📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل السادس والعشرين 26 والاخير بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل السادس والعشرين 26 والاخير بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- لا تقلقي ... سـ سأكون بخير .. إنه مجرد جرحٍ بـ بسيط

انهمرت دموعها أكثر وضغطت عليه بقوة:
- لا تتكلم .. فقط ابقَ معي ..
ثم صرخت وهي تضم رأس أدهم إلى صدرها :
- أرجوكم .. أحضروا الإسعاف إلى هنا

في الخلف أصوات رجال الشرطة بدأت تملأ المكان .. أقدام و أوامر وصرخات ولكن بالنسبة لـ حلا وأدهم كل شيء اختفى.
لم يبقَ إلا تلك اللحظة.

سحب أنفاسه بصعوبة وقال:
- حـ حلا
نظرت إليه وهي تبكي بحرقة ليكمل:
- هـ هناك شيء أريد .. الاعتراف به لكِ
- ماذا؟

رد بألم وصوت مرتجف بالكاد خرج منه:
- أ أنا لم أكن يوماً شقيقكِ .. ولـ لم أرغب يوماً بهذا .. لـ لقد كذبت عليكِ .. كـ كذبت حتى أستطيع حـ حمايتكِ فـ فقط .. سـ سامحيني

ردت بانهيار:
- بل يجب أنا من أطلب منكَ السماح .. أنا كنت أمثل أنني فاقدة للذاكرة .. لقد خفت أن تتركني .. اضطررت للكذب حتى لا أخسرك .. لا أريد أن أخسرك .. أرجووك إبقى معي يا أدهم .. أرجوووك أتوسل إليك فقط ابقى معي .. لا أستطيع العيش من دونك .. سأموت من دونك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
نطق بهدوءٍ غريب بعد أن تراخى جسده:
- لو .. تعرفي .. كم أنا .. أحبكِ يا حلا

أغمض عينيه بهدوء وارتخت يده لتنساب من بين خصلات شعرها لترتمي على جسده الملطخ بالدماء لتنحبس أنفاس حلا وتتجمد وكأنها أصبحت تمثالاً من جليد .. أما رهف غطت فمها وأخذت تهز رأسها باستنكار والدموع تنهمر من عينيها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

اندفعت الأبواب المعدنية بصوتٍ مدوٍّ .. واقتحم رجال الشرطة المكان بأسلحتهم المرفوعة أصواتهم تتردد في أرجاء المصنع:
- الشرطة .. لا أحد يتحرك
تبعهم وائل بخطوات مسرعة وأنفاسه متلاحقة و وعيناه تبحثان بجنون بين الظلال وقلبه كان يسبقه ليراه الضابط ويتفاجئ بوجوده .. أمسك بيده وقال:
- لماذا لحقت بنا ؟

كان وائل يريد الرد ولكن عيناه كانتا تبحث بالمكان وتجمّد لثانية عندما رآهم .. ثم ركض
- رهف!
صرخ وهو يندفع نحوها ليركع فوراً أمامها عندما رأى الدم يغطي ذراعها وقال بخوف:
- يا إلهي .. هل جرحكِ عميق؟
قالها وهو يمسك بيدها بلطف .. يفحص الجرح بسرعة وعيناه تملؤهما الصدمة والخوف:
- من فعل هذا؟ هل أنتِ بخير؟!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لكن رهف لم تنظر إلى جرحها .. لم تشعر به أصلاً .. رفعت يدها المرتجفة وأمسكت بكمّه و عيناها غارقتان بالدموع وهي تحكي بتوسل:
- وائل .. أدهم .. أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتجف صوته:
- ماذا…؟

أشارت بيدها نحوه وصوتها ينهار:
- أرجوك

التفت وائل بسرعة ورآه ممددًا على الأرض .. الدم ينتشر تحت جسده وحلا منحنية فوقه وهي تضمّه وتبكي بصمتٍ مكسور .. همس قبل أن يندفع نحوه فوراً :
- أدهم !

ركع بجانبه و قلبه ينبض بعنف .. مدّ يده بسرعة يفحص نبضه .. لحظة .. ثم تنفّس بعمق و لكن القلق لم يختفِ وقال :
- النبض ضعيف .. يبدو أنه نزف الكثير من الدماء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفع صوته فجأة وهو يصرخ بكل ما فيه:
- إسعاف .. بسرعة .. لدينا مصاب إصابة خطيرة هنا

اقترب المسعفون فوراً وحقيبة الإسعاف تُفتح وأيديهم تتحرك بسرعة حول أدهم يضغطون على الجرح ويثبتون النزيف و يجهزون النقالة.

أما وائل نهض بسرعة وعاد إلى رهف .. خلع سترته فوراً ووضعها حول كتفيها يحاول أن يغطيها ويخفف ارتجافها وقال :
- انتهى الأمر يا رهف .. أنتِ بأمان

لكنها كانت تنظر خلفه نحو أدهم .. همست بها بصوتٍ مكسور :
- لا تتركه يا وائل .. لا تتركه يموت .. أرجوك
أمسك بكتفيها بلطف وقال مطمئناً لها :
- لن أتركه .. أعدك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم أسندها بيده وساعدها على الوقوف قبل أن يلتفت إلى حلا التي كانت لا تزال جالسة بجانب أدهم عيناها معلقتان به و ترفض الابتعاد رغم طلب المسعفين ورجال الشرطة منها .. اقترب منها وقال :
- حلا .. تعالي معي الآن

نظرت إليه ببطء و كأنها لم تسمع ثم إلى أدهم ثم عادت إليه وصوتها بالكاد يُسمع:
- لا أستطيع تركه وحده .. أريد البقاء معه

وضع يده على كتفها بثبات:
- إذا بقيتِ هنا… لن تساعديه

فجأة رأتهم يحملون جسده ويضعونه على النقالة وينقلوه لخارج المصنع لتندفع بسرعة وهي تصرخ:
- أدهم

استطاع وائل إمساكها وهي تمد ذراعها اتجاههم وتصرخ:
- دعني أذهب معه .. أرجوووك .. أتوسل إليييك .. أرجووك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

أبعدها عنه وقال:
- إهدأي .. سنلحق به

ترددت لثانية ثم أخيراً هزت رأسها واندفع نحو رهف وسحبها ليختبئا الاثنتين تحت يديه وخرجوا بسرعة من المصنع

رجال الشرطة كانوا يملؤون المكان والأضواء تومض والأصوات تختلط ولكنهم لم يسمعوا شيئاً .. كل شيء كان بعيداً إلا ذلك الخوف.

فتح وائل باب السيارة بسرعة ساعد رهف على الجلوس وتأكد من ضماد يدها النازفة .. ثم اطمئن على حلا بجانبها في المقعد الخلفي قبل أن يدور إلى المقعد الأمامي ويشغّل المحرك وقال وهو ينطلق بالسيارة بأقصى سرعة :
- تمسكوا جيداً

الإطارات صرخت على الإسفلت والسيارة اندفعت في الظلام
نحو المستشفى .. في الخلف كانت رهف تمسك بذراعها و أنفاسها متقطعة وحلا تحدق في يديها التي لا تزالان ملوثتين بدمه .. ثم نظرت من نافذة السيارة ورأت المصنع يبتعد شيئاً فشيئاً ليختفي في الظلام .. ثم همست بصوتٍ بالكاد خرج:
- إنه لن يموت .. صحيح ؟

لم يجبها أحد لكن وائل شدّ على المقود وعيناه مثبتتان على الطريق وقال بصوتٍ حازم رغم كل شيء:
- لا تقلقي .. أدهم شابٌ قوي وبإذن الله لن يموت

هزت حلا رأسها وعادت تبكي بحرقة ثم رمت رأسها على كتف رهف التي تلقتها بكل حنان حتى تطمأنها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

...

كانت أروقة مستشفى ليلى تعجّ بالحركة .. أصوات خطواتٍ مسرعة و أوامر متلاحقة وأبواب تُفتح وتُغلق بلا توقف.
لكن بالنسبة لمن كانوا ينتظرون كان الزمن متجمداً.
جلست ليلى على أحد المقاعد و يداها متشابكتان بقوة وهما ترتجفان بخوف وعيناها معلّقتان بباب غرفة العمليات.
أما رهف كانت جالسة إلى جانبها .. كتفها ويدها ملفوفة بضماد ولكن الألم لم يكن في جسدها بل في عينيها بينما كانت رويدا وابنتيها يتمشون بتوتر أما الباب وهم يبكون ويتلون الأدعية
أما حلا كانت تقف بعيداً قليلاً ظهرها إلى الجدار ووجهها شاحب تنظر إلى يديها وكأن الدم ما زال عليهما .. كانت تسترق النظر إلى رويدا وشقيقات أدهم وترى في عينيهم خوفاً وملامة كلما التقت نظراتهم بها وكأنها السبب الرئيسي بما حصل مع أدهم ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

فُتح باب غرفة العمليات فجأة لتنتفض ليلى وتقف فوراً .. خرج الطبيب ووجهه متجهّم ونظراته جدية بشكلٍ مقلق

اندفت رويدا وسألته بخوف:
- كيف حاله ؟

أخفض رأسه بشلٍ مقلق ثم نظر إلى ليلى وقال:
- سيدة ليلى .. هل يمكننا التحدث على إنفراد

هزت ليلى رأسها وذهبت معه لمكان بعيد عن الجميع وسألته:
- ماذا هناك يا جلال ؟ كيف حال ابن أختي ؟!

تبادل جلال نظرة سريعة معها ثم قال بصوت منخفض لكنه حازم:
- حالة أدهم حرجة سيدة ليلى

تجمّدت ملامحها ليتابع:
- الطعنة لم تكن سطحية .. السكين اخترقت الظهر بزاوية خطيرة وسببت نزيفاً داخلياً حاداً.

شهقت ليلى و ارتجف جسدها دون أن تتحرك ليكمل:
- موقع الإصابة قريب جداً من الرئة اليسرى .. وهناك احتمال لوجود تمزق .. إضافة إلى خطر إصابة أحد الأوعية الدموية الرئيسية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ردت بتوتر واضح :
- و وما العمل يا جلال .. أرجوك قل أن هناك حل
نظر مباشرة إلى ليلى:
- نحن بحاجة إلى جرّاح متمكن جداً في جراحات الصدر والأوعية لأن أي خطأ بسيط…

توقف لثانية .. ثم أكمل:
- قد يكلّفه حياته.

ساد صمت ثقيل ثم هزّت ليلى رأسها ببطء وقالت بحزمٍ مفاجئ رغم انهيارها الداخلي:
- لا .. لا تدعوا أي أحد يلمسه إذاً

نظر إليها الطبيب بدهشة:
- هل ستقومين أنتِ بالعملية سيدة ليلي؟

قاطعته فوراً:
- لا .. يداي ترتجف وقلبي لن يحتمل منظره ..
اهتزت كلماتها وهي تكاد تبكي:
- لا أريد أي طبيب عادي .. لا أريد مخاطرة .. لا أريد أن أفقده بسبب خطأ
ترددت لحظة .. ثم أضافت بصوتٍ مكسور:
- سأتصرف
- حسناً ولكن الوقت لا يسمح بالانتظار طويلاً سيدة ليلى

لم تجبه .. استدارت بسرعة وابتعدت قليلاً إلى زاوية بعيدة عنهم .. يدها ترتجف وهي تخرج هاتفها .. أنفاسها متقطعة وعيناها ممتلئتان بالدموع .. ترددت لثوانٍ قبل أن تضغط الرقم ..

في الطرف الآخر لم يطل الانتظار جاء صوت هادئاً… و لكنه حاد :
- نعم؟
انكسرت ليلى فور سماعه وقالت:
- حامد

ساد صمت لثانية قبل أن يرد:
- ماذا تريدين يا سيدة ليلى؟
لم تستطع التماسك أكثر .. انهمرت دموعها وقالت بصوتٍ مختنق:
- أرجوك .. أنا أحتاجك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تغيّر صوته قليلاً:
- ماذا حدث؟
- أدهم ..

توقفت وكأن الكلمة كانت ثقيلة على قلبها ثم تابعت:
- لقد أُصيب بطعنة و هو الآن في غرفة العمليات .. وضعه خطير جداً يا حامد و و ...

قبضت على الهاتف بقوة:
- المستشفى يفتقر لطبيب يستطيع التعامل مع حالته…

صمت حامد للحظة .. ثم قال ببطء:
- و لكن .. أنتِ هناك .. إختصاصنا واحد يا ليلى هل نسيتِ؟
أغمضت عينيها بقوة وهزّت رأسها وكأنه يراها ودموعها تسقط دون توقف:
- لا .. لا أستطيع .. إن دخلت وحدث له شيء تحت يدي .. لن أسامح نفسي طوال حياتي…

شهقت وهي تكمل:
- أنا خائفة .. لأول مرة في حياتي .. أخاف إلى هذا الحد

ساد صمت ثقيل ثم تنفّس حامد بعمق وقال بصوتٍ حاسم:
- جهّزوا غرفة العمليات .. أنا قادم فوراً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعت رأسها بسرعة وانقطعت المكالمة.

مرّ بضع دقائق بدت كأنها ساعات .. ثم فُتح باب المستشفى ودخل حامد بخطوات سريعة .. ملامحه جامدة وعيناه حادتان .. لم ينظر إلى أحد .. اتجه مباشرة نحو غرفة العمليات بينما اقتربت منه ليلى بخطوات مترددة وتوقفت أمامه .. نظرت إليه وعيناها تقولان كل شيء.

لم يقل شيئاً فقط أومأ لها بهدوء وكأنها كانت تلك الطمأنينة التي كانت تحتاجها بعد لحظات كان قد ارتدى زيّ العمليات و وقف أمام الباب للحظة ثم فتحه ودخل وأُغلق الباب خلفه.

عادت ليلى إلى مكانها ببطء وجلست وضمّت يديها إلى صدرها وأغمضت عينيها .. وهمست:
- يا رب .. تلطف به .. يا إلهي

بعد أن هدأت الفوضى قليلاً وابتعدت الأصوات الحادة إلى أطراف المكان .. وجدت حلا نفسها تتجه بخطواتٍ بطيئة نحو دورة المياه .. كانت يداها لا تزالان ترتجفان وملامحها شاحبة وكأن الحياة انسحبت منها دفعة واحدة.
وقفت أمام المغسلة لحظة تنظر إلى انعكاسها في المرآة .. لم تتعرف إلى نفسها .. ثم أغمضت عينيها وبدأت تتوضأ.
الماء البارد لامس وجهها وكأنه يحاول أن يوقظها من صدمةٍ لم تستفق منها بعد .. غسلت يديها التي شعرت أن الدم ما زال عالقاً بهما .. ومرّرت الماء على وجهها مرة أخرى ببطء بخشوعٍ ثقيل.
بعدها .. خرجت بهدوء وطلبت من إحدى العاملات إعارتها شالاً وسجادة للصلاة وفي زاويةٍ بعيدة من الممر حيث الضوء أخف والضجيج أقل .. فرشت السجادة ووقفت عليها…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعت يديها وكأنهما تحملان كل خوفها و ضعفها و رجائها.
كبّرت و دخلت في الصلاة .. صلت ركعتين خالصة ولكن قلبها كان يصرخ في كل سجدة .. لم تكن تقرأ فقط .. كانت تتشبث .. بكل آية .. بكل دعاء وبكل دمعةٍ سقطت على السجادة تحتها.
وعندما جلست في النهاية رفعت يديها مرة أخرى .. لم تقل الكثير و لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء .. كانت تدعو أن يعود .. أن يُقيمه الله سالماً .. أن لا تُؤخذ منه الحياة كما كادت تُؤخذ منها.

في الجهة الأخرى من الممر كانت رويدا تجلس إلى جانب ليلى وعيناها غارقتان بالبكاء ويداها لا تكفان عن الارتجاف والتسبيح

سندس ونور كانتا بجانبهما .. تتشابك أيديهما أحياناً .. وتنفصل أحياناً أخرى والدموع لا تتوقف .. كل واحدةٍ منهن تحاول التماسك ولكن الخوف كان أكبر من كل محاولات الصبر.

ليلى كانت تجلس بصمت وعيناها مثبتتان على باب غرفة العمليات وكأنها تخشى أن تنظر إلى أي مكانٍ آخر فيختفي الأمل.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت الوجوه تتوافد .. دخل والده بخطواتٍ متسارعة وملامحه متوترة وعيناه تبحثان فوراً عن أي خبر .. تلاه أعمامه .. ثم أخته الكبرى جنات التي لم تستطع إخفاء انهيارها وهي تسرع نحوهن وتضمهن بكل قوتها وهي تبكي .. وبدأ المكان يمتلئ أصوات خافتة .. همسات قلق ودعواتٍ متقطعة .. الممر الذي كان بارداً قبل قليل .. صار الآن مزدحماً بالعائلة و بالخوف و الانتظار.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

الجميع اجتمع .. ليس لأنهم اختاروا ذلك بل لأن قلباً واحداً كان يقاتل الآن خلف ذلك الباب .. لم يكن أدهم مجرد فردٍ في العائلة .. بل كان قلبها النابض .. السند الذي تميل عليه حين تضعف .. والابتسامة التي تُعيد الحياة لوجوههم .. لذلك لم يكن قلقهم عليه مبالغاً فيه .. بل كان خوفاً بحجم المكانة التي يحتلها في أرواحهم.

لم تمضِ الدقائق ولا حتى الساعات كما ينبغي .. كان الوقت في ذلك الممر يسير بثقلٍ قاتل و كل ثانيةٍ تمرّ كأنها تُسحب من أعصابهم سحباً .. الأنظار كلها كانت معلّقة على باب غرفة العمليات .. لا أحد تجرأ أن يبتعد ولا أحد امتلك الشجاعة ليسأل وفجأة صدر صوت فتح الباب .. التفتت الرؤوس كلها في اللحظة نفسها وتوقفت الأنفاس و خرج حامد بخطواتٍ بطيئة .. يده ترتفع نحو وجهه وهو ينزع الكمامة الطبية وعلى ملامحه تعبٌ واضح و لكن لم يكن ذلك التعب وحده.
اندفع الجميع نحوه دفعة واحدة .. حتى والده وأعمامه اقتربوا بسرعة وكأنهم يخشون أن يضيع منهم الجواب إن تأخروا لحظة أما حلا بقيت واقفة بعيداً وحدها تنتظر أن ينطق حامد ويعطيهم الخبر

تعلقت العيون به وبشفتيه .. قبل أن ينطق أخذ نفساً عميقاً ثم قال بصوتٍ هادئ و لكنه كان كفيلاً بأن يهز المكان كله:
- العملية نجحت… الحمدلله.

تجمّد الجميع لثانية وكأنهم لم يستوعبوا الجملة بعد ثم أكمل:
- استطعنا إيقاف النزيف الداخلي ووضعه الآن مستقر.
شهقة خرجت من أكثر من جهة ويدٌ ارتفعت لتغطي فماً وأخرى انهمرت منها الدموع فجأة .. تابع حامد بصوته المتعب:
- ولكنه نُقل إلى غرفة العناية المركزة وسيبقى تحت المراقبة في الساعات القادمة.

لم يكن أحد يستمع لبقية التفاصيل فقط تلك الجملة الأولى "نجحت العملية…" وكأنها أعادت الروح إلى المكان في لحظة واحدة .. امتلأ الممر بأصوات متداخلة:
- الحمدلله…
- يا رب لك الحمد…
- الحمدلله …
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتفعت الأيدي بالدعاء .. وانفجرت الدموع ولكن هذه المرة لم تكن دموع خوف بل دموع نجاة

أما حلا لم تتحرّك .. بقيت واقفة في مكانها وكأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها وعيناها معلّقتان بـ حامد دون أن ترمش .. حين سمعت الجملة " العملية نجحت" لم تبكِ مباشرة بل شعرت وكأن شيئًا ثقيلاً كان يضغط على صدرها قد انكسر فجأة.
تسلّل الهواء إلى رئتيها لأول مرة منذ ساعات وربما منذ تلك اللحظة التي سقط فيها أدهم بين يديها ..

اقتربت رهف منها وضمتها براحة بينما ارتجفت شفتا حلا واهتزّ جسدها بخفة ثم انهمرت دموعها بصمت دون صوت أو شهقة .. فقط دموع طويلة ودافئة تحمل كل الخوف الذي كتمته .. رفعت يدها إلى صدرها تضغط عليه وكأنها تتأكد أنه ما زال ينبض ثم أغمضت عينيها ورفعت يديها وبادلت رهف حضنها وهمست :
- لم يتركني يا رهف .. لقد وفى بوعده لي

...

بعد أن هدأ الوضع قليلاً وعادت نصف عائلة أدهم إلى منازلهم بعد ما اطمئنوا أنه بخير وفي غرفة العناية المركزة .. كان كل شيء يبدو مختلفاً .. هادئاً بشكلٍ مخيف وكأن الزمن نفسه يتباطأ داخلها.
الأضواء البيضاء الباردة تنعكس على الأجهزة المحيطة بالسرير وأصوات النبض المنتظمة تملأ الفراغ بنغمة رتيبة لا تتغير.

كان أدهم ممدداً على السرير بوضعية جانبية خفيفة .. جسده مائل بحذر لتجنب الضغط على الجرح في ظهره .. الضمادات السميكة تغطي موضع الطعنة وقد امتد جزء منها إلى كتفه. أنبوب المصل متصل بيده وأسلاك الأجهزة مثبتة على صدره ترصد نبض قلبه وتنفسه .. وجهه كان شاحباً بشكلٍ مؤلم .. شاحب لدرجةٍ جعلت ملامحه تبدو أهدأ مما اعتادت رؤيته وكأنه غارق في نومٍ عميق لا نهاية له .. شفتاه باهتتان وأنفاسه تخرج ببطء عبر قناع الأكسجين بالكاد تُرى.

وقفت حلا عند باب الغرفة للحظات .. لم تستطع التقدم فوراً .. عيناها علقتا به وكأنها تحاول أن تستوعب أن هذا الجسد الساكن هو نفسه الذي كان منذ ساعات فقط يقف أمامها و يحميها .. خطت خطوة ثم أخرى حتى اقتربت من السرير .. ارتجفت أنفاسها ورفعت يدها ببطء و لكنها توقفت قبل أن تلمسه .. خافت أن تؤذيه حتى بلمسة.
نظرت إلى الضمادات و إلى الأجهزة و صدره الذي يرتفع وينخفض ببطء .. ثم همست بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع:
- أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لكن لا جواب .. انكسرت ملامحها فجأة وكأنها لم تعد قادرة على التماسك أكثر .. امتلأت عيناها بالدموع سريعاً وانزلقت أول دمعة على خدها دون أن تحاول إيقافها .. اقتربت أكثر وانحنت قليلاً بجانبه ويدها أخيراً لامست أطراف أصابعه بحذر شديد .. كأنها تخشى أن يختفي إن ضغطت أكثر.

ارتجفت شفتيها وهي تنظر إليه:
- لماذا فعلت ذلك ؟
شهقت بخفوت وانهارت دموعها أكثر:
- لماذا حميتني ؟
شدّت على يده قليلاً .. كأنها تستنجد به رغم أنه الغائب:
كان يجب أن أكون أنا أنا ممدة على هذا السرير و ليس أنت…

انحنت أكثر وأسندت جبينها برفق على طرف السرير قرب يده وكتفاها يرتجفان بصمت .. كانت تبكي دون صوت تقريباً و لكن الألم في داخلها كان أعلى من أي صراخ .. كل ما كانت تراه أمامها لم يكن مجرد جرح .. كان نتيجة اختيار.
اختياره أن يأخذ الطعنة بدلاً عنها .. فجأة فُتح باب الغرفة لتنتفض حلا وتتفاجئ بـ رويدا تقف عنده وهي تنظر إليها بنظراتٍ غريبة .. تلك النظرات التي لم تستطع تفسيرها بعيون أهل أدهم .. وقفت ولفت بكامل جسدها اتجاهها وقالت:
- لقد كنت .. أطمئن عليه فقط
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ردت رويدا بحزم:
- أخرجي من هنا

ضمت حلا شفتيها وهزت رأسها بالإيجاب ومشت اتجاه الباب وتجاوزتها ولكن قبل أن تقفل الباب سمعتها تقول بنبرةٍ غاضبة :
- حبذا لو تخرجي من حياته كلها أيضاً

ثم أقفلت الباب بوجهها لتقف حلا مصدومة من كلمتها الأخيرة .. مشت اتجاه غرفة الاستقبال وجلست على المقعد بشرودٍ واضح .. جلست في غرفة الاستقبال وعيناها شاردتان في الفراغ وكأنها لم تعد ترى ما حولها .. كانت الكلمات التي سمعتها لا تزال تتردد في داخلها ثقيلة .. جارحة و لا ترحم. وضعت يديها في حضنها وأطبقت أصابعها على بعضها بقوة محاولة أن تمنع نفسها من الانهيار .. لم تشعر بمن يقترب إلا حين ظهر ظل رهف أمامها .. كانت رهف تحمل كأسين ينبعث منهما بخار خفيف .. توقفت للحظة وهي تراقب حلا .. ثم لاحظت تلك الدمعة العالقة في عينيها .. لا تسقط ولا تختفي.

تقدمت ببطء وجلست بجانبها ووضعت أحد الكأسين أمامها ثم قالت بنبرة خفيفة:
- ما بكِ

التفتت حلا إليها ببطء ونظرت لها نظرة قصيرة ثم هزّت رأسها نافية:
- لا شيء
رفعت رهف حاجبها وحدّقت بها قليلًا قبل أن تقول بنبرة فيها شيء من العتب :
- أتظنين أنني سأصدقك إن قلتِ لا شيء !

سكتت لحظة ثم أضافت وهي تراقب ملامحها :
- كأنني رأيت خالتي رويدا لحقتك إلى غرفة أدهم

انخفضت عينا حلا قليلًا ثم قالت بصوت خافت :
- نعم انها هناك الآن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعت رهف الكأس إلى شفتيها وأخذت رشفة صغيرة ثم قالت فجأة وكأنها وصلت إلى استنتاج :
- وهل قالت لك شيئًا أزعجك ؟

رفعت حلا نظرها إليها ولم تجب مباشرة .. نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تقول كل شيء .. تنهدت رهف وأبعدت الكأس قليلًا ثم قالت بجدية أكبر :
- لاحظت نظراتهم لك وكأنهم يضعون كل اللوم عليك

سكتت حلا وشعرت بشيء ينقبض في صدرها ولكن رهف لم تترك لها مجالًا للانسحاب اقتربت أكثر وقالت :
- اسمعي أنا لا أقول إنهم على حق .. لكنهم خائفون وموجوعون وابنهم الآن بين الحياة والموت .. سيبحثون عن أي شيء يعلّقون عليه ألمهم

ابتلعت حلا ريقها بصعوبة وهمست :
- لكنني لم ...
قاطعتها رهف بهدوء وهي تضع يدها فوق يدها :
- أعلم وأنا أصدقك .. وأدهم أيضًا يصدقك .. وهذا هو الأهم

ثم مالت قليلًا لتلتقي بعينيها مباشرة وأضافت بنبرة مشجعة :
- لكن خالتي رويدا لا تعرف .. لم تسمع قصتك و لم تر ما رأيناه .. هي ترى فقط أن ابنها كاد أن يموت وهو يبحث عنكِ
ارتجفت شفتا حلا وقالت بصوت مكسور :
- طلبت مني أن أخرج من حياته كلها

ساد الصمت لثوانٍ ثم شدّت رهف على يدها قليلًا وقالت بحزم :
- وهل ستفعلين ؟

نظرت إليها حلا بسرعة وعيناها تمتلئان بالرفض لكنها لم تتكلم .. ابتسمت رهف ابتسامة خفيفة وقالت :
- إذن لا تجلسي هنا وتبكي كالحمقاء .. اذهبي إليها تحدثي .. دافعي عن نفسك وأخبريها من أنت ومن كان أدهم بالنسبة لك

ثم أضافت بهدوء :
- لا تدعيها تحكم عليك من نصف الحقيقة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت حلا إلى الكأس أمامها ثم إلى يديها ثم أغمضت عينيها للحظة وكأنها تجمع شتات قوتها .. في تلك اللحظة لم تعد مجرد فتاة مكسورة .. بل شخصًا عليه أن يقاتل لا لأجل نفسه فقط .. بل لأجل أدهم الذي أنقذ حياتها وحياة من تحب .. وضعت الكوب من يدها ووقفت لتسألها رهف باستغراب:
- إلى أين؟
- سأفعل ما يتوجب عليّ فعله .. لن أؤجله

قالت تلك الكلمات ومشت بعيداً عن رهف التي ابتسمت وارتاحت على الكرسي وهي تشرب من كأسها بهدوء .. فجأة شعرت بأحدٍ وقف بجانبها لتلف رأسها وتتفاجئ بـ وائل .. ارتفعت دقات قلبها وهي تنظر بعينيه وتبادله نظراته المشتاقة .. تمالكت نفسها وأزاحت رأسها وقالت:
- لماذا عدت ؟
رد بهدوء:
- لم أذهب حتى أعود

سادت لحظة صمت ثقيل بينهما قبل أن تتنهد رهف ببطء وتشيح بنظرها عنه وتسأله:
- إذًا ماذا تريد

اقترب وائل خطوة وقال بصوت منخفض وكأنه يخشى أن يكسر ما تبقى بينهما :
- أريد أن أتحدث معك فقط .. هذا كل شيء

أطلقت رهف ضحكة قصيرة ثم هزّت رأسها وقالت:
- كعادتك .. ستبرر فعلتك؟

تجمدت ملامحه للحظة لكنه لم يتراجع وقال :
- رهف .. أعلم أنكِ غاضبة ...

قاطعته بسرعة ونظرت إليه بحدة :
- غاضبة فقط؟ أنت حقًا تعتقد أن ما أشعر به مجرد غضب؟

سكت وائل وعيناه تراقبانها بتركيز بينما تابعت بصوتٍ يرتجف رغم محاولتها التماسك :
- لقد كنتَ هناك ورأيت كل شيء .. رأيت كيف وقف أدهم أما سكين مؤيد دون تردد .. كيف أخذ الطعنة بدلاً عن حلا .. كيف لم يفكر بنفسه لحظة .. هذا ما يُسمّى رجلًا يا وائل .. هذا ما يُسمّى حماية .. هذا ما يُسمّى حب

أخفض وائل نظره وكأن كلماتها أصابته في مكانٍ يعرفه جيدًا
وقفت واقتربت منه خطوة وصوتها أصبح أكثر هدوءاً لكنه أشد :
- أما أنت .. فقد خذلتني ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفع وائل عينيه إليها بسرعة وقال:
-لم أخذلكِ
- بل فعلت .. الحب لا يكون فقط كلاماً أو استرداد كرامة ونسج الأكاذيب حتى تثبت أنكَ على حق .. حتى لو كنت حقاً على حق .. بالإضافة أنني عندما احتجتك حقاً لم تكن هناك .. عندما كنت أواجه الخطر .. كنت وحدي

ارتبك صوته وهو يحاول التبرير :
- أعترف أنني أخطأت وأقر بذلك .. لم يكن يجب أن تصل الأمور إلى هنا .. اعتقدت أنني أفعل الصواب و ...
قاطعته بحدة :
- دائماً لديك عذر ..
حل الصمت بينهم لحظة قبل أن تضيف بصوتٍ منخفض :
- لا أعرف إن كان يجب عليّ مسامحتك أصلاً .. حتى أدهم كذب ولكن كذبه كان من أجل حمايتها لا من أجل أذيتها

ساد الصمت ث قيلًا هذه المرة لا يقطعه سوى أنفاسهما .. تقدم وائل خطوة أخرى .. هذه المرة أقرب من قبل وقال بصوتٍ صادق :
- لا تقارني بيني وبينه

نظرت إليه مباشرة وسألته دون تردد :
- ولما لا ؟ بماذا تختلف عنه؟
- لأنني لست أدهم .. ولن أكون مثله فقط لأنك تريدين أن أكون مثله ..

أجابت بهدوء موجع
- وأنا لا أريدك أن تكون أدهم .. كنت فقط أريدك أن تكون صادقاً معي
- لطالما كنت صادقاً معكِ .. عليكِ أن تفهمي أن كل إنسان يحب بطريقته .. ويجب أن تفهمي أنني لم أحب بالكلام فقط .. بل سعيت وتصرفت بالذي رأيته صواباً حتى لو كان بالنسبة لكِ خطأً .. ولو سألتي أهل أدهم إن كان ما فعله صواباً .. سيقول أنه ارتكب خطأً كبيراً بالذي رآه صواباً

ارتجفت ملامح رهف .. وكأنه أصاب الحقيقة التي كانت تهرب منها ليتابع:
- رهف .. أنا أخطأت .. أعلم .. لكن هذا لا يعني أنني لم أحبـ ...
رفعت يدها لتوقفه دون أن تنظر إليه هذه المرة وقالت باندفاع:
- لا .. لا تقلها الآن .. لأنني إن سمعتها الآن منك .. لن أصدقها

أخذت نفسًا عميقاً ثم قالت بصوتٍ أكثر هدوءً :
- أنا متعبة يا وائل .. ربما نتحدث لاحقاً
- متى لاحقاً
- اتركها للأيام ..
ثم نظرت إليه أخيرًا .. نظرة مليئة بشيء يشبه الحنين و لكنه محاصر بالألم ثم استدارت ببطء ومشت بعيداً عنه ليبقى وائل واقفاً في مكانه .. يراقبها وهي تبتعد دون أن يجد شيئاً يقوله .. منتظراً تلك الأيام التي ربما تصلح ما انكسر بينهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

...

في الجهة الأخرى عادت حلا بهدوء إلى غرفة أدهم .. طرقت الباب بتردد ووقفت لحظات حتى سمحت رويدا لها بالدخول .. فتحت الباب ورأتها جالسة وهي تحمل مصحفاً صغيراً وتنظر إليها ذات النظرة .. أقفلت رويدا المصحف وقالت:
- ماذا تريدين؟
- هل يمكنني الدخول؟
سكتت رويدا وبقيت تنظر بها بعيون متعبة من كل ما شهدته خلال الساعات الماضية.. ابتلعت حلا ريقها بخوف ولكنها كانت مصرّة على أن تحكي كل شيء لـ رويدا .. دخلت وأقفلت الباب خلفها وقالت:
- سأدخل حتى لو لم تسمحي لي
ثم اقتربت منها ووقفت أمامها مباشرة .. كانت ملامح رويدا مشوّبة بالقلق والخوف على ابنها و لكن الغضب واللوم ما زالا يخفيان وراء نظراتها .. بدأت حلا بصوت منخفض .. كل كلمة انتقتها بعناية وكأنها تروي قصة حياتها الطويلة في دقائق:
- سيدة رويدا
قطبت رويدا حاجبيها بينما تشجعت حلا وتابعت:
- اسمحي لي بالتحدث معكِ من سيدة لأخرى وانسي أنني في عمر بناتك .. أريدك أن تسمعي كل شيء من البداية حتى النهاية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتلعت رويدا ريقها بصعوبة وقالت بحدة مخنوقة:
- حسنًا أنا اسمعكِ .. اجلسي

هزّت حلا رأسها وسحبت كرسياً وجلست قبالتها .. ثم بدأت تسرد وصوتها مثقل بالألم وارتجافٍ خافت :
- منذ أن فتحت عيني على هذه الحياة لم أعرف معنى الأمان يوماً .. خسرت أمي مبكراً وتركني والدي بلا رحمة لأجد نفسي في بيت رجلٍ لم يرَ فيّ إلا عبئ .. زوّجني إياه دون أن يسألني أو حتى ينظر في عيني

توقفت لحظة وابتلعت غصتها قبل أن تكمل :
- لم يكن زواجاً .. كان سجن .. كنت أعيش مع رجلٍ قاسٍ وبارد .. كلما فشل في أن يكون رجلاً حقيقياً .. كان يحاول أن يخفي عجزه بالقسوة والضرب .. لم أعرف معه إلا الخوف ولا لمست منه يوماً حناناً أو رحمة

انخفض صوتها أكثر وكأنها تعيش اللحظات من جديد :
- كنت أُهان وأُكسر وأُترك وحدي أواجه كل شيء .. لم يكن لي أحد ولا مكان أهرب إليه .. حتى ظننت أن هذا قدري وأنني سأبقى هكذا إلى الأبد

رفعت عينيها ببطء وقد لمعتا بالدموع وتابعت :
- إلى أن وصلت إلى ذلك الجحيم .. كنت خائفة وعاجزة .. لا أملك شيئًا سوى ألمي

توقفت لحظة ثم تابعت بصوتٍ أكثر ثباتاً رغم ارتجافه :
- في يومٍ من الأيام .. استيقظت لا أتذكر شيئاً .. وجدت نفسي مع شخصٍ لا أعرفه .. أعيش حياةً جديدة لم أكن أعلم أنني لم أكن أعيشها من قبل .. حسناً ربما في أول عدة أيام لم اتذكر شيء .. أجلس مع شخص قال لي أنه أخي .. بعدها بدأت ذاكرتي تعود شيئاً فشيئاً وصدمت بالواقع .. ولكن بعد أن ذقت طعم الأمان لأول مرة ..

غرغرت الدمعة بعينيها الشاردة وتابعت بغصة بينما رويدا تسمعها بتركيز ودهشة وكأنها تسمع هذه القصة لأول مرة:
- لهذا خفت أن أعترف بأن ذاكرتي عادت .. خفت أن يتركني أدهم ويرحل وأعود إلى ذلك الجحيم .. ومشيت في كذبتي مثله .. لأنه لم يعترف بأنني لم أكن أخته يوماً .. بل جارته التي أنقذها من زوجها المتوحش وأبعدها عنه .. أدهم كان هناك .. لم يقترب مني لحظة .. ولم يحاول أن يستغل ضعفي و لم يرتكب أي فعل غير أخلاقي .. كان أماناً بالنسبة لي و كنت أشعر بحمايته في كل خطوة

ارتجفت شفتاها وهمست :
- لم أرَ في حياتي تلك الحنية التي رأيتها عنده .. ولم أرَ أحداً يحمي مثله .. كان أول إنسان يجعلني أشعر أنني إنسانة .. لست شيئاً يُكسر ويُرمى
سكتت لحظة و كأنها تحاول استعادة الأنفاس ثم أضافت:
- سيدة رويدا .. أبي كان بلا رحمة .. تركني ورماني في هذا العالم الموحش لوحدي مع شخصٍ عقيم لا يعرف الرحمة ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم نظرت إلى ادهم وتابعت:
- كان أدهم هو طوق نجاتي الوحيد الذي منحني شعوراً بالأمان والكرامة

رفعت رويدا يدها إلى وجهها لتمسح الدموع التي بدأت تنهمر من دون إذنها .. الصوت المرهق لحلا استمر:
- لقد اضطر للكذب ليحميني .. ليبعد عني الخطر .. و لكنه لم يقترب مني أبداً إلا بالاحترام الكامل أقسم على هذا .. لم يكن بيننا أي سوء نية .. لم أرَ رجلاً في حياتي كهذا .. عندما كنت أجلس بيني وبين نفسي أتسائل .. أي أمٍ تلك التي يملكها أدهم حتى جعلته بتلك الأخلاق الحميدة .. جعلته يقلد الأنبياء بعفتهم وصدقهم وأمانتهم .. شهادتي مجروحة بكِ يا خالة ولكن سأقولها من منظور فتاةٍ ذاقت الخوف وعدم الأمان .. لقد كان أدهم نعم الأمان ورمزاً للرجولة التي أصبحت نادرة هذه الأيام .. وقد أثمرت تربيتكِ به

انحنت رويدا قليلاً .. الصمت ملأ الغرفة وكأن الكلمات التي قالتها حلا قد كسرت صخور الحقد في قلبها .. ثم قالت بصوت خافت ومخنوق :
- هل تعلمين أنني لست متفاجأة من كلامك .. منذ كان صغيراً وهو يمتلك تلك الصفات الجميلة .. لطالما رفع لي رأسي وجعلني فخورة به أمام الناس بسبب كثير من المواقف التي مر بها .. بالإضافة لحنيته وحبه لشقيقاته واحترامه لنا ولهم

نظرت به ونزلت دمعتها وقالت:
- أنا فقط خفت أن أخسره .. فهو وشقيقاته أغلى ما أملك

أمسكت حلا بيدها بهدوء ثم همست:
- هذا حقك .. لو كنت مكانكِ وكان لدي ولد كـ أدهم ..كنت سأخاف عليه مثلكِ و ربما أكثر .. إنه شابٌّ قوي و أخلاقه ونُبل قلبه جعلاه يقف في وجه كل شيء .. لذا اطمئني عليه .. سيتجاوز هذا من أجلك ومن أجل شقيقاته ووالده

صمتت لحظة ثم ارتجفت شفتا رويدا قبل أن تنطق بصوت لا يكاد يُسمع:
- صحيح .. إنه قوي .. ولكنه بنظري ما يزال صغيري الذي أخاف أن تجرحه شوكة من وردة
ابتسمت حلا ابتسامة ضعيفة و لكنها مليئة بالراحة وقد شعرت أن قلب رويدا قد لين بعد كل ألمٍ وحقدٍ مضى .. نظرت رويدا بـ حلا وسحبتها فجأة لأحضانها وقالت:
- لا أريدك أن تناديني بـ سيدة رويدا مرة أخرى .. نادني خالتي كما تفعل رهف .. فأنتِ أصبحتِ بمعزّتها عندي

نزلت دمعة وحيدة من عين حلا ورفعت يديها وحضنتها بدورها .. جلستا معاً صامتتين لكن محاطتين بشعورٍ من الفهم والطمأنينة .. وكأنها ولادة جديدة لعلاقة بدأت بالثقة والاحترام بعد سنوات من الألم والغياب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

...

مرّت الساعات ببطءٍ قاتل ثم تحوّلت إلى يوم ثم يومٍ آخر ولكن لم يتغير شيء .. أدهم ما يزال ممدداً في سريره داخل العناية المركزة والأجهزة تحيط به وصوت النبض المنتظم هو الشيء الوحيد الذي يؤكد أنه ما يزال هنا.

كانت حلا تجلس إلى جانبه لم تترك مكانها إلا نادراً .. عيناها متعبتان وملامحها شاحبة من السهر والبكاء.
يدها لم تفارق يده منذ ساعات .. تمسك بها كأنها خيطها الوحيد للبقاء .. كانت تحدّق في وجهه بصمت تراقب كل تفصيلة و كل نفس وكل حركة صغيرة .. وفجأة…
تحرّك إصبعه لتتجمّد وتحبس أنفاسها .. حدّقت بيده و ظنّت لوهلة أنها تتخيل و لكن تحرّك مرة أخرى .. رفعت رأسها بسرعة و عيناها اتسعتا واقتربت منه أكثر:
- أدهم…؟

همست باسمه وكأنها تخاف أن تخيفه إن رفعت صوتها .. ثم ارتجفت جفونه .. نبض قلبها تسارع بشكلٍ جنوني وقالت:
- أدهم .. هل تسمعني .. أنا هنا

اقتربت أكثر و يدها تمسك بيده بقوة الآن و كأنها تخشى أن يعود للغرق إن تركته .. ببطءٍ شديد فتح عينيه .. كانتا ضبابيتين وتائهتين وكأنه يحاول أن يعود من مكانٍ بعيد.
رمش ببطء وتحرّكت عينه قليلاً حتى استقرت عليها .. لحظة تجمّد الزمن فيها .. شهقت حلا وانهمرت دموعها فوراً
ابتسم ابتسامة خفيفة و متعبة بالكاد تُرى وشفتيه تحركتا بصعوبة وصوته خرج هامساً و مكسوراً:
- هل أنتِ .. بخير ؟

انهارت تماماً .. ضحكة باكية خرجت منها وسط دموعها:
- نعم أنا بخير .. بفضلك أنت

شدّت على يده أكثر وانحنت نحوه وقالت بلهفة :
- سأذهب لأنادي الطبيب
حاولت أن تسحب يدها لكن أصابعه تحرّكت وتمسكت بها بضعف أوقفها في مكانها وهمس بصعوبة :
- لا تذهبي

تجمّدت ونظرت إليه بدهشة وقلق وقالت:
- أدهم يجب أن أ ...
قاطعها بصوتٍ واهن :
- ابقي .. معي
ترددت لحظة ثم جلست من جديد قربه دون أن تترك يده
اقتربت أكثر وقالت بصوتٍ منخفض :
- أنا هنا .. لن أذهب

نظر إليها طويلاً وكأنه يتأكد أنها حقيقية ثم قال بصعوبة :
- كنت خائفاً .. أن لا أراكِ مرة أخرى
اهتزّ قلبها بقوة وهمست :
- وأنا .. كنت خائفة أن أخسرك
ساد صمت قصير ثقيل لكنه دافئ هذه المرة .. تنفّس أدهم ببطء ثم قال وكأنه يجمع ما تبقى لديه من قوة :
- حلا .. أنا آسف لأنني كذبت عليكِ
ارتجفت أنفاسها قليلاً لكنها لم تُبعد نظرها عنه :
- كنت أعرف أنك لم تكن أخي منذ البداية لأنني لم أكن فاقدة للذاكرة أصلاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتسم ابتسامة ضعيفة وقال:
- كنتُ أشك .. أنكِ تمثلين فقدان الذاكرة بسبب تصرفاتكِ وغيرتك عليّ
- ولماذا لم تقل شيئاً ؟
نظر إليها بإرهاق:
- لأنني .. أردتُكِ أن تبقي معي .. لم أرغب في كسر عفويتك وكبت غيرتكِ الجميلة تلك

ضحكت وقالت بصوتٍ خافت :
- تظاهرت بذلك فقط لأبقى قريبة منك .. ليس فقط لأنني لم أكن أملك مكاناً آخر أذهب إليه .. لأنك ..
توقفت لحظة وابتلعت غصتها و أكملت:
- لأنك كنت الأمان الوحيد الذي عرفته
أغمض عينيه لثوانٍ وكأن كلماتها وصلت لعمقه ثم فتحهما مجدداً ونظر إليها نظرة مختلفة و قال:
- إذًا كنا نخدع بعضنا
ابتسمت و ردت:
- ربما و لكننس لم أكذب بما أشعر به اتجاهك
تأملها طويلاً ثم شدّ على يدها بضعف وسألها:
- وبماذا تشعرين اتجاهي ؟

ارتفعت نبضاتها وأنفاسها وهي حائمة في نظراته المتعبة وعينيه اللامعة و ردت:
- أنني .. أحبك

ابتسم ورفع يده ولمس خدها بأطراف أنامله وقال:
- وأنا لا أحبكِ
قطبت حاجبيها بينما تابع بهمس:
- بل أعشقكِ

توسعت ضحكتها ليقول:
- ابقي .. معي
اقتربت أكثر وانحنت نحوه حتى كادت جباههما تتلامس و ردت:
- لن أتركك أبداً
ظل ينظر إليها وكأنه يتمسك بها قبل أن يسرق التعب ما تبقى من وعيه .. لكن هذه المرة لم يترك يدها ولم تتركه هي أيضاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

.....................

مرّت سنتان منذ تلك الليلة التي كاد فيها القدر أن يفرّقهم إلى الأبد .. لكنّه اختار أن يمنحهم حياةً أخرى .. فالتقت القلوب التي أنهكها الألم عند باب النجاة .. وجدت حلا في أدهم وطنًا آمناً ووجدت رهف في وائل فرصةً ثانية للحب .. وبينهما كانت ليلى الحضن الذي رمّم ما تبقّى منهم حتى صاروا عائلةً لا تجمعها الدماء .. بل المحبة والصدق والعاطفة

اليوم كان اليوم الذي جمعهم أخيراً .. وسط الأهل والأصدقاء و في قاعةٍ ازدانت بالأنوار والزهور والفرح وقف أدهم عريساً وإلى جانبه حلا التي وجدت فيه وطنها بعد التيه بثوب زفافها الأبيض الذي طالما حلمت به .. يمسكان بأيدي بعضهما ويلوحان للأهل .. تبادلت الابتسامات بين الوجوه .. وصفق الجميع لهم .. رويدا التي اتخذت حلا في السنتين الأخيرتين ابنتاً لها ودعمتها معنوياً خلال فترة خطبتها على أدهم وبقيت بجانبها حتى تخرجت من مركز محو الأمّية .. كانت تبكي فرحاً بعد أن رأت ابنها عريساً يقود عروسته لمنزله ليستقر أخيراً .. أما شقيقاته فكنّ فرحاتٌ لفرحه ..

أما شقيقاته فكنّ فرحاتٌ لفرحه .. يكفي أنهم يروه سعيداً حتى يشعرن بالارتياح .. أما ليلى فكانت تمسح دمعتها وهي ترى ابنتها الأخرى تزفّ عروساً للذي اختاره قلبها ..

اما رهف فكانت تقف وحيدة .. بعيدة عن الجميع وهي تنظر بـ حلا بعينين ملآ بالدموع .. تبتسم بحزن وكأنها ستفارق قطعة من روحها .. قلبها لم يستطع أن يتجاهل ما حدث قبل سنوات .. ولم يتخطى ذلك الشعور بالعجز الذي كان ينتابها كلما تعرضت حلا للضرب والتعذيب .. عندما اختلت مع مؤيد وذاقت ضرباته الموجعة .. كان يؤلمها قلبها وخاصة بعد أن أدركت أن حلا كانت تذوق تلك الضربات كل يوم خلال ثلاث سنوات ومع ذلك لم تستطع معاقبة مؤيد وضربه .. غرقت عينيها بالدموع وهمست:
- تستحقين حياةً جيدة خالية من الألم يا أختي

تنهدت ومشت اتجاههم واقتربت من حلا وهي متكتفة تمثل أنها عابسة .. اقتربت حلا وسألتها:
- ولما ترسمين تلك الملامح المتجهمة الآن !.. ألا ينبغي أن تكوني سعيدة بعرس شقيقتك ؟

- او حقاً .. وكيف تريدينني أن أكون سعيدة وانت تتركتنني وتذهبين مع أدهم؟

ضحكت حلا بخفة وهي تداعب رهف بابتسامة ساخرة:
- يا رهف .. يا عزيزتي .. هذه سنّة الحياة ولا بد لنا من الفراق ؟
هزت رهف رأسها وهي تبتسم :
- حسناً .. إذاً سأحجز بطاقة سفر أخرى باسمي لأذهب معكم في شهر العسل
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

في هذا الوقت انتبه أدهم إلى كلمتها التي قالتها والتفت اليها وقال بتساؤل:
- ماذا تريدين أن تفعلي؟
ردت رهف:
- كما سمعت .. سأذهب معكم
كشر أدهم وسحب حلا لخلفه وقال:
- ألا يكفي مافعلته بنا أيام الخطوبة .. ألا تذكري كيف كنتِ تمنعينني من الجلوس معها ومكالمتها دون أن تراقبينا؟ كنتِ كالشوووكة في حلقي

ردت رهف باسمة:
- هذا أقل واجب يا سيد أدهم .. أم أنك كنت تعتقد أنني سأترك أختي تجلس معك وحدها وأنا أعرفها غبية ولا تستطيع التحكم في مشاعرها وهي معك

تجمد أدهم مكانه بينما عضت حلا على شفتيها حتى تسكتها .. رد أدهم:
- والآن ما حجتكِ آنسة رهف ؟

قطبت رهف حاجبيها و ردت:
- كنت أرغب بالذهاب في رحلة استجمام
- إذهبيها مع خالتي ليلى واتركينا أنا وحلا وشأننا
قال هذه الكلمات وأمسك بيد حلا وسحبها نحو السيارة بسرعة ليركبا فيها .. أدار أدهم المحرك ونظر بـ رهف وقال:
- أراكِ لاحقاً يا ابنة خالتي

ثم تحركت السيارة تاركاً رهف تأكل نفسها غيظاً .. كورت يديها وضربت قدمها بالأرض وقالت بقهر وهي تصك أسنانها :
- لقد أخذ أختي منيييي .. كم أكرهك يا ادهم .. كان يجب عليّ ترك مؤيد يقتلك

فجأة لمع بعينيها نورٌ أتى من السماء لترفع رأسها وتتفاجئ بمجموعة كبيرة من طائرات الدرون التي شكلت في السماء اسمها " رهف " .. ثم كلمة " أنا أحبك " .. ثم كلمة " هل تتزوجينني ؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتفعت نبضات قلبها وهي تنظر بالسماء بدهشة .. أخيراً شعرت بشخصٍ وقف خلفها لتبتلع ريقها وتلتفت وتجد وائل يقف أمامها بكامل أناقته .. ابتسم وأمسك يدها وقبلها بكل احترام ثم عاد للنظر بعينيها اللوزيتين وقال:
- ماذا قلتِ

بقيت شاردة بعينيه بذهول .. لم تتوقع منه هذه الحركة .. تمالكت نفسها وقالت:
- ولكنني أرغب في إكمال دراستي الآن يا وائل
ضحك بهدوء وقال:
- لا بأس وأنا لست مستعجلاً .. فقط رغبت بمعرفة رأيك

تكتفت وقالت بانزعاج :
- إذاً هو ليس طلباً حقيقياً للزواج؟
ابتسم وقال:
- ماذا تريدينه أن يكون مجرد تجربة أم غير ذلك
ضربته على كتفه بخفة وقالت:
- وهل ترى مشاعري لعبة بيديك !!

ضحك ونزل على ركبته لتنصدم وتعود دقات قلبها ترتفع بشكلٍ ملحوظ حتى اعتقدت أنه سيخرج من مكانه وقالت:
- و ولكن مـ ماذا تفعل الآن ؟

أخرج علبة حمراء وفتحها ليظهر فيها خاتم ذهبي لتقترب منه وتقول وهي تنظر حولها بإحراج:
- انهض انهض قبل أن يرانا أحد .. كف عن هذه التصرفات

رد وائل وهي يفكر:
- ماذا يقولون في مثل هذه المناسبة ؟
- قلت لك انهض

رد بسرعة:
- اه تذكرت احم .. أحِبُّكِ .. وأريد أن أمضي ما تبقّى من عمري إلى جانبك .. فهل تقبلين أن تكوني شريكتي؟

تجمّدت رهف للحظة وكأن الكلمات وصلت متأخرة إلى قلبها .. نظرت إليه طويلاً .. إلى اللحظة التي بدا فيها صادقاً تماماً دون تردد أو هروب .. ارتجفت شفتاها قليلاً قبل أن تبتسم رغم دموعها التي بدأت تتجمّع .. وقالت:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

- كم أنت .. غبي

ضحك بخفة وهو ما يزال على ركبته و رد:
-أعلم و لكنني غبي يحبك

تنهدت بعمق .. ثم هزّت رأسها وكأنها تستسلم أخيراً و ردت بعد أن أمالت رأسها:
- وهل تظن أنني بعد كل هذا .. سأرفض طلبك ؟

اتسعت ابتسامته لكنها أكملت بسرعة وكأنها تضع شروطها الأخيرة :
- ولكن دراستي أولاً .. ولا أريد أن يتغير شيء من أحلامي

أومأ فوراً دون تردد و رد:
- لن يتغير شيء .. بل سأكون أول من يدعمك .. أعدك بهذا

سكتت لحظة ثم مدّت يدها نحوه ببطء
- إذاً .. نعم .. أنا موافقة

لم ينتظر أكثر .. أمسك يدها ووضع الخاتم في إصبعها ثم نهض بسرعة وكأنه لا يصدق أنها وافقت .. وفي اللحظة نفسها دوّى التصفيق من حولهما
التفتت رهف بتفاجؤ لتجد الجميع يحيط بهم .. ليلى و رويدا و راجي وسندس ونور والجميع حتى حامد كان موجوداً .. وبينهم كانوا أدهم وحلا .. كان أدهم يبتسم بفخر وحلا تضع يدها على فمها متأثرة وليلى تنظر إليهم بعينين تلمعان بالرضا

قطبت رهف حاجبيها وقالت:
- ألم تكونا قد ذهبتما؟
ردت حلا بنبرة حالمة وهي تضم يديها على صدرها :
- وأفوت علي هذه اللحظة الرومنسية التي لا تكرر .. في أحلامكِ فقط سيحدث هذا

ضحكت رهف بخجل وضربت وائل على كتفه وقالت:
- كنتَ تعلم أنهم هنا؟

ابتسم بخبث و رد:
- طبعاً .. هذه لحظة لا تُفوَّت ثم إنني لم أكن لأجرؤ أن أقوم بحركة كهذه من دون أخذ موافقةٍ أمنية من أهلك
- يا لك من ماكر

هزّت رأسها بعدم تصديق و لكنها اقتربت منه دون وعي .. وكأن المسافة التي كانت بينهما يوماً لم تعد موجودة

في تلك الليلة .. لم يكن الفرح لعرسٍ واحد فقط .. بل لقلوبٍ تعلّمت أخيراً كيف تحب دون خوف وكيف تبقى دون أن تهرب
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

..............

في لحظة أخرى أكثر خصوصية ...

أغلق أدهم باب غرفة النوم خلفه والأنوار الخافتة تكسو الجدران باللون الذهبي الدافئ .. تبادل مع حلا نظرات صامتة وكل منهما يشعر بوزن السنوات الماضية بكل ألمها وخوفها وأملها الضائع.
اقترب منها ببطء ولامست يده يدها برقة وكأنه يخشى أن تتحطم هذه اللحظة الصغيرة التي حلم بها طوال هذا الوقت وقال بهمس:
- لا أصدق أننا هنا أخيراً .. أنتِ معي .. وأصبحتِ لي
ابتسمت حلا بخجل وكأن الكلمات وحدها لا تكفي للتعبير عن شعورها وهمست:
- وأنت .. كنت دائماً هنا في قلبي من قبل أن أراك .. كنت تحميني بصمتك وابتساماتك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

اقترب منها أكثر ورفع يده ليمسح شعيرات صغيرة من وجهها وهمس:
- أحبك
رفعت حلا رأسها لتلتقي بعينيه والدموع تلمع بخجل على وجنتيها و لكنها لم تحاول أن تمسحها .. كانت تريد أن يرى كل ما عانته وكل ما بقي في قلبها من خوف وألم.
اقترب أدهم أكثر ووضع يديه برفق على خصرها و كأنه يريد أن يشعر بها كلّيًا .. وقال:
- لقد كنتِ صبورة أكثر مما أستحق أنا
ضحكت حلا بخجل و لكنها كانت ضحكة مختنقة .. امتزجت بالخوف والحب وقالت :
- وربما الآن بعد كل هذا .. ألا نستحق أن نكون سعداء ؟
هز رأسه ببطء وعيناه تلمعان بالامتنان والحب ثم اقترب ليضمها إلى صدره ضاغطاً برفق لتشعر بالأمان و رد :
- نعم .. الآن نستحق
ابتعدت قليلاً لترى انعكاسهما في المرآة والتقت أعينهما هناك .. كلتا النظرتين تحملان قصص الألم .. الغضب و الحب والخوف وكل ما كان بينهما ولكنها لحظة صفاء.
ثم اقترب أدهم أكثر ووضع قبلة طويلة على جبينها ثم خدها ثم شفتيها بخجل وهو يغمرها بكلماتِ الغزل والعشق حتى اغرقها في بحر عشقه الغير متناهي
أغمضت حلا عينيها وارتجفت قليلاً .. توقفا للحظة يتنفسان بصعوبة وكل منهما يشعر بوزن الماضي يتلاشى ببطء ومعه كل الألم والخوف .. لم تكن مجرد قبلة .. بل كانت ولادة جديدة.. إعادة بناء للثقة و للحب .. للدفء الذي طالما افتقدته ...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
...

كان أدهم يقف عند النافذة ببجامته البيضاء .. يحمل منديلاً قماشياً أبيض فيه بضع بقع من الدم وينظر به بـ حيرة واضحة و كأنه يحاول فهم شيء غير منطقي

في هذا الوقت خرجت حلا من الحمام وشعرها لا يزال مبللاً ووقفت خلفه بهدوء ليلمع انعكاسها في زجاج النافذة أمامه .. التفت إليها دون أن يلتفت بجسده وسألها بصوتٍ منخفض لكنه مليء بالفضول :

- لماذا لم تخبريني؟
رفعت كتفها بخجل و ردت بابتسامة خجولة وكأنها تكشف عن سر صغير:
- لقد .. خجلت.
اقترب منها أدهم ببطء و يداه تمسكان بالمنديل الذي كان يحمله وبدأ يدور حولها بحذر وكأنه يخشى أن يكسر اللحظة بخطوة واحدة وقال :
- خجلتِ…؟ بعد كل ما مررنا به معاً ؟ ثم هل هذا شيء مخجل برأيك؟

أجابت حلا ضاحكة بخجل وحرج:
- وهل ترى بقائي كما أنا بعد ثلاث سنوات من الزواج منطقياً؟
- من يعلم بهذا ؟
ردت وهي تخفض رأسها :
- خالتي ليلى وخالتي رويدا وأختي رهف .. فقط

- وأنا كالأطرش في الزفة؟
- لا تأخذ الأمر بحساسية .. فقط خجلت إخبارك بهذا
- وأمي .. هل خجلت أيضاً؟
- ربما أرادت أن تبقيها مفاجأة لك
- فعلاً لقد تفاجأت ..

حل الصمت بينهما قليلاً قبل أن تبدأ ضحكات أدهم بالارتفاع ليتحول ضحكه لنوبة ضحك هستيرية لتضحك حلا بدورها وهي تسأله:
- ولكن لماذا تضحك الآن؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

سحب نفساً طويلاً وقال وهو يحاول كتم ضحكاته:
- الآن علمت لماذا حاول مؤيد قتلكِ

انفجرت حلا بالضحك بينما تابع أدهم:
- لو كنت مكانه كنت سأنتحر قبل أن يفتضح أمري

بقيا يضحكان دقائق قبل أن يختفي ضحكهما تدريجياً وهما ينظران ببعض .. تنهدت حلا وقالت:
- لم أتوقع من شخصٍ كمؤيد أقل من الذي فعله .. إنه شخص لم يعرف كيف يقدّر الحب .. من قلبٍ استبد به الكره ومن جسدٍ حاول أن يغطي على العجز بالضرب .. هل تعرف لماذا كنتُ خائفة؟ كنت أعلم ماذا يمكن أن يحدث إذا لم نكن حذرين .. كنت أخاف أن يتحول الحب إلى ألم بسببه .. كم كنت خائفة عندما كاد يقتلك

وقف أدهم وقلبه يخفق بشدة .. ابتسم بخفة وكأن الكلمات التي قالتها أزالت جزءًا من كل جرح قديم ثم قال :
- كنتِ خائفة .. وأنا أيضاً كنت خائفاً من أن أجرحك دون قصد إن مت .. أحمد الله أنه أعطاني فرصة ثانية لأعوضكِ عما مررت به من ألم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ابتعدت قليلاً لتزيل المنديل من يده وعينيها تلمعان بالخجل والامتنان و لكنه اقترب فجأة و رمى المنديل جانباً ووضع يديه حول وجهها برفق ثم اقترب منها أكثر ووضع قبلة هادئة على جبينها كما لو كان يعيد كل لحظة ثم احتضنها برفق وهي تشعر بالدفء يملأ قلبها وكل هموم الماضي تتلاشى للحظة فيما تنعكس أنوار المدينة خلف زجاج النافذة على وجهيهما معلنة بداية فصل جديد أكثر أماناً و حباً بعد كل الظل
تعليقات