رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم رباب حسين
أحيانًا لا يحتاج القلب إلى خيانة كاملة لينكسر فقط تكفيه لحظة واحدة يرى فيها ما لم يكن مستعدًا لرؤيته.
فبين الحقيقة والكذب يقف الإنسان حائرًا، لا يعرف أيتبع ما رآه بعينيه أم ما آمن به بقلبه؟ وحين تتصارع الثقة مع الشك، يصبح الألم هو المنتصر الوحيد.
كانت يارا تؤمن أن الحب قادر على إصلاح كل شيء، وأن فارس الذي عرفته خلال الأشهر الماضية ليس ذلك الرجل الذي يتحدث عنه الجميع. لكنها الآن تقف أمام مشهد يهدم كل ما دافعت عنه، ويجعل كل كلمة طمأنها بها موضع اتهام.
وفي الوقت الذي بدأت فيه الشكوك تتسلل إلى قلبها، كانت الأيدي الخفية تواصل نسج خيوط مؤامرتها، غير مدركة أن بعض الأسرار حين تنكشف لا تدمر أصحابها فقط... بل تحرق كل من اقترب منها.
أما فارس... فكان على وشك خوض أصعب معركة في حياته؛ معركة لا تتعلق بالمخدرات ولا بالمال ولا بالأعداء... بل بقلب المرأة الوحيدة التي خاف خسارتها يومًا.
اقتربت منه يارا وعينيها تحمل ملامح الاتهام ثم قالت: بتعمل إيه هنا؟ وعرفت مكان المعمل ازاي؟
ابتلع فارس ريقه بتوتر ونظر إلى أميرة ثم عاد النظر إلى يارا وقال: عرفته... افتكرته عادي.
يارا: افتكرته هو بس ولا افتكرت كل حاجة؟
أُرتبكت نظراته مجددًا فقالت بحدة: كفاية كدب ورد عليا، عشان اللي سمعته يخليني أقتل أي حد قدامي دلوقتي.
فارس: إنتي عارفة الحوار كله، وأنا قولتلك اللي حصل وإني مجبر على كل ده.
يارا بحدة: وقولتلي إنك هتدور على حل تاني، مقولتليش إنك هتعمل الزفت ده، وبعدين حاليًا مش فارق معايا بصراحة إنت بتعمل إيه ولا حتى تودي نفسك في داهية.
فارس بصدمة: مش فارق معاكي!
يارا: أيوة، بعد لما اتفقت مع الممرضة عشان تخلص من أمي مبقاش فارق معايا أي حاجة.
فارس: جبتي الكلام ده منين، أنا عمري ما أئذيها أبدًا.
أميرة: كداب، أنا سمعتكم بودني وفضلت ساكتة ومش قادرة اتكلم عشان خاطر معتز، قلت استنى أضمن حقه منك بدل ما يعيش طول حياته بوصمة عار، وفي الآخر زورت التحليل عشان تخلص بشياكة، زي ما ضحكت على يارا ومثلت عليها الحب وبعد ما فهمتها إنك هتدي الحجة. منال الكبد وتنقذها اتفقت على قتلها عشان ماتعملش العملية.
تجمد فارس مكانه، يبدو وأن أميرة قد سمعت حديثه مع مي، ارتبك لا يعرف كيف يفسر ما حدث، فنظر إلى يارا التي ترمقه بنظرة الحسرة وقالت: عملت كل ده عشان توصلي بس. صح؟
فارس: إنتي مش فاهمة حاجة خلينا نقعد ونتكلم وأنا هفهمك.
صاحت يارا بغضب: مابقاش فيه بينا كلام خلاص، أنا هاخد أمي وأمشي.
كادت تذهب ولكن أمسك بيدها بقوة وقال بحدة: مفيش خروج من هنا، دي تنسيها خالص.
دفعته بقوة فارتد إلى الخلف، وصاحت غاضبة ده أنت اللي تنسى وجودي في حياتك نهائي، أنا غلطانة إني وثقت في واحد زيك كداب وتاجر مخدرات، قدرت تخدعني وتغشني لحد ما خدت اللي إنت عايزه، بس خلاص مش هصدق كلامك تاني.
تركت المعمل وغادرت فلحق بها فورًا وتبعته أميرة، حتى صعدت إلى البهو وهو ينادي عليها كي تنتظر، وصل صوته إلى مي التي خرجت من غرفتها بجوار المطبخ، فخرجت سريعًا ووقفت أمامهما تراقب ما يحدث، وحين رأها فارس أكمل حديثه بحدة وقال: مش هتخرجي من هنا قلت.
يارا: وأنا هفضخك وأبلغ عنك، هقول للحكومة إنك بتاجر في المخدرات إنت وعدنان بتاعك، وهفضح كل حاجة وهخليك تندم على اليوم اللي فكرت تضحك عليا فيه.
جذبها بعنف خلفه وصعد إلى الطابق العلوي، وهي تصيح بغضب كي يتركها، وقبل أن يصل إلى الطابق التفت إليها بغضب وقال من بين أسنانه: وطي صوتك، أمك لو سمعتك هتتعب زيادة، ولا عايزة تموتيها!
نظرت داخل عينيه بتحدي وقالت: إنت اللي عايز تموتها، وأنا هدفعك تمن كل ده.
فارس: بطلي تهديد فيا، وشغلي مخك شوية.
حاولت سحب يدها ولكن قبض عليها بعنف وصاح: كفاية قلت، مش عايز أمد إيدي عليكي.
يارا بتهكم: ليه؟ احترامك وأخلاقك يمنعك تضرب واحدة ست!
فارس: متستفزنيش يا يارا أكتر من كده واطلعي وإنتي ساكتة.
جذبها خلفه ومي تراقب ما يحدث، أما أميرة فصعدت الدرج تحاول أن تأخذ معتز خارج المنزل قبل أن يفعل فارس شيئًا.
وتسللت مي إلى غرفتها سريعًا واتصلت بعدنان على الفور، كان عدنان يتحدث مع روني بانفعال وذلك حين أخبرته أنها تشك بفارس، فقال: إنتي متأكدة ولا ده شك بس؟
روني: أنا لقيته تايه ومش عارف يتصل بزافر ازاي، وبعد ما قفل معاه قولتله فاكر لما شديت معاه زمان وعدنان هو اللي صلح بينكم؛ قالي فاكر، واللي حصل أصلًا العكس، زافر اتخانق معاك إنت وهو اللي اتدخل وصلح الوضع بينكم.
نظر عدنان أمامه بشرود، ثم وقف بغضب وقال: مش ممكن يكون بيمثل عليا، طيب لو زي ما بتقولي مش فاكر وبيكدب عرف زافر ازاي؟ ولا إنتي اللي قولتي اسمه.
روني: لأ، أنا قولتله حبيبك بس.
عدنان: روني أنا مش ناقص وش.
قاطع حديثه رنين الهاتف، فنظر به ثم قال: دي مي، أما أشوف هتقولي إيه هي كمان... ألو.
مي بهمس: أيوة يا باشا، الدكتورة شكلها عرفت حاجة واتخانقت مع فارس باشا وشدها وحبسها في الأوضة فوق، البيت هنا والع، بتهدده إنها هتبلغ عنك وعنه.
عدنان بصدمة: وهي عرفت منين؟
مي: ماعرفش، بس هما كانو طالعين من الدور اللي تحت ده.
عدنان: فيه إيه في الدور اللي تحت ده؟
مي: يمكن المعمل اللي حضرتك كنت بتدور عليه يا باشا.
عدنان: المهم راقبي الوضع، وكمان عايزك تاخدي بالك من تصرفات فارس عشان أنا شاكك فيه، ولو لاحظتي أي حاجة بلغيني فورًا.
وافقت مي وأنهت المكالمة، أما فارس فكان يحاول تهدأت يارا ولكنها ترفض أن تسمعه أو تصدقه. فمسح على وجهه بضيق وقال: يارا أنا مفهمك كل حاجة، ليه محسساني إنك مش عارفة!
يارا: مفهمني إنك عايز تقتل أمي! إنت هتجنني؟ بقولك إيه؛ أنا همشي يعني همشي.
لم يعد فارس يحتمل عنادها فزفر بشدة وقال بغضب: قلت مفيش خروج من هنا، وكلامي هيتنفذ غصب عنك، ولو ماسمعتيش الكلام بالذوق هتسمعيه بالغصب، ومفيش خروج حتى برا الأوضة ديه. فاهمة ولا لأ؟
يارا بحدة: ما تقدرش تحبسني هنا، وهخرج يعني هخرج وهاخد أمي معايا.
فارس: ماتتحدنيش يا يارا، أنا لحد دلوقتي مقدر الوضع اللي إنتي فيه لكن أكتر من كده مش هسكت وهتزعلي مني، ومش فارس السيوفي اللي تقفي قدامه وتهدديه ويسكت، ماتخليش غضبي يطولك.
يارا: شفت! شفت إنك كداب ومنافق، عملت كل ده تمثيل وإنت فاكر كل حاجة، وكدبت عليا وقولتلي إنك لقيت مذكراتك، حتى روني لما اتكلمت معاك في المكتب قولتلي إنك بتتكلم معاها كده عشان شغالة مع عدنان، كل حاجة قلتها كدب في كدب، وأنا غلطانة إني صدقت واحد زيك.
اشتغل غضبًا ورفع المزهرية التي أمامه على الطاولة وضربها بالأرض وقال بحزم: قولتلك أسكتي! مش هعرف أمسك نفسي أكتر من كده.
ثم صدع بالمكان صوت هاتفه يعلن عن مكالمة من سعد، فتلقى المكالمة وسمع سعد يقول بفزع: إنزلي بسرعة يا باشا في الجنينة عندي أخبار مينفعش تستنى.
فارس: جايلك.
رمقها فارس بنظرة غضب وترك الغرفة، ثم أغلق الباب من الخارج وحين سمعت يارا صوت المفتاح ركضت نحو الباب وصاحت: أفتح يا فارس، مش هسمحلك تحبسني هنا.
سمع فارس صوتها فالتفت ينظر نحو الباب بحزن، كان يتوقع أن تصدقه وتثق به كما طلب منها دائمًا ولكنها خيبت ظنه بها.
نزل فارس إلى الحديقة ووجد سعد في انتظاره والتوتر جالي على ملامحه، وحين رأه جذبه بعيدًا عن الفيلا قليلًا وقال بهمس: عدنان بدأ يشك فيك.
عقد فارس حاجبيه ونظر خلفه يطمئن أن لا يوجد أحد بالأجواء، ثم عاد النظر إلى سعد وقال: عرفت منين؟
سعد: مي لسه مكلماه وقالها تراقبك عشان شاكك فيك، ده غير إنهم عرفو إن المعمل تحت.
فارس: أميرة ويارا عرفو كمان.
سعد: الموضوع كده بقى خطر عليك أكبر، عدنان وزافر لو عرفو إنك بتكدب هتبقى مصيبة.
فارس بضيق: عرفو إيه طيب خلاهم يشكو فيا؟
سعد: إنت مش حفظت المذكرات بتاعتك كويس ولا نسيت حاجة؟
فارس: حفظتها وكل شوية براجعها، أنا مش عارف الشك جيه منين.
سعد: راجع المذكرات تاني، وخلي بالك كويس يا باشا. وكمان فيه حاجة؛ حضري كلم ناهد واتفقو يشوفو موضوع معتز والخطة بتاعت المعمل ديه ولو فشلت هيقتله ويقتلك عشان الورث.
نظر فارس إليه بدهشة: يعني فعلًا عمتي اللي حاولت تقتلني؟! معقول! وكمان ماكفهاش عايزة تقتل ابني؟ كل ده عشان الورث.
سعد: أعتقد كده كل شيء وضح.
فارس: ناقص جلال.
سعد: راضي لسه موصلش لحاجة؟
فارس: شفته في الشركة النهاردة وتقريبًا لسه بيدور. أنا تعبت أوي يا سعد، من يوم ما لقيت المذكرات وأنا مش مستحمل، ويارا كمان وصلها كلامي مع مي، أميرة سمعت وقالتلها.
كاد سعد يتحدث ولكن وقع نظره على أميرة التي تغادر المنزل وتحمل معتز بين يديها وحقيبة ملابس على كتفها، وجدها تركض نحو البوابة وتتلفت حولها بذعر كأنها تهرب من شيء. فقال سعد: مش دي أميرة؟
نظر فارس نحوها ووجدها تهرب، فتح عينيه بصدمة وركض خلفها، ثم صاح بالأمن أن يمنعوها من الخروج.
احتضنت أميرة معتز بخوف، ونظرت نحو فارس الذي يتقدم منها بعين مرتعشة، ثم جذب معتز من يدها وقال بحدة: رايحة فين بالولد؟
نظرت أميرة إلى معتز بلهفة وقالت: إنت مش عايزه، سيبنا نمشي.
فارس: مش اتفقنا نعيد التحليل؟
أميرة: هي باينة جدًا إنك مش عايزه. فارس؛ الولد ده صغير ومالوش أي ذنب في اللي إنت بتعمله، سيبه يبعد عنك بدل ما يتبهدل معاك، كنت بحارب عشان أخليه يتكتب على اسمك بس دلوقتي شايفة إن اسمك هيبقى وصمة عار عليه أكبر، مش عايزاه يخرج من كلمة ابن حرام لكلمة ابن تاجر المخدرات، وأنا فهمت خلاص إنك مش عايزه.
تذكر فارس حديث سعد الذي قاله منذ قليل، ناهد تخطط لقتله كي لا يكون عقبة في طريقها للحصول على أمواله، فنظر إلى معتز بحزن، يبدو وأن عليه توديع ذلك الطفل بعد أن تعلق به.
ظل ينظر إليه يتأمل ملامحه والدموع تلمع بين جفنيه، فشعر معتز بالحزن على هيئته، ورفع كف يده الصغير ولامس وجه فارس ثم قال: ماتعيطش، أنا مش همشي خلاث.
ابتسم فارس من بين ألمه، وتشوشت رؤيته من كثرة الدموع الحبيسة داخل مقلتيه، ثم قال: لا لازم تمشي، أنا مش هعرف ابقى معاك دلوقتي، روح مع خالتو أميرة وأنا هجيلك.
معتز: إنت قولتلي إن ده بيتي، وأنا مش همشي.
مسح فارس على وجهه ثم نادى على سعد، فاقترب منه ووضع معتز بين يديه، ثم جذب أميرة بعيدًا عن مسامع معتز وقال بهمس: أنا هعيد التحليل، ولو طلع ابني هاجي بنفسي أخده وأسجله على اسمي، ولحد ما ده يحصل تخلي بالك منه ولو حد قرب منك أو حسيتي بتهديد بلغيني فورًا. وجوده بعيد عني دلوقتي مصلحة ليه هو.
نظرت أميرة إليه متعجبة من نبرته وهيئته الحزينة، والدموع التي ظهرت داخل عينيه وهو يودع معتز.
هل ظلمته؟ ولكن ما يفعله داخل ذلك المعمل يؤكد ظنها به.
فارس: خديه وروحي، أمشو.
التفت بعيدًا عنها وهي تغادر من أمامه، حملت معتز بين يديها وخرجت من المنزل، ثم أغلق الأمن البوابة خلفها وحين سمع فارس صوت إغلاقها أغمض عينيه بألم وهربت دمعة من عينيه، ثم تنهد بثقل هذا الحمل الذي يقع على صدره، رفع وجهه للسماء بعين باكية، يعلم أن كل ما يمر به الآن هو عقاب مستحق عما فعل، فهو يتذكر حالته عندما ذهب إلى تلك الشقة الملعونة وبدأ يبحث داخل الخزانة فوجد مذكراته من بين الأوراق التي كانت يسجلها يوميًا بالتفصيل، وحينها تأكد أنه كان مغرور وقاسي، لا يرحم من يخطأ وعقاب دائمًا بالبطش، لا يعرف ما هو محرم فكل شيء بالنسبة له مباح، وإذا رغب بشيء أخذه حتى وإن وقف العالم بأكلمه ضده، حتى تلك الفتاة التي تحرك قلبه لها كان ينوي أن يجدها ويفعل معها ما فعله مع ذويها من الفتيات، يأخذ منها ما يريد ويتركها تلاقي مصيرها الضائع وتدفع ثمن أخطائه.
اقترب سعد منه عندما لاحظ هيئته ثم رتب على كتفه وقال: سيبته يمشي عشان خايف عليه؟
فارس: أنا عارف إن وجودي جنب أي حد هيأذيه، ومعتز فعلًا هيتأذي بسببي، أنا خايف أضطر أبعد يارا عني، وخوفي الأكبر لو أذوها.
سعد: هانت يا باشا، فاضل نوصل لزافر وساعتها كل حاجة هتتحل، خلص إنت بس شغلك وحاول تفهم الدكتورة.
فارس: مش مصدقة، ومنطقي جدًا إنها تعاملني قدام مي بطريقة مش حلوة، ولو عملت عكس كده مي هتشك وعدنان كمان، وهي وقفت قدام مي وهدتتني إنها هتبلغ عننا؛ طبعًا فارس السيوفي في الحالات ديه مش بيرحم، يعني لا ينفع أرحمها ولا ينفع تفهم وتعاملني عادي ولا كأنها عرفت حاجة، يعني أنا كده مضطر أعاملها وحش، أنا عندي أموت أهون.
سعد: بعد كده لما تعرف الحقيقة هتسامحك، اللي بتعمله ده أكبر اختبار ليك دلوقتي، ربنا بيختبر إيمانك وتوبتك بيبتليك عشان إيمانك يقوى وتتعلق بيه أكتر وماترجعش للي كنت بتعمله زمان، إوعى تضعف يا باشا.
تنهد فارس وقال: ماتخفش، بس إدعيلي أعرف أمثل قدام يارا.
تركه فارس وصعد إلى غرفته، وحين فتح الباب ركضت نحوه يارا بغضب وقالت: سيبني أمشي من هنا يا فارس، ماتخلنيش أكرهك أكتر من كده.
ابتلع حزنه وتمسك بنظرته الباردة وقال: وأنا قلت مفيش خروج، يا أما هخرج أقتل أمك دلوقتي.
ثم دفعها بعيدًا عنه وقال: أقعدي بقى وبطلي خناق، زهقتيني.
أغلق الباب مرة أخرى ثم أخذ المفتاح ودلف إلى الداخل، تحت نظرات الخوف التي ارتسمت على ملامح يارا، ارتعش جسدها، ما تشعر به لا يحتمل؛ الرجل الذي أحبته وتزوجته مخادع، خدعها باسم الحب، صدقته دون الجميع وصفعت بحقيقته القبيحة، بدأت تفكر كيف تهرب من هذا السجن والأسوء هو كيف تخرج منال من هذا المنزل، وتهديده بقتلها أصبح خنجر على رقبتها.
جلست على الأريكة وجسدها يرتعش بارتباك، أما فارس فكان ينظر إلى أنعاكسه بالمرآة، يقبض على يده بغضب حتى برزت عروق ذراعه، ثم طرق الحائط بقبضته كي يخرج ذلك الشعور الذي يعصف به، يود أن يصرخ بقوة لعله يهدأ قليلًا.
بعد وقت خرج من المرحاض وهو يرسم تلك النظرة الباردة، ثم توجه إلى الفراش وأطفأ أنوار الغرفة وقال: نامي.
اقتربت يارا من الفراش وسحبت وسادة ووضعتها على الأريكة ونامت، لاحظ فارس ما فعلته، فوالاها ظهره وأغمض عينيه بحزن.
أما هي فكانت تكتم شهقاتها، تبكي بصمت لا تعلم أن فارس يشعر بحزنها من قبل أن تبوح به دموعها، وربما قلبه يبكي قبل عينيها، ينزف ألمًا وحزنًا على جرحه لها.
لعله يستطيع أن يطلب عفوها، لعلها تعرف الحقيقة فابتعادها عنه بعد أن ذاق لذة قربها هو أقسى عذاب لقلبه.
يتبع....
الخامس والعشرين من هنا