله لا هبيتك في الحجز وأتسلى عليك، اركن على جنب كدا".
دفعه في النهاية بقساوة، والثاني شعر بالمهانة، احتقن وجهه، واستفسر منه بنبرة حادة"وأبات في الحجز ليه؟ قولي تُهمتي ولا إنت عايز ترجع للبيه بتاعك وإيدك مش فاضية!"
3
تمادى معه في الحديث، والثاني ملامحه تغيرت، ولسان عمير سيُهلكهُ، في ثوانٍ وكان لكمه الثاني في فمه بغليلٍ، وصوت صياحه يتعالى"أنت بتتريق عليا؟ طب وأقسم بالله لا هلبسك قضية سب وقذف ظابط، وتعاطي".
حدق به الثاني مطولًا، ونيران قلبه اشتعلت، ولكنه تحدث برضوخ"وأنا هتريق عليك يا باشا؟ دا أنتم إللي بتحموا بلدنا".
_لاء هي لعبت في دماغي ومهما تطبل كتير لا هحبسك، على البوكس يالا.
قال حديثه بتوعد، ودفعه في النهاية تجاه سيارة الشرطة، و"عمير" تحول تمامًا، وقف في مكانه يحرك يديه تجاههُ بعصبية كبيرة، وصاح عليه هو الآخر بغلٍ_:
_إنت بتضربني ولا بتزقني ليه؟؟ هو أنتم سايبين البلطجية الصيع الحراميين وجايين تقبضوا على الغلبان؟؟ ما تروحوا الأول تشوفوا البلد إللي خربانة ولمرة واحدة احكموا بالعدل.
في ثوانٍ كان الضابط هجم عليه، أمسكه من فكهُ بقسوة، يتوعد له بحدة"طب وحياة أمي لا هتكون من الصيع دول، ياض دا إحنا موقفينك في الكمين وإنت مسطول!"
وواحد آخر اقترب منه يسبه وينعته بأقذع الصفات، انتهى به الأمر وهو يُأخذ من يدهُ بقسوة تجاه قسم الشرطة بعدما أخذوه في سيارة الشرطة، دخل الضابط المكتب، وأمر برميهُ في الزنزانة، دخل إلى تلك الزنزانة المظلمة مع المجرمين، دخل ملامحه لا مبالية، وجلس فوق الأرضية راسم على وجهه معالم الجمود، يعلم إن أي أحد يدخل تلك الزنزانة السوداء وخصوصًا إذا كان عدو لضابط يجب أن يروقوا عليه!
وفي رأسه كلمات أغنية صدحت بقوة تدمر كل شيء بداخله، كلمات لطالما رددها وهو يعيشها! ما أسوأها حياة!
بالورقة والقلم خدتيني مية قلم!
أنا شفت فيكي مرمطة، وعرفت مين إللي اتظلم!!
بالورقة والقلم خدتيني مية قلم!!
أنا شفت فيكي مرمطة، وعرفت مين إللي اتظلم
ليه إللي جايلك أجنبي؟؟
عارفة عليه تطبطبي!!
وتركبي الوش الخشب وعلى إللي منك تقلبي؟؟
عارفة سواد العسل…!
أهو ده إللي حالك ليه وصل!
إزاي قوليلي مكملة وكل ده فيكي حصل؟؟
يا بلد معاندة نفسها..
يا كل حاجة وعكسها..
إزاي وأنا صبري انتهى لسه بشوف فيكي أمل!!؟
2
الكلمات كإنه كُتبت وغنت له! ذاق كل هذا! جلس ساعة إلا ربع صامت لم يتحرك حتى، واقترب منه شابين وهو ابتسم عندما رأهم، وسمع السؤال المعتاد"جي في إيه؟"
راوغهم بإجابته وعيونه الجامدة"حشيش".
_حتة ول...
قبل أن يكمل كان أجابه بمكرٍ"تجارة، قفشوني وأنا بوزع."
1
رمقوا الاثنين بعضهم، وتحدث واحد منهم"تبع أنهي منطقة؟"
_تعرف القلعة والمناطق إللي حواليها؟ انزل اسأل على "حُنُّص"ورجالته وقولهم بس إنك تبع ولاد "شحتة"هيعملوا معاك أحسن واجب وأبقا عدَّي عليا.
قال جملته بثقة كبيرة، ومن داخله ضرب عصفورين في حجر واحد! وعمير ابن شوارع يجيد التلاعب والصياعة، إن كانوا مسجلين خطر فهو الخطر بنفسه!
2
_أنت زميل يعني، طب خُد عفَّر دا إحنا كنا جايين نعلم عليك، طلعت حبيبنا.
قالها الرجل ببسمة خبيثة وجلس براحة بجانبه، أخذ السيجار منه يشعله وسألهم بسخرية"الظابط هو إللي باعتكم ولا الحفلة دي منكم للوطن؟"
_الظابط، بس خلاص ياعم أنت في حمانا.
_أصيل يامعلم، وأنتم بقا داخلين في إيه؟
جلس يتحدث معه وفي النهاية جاء العسكري ينادي باسمه، خرج مبتسم بسمة باردة ثارت استفزاز الضابط عندما رأها، وقف في مكتب الضابط على ملامحه الجمود، والثاني سأله باستهزاء وهو يدخن سجائر من أغلى الماركات_:
_اتروقت جوا ولا إيه؟
ابتسم له ببرود، وهتف بنبرة واثقة"إللي معاه ربه ميقدرش عليه عبده".
_حشاش متدين!
تهكم منه وضحكاته تتعالى، والثاني طفح به الكيل، اقترب من مكتبه أكثر، وتحدث بنبرة قوية مغلولة"حشاش؟؟ دا أنا أقسم بالله لو كان معايا واسطتك كان زمانك مقدرتش تتكلم معايا".
ضرب الثاني فوق مكتبه باهتياج، نهض يسحبه من ملابسه بعنفٍ، سأله بازدراء ونبرة عالية"وإنت تطلع مين بقا ياروح أمك؟ إيـــه يالا؟؟ إنت هتخيب ولا إيه؟؟"
1
_مقدرش يا باشا دا أنتم رجالة بلدنا.
قال كلماته بنبرة حزينة مبطنة بسخرية طفيفة، مهما يكن هو شاب ليس له مستقبل، وهو ضابط كبير له مركزه، سمع سباب الضابط له، وألفاظه النابية التي طالت شرف والدته، وقف يحدق به بجليد ظاهر خارجيًا، ومن الداخل كان يشتعل، أغمض عيونه بقوة، وهتف بنبرة ضاحكة خافتة"اشتم براحتك يا باشا ما إحنا خدامين الحكومة ومصر".
مصر!! ماذا رأى بمصر! رأى عدم تقدير لمجهوداته، وسب وقذف من رجال مصر! ومهانة ومذلة وكإنه عبد لحاكم في بلاد غريب، والضابط تمادى، والتسالي اليوم بالنسبة له كانت عمير! وعمير وقف صامت للنهاية، وسأله بعد مهانة دامت لدقائق_:
_خلصت يا باشا؟ معلش بقا حللي مخدرات.
_مش هحلل، وهتنزل تترمي في الزنزانة.
قالها بنبرة عنيدة، والثاني هز رأسه بهدوء، وهتف بنبرة جادة"ماشي يا باشا، مصيري أخرج إن شاء الله، متحللش مخدرات، وطالما هنزل الزنزانة كدا كدا، فـ إنتِ إللي ابـن ......"
وفي النهاية بتبارد شديد نعته بالألفاظ النابية الذي نعته بها من قبل.
8
"_______"
ياولد 🙈🙈بحاول أرجع تعاطفكم مع عمور😯
4
بعيدًا عن شخصنتكم لعمير وزينب وتعصبكم بس بالله إيه رأيكم في جواز زينب وعمير وكلامهم؟
7
قولوا مبروك لولادنا بلاش صورم!
أسباب عمير كانت كافية على إللي عمله؟
5
رأيكم في إللي أدهم عمله؟ واللي بيحصل لعمير؟
2
طبعًا في مليون سؤال في دماغكم بس متقلقوش كل حاجة هتظهر مع الوقت.
إيه إللي حصل مع سما؟ عمير وأوس أوس عملوا معاها إيه؟
4
وهيحصل ايه بعدين؟
زينب ورودينا؟ ورأيكم؟
منقذ وحياة ورودينا؟
5
أدهم وچيلان؟ وأدهم ناوي على إيه؟
4
ومحمد ونسمة ورأيكم؟
ورنا وإياد؟