📁 آخر الروايات

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم رباب حسين

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم رباب حسين


شاهد بلا ذاكرة... الفصل الثالث والعشرون
بقلم الكاتبة / رباب حسين

ليست كل الحقائق التي تُخفى تموت... بعضها ينتظر اللحظة المناسبة فقط ليخرج إلى النور، وحين يخرج لا يترك خلفه سوى الخراب.

فالحب الذي ازدهر أخيرًا بين فارس ويارا يقترب من أول عاصفة حقيقية، والسر الذي تخفيه أميرة أصبح أثقل من أن يبقى حبيس الصمت، بينما تمتد الأيدي الخفية لتزور الحقائق وتغير المصائر من أجل المال.

وفي الوقت الذي ظن فيه الجميع أن المعركة أوشكت على نهايتها... كانت الحرب الحقيقية على وشك أن تبدأ.

وفي ليلة تشبه الحلم الذي تحقق بعد طول انتظار، بل كانت هي كالحلم؛ حين ارتدت يارا فستان أبيض كالثلج، كانت تتلألأ كنجم يلمع بسماء مظلمة، ضوئها يخطف الأبصار ويرشد فارس إلى وجهته الحقيقة، حين ضمها بين يديه وهربت عبراته من بين جفنيه فرحًا بانتصار ذلك القلب بعد الألم والعذاب.
أما هي فكانت تتقدم نحوه وقلبها يتراقص من السعادة، تراه ينتظرها بأسفل الدرج مرتديًا حلته السوداء التي زادته جمالًا ترى نظرات العشق تخترق قلبها ليعلن استسلامه أمام حبه.

عيون تراقب؛ بعضها ينظر بسعادة مثل سعد ومنال، وبعضها ينظر بابتسامة حزينة ، مثل نيرة التي تذكرت يونس وحلمها بأن ترتدي ذلك الثوب وتذهب معه إلى منزلهما دون تهديد بالتفرقة بينهما بعد الآن.
وبالخلف عيون تنظر بخوف، ضمير يلعن ولسان يحاول أن ينطق بالحقيقة، مثل أميرة، أما مي فكانت ترسل الأخبار لحظة بلحظة إلى عدنان، الذي نظر إلى روني وقال: بيتجوز ومش فاضي، خد البت خلاص ومحدش هيعرف يكلمه. المشكلة في الناس اللي برا ديه، زافر مش ساكت وعامل قلق كبير وفارس بس اللي قدر يتفاهم معاه.
روني: اصبر بس، إنت مش عارف فارس يعني؛ هياخد غرضه ويرميها.
عدنان: مش مصدق بصراحة إنه بيتجوز رسمي، ديه آخر حاجة كنت أتوقعها من فارس.
روني: ملقاش سكة غير كده.
زفر عدنان بضيق وقال: ما هو مش هتبقى حياتي في خطر بسببه وهو رايح يفكر في جواز!
روني: خلاص ما أنت عارف إن كلها يومين يعني؛ قولهم بس على معاد بعد يومين وإنت هتلاقيه بيرد علينا عادي، وبعدين مش هيعرف ياخد أجازة كتير عشان الدوا اللي عايز ينزله السوق ده.
عدنان: دماغه سم، هو قالي إن الدكتور اللي بلغ ده حسابه معاه، بس مش متخيل إنه كان بيخطط إنه يلبسه هو قضية المخدرات.
روني: أهو اللي زي فارس ده أحذر يتقلب عدوك، ده تاخده صديق بس.


وبعد أن تم عقد القران، وحملها فارس بين ذراعيه كفراشة تحلق بينهم تطلق جناحيها دون خوف، وكأن العالم ملكًا لها فقط. أحتضنها بقوة وأغمض عينيه ودفن وجهه برقبتها، ربتت يارا على عاتقه بحنان، شعر بدفء عشقها وهدأت روحه بين يديها.
ثم اقتربا من منال وقبلا كلتا يديها معًا، وبدأت مراسم الحفل في جو أسري صغير، يركض بينهما معتز فرحًا، يحمله فارس تارة ويارا تارة أخرى ثم نزل معتز يركض بين الحضور وظل نظر فارس متعلق بملامح يارا التي تتابع معتز بابتسامة مشرقة على عفويته الطفولية، ثم قال: عارف إنه مسئولية بس مش هضايقك.
يارا: لأ أنا بحبه أوي بجد، هو سكر أوي ربنا يحميه.
فارس: عقبال ما تجيبي أخته تالا.
يارا: حلو أوي! تالا فارس السيوفي.
فارس: يارا وتالا، حلوين أوي.
يارا: هو أنت هتفضل تحبني على طول ولا لو رجعتلك الذاكرة هتنساني؟
فارس: عمري ما هنساكي ولا هبعد عنك.
أمسك يدها وقبلها، ثم أخرج لها خاتم آخر ووضعه في يدها فقالت: كتير كده حبيبي.
فارس: أنا عايز أجيبلك الدنيا كلها بين إيديكي، بس متبعديش عني، إوعي ثقتك فيا تقل أبدًا، خليكي دايمًا فاكرة إن فارس عمره ما هيرجع فارس السيوفي.

أومأت له بسعادة وانتهت الحفل، ثم صعد فارس ويارا إلى غرفتهما، ونظرت أميرة إلى الباب من بعيد بعد أن أغلقه فارس وقالت بحدة: كلها كام يوم وتعرف حقيقتك، اصبر يا فارس يا سيوفي؛ نهايتك على إيدي والمرة ديه مش هتخيب.

أما نيرة فدخلت إلى غرفتها ووجدت يونس يتصل بها مجددًا بعد عدة مرات من الاتصال منذ أمس، فنظرت إلى الهاتف ونزلت دمعتها بحزن، تشتاق إليه ولكن ترى أن علاقتهما لن تعود كما كانت والشرخ الذي صدع حبهما لن يلتئم مرة أخرى.
نظر يونس إلى هاتفه بضيق، وأخذ يضرب الهاتف بيده بعنف ليفرغ ذلك الغضب الكامن بداخله، لاحظت سهير توتره وقالت: لسه مردتش؟
زفر يونس وقال بحدة: لأ، مش عارف هو أنا اللي المفروض يقلق ويتصل ويجري وراها ولا هي، يعني غلطانة وقلبت الحوار في ثانية وسابت الدنيا تولع ومشيت.
سهير: وأبوها ولا فارق معاه، أنا مش فاهمة الراجل ده بيفكر ازاي.
يونس: مش فارق معايا أصلًا، أنا بس مرعوب لا تعمل في نفسها حاجة بسببي.
سهير: نيرة أعقل من كده، ولو ده اللي قلقك اطمن وخلاص إنت مش عايزها يبقى متفكرش فيها.
يونس: ازاي يعني مفكرش فيها!
سهير: يوووه ما أنت اللي قلت مش عايزها تفكر فيها ليه؟
هرب يونس بعينيه منها ونظر بعيدًا عنها وقال بارتباك: ما هو... ما هو مش زرار يعني يا ماما هدوس عليه هنساها.
سهير: ولا هتنساها أساسًا، قول بقى يارب ترجع بدل ما تقعد طول عمرك تدور عليها.

الندم، ذلك الشعور الذي تخلل صدره حينما سمع تلك الكلمات من سهير، مسح على وجهه بضيق ثم دخل غرفته وانفرد بألمه وحيدًا، ذلك الندم الذي يأبى أن يصيب ضمير ناهد التي حاولت قتل فارس وهي مقتنعة أن قتله هو الحل الوحيد، بل بدأت تخطط بقتل معتز أيضًا إذا فشلت خطة كمال وجلال، وحين طرقت الفكرة رأسها وجدت حضري يتصل بها فحركت عينيها بملل وتلقت المكالمة وقالت: تاني يا حضري! هتفضل كل شوية تتصل بيا.
حضري: واضح إن تهديدي مش جايب نتيجة معاكي، بس المرة دي أنا مش بتصل عشان أهدد، أنا عايز فلوس والنهاردة قبل بكرة.
ناهد: أجيبلك فلوس منين! وبعدين إنت منفذتش الاتفاق أصلًا عشان تيجي تطلب فلوس تاني، المفروض كنت تقتل فارس مش السفرجي.
حضري: وماله، أخلصلك عليه بس تديني فلوس ٣ أضعاف.
ناهد: مبقاش ينفع، طلع عنده عيل يعني حتى لو خلصت منه الفلوس هتروح للعيل ده.
حضري: أخلصلك على الاتنين؟
ناهد: بص سيبني بس شوية أقلب الموضوع في دماغي وبعدين هكلمك.
تنهد حضري وقال: متتأخريش عليا يا ست ناهد، أنا محتاج فلوس.
ناهد: هما يومين وهقولك تعمل إيه.


كان فارس يتطلع بملامح يارا التي تنظر إليه بخجل، وهو يبتسم لها بحب، رفعت الغطاء على وجهها فأنزله برفق وقال: بس بقى قلت.
يارا: عايزة أنام طيب.
فارس: مفيش نوم، هتفضلي قدامي كده طول الليل عشان أصدق إنك بقيتي معايا فعلًا.
يارا: بعد كل ده مش مصدق إني معاك.
فارس: من كتر الفرحة مش مصدق.
ابتسمت بخجل وقالت: عارف لما شفتك أول مرة هنا في الفيلا لفت نظري جدًا، بس أنا بعدت الفكرة عن دماغي؛ كان موضوع نيفين مأثر عليا وكمان أنا كان حلمي دايمًا إني اتجوز واحد يبقى أول حب في حياتي وأنا أول حب ليه برده، عشان كده محاولتش أحطك في مكان تاني جوايا، بس اكتشفت إن ربنا إداك حياة جديدة وكأنك اتولدت من جديد عشان تنسى كل اللي حصل في حياتك وتحبني أنا زي أول حب بالنسبالك.
فارس: بس إنتي في كل الحالات أول حب بالنسبالي.
يارا: وعرفت ازاي؟
ارتبك فارس وقال: ها... لا بس مش طبيعي أحب وأنا بالتفكير ده.

لحظات الشك التي تتخلل داخل عقلها كل فترة تولد شعور سيئًا بداخلها.
هل سيتغلب عليها هذا الشعور ويستغله البعض أم لا؟
_________

بعد يومين، كانت السعادة ترفرف داخل جدران الفيلا والتي جعلت الجميع يشعر بأن الحرب قد انتهت ولكن لا أحد يعلم أن القادم هو الأسوء.

عاد فارس إلى العمل مضطرًا حتى يكمل ذلك الدواء الذي اخترعه علي، وحين رأته روني يدخل المكتب وقفت بسعادة وقالت: العريس وصل! مش ممكن، وفين العروسة؟
فارس: حماتي مردتيش تنزلها، إيه الأخبار؟
روني: عندي خبر متأجل بقاله كام يوم، حبيبك عايز يشوفك وطبعًا عدنان عارف إن إنت الوحيد اللي هتقدر عليه، ها تشوفه إمتى؟
نظر فارس لها بشرود قليلًا ثم قال: هشوفه ازاي؟
روني: أون لاين عادي زي كل مرة. أنا هكلم عدنان وأشوفه يقدر يكلمك إمتى، إنت عارف فرق التوقيت.
أومأ لها فارس ودخل غرفته، جلس على مكتبه شاردًا، بعد قليل دخلت روني وقالت: هيكلمك دلوقتي، افتح بقى واتصل بيه إنت.
فارس: فتح فارس الحاسوب، ثم بدأ يبحث به عن البرنامج ليتصل، لاحظت روني ارتباكه فقالت: إيه يا فارس مش عارف البرنامج فين؟
فارس: لأ ناسي بس.
ثم صمت قليلًا وبحث سريعًا وقال: لقيته.

فتحه واتصل بزافر، فنظرت له روني بشك ثم جلست تستمع إلى مكالمة فارس وزافر، وحين رأه قال: كيفك فارس، طولت الغيبة والله.
فارس: إحتياط أمني بقى.
زافر: إيه عرفت، عدنان خبرني بس بالأول ما صدقت لكن بعد شوي عرفت الأخبار اللي عم بتدور بمصر، المهم هلأ بدي أعرف كيف راح توصل البضاعة لهون.
فارس: قريب جدًا هقولك على الطريقة، إنت بس بطل تضغط على عدنان.
زافر: إذا بتسلمني البضاعة أو المصاري خلاص ما راح هدده، بس بتعطيني معاد هلأ.
فارس: صعب دلوقتي بس أوعدك قريب جدًا.
زافر: خلص حبيبي أنا بثق فيك كتير وإنت بتعرف هيك.
فارس: عارف، متقلقش كل حاجة هتبقى تمام.

أنهى فارس المكالمة ونظرت له روني وقالت: تفتكر هيصبر فعلًا؟
فارس: باين كده، ما أنتي شايفة طريقة كلامه.
روني: بس زافر ملوش أمان؛ مش فاكر المرة اللي فاتت لما قلب عليك وعدنان هو اللي هداه؟
فارس: فاكر، بس خلاص يعني عدت.
روني: اممم، طيب هروح أشوف الشغل برا.
فارس: تمام.

خرجت روني ولحق فارس بها وذهب إلى المعمل، وبعد وقت تلقى مكالمة من معمل التحاليل وعرف أن نتيجة التحليل سلبية، فترك الشركة وعاد إلى المنزل.

وبعد وقت دخل المنزل وهو ينظر حوله كالمجنون، يبحث عن أميرة، ركض نحوه معتز ووجدها تظهر خلفه، فقبل معتز بهدوء ثم جذب أميرة من يدها بعنف إلى غرفة المكتب، نظرت له يارا بتعجب وتبادلت النظرات مع منال ونيرة، ثم تفاجأت بصوت فارس المرتفع، فدخلت يارا المكتب على الفور وسمعت فارس يقول بحدة: يعني المعمل هيكدب؟
رفعت أميرة يدها أمام وجهه وأشارت إليه بحدة وقالت: إنت اللي بتكدب، رسمت عليا إنك بقيت واحد تاني عشان بس تهرب مني ومقتلكش ودلوقتي جاي تقول إن التحليل طلع سلبي عشان تطلع إنت البريء وإحنا المتهمين.
فارس: إنتي بتفكري ازاي! ما أنا لو مش عايز الولد مكنتش عملت كل ده معاه ولا جبتكم هنا.
يارا: اهدوا بس يا جماعة، فارس ملوش مصلحة يعمل حاجة زي كده يا أميرة، ممكن تبطلوا زعيق ونعيد التحليل تاني، مش هيحصل حاجة لو عدناه ويمكن غلطة معمل.
فارس: معنديش مشكلة، نعيد التحليل.
أميرة: أنا اللي هختار المعمل وأنا اللي هتفق معاه.
فارس: إعملي اللي إنتي عايزاه.

تركهما فارس وغادر المكتب، ولحقت به يارا سريعًا تحت نظرات أميرة التي لم تعد تتحمل أكثر، فإن كان معتز لن يحصل على لقب والده بعد تلك المكيدة منه فلن تتركه ينعم بحب تلك الفتاة المظلومة بعد ذلك.

ظل فارس ويارا بغرفتهما وأميرة تراقب الباب تنتظر مغادرة يارا الغرفة، وفي منتصف الليل خرج فارس من الباب بحذر، يمشي بهدوء على أطراف أصابعه حتى لا يشعر به أحد، وحين غادر دخلت أميرة الغرفة سريعًا، وايقظت يارا من النوم، نظرت لها يارا بدهشة وقالت: أميرة! معتز كويس؟
أميرة: كويس متقلقيش، إنتي اللي مش كويسة.
اعتدلت أميرة بجلستها وقالت: مش فاهمة.
أميرة: فارس بيخدعك، بيخدعنا كلنا، وبيدبر لمصيبة كبيرة.
يارا: بطلي تهويل يا أميرة.
أميرة: مش مصدقاني! أنا هقولك كل حاجة سمعتها وإنتي تحكمي بنفسك.

ثم قصت لها الحوار الذي تم بين مي وفارس أمام غرفة منال، وعلمت أنه يخطط لقتل منال حتى لا يتبرع لها بالكبد، وكل ما يفعله فقط لينال غرضه منها هي، اشتعلت بالغضب الذي حرق قلبها ووقفت أمامها تنظر حولها لتبحث عنه فقالت أميرة: هتلاقيه في المعمل اللي تحت بيعمل المخدرات زي كل يوم.

هنا وتجمد الدم بعروقها، فتحت عينيها بصدمة ووضعت يدها على فمها ونظرت بشرود تحاول أن تستوعب ما تسمع، ثم ركضت خارج الغرفة وهي تجذب أميرة خلفها وتقول: وريني المعمل ده فين.
دلتها أميرة على مكان المعمل، وحين فتحت الباب نظر لها فارس بصدمة وهو يمسك بمواد كيميائية بيديه، وهناك أكياس تحمل مادة بيضاء تيقنت بأنها مخدرات موضوعة على أحد الطاولات، تجمد فارس مكانه ونظر إليها وقلبه ينبض بعنف من الصدمة، سقطت أحد الزجاجات من يده وعينيه لا تزال متعلقة بعين يارا التي يملئها الغضب والدموع.

يبدو وأن النهاية قد اقتربت.
وبالجهة الأخرى يقف عدنان مصدومًا مما سمعه من روني، ثم تحولت نظراته إلى بركان من الغضب قد تشعل العالم بالكامل من حوله، وبدأ يتوعد إلى فارس.

يتبع...



تعليقات