رواية نسخة من روحي الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قصة بقلمي:$ الكاتبة Hajar Sh:
( الجزء الخامس والعشرون ) .. والأخير
أحياناً لا يحتاج القدر إلا إلى ليلةٍ واحدة ليغيّر كل شيء.
ليلةٌ تختلط فيها الخيوط وتتكشف فيها الأسرار ويقف الجميع أخيراً أمام الحقيقة .. في تلك الليلة كانت الطرق تتقاطع .. خطوات تهرب في الظلام وأخرى تطاردها وثالثة تحاول الوصول قبل فوات الأوان.
ولم يكن أحد يعلم من الذي سيخرج من تلك الليلة حيّاً.
كان المستودع قد غرق في صمت ثقيل بعد أن اندفع مؤيد خارج الغرفة .. بقيت رهف وحدها كانت ما تزال مثبتة إلى الجدار .. ذراعاها ممدودتان إلى الجانبين و مربوطة بحبال سميكة إلى حلقات معدنية مغروسة في الإسمنت .. أبقت الحبال يديها متباعدتين بقسوة حتى شعرت أن كتفيها سينخلعان من شدة الشد .. أنفاسها كانت متقطعة والألم ما يزال ينتشر في جسدها من الضرب .. لكن أكثر ما يؤلمها الآن هو العجز .. رفعت رأسها قليلاً وأصغت.
صوت خطوات بعيدة .. صدى جري .. وصوت مؤيد الغاضب يتردد في أرجاء المصنع وهو يصرخ باسم حلا اتسعت عيناها وهمست بقلق:
- حلا
حاولت شد الحبل حول معصمها مرة أخرى.
هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها و لكنها هذه المرة كانت أكثر إصراراً .. حركت معصمها ببطء داخل الرباط وهي تحاول أن تجد أي فراغ صغير بين الحبل والجلد .. كان الاحتكاك مؤلماً حتى شعرت بأن الحبل يقطع جلدها و لكنها لم تتوقف .. صرير بعيد ارتد في المكان وصوت ارتطام شيء بالأرض.
ثم صرخة خافتة لحلا في مكان ما من المصنع .. انتفض قلب رهف بقوة.
- لا
خرجت الكلمة من بين شفتيها كأنها توسّل .. بدأت تحرك يدها بقوة أكبر .. كان الحبل مشدوداً و لكن ليس تماماً.
ربما عندما غادر مؤيد مسرعاً لم يتأكد من إحكامه .. شدت معصمها بقوة أكبر رغم الألم الحارق الذي امتد حتى أصابعها .. تقلصت ملامحها وهي تضغط يدها داخل الرباط.
- هيا .. هيا ..
همست بها لنفسها بعناد ..
-سنتيمتر صغير .. فقط سنتيمتر.
فجأة انزلق جزء من معصمها خارج الحبل اتسعت عيناها وأعادت المحاولة فوراً و تدفع يدها أكثر مكررة المحاولات حتى انفلتت يدها اليسرى أخيراً.
انخفض ذراعها فجأة بعد أن تحرر وشهقت من الألم وهي تدلك كتفها بسرعة .. لكنها لم تضيع الوقت .. رفعت يدها الحرة فوراً نحو الحبل الآخر وبدأت تفك العقدة المرتخية حول معصمها الثاني .. كان أصعب قليلاً لأن يدها ترتجف.
لكن بعد لحظات من المحاولات المتوترة انفك الحبل أخيراً وسقطت ذراعاها إلى جانبيها وهي تتنفس بسرعة.
وقفت لحظة تستعيد توازنها ثم رفعت رأسها نحو باب الغرفة .. الصراخ ما زال يأتي من بعيد .. مؤيد ما يزال يلاحق حلا في مكان ما داخل المصنع .. اشتعل القلق في صدرها وقالت بصوت خافت:
- يجب أن أجدها
نظرت حولها بسرعة اندفعت إلى زاوية المستودع اتجاه قضبٍ الحديدية الموضوعة فوق بعضها والتقطت أحدها.
قبضت عليه بقوة وقالت:
- لن أرحمك هذه المرة
اندفعت نحو الباب ولكن قبل أن تخرج توقفت لحظة .. قلبها يخفق بعنف والخوف كان يصرخ في داخلها أن تهرب أن تخرج من هذا المكان فوراً .. لكنها هزت رأسها ببطء وقالت:
- لن أتركها .. لن أترك لك أختي أيها المختل الجبان
ثم قبضت على القضيب بقوة أكبر وانطلقت تركض داخل الممر المظلم باتجاه الصوت.
# قطع ...
انطلقت حلا تركض عبر الممر المظلم وهي تكاد تتعثر في الأرضية المغطاة بالغبار والركام .. كان قلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوته يملأ المكان .. خلفها مباشرة دوّى صوت خطوات مؤيد الثقيلة وهو يلاحقها ويصرخ:
- توقفي يا حلا
لكنها لم تتوقف .. انعطفت بسرعة عند نهاية الممر ودخلت قاعة واسعة شبه خالية .. تتدلى من سقفها مصابيح مكسورة تتأرجح مع حركة الهواء .. تعثرت قدمها بقطعة حديدية فسقطت على الأرض بقوة .. شهقت ألماً وهي تحاول النهوض بسرعة و لكن صوت خطواته اقترب أكثر.
ظهر مؤيد عند مدخل القاعة وهو يلهث قليلاً وعيناه تلمعان بجنون رفع السكين في يده وقال بصوت خافت مخيف:
- إلى أين ستهربين هذه المرة؟
تراجعت حلا ببطء على الأرض وهي تحدق فيه بخوف وقالت:
- أرجوك .. دع رهف تذهب.
ضحك ضحكة قصيرة باردة و رد :
- ما زلت ساذجة حتى الآن؟
ثم بدأ يقترب خطوة خطوة.
- هذا ما كان يجنّني فيك دائماً .. تلك البراءة الغبية
كانت حلا تزحف للخلف حتى اصطدم ظهرها بجدار بارد ولم يعد هناك مهرب .. توقف مؤيد أمامها مباشرة ورفع السكين ببطء حتى صار النصل يلمع قرب وجهها .. انحبس نفسها بينما قال بصوت منخفض مخيف:
- هربتِ مني .. فضحتِني .. جعلتِ أضحوكة أمام الناس
ثم تظنين أن الأمر سينتهي هكذا؟
انهمرت الدموع من عينيها وقالت:
- لو كنت رحيماً معي لما كنت اخترت الهروب .. تحمّلتك ثلاث سنين .. ثلاث سنين من الضرب والإهانات التي لا يحتملها بشر .. هل تتوقع مني بعد تلك الفرصة التي أتتني سأبقى معك ..
مسحت دموعها و تابعت بقوة:
- دعنا ننهي هذا لوحدنا .. دع رهف تذهب فهي لا علاقة لها
انحنى قليلاً نحوها حتى كادت تشم رائحة الكحول في أنفاسه وقال:
- سبق وقلت لكِ .. لا أحد سيخرج من هنا الليلة .. لا أنا ولا أنتِ ولا تلك الفتاة .. هذا المكان سيكون مقبرتكم
رفع السكين أكثر لينتفض قلبها خوفاً وهي تحدّق في نصل تلك السكين لكن في تلك اللحظة دوّى صوت ارتطام معدني قوي من الطابق العلوي تجمد مؤيد مكانه وتبادلت عيناه بين السقف وحلا .. ثم جاء صوت صرخة مكتومة .. اتسعت عينا حلا فوراً وهمست:
- رهف
في تلك اللحظة تحديداً استغلّت حلا انشغاله لثانية واحدة فقط .. دفعت قدمها بقوة نحو ركبته ليختل توازنه فجأة .. نهضت بسرعة وركضت مبتعدة في الممر ليستدير مؤيد وهو يصرخ بغضب:
- حلااا
وانطلق خلفها من جديد كوحشٍ فقد فريسته.
كان الطريق الصحراوي يمتد أمامه طويلاً ومظلماً .. لا يقطعه سوى ضوء المصابيح الأمامية لسيارة أدهم وهي تشق العتمة بسرعة جنونية .. كانت يداه تقبضان على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصله بينما كانت عيناه مثبتتين على الطريق دون أن ترمشا تقريباً .. ضغط على دواسة الوقود أكثر ليرتفع صوت المحرك في سكون الليل.
مرّت الأضواء القليلة للمدينة خلفه سريعاً .. ثم لم يبقَ حوله سوى الظلام الممتد والصحراء الصامتة ولكن داخل رأسه لم يكن هناك صمت .. كانت كلمات مؤيد تتردد في ذهنه بإلحاح:
"تعالي وحدك إن كنتِ تريدين إنقاذها."
شدّ فكه بقوة.
- اللعنة
همس بها وهو يضرب المقود بقبضته .. تخيل وجه حلا وهي تقف هناك وحدها أمام ذلك الرجل فازدادت ضربات قلبه وصرخ:
- لماذاااا يا حلا .. لماذاااا
مرّت سيارة أجرة مسرعة بجانبه من الاتجاه المعاكس فملأت أضواؤها عينيه للحظة .. لكنه لم يبطئ .. كانت السيارة تقطع الطريق بسرعة كبيرة والعداد يتجاوز الحد المسموح بكثير ولكن أدهم لم يهتم .. كل ما كان يفكر فيه هو أن يصل قبل فوات الأوان.
عاد صوت الرجل السكير يتردد في ذاكرته:
"معمل الأبيض .. بالمنطقة الصحراوية."
شد المقود أكثر وهو يحدق في الطريق الممتد أمامه.
- اصمدي فقط .. سأنقذكِ
قالها بصوت خافت كأنه يخاطب شخصاً بعيداً :
- اصمدي حتى أصل.
ثم ضغط على الوقود مرة أخرى وانطلقت السيارة في الظلام كرصاصة تشق الطريق نحو المجهول.
في والوقت ذاته .. انطلقت سيارات الشرطة تباعاً في الطريق .. أضواؤها الحمراء والزرقاء تشقّ العتمة وتنعكس على الإسفلت كوميضٍ متسارع .. خلفها مباشرة .. كان وائل.
يداه تقبضان على المقود بقوة وعيناه تلاحقان أضواء السيارات أمامه وكأنها خيطه الوحيد للوصول إليها .. رهف ..شدّ فكه وهو يضغط على دواسة الوقود أكثر محاولاً ألا يبتعد عنهم ولو متراً واحداً ولكن رغم تركيزه على الطريق لم يكن ذهنه هناك .. كان عالقاً في مكانٍ آخر .. في تلك اللحظة في المنزل .. صورة حلا وهي منهارة أمامه .. تبكي بجنون و تمسك رأسها وتصرخ وكأن شيئاً يمزقها من الداخل.
اتسعت عيناه قليلاً وهمس وكأنّه يحاول طرد الفكرة :
- لا .. لاااا
لكنه لم يستطع .. تذكّر رهف و تلك النوبات التي أخبرته عنها .. ذلك الارتجاف .. نظرات الخوف التي كانت تسبق الانهيار .. تلك الحالة التي كانت رهف تعاني منها والأخطر أنه رأى الشيء نفسه على حلا .. ضغط على المقود أكثر وشعور بارد تسلل إلى صدره .. لم يكن مجرد خوف كان يقيناً مرعباً بدأ يتشكل داخله أن رهف ليست بخير .. إنها وحدها هناك .. مع وحشٍ منزوع الرحمة
رفع نظره إلى الطريق فجأة وكأن الفكرة أفزعته من نفسه.
- تماسك يا وائل
قالها بحدة وهو يأخذ نفساً عميقاً .. ثم عاد يسرّع السيارة أكثر محاولاً اللحاق بسيارات الشرطة التي بدأت تبتعد قليلاً .. لكن قلبه لم يكن مع الطريق كان هناك في مكانٍ مظلم حيث كانت رهف تقاتل وحدها.
...............
كانت حلا ما زالت تركض عبر الممر الضيق هاربة من مؤيد .. أنفاسها تتلاحق بعنف وقدماها بالكاد تلامسان الأرض من شدة السرعة .. انعطفت فجأة لتدخل قاعة صناعية واسعة تعلوها سلالم حديدية متشابكة وأنابيب صدئة تمتد على الجدران والسقف .. صوت خطوات مؤيد كان خلفها مباشرة قريباً جداً وهو يصرخ:
- توقفي يا حلا .. لم يعد لديكِ مهرب
دوّى صوته في المكان كصدى مخيف ولكنها لم تلتفت .. ركضت نحو السلم الحديدي القريب وصعدته بسرعة .. قدماها تضربان الدرجات بقوة حتى اهتزّ السلم تحتها وأصدر صريراً حاداً .. في الأسفل وصل مؤيد بعد ثوانٍ ورفع رأسه نحوها وعيناه تشتعلان غضباً وصرخ:
- لن تهربي إلى أي مكان
وأمسك بالسلم وصعد خلفها بسرعة .. وصلت حلا إلى الممر العلوي الضيق .. سياجه مهترئ وبعض أجزائه مكسورة .. نظرت إلى الأسفل للحظة .. المسافة كانت مخيفة ولكنها تابعت الركض .. الممر يهتز تحت قدميها وكل خطوة تصدر صوتاً معدنياً عالياً ..
خلفها كان مؤيد يقترب أسرع فجأة انكسرت إحدى الصفائح المعدنية الصدئة تحت قدمها ليختل توازنها وتسقط على ركبتيها بقوة .. انزلقت قليلاً قبل أن تمسك بالسياج بصعوبة في تلك اللحظة وصل مؤيد .. مدّ يده بسرعة محاولاً الإمساك بها .. لكنها ركلت الأرض بقوة ودفعت نفسها للأمام .. زحفت مبتعدة ثم نهضت وركضت من جديد
- توقفي
صرخ وهو يضرب السياج بقبضته بغضب قبل أن يلحق بها.
في الأسفل .. دخلت رهف القاعة توقفت للحظة وهي تلهث وعيناها تتحركان بسرعة بين الظلال ثم سمعت الصوت .. وقع أقدام وصرير حديد وصراخ رفعت رأسها للأعلى ورأتهم.
حلا تركض على الممر العلوي ومؤيد يطاردها .. اتسعت عيناها فوراً وقبضت على القضيب المعدني بقوة ثم اندفعت نحو السلم الحديدي الآخر في الجهة المقابلة .. بدأت تصعد بسرعة و يدها تنقبض على الدرابزين الصدئ .. كل خطوة كانت تؤلمها و لكنّها لم تتوقف .. همست بها بأسنان مشدودة :
- لن أدعك تلمسها
في الأعلى وصلت حلا إلى نهاية الممر توقفت فجأة .. لا يوجد طريق .. أمامها فجوة كبيرة بين منصتين حديديتين ربما كانت مخصصة لآلة قديمة أُزيلت .. نظرت خلفها و رأت مؤيد يقترب ببطء هذه المرة .. أنفاسه تتعالى كوحشٍ جامح وعلى وجهه رسم ابتسامة باردة لكنها مرعبة ..
- انتهى الأمر .. هذه نهاية رحلتكِ
قالها وهو يتقدم خطوة .. نظرت إلى الفجوة أمامها ثم إليه ثم إلى الأسفل .. كانت المسافة مخيفة ولكن لم يعد هناك خيار .. تراجعت خطوة ثم أخرى ثم ركضت بكل ما لديها وقفزت .. للحظة كانت في الهواء ثم اصطدمت بالمنصة الأخرى بقوة و انزلقت يداها عن الحافة للحظة قبل أن تمسك بها وتعلّقت في الهواء
صرخت بألم وهي تحاول رفع نفسها بينما في الجهة الأخرى وقف مؤيد عند الحافة ينظر إليها من الأعلى ابتسم وقال:
- إلى متى ستهربين ؟ لقد انتهى أمركِ منذ اللحظة التي خطت قدمكِ هذا المكان أيتها الفاجرة
في تلك اللحظة وصلت رهف إلى الأعلى من الجهة المقابلة ورأتها في تلك الحالة .. كانت حلا تتدلى من الأعلى وهي تتمسك وتقاتل من أجل حياتها .. تجمّدت لثانية ثم اشتعلت عيناها وانطلقت من الدرج الثاني اتجاه حلا ..
كانت حلا معلّقة في الهواء .. تحاول رفع نفسها ولكن من دون فائدة .. هي الآن تتمسك بالحياة بأطراف أصابعها .. أغمضت عينيها بيأس وبدأت تتذكر تلك المواقف التي عاشتها .. خوف أدهم عليها .. و تعلّق رهف بها .. وحنية ليلى عليها .. كم كانت سعيدة في آخر أيامٍ عاشتها معهم .. هربت دمعة وحيدة من عينيها وهمست:
- سامحوني .. لن أستطيع الصمود أكثر
كانت أصابعها تنزلق شيئاً فشيئاً وحلا استسلمت لقدرها أخيراً .. ولكن قبل أن تفلت .. شعرت بأحدٍ أمسك يديها .. رفعت رأسها وتفاجأت بـ رهف ممسكة بها بكل ما اوتيت من قوة وتحاول رفعها
انهمرت دموع حلا وقالت:
- رهف .. أنتِ بخير
ردت رهف :
- وأنتِ أيضاً يجب أن تبقي بخير .. لن أسمح لكِ أن تستسلمي وتموتي .. فأنا لم أشبع منكِ بعد يا أختي ..
شدّت رهف قبضتها أكثر حول يدي حلا حتى ابيضّت مفاصلها وبدأت تسحبها للأعلى بكل ما تملك من قوة .. عضلاتها كانت ترتجف وكتفاها يصرخان من الألم ولكنّها لم تتوقف وصرخت بها وهي تسحبها ببطء :
- تشبثي بي جيدا .. لا تتركي يدي
كانت حلا تحاول أن تساعدها .. تدفع بقدميها على الجدار الحديدي و لكن جسدها كان منهكاً ويديها بالكاد تتحملان.
في تلك اللحظة دوّى صوت خطوات خلفهما .. تجمّدت رهف ورفعت رأسها ببطء ولفت رأسها قليلاً وصُدمت بـ مؤيد يقف خلفها مباشرة .. ينظر إليهما بعينين ممتلئتين بالجنون .. ابتسم وقال بسخرية باردة :
- يا له من مشهد مؤثر
ثم اقترب خطوة وتابع :
- أخت تنقذ أختها .. كم هذا جميل
شدّت رهف أسنانها دون أن تلتفت له وهمست بها بحدة وهي تسحب حلا أكثر
- لن تأخذها إلا على جثتي
اقترب مؤيد أكثر حتى صار على بعد خطوة واحدة فقط.
- بل سأفعل.
رفع قدمه فجأة وركل ذراع رهف بقوة.
- آه ...
صرخت رهف وكاد توازنها يختل لكنّها تشبثت بحلا أكثر .. انزلقت أصابع حلا قليلاً وصرخت بخوف :
- رهف
- لااا
شدّت رهف يدها بقوة أكبر رغم الألم الذي انفجر في ذراعها.
- لن .. أترككِ
قالتها بأسنان مشدودة وعيناها تلمعان بإصرار مرعب .. زمجر مؤيد بغضب ثم انحنى بسرعة ومدّ يده ليقبض على شعر رهف ويجذبها للخلف ولكن في تلك اللحظة حرّرت رهف إحدى يديها فجأة واستدارت نصف استدارة ورفعت القضيب المعدني بكل ما فيها من قوة وضربته فيه ليرتطم بكتف مؤيد الذي صرخ بألم حاد وتراجع خطوة للخلف وهو يمسك كتفه.
ترنّح قليلاً وملامحه انقلبت إلى غضب مشوّه .. استغلت رهف اللحظة فوراً وقالت:
- الآن
وبدأت تسحب حلا بكل قوتها .. دفعت حلا بجسدها للأعلى وبمساعدة رهف أخيراً استطاعت أن تعتلي الحافة وتسقط على الأرض بجانبها .. انهارت الاثنتان للحظة تلهثان و قلوبهما تكاد تنفجر ولكن لم يكن هناك وقت .. رفع مؤيد رأسه ببطء وعيناه تحترقان وقال بصوت منخفض و مرعب :
- لن تخرجا من هنا حيّتين .. أقسم لكما
فجأة دوّى صوت بعيد .. صوت محرّك سيارة يقترب بسرعة .. تجمّد مؤيد لجزء من الثانية والتفت نحو مصدر الصوت وفي عينيه ومضة قلق ولكنها لم تدم عاد ونظر إليهما وابتسم وقال:
- يبدو أنه لدينا ضيوف
قبض على السكين بقوة أكبر وقال:
- لكنهم للأسف تأخروا
ثم اندفع نحوهما كالإعصار لترفع رهف القضيب المعدني أمامها .. بينما أمسكت حلا بذراعها تحاول النهوض .. صرخت رهف.
- اركضي
واندفعت رهف بدورها اتجاه مؤيد ورفعت القضيب وضربته في كتفه ذاته مجدداً لينغرس هذه المرة فيه .. أطلق مؤيد صرخة ألم وتراجع عدة خطوات لتزل قدمه وينهار تحت قدمه سلمٌ صدئ جتى نزلت قدمه وعلقت إلى فخذه بين الهواء والحديد .. أما رهف وقفت أمامه وهي تلهث وقالت:
- أراك علقت أيتها الدابة منزوعة العقل
صرخ مؤيد:
- لن تنجين بهذااااا
ابتسمت رهف ونزل على ركبتها أمامه وقالت:
- حقاً هل اعتقدت حقاً أنكَ ستقدر على قتلنا؟
كان مؤيد مايزال عالقاً ويمسك كتفه النازف بألم وينظر إليهما بغضبٍ واضح .. ابتسمت رهف وقالت:
- لن أتركها في نفسها .. ستدفع ثمن كل ما فعلته
عادت لتقف ثم تراجعت ومدت القضيب المعدني لـ حلا التي نظرت إليها باستغراب بينما نطقت رهف وهي تبادل مؤيد نظراتٍ كلها حقد وكره :
- حان دوركِ لتستردي حقكِ من هذا المختل
- ماذا أفعل؟
نظرت رهف لها وقالت:
- اضربيه حتى تهدأ نارك
نظرت حلا بـ مؤيد ومن ثم بـ رهف وقالت بتردد :
- لا أستطيع ضربه
- بل تستطيعين .. لا تكوني جبانة .. أعيدي حقكِ واضربيه كما كان يفعل
هزت حلا رأسها وقالت:
- لا أستطيع يا رهف .. لا أستطيع
صرخت رهف:
- حلاااا
جفلت حلا وهي تنظر بعيني رهف الغاضبة .. بينما تمسكت رهف بالقضيب وقالت:
- سأعلمكِ كيف تكونين قاسية مع من أذاكِ
شهقت حلا بينما عادت رهف تنظر بـ مؤيد الذي كان يعمل جهده أن يحرر قدمه وينهض ولكن من دون فائدة .. نظر إلى رهف وفتح عينيه عندما رآها ترفع القضيب المعدني وانهالت عليه بأول ضربه على رأسه والثانية لتصرخ حلا وتغطي عينيها بفزع .. ارتفعت أنفاسها وركضت إلى رهف وأمسكت بيدها وقالت:
- يكفي أرجوكِ
نظرت بـ مؤيد ورأته متهاوي والدماء تغطيه وصدره ما يزال يعلو ويهبط بصعوبة .. أما رهف سألتها بغضب :
- لماذا أوقفتني ؟
ردت حلا بانهيار:
- لأنني لا أريدكِ أن تكوني مجرمة مثله
وقفت رهف متفاجأة من كلامها .. نظرت بيديها والقضيب المعدني الملطخ بالدماء وتجمدت في مكانها .. وكأن كلام حلا أيقظها لترمي ذلك القضيب وتهمس بعدم تصديق:
- ما الذي فعلته .. لا أصدق أنني قمت بفعل شيء كهذا
اقتربت منها حلا وضمتها بسرعة لتنفجر رهف بالبكاء وهي تقول:
- لقد كنت أريد إنقاذكِ منه وحسب
أخيراً اختارتا أن تتركه وتبتعدا .. نزلتا للأسفل وأخذتا تتلفت حولهما بضياع .. قالت حلا بوحشة:
- من أين طريق الخروج؟
ردت رهف بشرود:
- لن يكون الضياع في هذا المكان أسوأ من الذي حصل .. سنجد المخرج لا تقلقي
أمسكت بـ زندها ومشتا في الظلام وحدهما وهما تبحثان عن المخرج في هذا المصنع الكبير .. في الأعلى .. رفع مؤيد رأسه لتظهر عينيه بين خيوط الدماء المنهمرة من رأسه على وجهه وأخذ يردد من بين أسنانه:
- سأقتلكما .. سأقتلكمااا
...
كان الظلام يبتلع أرجاء المعمل لا يكسره سوى ضوء خافت يتسلل من النوافذ المحطمة وخطوات أدهم التي كانت تتردد في الفراغ .. تقدّم بحذر وهو يضيء طريقه بكشاف هاتفه وعيناه تمسحان المكان بسرعة وأنفاسه غير منتظمة
- حلا .. رهف .. أين أنتما؟ ..
صوته خرج منخفضاً .. لكنه بدا غريباً وسط هذا الصمت الثقيل .. شدّ قبضته وهو يتقدم أكثر بين الآلات القديمة والهياكل المعدنية الصدئة .. كل زاوية كانت تبدو وكأنها تخفي شيئاً .. كور قبضته وقال:
- هل يعقل أنه كذب عليّ !
همس بها لنفسه .. لكن القلق كان ينهش صدره ..
في الأعلى كانت يدان مغطاتان بالدماء تمسكان الدرابزين الحديدي .. قبضة مشدودة وأصابع ترتجف ولكنها لم تكن ضعفاً بل حقداً .. شدّ مؤيد على الحديد بقوة حتى احتك جلده بالصدأ وازداد النزيف .. عينيه كانتا مثبتتين في الأسفل على أدهم .. يراقبه ويتبعه بعينيه بصمت.
دخل أدهم أعمق في المعمل غير مدرك أن هناك من يتحرك فوقه تماماً .. يتنفس بصوت خافت ويبتسم ..وفجأة ترك مؤيد الدرابزين وانزلقت يده ببطء عنه تاركة خلفها أثراً من الدم .. تحرّك بخطوات بطيئة وحذرة كصيّاد لا يريد أن يُسمع صوته.
في الأسفل توقف أدهم فجأة وراوده شعور غريب كأن أحداً يراقبه .. التفت بسرعة خلفه ولكنه لم يرى أحد .. قطّب حاجبيه ثم تابع التقدم و لكن حواسه أصبحت أكثر توتراً.
في الأعلى كان مؤيد قد بدأ ينزل السلم الحديدي بهدوء…
كل خطوة مدروسة و كل حركة محسوبة وعيناه لا تفارقان أدهم بينما السكين ما تزال في يده
في الأسفل وصل أدهم إلى ممر ضيق وتوقف عنده ونادى مجدداً .. هذه المرة بصوت أعلى:
- حلا .. رهف ..
ارتد صدى صوته في المكان ولكن لم تأتِ إجابة.
خلفه توقّف مؤيد على بعد خطوات فقط ووقف بصمت تام يراقب وينتظر .. يختار اللحظة المناسبة ثم ابتسم.
...
في عمق المصنع حيث كانت حلا تمشي بمحاذاة رهف وهي تتلفت حولها بخوف .. توقفت فجأة عندما سمعت صوت أدهم يناديها لتسألها رهف باقتضاب:
- هل سمعتِ ذلك؟
هزت حلا رأسها وقالت:
- وكأنه صوت أدهم؟
- ومن أين كان أدهم سيعرف مكاننا ؟
- أقسم أنه كان هو .. هذا صوته أنا لا أتوه عنه
التفتت رهف وقالت:
- الحقي بي .. سنعود أدراجنا
تمسكت حلا بثياب رهف وعادتا أدراجهما اتجاه الصوت .. ثم نادت رهف:
- هل هناك من يسمعني
في الجهة المقابلة وقف أدهم في مكانه وهمس بدهشة:
- هذه رهف ..
سحب نفس ونادا:
- رهف هذا أنا أدهم .. لقد جئت لإنقاذك .. هل أنتِ وحدكِ أم معكِ حلا؟
...
نظرتا رهف وحلا ببعضهما وشعرتا بسعادة كبيرة ثم قالت حلا بصوت عالٍ:
- أدهم أنا معها هنا ونحن بخير
...اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( الجزء الخامس والعشرون ) .. والأخير
أحياناً لا يحتاج القدر إلا إلى ليلةٍ واحدة ليغيّر كل شيء.
ليلةٌ تختلط فيها الخيوط وتتكشف فيها الأسرار ويقف الجميع أخيراً أمام الحقيقة .. في تلك الليلة كانت الطرق تتقاطع .. خطوات تهرب في الظلام وأخرى تطاردها وثالثة تحاول الوصول قبل فوات الأوان.
ولم يكن أحد يعلم من الذي سيخرج من تلك الليلة حيّاً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
صوت خطوات بعيدة .. صدى جري .. وصوت مؤيد الغاضب يتردد في أرجاء المصنع وهو يصرخ باسم حلا اتسعت عيناها وهمست بقلق:
- حلا
حاولت شد الحبل حول معصمها مرة أخرى.
هذه ليست المرة الأولى التي تحاول فيها و لكنها هذه المرة كانت أكثر إصراراً .. حركت معصمها ببطء داخل الرباط وهي تحاول أن تجد أي فراغ صغير بين الحبل والجلد .. كان الاحتكاك مؤلماً حتى شعرت بأن الحبل يقطع جلدها و لكنها لم تتوقف .. صرير بعيد ارتد في المكان وصوت ارتطام شيء بالأرض.
ثم صرخة خافتة لحلا في مكان ما من المصنع .. انتفض قلب رهف بقوة.
- لا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ربما عندما غادر مؤيد مسرعاً لم يتأكد من إحكامه .. شدت معصمها بقوة أكبر رغم الألم الحارق الذي امتد حتى أصابعها .. تقلصت ملامحها وهي تضغط يدها داخل الرباط.
- هيا .. هيا ..
همست بها لنفسها بعناد ..
-سنتيمتر صغير .. فقط سنتيمتر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
انخفض ذراعها فجأة بعد أن تحرر وشهقت من الألم وهي تدلك كتفها بسرعة .. لكنها لم تضيع الوقت .. رفعت يدها الحرة فوراً نحو الحبل الآخر وبدأت تفك العقدة المرتخية حول معصمها الثاني .. كان أصعب قليلاً لأن يدها ترتجف.
لكن بعد لحظات من المحاولات المتوترة انفك الحبل أخيراً وسقطت ذراعاها إلى جانبيها وهي تتنفس بسرعة.
وقفت لحظة تستعيد توازنها ثم رفعت رأسها نحو باب الغرفة .. الصراخ ما زال يأتي من بعيد .. مؤيد ما يزال يلاحق حلا في مكان ما داخل المصنع .. اشتعل القلق في صدرها وقالت بصوت خافت:
- يجب أن أجدها
نظرت حولها بسرعة اندفعت إلى زاوية المستودع اتجاه قضبٍ الحديدية الموضوعة فوق بعضها والتقطت أحدها.
قبضت عليه بقوة وقالت:
- لن أرحمك هذه المرة
اندفعت نحو الباب ولكن قبل أن تخرج توقفت لحظة .. قلبها يخفق بعنف والخوف كان يصرخ في داخلها أن تهرب أن تخرج من هذا المكان فوراً .. لكنها هزت رأسها ببطء وقالت:
- لن أتركها .. لن أترك لك أختي أيها المختل الجبان
ثم قبضت على القضيب بقوة أكبر وانطلقت تركض داخل الممر المظلم باتجاه الصوت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
...# قطع ...
انطلقت حلا تركض عبر الممر المظلم وهي تكاد تتعثر في الأرضية المغطاة بالغبار والركام .. كان قلبها يخفق بعنف حتى شعرت أن صوته يملأ المكان .. خلفها مباشرة دوّى صوت خطوات مؤيد الثقيلة وهو يلاحقها ويصرخ:
- توقفي يا حلا
لكنها لم تتوقف .. انعطفت بسرعة عند نهاية الممر ودخلت قاعة واسعة شبه خالية .. تتدلى من سقفها مصابيح مكسورة تتأرجح مع حركة الهواء .. تعثرت قدمها بقطعة حديدية فسقطت على الأرض بقوة .. شهقت ألماً وهي تحاول النهوض بسرعة و لكن صوت خطواته اقترب أكثر.
ظهر مؤيد عند مدخل القاعة وهو يلهث قليلاً وعيناه تلمعان بجنون رفع السكين في يده وقال بصوت خافت مخيف:
- إلى أين ستهربين هذه المرة؟
تراجعت حلا ببطء على الأرض وهي تحدق فيه بخوف وقالت:
- أرجوك .. دع رهف تذهب.
ضحك ضحكة قصيرة باردة و رد :
- ما زلت ساذجة حتى الآن؟
ثم بدأ يقترب خطوة خطوة.
- هذا ما كان يجنّني فيك دائماً .. تلك البراءة الغبية
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- هربتِ مني .. فضحتِني .. جعلتِ أضحوكة أمام الناس
ثم تظنين أن الأمر سينتهي هكذا؟
انهمرت الدموع من عينيها وقالت:
- لو كنت رحيماً معي لما كنت اخترت الهروب .. تحمّلتك ثلاث سنين .. ثلاث سنين من الضرب والإهانات التي لا يحتملها بشر .. هل تتوقع مني بعد تلك الفرصة التي أتتني سأبقى معك ..
مسحت دموعها و تابعت بقوة:
- دعنا ننهي هذا لوحدنا .. دع رهف تذهب فهي لا علاقة لها
انحنى قليلاً نحوها حتى كادت تشم رائحة الكحول في أنفاسه وقال:
- سبق وقلت لكِ .. لا أحد سيخرج من هنا الليلة .. لا أنا ولا أنتِ ولا تلك الفتاة .. هذا المكان سيكون مقبرتكم
رفع السكين أكثر لينتفض قلبها خوفاً وهي تحدّق في نصل تلك السكين لكن في تلك اللحظة دوّى صوت ارتطام معدني قوي من الطابق العلوي تجمد مؤيد مكانه وتبادلت عيناه بين السقف وحلا .. ثم جاء صوت صرخة مكتومة .. اتسعت عينا حلا فوراً وهمست:
- رهف
في تلك اللحظة تحديداً استغلّت حلا انشغاله لثانية واحدة فقط .. دفعت قدمها بقوة نحو ركبته ليختل توازنه فجأة .. نهضت بسرعة وركضت مبتعدة في الممر ليستدير مؤيد وهو يصرخ بغضب:
- حلااا
وانطلق خلفها من جديد كوحشٍ فقد فريسته.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
......................كان الطريق الصحراوي يمتد أمامه طويلاً ومظلماً .. لا يقطعه سوى ضوء المصابيح الأمامية لسيارة أدهم وهي تشق العتمة بسرعة جنونية .. كانت يداه تقبضان على المقود بقوة حتى ابيضّت مفاصله بينما كانت عيناه مثبتتين على الطريق دون أن ترمشا تقريباً .. ضغط على دواسة الوقود أكثر ليرتفع صوت المحرك في سكون الليل.
مرّت الأضواء القليلة للمدينة خلفه سريعاً .. ثم لم يبقَ حوله سوى الظلام الممتد والصحراء الصامتة ولكن داخل رأسه لم يكن هناك صمت .. كانت كلمات مؤيد تتردد في ذهنه بإلحاح:
"تعالي وحدك إن كنتِ تريدين إنقاذها."
شدّ فكه بقوة.
- اللعنة
همس بها وهو يضرب المقود بقبضته .. تخيل وجه حلا وهي تقف هناك وحدها أمام ذلك الرجل فازدادت ضربات قلبه وصرخ:
- لماذاااا يا حلا .. لماذاااا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
عاد صوت الرجل السكير يتردد في ذاكرته:
"معمل الأبيض .. بالمنطقة الصحراوية."
شد المقود أكثر وهو يحدق في الطريق الممتد أمامه.
- اصمدي فقط .. سأنقذكِ
قالها بصوت خافت كأنه يخاطب شخصاً بعيداً :
- اصمدي حتى أصل.
ثم ضغط على الوقود مرة أخرى وانطلقت السيارة في الظلام كرصاصة تشق الطريق نحو المجهول.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
....................في والوقت ذاته .. انطلقت سيارات الشرطة تباعاً في الطريق .. أضواؤها الحمراء والزرقاء تشقّ العتمة وتنعكس على الإسفلت كوميضٍ متسارع .. خلفها مباشرة .. كان وائل.
يداه تقبضان على المقود بقوة وعيناه تلاحقان أضواء السيارات أمامه وكأنها خيطه الوحيد للوصول إليها .. رهف ..شدّ فكه وهو يضغط على دواسة الوقود أكثر محاولاً ألا يبتعد عنهم ولو متراً واحداً ولكن رغم تركيزه على الطريق لم يكن ذهنه هناك .. كان عالقاً في مكانٍ آخر .. في تلك اللحظة في المنزل .. صورة حلا وهي منهارة أمامه .. تبكي بجنون و تمسك رأسها وتصرخ وكأن شيئاً يمزقها من الداخل.
اتسعت عيناه قليلاً وهمس وكأنّه يحاول طرد الفكرة :
- لا .. لاااا
لكنه لم يستطع .. تذكّر رهف و تلك النوبات التي أخبرته عنها .. ذلك الارتجاف .. نظرات الخوف التي كانت تسبق الانهيار .. تلك الحالة التي كانت رهف تعاني منها والأخطر أنه رأى الشيء نفسه على حلا .. ضغط على المقود أكثر وشعور بارد تسلل إلى صدره .. لم يكن مجرد خوف كان يقيناً مرعباً بدأ يتشكل داخله أن رهف ليست بخير .. إنها وحدها هناك .. مع وحشٍ منزوع الرحمة
رفع نظره إلى الطريق فجأة وكأن الفكرة أفزعته من نفسه.
- تماسك يا وائل
قالها بحدة وهو يأخذ نفساً عميقاً .. ثم عاد يسرّع السيارة أكثر محاولاً اللحاق بسيارات الشرطة التي بدأت تبتعد قليلاً .. لكن قلبه لم يكن مع الطريق كان هناك في مكانٍ مظلم حيث كانت رهف تقاتل وحدها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت حلا ما زالت تركض عبر الممر الضيق هاربة من مؤيد .. أنفاسها تتلاحق بعنف وقدماها بالكاد تلامسان الأرض من شدة السرعة .. انعطفت فجأة لتدخل قاعة صناعية واسعة تعلوها سلالم حديدية متشابكة وأنابيب صدئة تمتد على الجدران والسقف .. صوت خطوات مؤيد كان خلفها مباشرة قريباً جداً وهو يصرخ:
- توقفي يا حلا .. لم يعد لديكِ مهرب
دوّى صوته في المكان كصدى مخيف ولكنها لم تلتفت .. ركضت نحو السلم الحديدي القريب وصعدته بسرعة .. قدماها تضربان الدرجات بقوة حتى اهتزّ السلم تحتها وأصدر صريراً حاداً .. في الأسفل وصل مؤيد بعد ثوانٍ ورفع رأسه نحوها وعيناه تشتعلان غضباً وصرخ:
- لن تهربي إلى أي مكان
وأمسك بالسلم وصعد خلفها بسرعة .. وصلت حلا إلى الممر العلوي الضيق .. سياجه مهترئ وبعض أجزائه مكسورة .. نظرت إلى الأسفل للحظة .. المسافة كانت مخيفة ولكنها تابعت الركض .. الممر يهتز تحت قدميها وكل خطوة تصدر صوتاً معدنياً عالياً ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- توقفي
صرخ وهو يضرب السياج بقبضته بغضب قبل أن يلحق بها.
في الأسفل .. دخلت رهف القاعة توقفت للحظة وهي تلهث وعيناها تتحركان بسرعة بين الظلال ثم سمعت الصوت .. وقع أقدام وصرير حديد وصراخ رفعت رأسها للأعلى ورأتهم.
حلا تركض على الممر العلوي ومؤيد يطاردها .. اتسعت عيناها فوراً وقبضت على القضيب المعدني بقوة ثم اندفعت نحو السلم الحديدي الآخر في الجهة المقابلة .. بدأت تصعد بسرعة و يدها تنقبض على الدرابزين الصدئ .. كل خطوة كانت تؤلمها و لكنّها لم تتوقف .. همست بها بأسنان مشدودة :
- لن أدعك تلمسها
في الأعلى وصلت حلا إلى نهاية الممر توقفت فجأة .. لا يوجد طريق .. أمامها فجوة كبيرة بين منصتين حديديتين ربما كانت مخصصة لآلة قديمة أُزيلت .. نظرت خلفها و رأت مؤيد يقترب ببطء هذه المرة .. أنفاسه تتعالى كوحشٍ جامح وعلى وجهه رسم ابتسامة باردة لكنها مرعبة ..
- انتهى الأمر .. هذه نهاية رحلتكِ
قالها وهو يتقدم خطوة .. نظرت إلى الفجوة أمامها ثم إليه ثم إلى الأسفل .. كانت المسافة مخيفة ولكن لم يعد هناك خيار .. تراجعت خطوة ثم أخرى ثم ركضت بكل ما لديها وقفزت .. للحظة كانت في الهواء ثم اصطدمت بالمنصة الأخرى بقوة و انزلقت يداها عن الحافة للحظة قبل أن تمسك بها وتعلّقت في الهواء
صرخت بألم وهي تحاول رفع نفسها بينما في الجهة الأخرى وقف مؤيد عند الحافة ينظر إليها من الأعلى ابتسم وقال:
- إلى متى ستهربين ؟ لقد انتهى أمركِ منذ اللحظة التي خطت قدمكِ هذا المكان أيتها الفاجرة
في تلك اللحظة وصلت رهف إلى الأعلى من الجهة المقابلة ورأتها في تلك الحالة .. كانت حلا تتدلى من الأعلى وهي تتمسك وتقاتل من أجل حياتها .. تجمّدت لثانية ثم اشتعلت عيناها وانطلقت من الدرج الثاني اتجاه حلا ..
كانت حلا معلّقة في الهواء .. تحاول رفع نفسها ولكن من دون فائدة .. هي الآن تتمسك بالحياة بأطراف أصابعها .. أغمضت عينيها بيأس وبدأت تتذكر تلك المواقف التي عاشتها .. خوف أدهم عليها .. و تعلّق رهف بها .. وحنية ليلى عليها .. كم كانت سعيدة في آخر أيامٍ عاشتها معهم .. هربت دمعة وحيدة من عينيها وهمست:
- سامحوني .. لن أستطيع الصمود أكثر
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
انهمرت دموع حلا وقالت:
- رهف .. أنتِ بخير
ردت رهف :
- وأنتِ أيضاً يجب أن تبقي بخير .. لن أسمح لكِ أن تستسلمي وتموتي .. فأنا لم أشبع منكِ بعد يا أختي ..
شدّت رهف قبضتها أكثر حول يدي حلا حتى ابيضّت مفاصلها وبدأت تسحبها للأعلى بكل ما تملك من قوة .. عضلاتها كانت ترتجف وكتفاها يصرخان من الألم ولكنّها لم تتوقف وصرخت بها وهي تسحبها ببطء :
- تشبثي بي جيدا .. لا تتركي يدي
كانت حلا تحاول أن تساعدها .. تدفع بقدميها على الجدار الحديدي و لكن جسدها كان منهكاً ويديها بالكاد تتحملان.
في تلك اللحظة دوّى صوت خطوات خلفهما .. تجمّدت رهف ورفعت رأسها ببطء ولفت رأسها قليلاً وصُدمت بـ مؤيد يقف خلفها مباشرة .. ينظر إليهما بعينين ممتلئتين بالجنون .. ابتسم وقال بسخرية باردة :
- يا له من مشهد مؤثر
ثم اقترب خطوة وتابع :
- أخت تنقذ أختها .. كم هذا جميل
شدّت رهف أسنانها دون أن تلتفت له وهمست بها بحدة وهي تسحب حلا أكثر
- لن تأخذها إلا على جثتي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- بل سأفعل.
رفع قدمه فجأة وركل ذراع رهف بقوة.
- آه ...
صرخت رهف وكاد توازنها يختل لكنّها تشبثت بحلا أكثر .. انزلقت أصابع حلا قليلاً وصرخت بخوف :
- رهف
- لااا
شدّت رهف يدها بقوة أكبر رغم الألم الذي انفجر في ذراعها.
- لن .. أترككِ
قالتها بأسنان مشدودة وعيناها تلمعان بإصرار مرعب .. زمجر مؤيد بغضب ثم انحنى بسرعة ومدّ يده ليقبض على شعر رهف ويجذبها للخلف ولكن في تلك اللحظة حرّرت رهف إحدى يديها فجأة واستدارت نصف استدارة ورفعت القضيب المعدني بكل ما فيها من قوة وضربته فيه ليرتطم بكتف مؤيد الذي صرخ بألم حاد وتراجع خطوة للخلف وهو يمسك كتفه.
ترنّح قليلاً وملامحه انقلبت إلى غضب مشوّه .. استغلت رهف اللحظة فوراً وقالت:
- الآن
وبدأت تسحب حلا بكل قوتها .. دفعت حلا بجسدها للأعلى وبمساعدة رهف أخيراً استطاعت أن تعتلي الحافة وتسقط على الأرض بجانبها .. انهارت الاثنتان للحظة تلهثان و قلوبهما تكاد تنفجر ولكن لم يكن هناك وقت .. رفع مؤيد رأسه ببطء وعيناه تحترقان وقال بصوت منخفض و مرعب :
- لن تخرجا من هنا حيّتين .. أقسم لكما
فجأة دوّى صوت بعيد .. صوت محرّك سيارة يقترب بسرعة .. تجمّد مؤيد لجزء من الثانية والتفت نحو مصدر الصوت وفي عينيه ومضة قلق ولكنها لم تدم عاد ونظر إليهما وابتسم وقال:
- يبدو أنه لدينا ضيوف
قبض على السكين بقوة أكبر وقال:
- لكنهم للأسف تأخروا
ثم اندفع نحوهما كالإعصار لترفع رهف القضيب المعدني أمامها .. بينما أمسكت حلا بذراعها تحاول النهوض .. صرخت رهف.
- اركضي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أراك علقت أيتها الدابة منزوعة العقل
صرخ مؤيد:
- لن تنجين بهذااااا
ابتسمت رهف ونزل على ركبتها أمامه وقالت:
- حقاً هل اعتقدت حقاً أنكَ ستقدر على قتلنا؟
كان مؤيد مايزال عالقاً ويمسك كتفه النازف بألم وينظر إليهما بغضبٍ واضح .. ابتسمت رهف وقالت:
- لن أتركها في نفسها .. ستدفع ثمن كل ما فعلته
عادت لتقف ثم تراجعت ومدت القضيب المعدني لـ حلا التي نظرت إليها باستغراب بينما نطقت رهف وهي تبادل مؤيد نظراتٍ كلها حقد وكره :
- حان دوركِ لتستردي حقكِ من هذا المختل
- ماذا أفعل؟
نظرت رهف لها وقالت:
- اضربيه حتى تهدأ نارك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لا أستطيع ضربه
- بل تستطيعين .. لا تكوني جبانة .. أعيدي حقكِ واضربيه كما كان يفعل
هزت حلا رأسها وقالت:
- لا أستطيع يا رهف .. لا أستطيع
صرخت رهف:
- حلاااا
جفلت حلا وهي تنظر بعيني رهف الغاضبة .. بينما تمسكت رهف بالقضيب وقالت:
- سأعلمكِ كيف تكونين قاسية مع من أذاكِ
شهقت حلا بينما عادت رهف تنظر بـ مؤيد الذي كان يعمل جهده أن يحرر قدمه وينهض ولكن من دون فائدة .. نظر إلى رهف وفتح عينيه عندما رآها ترفع القضيب المعدني وانهالت عليه بأول ضربه على رأسه والثانية لتصرخ حلا وتغطي عينيها بفزع .. ارتفعت أنفاسها وركضت إلى رهف وأمسكت بيدها وقالت:
- يكفي أرجوكِ
نظرت بـ مؤيد ورأته متهاوي والدماء تغطيه وصدره ما يزال يعلو ويهبط بصعوبة .. أما رهف سألتها بغضب :
- لماذا أوقفتني ؟
ردت حلا بانهيار:
- لأنني لا أريدكِ أن تكوني مجرمة مثله
وقفت رهف متفاجأة من كلامها .. نظرت بيديها والقضيب المعدني الملطخ بالدماء وتجمدت في مكانها .. وكأن كلام حلا أيقظها لترمي ذلك القضيب وتهمس بعدم تصديق:
- ما الذي فعلته .. لا أصدق أنني قمت بفعل شيء كهذا
اقتربت منها حلا وضمتها بسرعة لتنفجر رهف بالبكاء وهي تقول:
- لقد كنت أريد إنقاذكِ منه وحسب
أخيراً اختارتا أن تتركه وتبتعدا .. نزلتا للأسفل وأخذتا تتلفت حولهما بضياع .. قالت حلا بوحشة:
- من أين طريق الخروج؟
ردت رهف بشرود:
- لن يكون الضياع في هذا المكان أسوأ من الذي حصل .. سنجد المخرج لا تقلقي
أمسكت بـ زندها ومشتا في الظلام وحدهما وهما تبحثان عن المخرج في هذا المصنع الكبير .. في الأعلى .. رفع مؤيد رأسه لتظهر عينيه بين خيوط الدماء المنهمرة من رأسه على وجهه وأخذ يردد من بين أسنانه:
- سأقتلكما .. سأقتلكمااا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الظلام يبتلع أرجاء المعمل لا يكسره سوى ضوء خافت يتسلل من النوافذ المحطمة وخطوات أدهم التي كانت تتردد في الفراغ .. تقدّم بحذر وهو يضيء طريقه بكشاف هاتفه وعيناه تمسحان المكان بسرعة وأنفاسه غير منتظمة
- حلا .. رهف .. أين أنتما؟ ..
صوته خرج منخفضاً .. لكنه بدا غريباً وسط هذا الصمت الثقيل .. شدّ قبضته وهو يتقدم أكثر بين الآلات القديمة والهياكل المعدنية الصدئة .. كل زاوية كانت تبدو وكأنها تخفي شيئاً .. كور قبضته وقال:
- هل يعقل أنه كذب عليّ !
همس بها لنفسه .. لكن القلق كان ينهش صدره ..
في الأعلى كانت يدان مغطاتان بالدماء تمسكان الدرابزين الحديدي .. قبضة مشدودة وأصابع ترتجف ولكنها لم تكن ضعفاً بل حقداً .. شدّ مؤيد على الحديد بقوة حتى احتك جلده بالصدأ وازداد النزيف .. عينيه كانتا مثبتتين في الأسفل على أدهم .. يراقبه ويتبعه بعينيه بصمت.
دخل أدهم أعمق في المعمل غير مدرك أن هناك من يتحرك فوقه تماماً .. يتنفس بصوت خافت ويبتسم ..وفجأة ترك مؤيد الدرابزين وانزلقت يده ببطء عنه تاركة خلفها أثراً من الدم .. تحرّك بخطوات بطيئة وحذرة كصيّاد لا يريد أن يُسمع صوته.
في الأسفل توقف أدهم فجأة وراوده شعور غريب كأن أحداً يراقبه .. التفت بسرعة خلفه ولكنه لم يرى أحد .. قطّب حاجبيه ثم تابع التقدم و لكن حواسه أصبحت أكثر توتراً.
في الأعلى كان مؤيد قد بدأ ينزل السلم الحديدي بهدوء…
كل خطوة مدروسة و كل حركة محسوبة وعيناه لا تفارقان أدهم بينما السكين ما تزال في يده
في الأسفل وصل أدهم إلى ممر ضيق وتوقف عنده ونادى مجدداً .. هذه المرة بصوت أعلى:
- حلا .. رهف ..
ارتد صدى صوته في المكان ولكن لم تأتِ إجابة.
خلفه توقّف مؤيد على بعد خطوات فقط ووقف بصمت تام يراقب وينتظر .. يختار اللحظة المناسبة ثم ابتسم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في عمق المصنع حيث كانت حلا تمشي بمحاذاة رهف وهي تتلفت حولها بخوف .. توقفت فجأة عندما سمعت صوت أدهم يناديها لتسألها رهف باقتضاب:
- هل سمعتِ ذلك؟
هزت حلا رأسها وقالت:
- وكأنه صوت أدهم؟
- ومن أين كان أدهم سيعرف مكاننا ؟
- أقسم أنه كان هو .. هذا صوته أنا لا أتوه عنه
التفتت رهف وقالت:
- الحقي بي .. سنعود أدراجنا
تمسكت حلا بثياب رهف وعادتا أدراجهما اتجاه الصوت .. ثم نادت رهف:
- هل هناك من يسمعني
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم ...
في الجهة المقابلة وقف أدهم في مكانه وهمس بدهشة:
- هذه رهف ..
سحب نفس ونادا:
- رهف هذا أنا أدهم .. لقد جئت لإنقاذك .. هل أنتِ وحدكِ أم معكِ حلا؟
...
نظرتا رهف وحلا ببعضهما وشعرتا بسعادة كبيرة ثم قالت حلا بصوت عالٍ:
- أدهم أنا معها هنا ونحن بخير
...اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
تنفس أدهم براحة وترقرت دمعة في عينيه وقال:
- هذا جيد .. أنا قادم لإنقاذكم ..
تسارعت خطواته وكأنه يلحق بروحه الضائعة .. فجأة اندفع ظلّ من الخلف اتجاهه .. لم يكن صوتاً واضحاً بل إحساساً خاطفاً بالخطر .. التفت أدهم بسرعة ولكن الأوان كان قد تأخر .. اصطدم به مؤيد بكل ثقله وطرحه أرضاً بقوة وارتطم ظهره بالأرض الحديدية القاسية بينما طار هاتفه من يده وسقط بعيداً عنه
انفلت الهواء من رئتيه دفعة واحدة وقبل أن يستوعب كانت السكين تهوي نحوه .. لم يفكر رفع يده فوراً وأمسك معصم مؤيد لتتوقف السكين على بعد سنتيمترات من صدره.
اشتدّت عضلاته وعروقه برزت وهو يدفع سكين مؤيد بعيداً عنه .. صرّ مؤيد على أسنانه وجهه قريب جداً من وجه أدهم و أنفاسه ساخنة ومختلطة برائحة الدم وقال بصوتٍ أجش:
- هل حقاً ظننت أنك ستفلت بعملتكَ تلك
ضغط أكثر حتى بدأت السكين تنزل ببطء وقال:
- سأقتلك وأجعل أمك تبكي دماً عليك
شدّ أدهم قبضته بكل ما يملك من قوة .. ذراعه كانت ترتجف وهو يقاوم وقال:
- ابتعد .. عني
خرجت كلماته متقطعة بين أنفاسه .. ضحك مؤيد بخفوت وعيناه تلمعان بجنون وضغط أكثر حتى انغرست حافة السكين في يد أدهم التي كانت تمسكه شهق من الألم وارتعشت قبضته للحظة كادت تكلّفه حياته ولكن بكل ما تبقى فيه من قوة صرخ ودفعه فجأة لينقلب مؤيد على ظهره وانفلت توازنه وتدحرج قليلاً على الأرض المعدنية.
سحب أدهم نفسه بسرعة ونهض وهو يلهث بشدة ممسكاً بيده المجروحة والدم ينساب بين أصابعه رفع رأسه وعيناه اشتعلتا .. وقف في مواجهته على بعد خطوات.
كلاهما كان يلهث و ينزف .. لكن هذه المرة لم يكن أدهم ذلك الرجل الذي يبحث فقط بل الذي سيقاتل.
...اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في الممر القريب توقفت رهف فجأة وقالت:
- ما هذا الصوت ؟
ثم اندفعت دون تفكير وركضت حلا خلفها وقلبها يخفق بعنف وبينما انعطفا تجمّدتا وصدما بالمشهد أمامهما .. كان أدهم واقف ينزف ومؤيد أمامه كالوحش.
للجزء كمالة ....
( القسم الثاني من الجزء الأخير)
كلاهما كان ينظر بالآخر بحقد واضح .. تقدمت حلا خطوة وقالت:
- أدهم
صرخ أدهم:
- إبقي بعيدة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- رهف خذي حلا واخرجا من هنا
ردت حلا:
- وأنت ؟
رد وهو ينظر بـ مؤيد بغضب:
- هناك حسابٌ يجب أن أصفيه مع هذا المتوحش
انطلقت ضحكة قصيرة من مؤيد و رد بسخرية :
- لا ينقصني إلا غرٌ مثلك يحاسبني
رد أدهم :
- أنصحك بأن لا تستهين بي
اقترب مؤيد أكثر رغم الدم الذي ينزف منه وقال بصوت منخفض خطير:
- فعلاً عندما استهنت بكَ تماديت بفجورك أنت وتلك الـ ...
قاطعه أدهم بغضب:
- إياك وإهانتها يا مؤيد .. لم يعد لديك الحق باتهامها وإهانتها متى شئت
تقدم مؤيد خطوة رغم ترنّحه وعيناه مثبتتان على أدهم باحتقار ثم قال بصوتٍ مبحوح ولكنه مشبع بالحقد:
- الحق؟ أنت تتحدث عن الحق؟
ثم ضحك ضحكة قصيرة :
- أنت آخر من يحق له أن يتحدث عن الحقوق
اشتدت ملامح أدهم لكنه لم يتراجع و رد:
- كف عن هذا الكلام وكأنكَ أنت الضحية .. أنت تعلم لماذا وصلت الأمور إلى هنا وبسبب من
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أنت من أوصلها إلى هنا .. أنت من أخذها مني .. أنت من زرع فكرة التمرّد في رأسها
ارتجف فك أدهم وقال بحدة:
- لماذا لا تفهم .. أنا لم آخذها منك .. أنت من دمّر حياتك بيدك
اشتعلت عينا مؤيد ثم أشار نحو حلا وقال بصوته المرتفع:
- تلك كانت زوجتي وأنت من سلبتني اياها
تقدمت حلا خطوة و ملامحها متوترة ولكن أدهم رفع يده بسرعة دون أن يلتفت:
- قلتُ ابقي مكانكِ
تجمّدت مكانها ليتابع أدهم وهو يحدّق بمؤيد:
- ليكن بعلمك ..أنا لم أعرف حلا إلا في المستشفى .. أول مرة رأيتها كانت وهي بين الحياة والموت عندما كنتُ أسعفها فقط.
سخر مؤيد :
- يا لها من قصة نبيلة .. المنقذ الشريف يبرر خيانة معشوقته
ثم اقترب أكثر :
- وهل تريدني أن أصدق أنك لم تستغل حماقتها وغبائها ؟ أوهمتها أنها امرأة مكسورة .. خائفة و بلا سند وأنت وجدت فرصتك القذرة معها
قبض أدهم على يده المجروحة بقوة وقال من بين أسنانه:
- أنت مريض .. عقلك هو من صنع هذه الأكاذيب.
ارتفعت نبرة مؤيد فجأة:
- لا .. أنا أعرفها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- قلت أنها كانت زوجتي .. أعرف كيف تفكر وكيف تخاف وكيف تنظر
رد أدهم بحدة أشد:
- لو كنت تعرفها .. لما جعلتها تهرب منك
ساد صمت ثقيل لثانية .. ثم تغيّرت ملامح مؤيد و انقلبت إلى شيء أخطر وقال من بين أسنانه :
- هربت لأنك غررت بها.
قالها ببطء وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي أحد وتابع:
- دخلت حياتها و لعبت دور المنقذ ثم سرقتها مني.
تقدمت حلا خطوة أخرى و عيناها ممتلئتان بالألم:
- لم يسرقني أحد
لكن مؤيد صرخ بها:
- اخرسي
ارتجفت و لكن هذه المرة لم تتراجع وتابعت متجاهلة خوفها منه:
- أنا من هربت منك .. هو لا علاقة له
ساد الصمت للحظة .. ثم نظر إليها مؤيد نظرة غريبة .. خليط بين الغضب والحقد وقال:
- بعد كل ما فعلته من أجلك ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ما الذي فعلته لي؟ ضربتني؟ أهنتني؟ حبستني؟ هذا كان من أجلي؟ !
- يكفي أنني حويتكِ في بيتي
ارتفعت ضحكات حلا وقالت:
- حويتني؟ ! حقاً أنت تتحدث بشكلٍ جدّي ؟
اختفت ضحكاتها واتسعت عيناها وصرخت بأعلا صوتها ليرتد صداه في أرجاء المعمل:
- أنت دمرتني ..
وقف الكل ينظر بـها بينما أشارت إلى نفسها وقالت:
- أنت لم تكن تراني إنسانة أصلاً .. جعلتني أفقد شعوري بالأمان .. عشت معكَ رغماً عني وأنا أحلم بيدٍ حنونة تطيّب جراحي التي كنت تسببها .. أهرب من جحيمك لعالم أحلامي حيث كان هناك رجل يواسيني بكلاماته الحنونة وأطفال قد حرمتني منهم
شد مؤيد على قبضته واشتعلت عيناه لتتابع بقهر:
- كل هذا وما يزال عمري سبعة عشرة فقط
انهمرت دموعها وقالت:
- لن أسامحك ولن أسامح والدي الذي أجبرني عليك وحرمني من أمي وأختي بسبب أنانيته وطمعه
اشتدّ تنفّسه و لكن أدهم تقدّم خطوة وقال بصوتٍ حاسم:
- أظن أنك سمعت وجهة نظرها .. انتهى الكلام هنا
ثم أشار بحدة:
- رهف .. خذي حلا واخرجا من هنا.
تمسكت رهف بذراع حلا لكنها ترددت وقالت :
- وأنت؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- حسابه معي لا مع حلا
ابتسم مؤيد بسخرية قاتمة
- بل لدي حسابٌ معها طالما أنها كانت لي.
تصلّب جسد أدهم وصوته خرج حادًا:
- كانت وانتهى الأمر منذ زمن
صمت مؤيد للحظة ثم همس:
- لم ينتهِ شيء
وفجأة تحرّك .. يده التي تمسك السكين اندفعت للأمام بسرعة خاطفة لتبدأ المعركة .. اتجه بسكينه نحو أدهم الذي انحرف بجسده في اللحظة الأخيرة واصطدمت يداه بيد مؤيد ممسكًا معصمه بكل قوته قبل أن يصل النصل إليه .. انزلقت قدماه للخلف تحت قوة الاندفاع واصطدما بأحد الأعمدة المعدنية ليهتزّ الحديد بصوتٍ حادّ ارتد صداه في المكان.
اشتدّت أنفاسهما والسكين بينهما والصراع على شعرة واحدة من الموت زمجر مؤيد وهو يضغط أكثر:
- لقد انتهيت
شدّ أدهم أسنانه و عضلات ذراعه ترتجف من شدة المقاومة وقال :
- ليس اليوم يا مؤيد .. ليس اليوم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أطلق مؤيد صرخة ألم عندما انضغط جرحه ولكن ذلك لم يوقفه بل زاده شراسة
- سأقتلك
صرخ بها وهو يضغط بكل ما لديه .. قبض أدهم على معصمه بكلتا يديه و عروقه بارزة ويده الأخرى تحاول إبعاد النصل الذي اقترب بشكل خطير من عنقه .. دفعه بركبته في بطنه بقوة فاختل توازن مؤيد لثانية .. كانت كافية ليستجمع أدهم كل قوته ودفعه بعيدًا عنه بعنف لينقلب مؤيد على ظهره والسكين تنزلق قليلاً من قبضته.
نهض أدهم بسرعة يلهث ويده ترتجف من الجهد .. ضغط على كفه المجروحة وهو يحدّق فيه ولكن مؤيد لم ينتهِ.
تقلّب على الأرض ثم نهض بصعوبة وهو يترنح .. الدم يقطر من كتفه و لكن عينيه لا تزالان تحملان ذلك الجنون المخيف.
ابتسم ابتسامة ملتوية رغم الألم وقال :
- تظن .. أنك فزت؟
باغته فجأة واندفع نحوه مجددًا لكن هذه المرة بجسده كله ليصطدم به بقوة وأعاده خطوة للخلف ثم رفع السكين من جديد وطعن بها نحو بطنه لكن أدهم التقط ذراعه مجدداً وأوقف الضربة في منتصف الطريق واشتدّ الصراع بينهما مرة أخرى .. الأجساد متلاصقة الأنفاس متصادمة .. في الخلف صرخت حلا:
- أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكن رهف شدّت ذراعها:
- لا تقتربي
كانت عيناها تراقبان السكين فقط .. تتحرك مع كل دفعة و كل مقاومة و لحظة .. التفتت ورأت القضيب المعدني مرميّ عند السلالم .. تراجعت بسرعة واندفعت اتجاهه وحملته وعادت تنظر إليهما
عاد أدهم يدفع ذراع مؤيد بعيداً ثم وجه له لكمة قوية على وجهه ليرتدّ لها رأسه للخلف .. لكن مؤيد رد فوراً بضربة عشوائية أصابت فك أدهم .. تراجع كلاهما خطوة .. الهواء يثقل صدريهما والدم يزداد .. همس مؤيد وهو يبتسم بتعب:
- لن تنقذها مني
رد أدهم وهو يمسح الدم عن شفتيه:
- هي لم تعد لك .. ولن تكون.
وفي لحظة صمت مشحونة اندفع الاثنان معًا واصطدمت الأجساد وتلاطمت الضربات والسكين ما تزال تتنقل بين الموت والنجاة إلى أن انزلقت قدم مؤيد على قطعة حديد صدئة واختل توازنه لثانية .. فقط ثانية لكن أدهم استغلها فورًا .. أمسك بذراعه بقوة و لفّها بعنف خلف ظهره ودفعه نحو أحد الهياكل المعدنية فاصطدم به بقوة واهتز الحديد بصوتٍ حاد.
صرخ مؤيد من الألم ولكن قبل أن يتمكن أدهم من تثبيته تحرّك مجدداً وبكل ما تبقى لديه من قوة حرّر ذراعه ورفع السكين وانقضّ .. لم تكن هجمة عشوائية هذه المرة بل سريعة .. مباشرة وقاتلة.
اندفع مؤيد نحو أدهم بكل ما تبقى لديه من قوة .. عينه مثبتة عليه كوحشٍ حُوصر أخيراً والسكين في يده تلمع تحت الضوء الخافت رفعها ليطعنه و لكن قبل أن تصل تحركت رهف وصرخت وهي تندفع بينهما:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفعت القضيب المعدني بكل قوتها وضربت ذراع مؤيد و لكن الضربة جاءت متأخرة .. انحرف مسار السكين وانغرس في يد رهف.
صرخت بألمٍ حاد وسقط القضيب من يدها وتراجعت وهي تمسك جرحها و الدم بدأ يتدفق بين أصابعها .. صرخت حلا باسمها واندفعت نحوها فوراً لتمسك بها وتحاول إيقاف النزيف وعيناها ممتلئتان بالرعب:
- هل أنتِ بخير؟! تكلمي ..
ردت رهف:
- لا تقلقي جرح بسيط
أما أدهم نظر بـ رهف لثانية واحدة حتى استغل مؤيد الفرصة ولوح بسكينه حتى تسبب له بجرحٍ بليغٍ في ذراعه ليتراجع أدهم بضع خطوات وهو يمسك ذراعه التي بدأت تنزف بشدة
لكن مؤيد لم يتوقف هنا .. كأن الألم بدأ ينتشر بأنحاء جسده كالسرطان .. نظر إلى رهف للحظة ثم إلى حلا وعيناه اشتعلتا بشيء أخطر
- الآن .. دوركِ.
قالها بصوت منخفض و مرعب ورفع السكين من جديد واندفع مباشرة نحو حلا.
كانت حلا تقف أمام رهف ولم تعي بعد حجم الخطر خلفها ولكن قبل أن تصل الطعنة اندفع أدهم بسرعة
وأمسك بحلا من كتفيها ولفّ جسده حولها ليحجبها بالكامل وفي نفس اللحظة اخترق النصل ظهره.
شهقت حلا بصوتٍ مكتوم و عيناها اتسعتا بصدمة وهي تنظر بـ رهف التي تجلس أمامها بينما تجمّد جسد أدهم لجزء من الثانية خلفها ولكنّه لم يتركها .. شدّ عليها أكثر وكأنه يحاول حمايتها حتى بعد الطعنة .. همست بصوتها مكسور :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
همست رهف بصوتٍ مرتجف والدموع بدأت تسري على خديها :
- لا ..
سحب مؤيد السكين بينما ارتشق الدم من ظهر أدهم الذي ترنّح و أنفاسه اختنقت للحظة ولكنّه بقي واقفاً بالكاد .. رفع مؤيد السكين مجدداً عينيه تلمعان بجنونٍ كامل وصرخ :
- قلت لكم .. لن يخرج أحد حيّاً من هناااا
استعد لطعنه مرة أخرى ولكن فجأة دوّى صوت رصاصة في المكان ليتجمّد الجميع ويحل الصمت فجأة في الأرجاء .. اتسعت عينا مؤيد ونظر إلى صدره وتفاجئ ببقعة دم بدأت تنتشر ببطء .. ارتجف جسده وسقطت السكين من يده و ارتطمت بالأرض بصوتٍ معدني حاد .. تراجع خطوة ثم أخرى وكأن جسده لم يعد قادراً على حمله .. رفع عينيه ببطء نحو أدهم الذي كان ما زال يحمي حلا بجسده رغم تلك الطعنة القاتلة وشيء غريب مرّ في رأسه .. بين الذهول والانهيار وكأنه يرى شريط حياته يمر أمام عينيه .. ثم سقط أخيراً .. انهار جسده ارتطم بالأرض بقوة بلا حراك ليصبح أخيراً جثة هامدة .. الصمت عاد و لكن لم يدم .. أخفض الضابط سلاحه ووقف مذهولاً لأنه استطاع انقاذهم في اللحظة الأخيرة .. أعاد سلاحه لمكانه والتفت نحو رجاله وقال:
- أخشى أننا قد تأخرنا .. اذهبوا وتأكدوا من المجرم
وصلت الشرطة أخيراً .. واستطاعوا السيطرة على الوضع ولكن .....
كان أدهم مازال يحضن حلا من الخلف .. التفتت إليه ونظرت بعينيه ليبادلها نظراتها بهدوء وكأن شيئاً لم يحصل .. ابتسم رغم ألمه وقال:
- لقد انتهى الأمر
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتعدت ونظرت إلى يديها لتنصدم وتحتبس أنفاسها
الكثير من الدم قد لطخت يديها عندما لفت يديها حوله .. شهقت وهمست بصوتها مرتجف :
- مـ ما هذا؟
رفعت عينيها إليه رأت وجهه شاحباً و أنفاسه ثقيلة و لكنه كان ما زال ينظر إليها ثم فجأة تراخى جسده ووقع عليها بالكامل حتى أسقطها ثِقله أرضاً معه .. شهقت وهي تحاول حمله:
- أدهم لا .. ما الذي حصل .. أدهم
استقر رأسه على كتفها وأنفاسه بدأت تضعف.
اقتربت رهف رغم ألمها وعيناها ممتلئتان بالدموع:
- أدهم هل تسمعنا ؟ أرجوك إفتح عينيك
بدأت حلا تضرب خده بخفة بيديها المضرجتين بالدماء وهي تناديه بصوت مرتجف:
- أدهم .. أرجوك .. أنظر إلي .. أخبرني فقط أنك بخير
حلا كانت تضمه فقط .. يدها ترتجف وهي تضغط على جرحه .. صوتها خرج مكسوراً و يكاد يختفي:
- لا تتركني .. أرجوك .. أدهمممم
فتح أدهم عينيه بصعوبة ونظر إليها .. وكأنه يحاول أن يطمئنها رغم كل شيء .. ابتسامة خفيفة و متعبة مرّت على شفتيه .. رفع يده ومسح دمعته بطرف أنامله المصبوغة بدمائه وقال:
- هل أنتِ .. بخير ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أتسألني عن حالي وأنتَ بهذه الحال .. يكاد قلبي يتوقف
همس بها بصعوبة :
- لا تقلقي ... سـ سأكون بخير .. إنه مجرد جرحٍ بـ بسيط
انهمرت دموعها أكثر وضغطت عليه بقوة:
- لا تتكلم .. فقط ابقَ معي ..
ثم صرخت وهي تضم رأس أدهم إلى صدرها :