رواية نسخة من روحي الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء الثاني والعشرون)
لم يكن أحد منهم يعلم أن اللحظة التي ظنّ فيها كل شيء بدأ يستقر كانت في الحقيقة اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينهار .. في مكانٍ ما داخل المدينة كانت الحقيقة قد انكشفت أخيراً وفي مكانٍ آخر كانت الكذبة التي بُني عليها كل شيء قد سقطت .. رهف لم تعد تلك الفتاة التي كانت قبل أسابيع
ووائل لم يعد يملك ما يخفيه وليلى ظنت للحظة أن الله أعاد إليها الطمأنينة أخيراً ولكن القدر كان يكتب سطراً آخر لم يقرأه أحد بعد.
وفي الجهة الأخرى من المدينة .. داخل مخزنٍ مهجور تفوح منه رائحة العفن والحديد الصدئ كانت رهف مقيدة اليدين وعيناها تشتعلان غضباً في وجه الرجل الذي ظن أنه أمسك أخيراً بورقة انتقامه الأخيرة .. أما مؤيد فلم يكن يدرك أنه في اللحظة التي اعتقد فيها أنه ربح اللعبة .. كان قد فتح الباب على جحيم لن يستطيع إغلاقه وبينما كان يبتسم منتشياً بما ظنه نصراً ..
..............
قبل أسبوعين
كان المساء قد خيّم على الغرفة بهدوءٍ ثقيل .. والضوء الخافت المتسلل من المصباح الصغير قرب السرير يرسم ظلالاً طويلة على الجدران .. جلست رهف قرب النافذة ضامةً ركبتيها إلى صدرها وعيناها معلقتان في الظلام خارج الزجاج .. لم تكن تتحرك وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من التفكير .. منذ ساعات وهي على هذه الحال ..
وقفت حلا عند الباب للحظات تراقبها بصمت .. قلبها حزين وعيناها لم تنشفا من الدموع وهي ترى حزن رهف وانهيارها .. تقدمت بخطواتٍ هادئة وجلست على طرف السرير خلفها ثم نادتها برفق:
- رهف
لم تلتفت أو ترد .. لتنطق حلا:
- أرجوكِ لا تفعلي بنفسكِ هذا
بقيت لحظات تنتظر رداً منها لتقول:
- توقعت أن تفرحي لأنكِ سليمة ولا تعانين من شيء
أخيراً نطقت رهف بصوتها الساكن بعد لحظة:
- هل تعلمين ما هو أكثر ألم من المرض ؟
نظرت حلا إليها بقلق وقالت:
- ماذا؟
ابتسمت رهف ابتسامة باهتة وقالت:
- أن يكسرك الشخص الذي وثقت به.
ساد صمت ثقيل .. تابعت رهف بصوتٍ خافت:
- لم أتخيل يوماً أن يكون وائل هكذا.
ارتجفت نبرتها قليلاً.
- كنت أظنه .. مختلفاً.
أخفضت رأسها وهي تضحك ضحكة قصيرة مريرة.
- طبيب .. إنسان محترم .. شخص يمكن الوثوق به.
رفعت عينيها إلى السقف وكأنها تحاول منع دموعها.
- لكن يبدو أنني كنت ساذجة.
اقتربت حلا أكثر قليلاً وأمسكتها من كتفيها:
- رهف
لكن الأخرى تابعت قبل أن تكمل:
- هل تعلمين ما الذي قتلني حقاً؟
التفتت أخيراً ونظرت إلى حلا بعينين محمرتين.
- ليس كذبة المرض.
توقفت لحظة وانهمرت دموعها وهي تكمل:
- بل أنه استطاع أن ينظر إليّ وهو يكذب.
ضمت حلا شفتيها وابتعدت عن رهف خطوة وعادت لتجلس بشرود بينما أكملت رهف من دون وعي
- كيف استطاع أن يفعل ذلك؟
أخيراً قالت حلا:
- معكِ حق
نظرت رهف إليها وكأنها أدركت ما يشغل بال حلا .. نهضت واقتربت منها ومدت يدها ببطء وأمسكت بيدها وقالت:
- ليس كل الناس يشبهون قلوبنا يا حلا
- وأنا أيضاً كذبت يا رهف
- ولكنكِ كنتِ مجبرة
- ولكن هذا ليس تبريراً .. ذنبي لا يقل عن ذنب وائل
ضحكت رهف بمرارة وقالت:
- على الأقل أنتِ لم تؤذي أدهم بكذبتك .. بل فقط خفتِ أن تبقي وحيدة .. أما وائل فكذبته عذرها أقبح منها .. يبدو أنني كنت أراه كما أردته أن يكون.
ثم همست:
- ربما كنت أحبه.
تجمدت حلا قليلاً لكنها لم تقل شيئاً .. تابعت رهف بصوتٍ خافت:
- تخيلي كم هو مؤلم أن تكتشفي أن الشخص الذي ظننته سيحميك هو من طعنك
اقتربت حلا منها أكثر ثم رفعت يدها ومسحت دمعة أخرى عن خدها.
- القلوب الطيبة تنخدع أحياناً .. كما خُدع أدهم بي
قالت ذلك بهدوء ثم أضافت:
- لكن هذا لا يعني أنه ليس مخطئاً
رفعت رهف عينيها إليها بصمت .. ابتسمت حلا ابتسامة صغيرة وقالت وهي تغير الموضوع :
- الخطأ ليس في أنك وثقتِ به .. الخطأ أنه لم يكن يستحق هذه الثقة.
ساد صمت طويل بينهما .. بعد لحظات جلست رهف و مالت ببطء وأسندت رأسها على كتف حلا أغمضت عينيها وهمست بتعب:
- أشعر وكأن شيئاً انكسر بداخلي.
لفّت حلا ذراعها حول كتفيها برفق
- الأشياء التي تنكسر يمكن أن تلتئم.
سكتت لحظة ثم أضافت بهدوء:
- لكن ليس بوجود الأشخاص الذين كسروها.
وبقيتا هكذا في صمت .. إحداهما تحاول أن تخفف الألم والأخرى تحاول أن تتعلم كيف تعيش بعد الخيبة.
..........
كانت الغرفة غارقة في شبه ظلام لا يقطع سكونها سوى الضوء الخافت القادم من مصباح صغير على الطاولة الجانبية .. جلس وائل على طرف السرير مائلاً قليلاً إلى الأمام ومرفقاه مستندان إلى ركبتيه بينما تتشابك أصابعه أمامه بتوتر ..
منذ أن عاد إلى المنزل وهو لم يغيّر وضعه تقريباً .. لم يبدّل ملابسه أو يشغّل التلفاز حتى الطعام الذي وضعه على الطاولة بقي كما هو دون أن يمسه .. كان رأسه مثقلاً بفكرة واحدة فقط .. رهف .. أغمض عينيه للحظة و لكن صورتها عادت فوراً إلى ذهنه .. تلك النظرة التي رمقته بها عندما اكتشفت الحقيقة ..
تنفس ببطء وكأن الهواء أصبح أثقل من المعتاد ..ثم همس بصوت خافت بالكاد يُسمع:
- رهف
مرّر يده في شعره بعصبية قبل أن يسند ظهره إلى السرير ويحدق في السقف .. لم يكن يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد .. كان يظن أنه يستطيع التحكم بكل شيء .. بالموقف والكذبة حتى بالنهاية .. لكن شيئاً واحداً لم يحسب له حساباً وهي الطريقة التي اتبعها ليصل إلى الحقيقة
تنهد بعمق وأغلق عينيه مرة أخرى.
- لو تعلمين فقط .. كم كنت خائفاً عليكِ فعلاً.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه و لكنها كانت مليئة بالمرارة.
- كنت أريد فقط أن أعرف الحقيقة .. أن أعرف ماذا تخفي أمكِ
صمت لحظة ثم هز رأسه ببطء.
- لكنني لم أفكر لحظة بما سيحدث لكِ.
عاد صوتها يرن في أذنيه
“أنت شخص وضيع وليس لديك قلب ولا إحساس.”
انقبض صدره فجأة .. رفع يده ببطء ولمس خده حيث صفعتْه وكأن أثر الصفعة ما زال هناك .. لم يشعر بالإهانة بل شعر أنه يستحقها .. أخفض يده وهمس بتعب:
- كان يجب أن أوقف الأمر منذ البداية.
مرّت لحظة طويلة من الصمت .. ثم قال بصوتٍ أثقل:
- لم يكن يجب أن أدخلكِ في هذا أبداً.
أدار رأسه نحو النافذة حيث كانت أضواء المدينة تتلألأ بعيداً في الليل وهمس وكأنه يعترف أخيراً بشيء ظل ينكره حتى لنفسه:
- المشكلة أنني .. أحببتكِ.
ساد الصمت مجدداً في الغرفة .. لم يكن هناك من يسمعه .. ولا من يجيبه .. فقط رجل يجلس في غرفته المظلمة يواجه لأول مرة الحقيقة التي حاول تجاهلها طويلاً .. أنه خسر الشخص الوحيد الذي لم يكن مستعداً لخسارته وبسببه هو.
وبينما كان الليل يمضي ببطء خلف النافذة بقي وائل جالساً في مكانه غارقاً في أفكاره .. لأول مرة منذ سنوات يشعر أن كل ما حققه في حياته لا يساوي شيئاً أمام نظرة خيبة واحدة في عيني رهف.
.................
بعد يومين ..
كان المساء يهبط ببطء على الشارع حين توقفت سيارة مؤيد على مسافة غير بعيدة من المبنى .. جلس خلف المقود مائلاً قليلاً إلى الأمام وعيناه مثبتتان على المدخل.
بعد دقائق رأى أدهم قد خرج من البناء .. تصلبت ملامح مؤيد فور رؤيته وانفرجت شفتاه بابتسامة باردة وتمتم لنفسه:
- حسناً .. فلنرَ إلى أين تخبئها.
أدار المحرك بهدوء وترك مسافة كافية بينه وبين سيارة أدهم متبعاً إياها في الشوارع دون أن يلفت الانتباه .. انعطف أدهم أكثر من مرة حتى وصل إلى حيٍ أكثر هدوءاً وتوقف أخيراً أمام منزلٍ أنيق تحيط به حديقة صغيرة .. أخفض مؤيد رأسه قليلاً خلف المقود يراقب المكان بعينين ضيقتين.
بعد لحظات نزل أدهم من السيارة ودخل من خلال بوابة المنزل الكبيرة .. ظل مؤيد صامتاً للحظة .. رفع نظره إلى النوافذ ورأى حلا تلوح من شرفات إحدى الغرف .. لمعت بعينيه نظرة شر واضح ثم همس ببطء:
- إذاً هنا تختبئين
ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهمس:
- وجدتك أخيراً
ثم تراجع بالسيارة واختفى في الظلام
.................
أمام بوابة البيت ركن أدهم سيارته .. بقي جالساً خلف المقود لحظة قصيرة .. يحدّق في الباب الحديدي وكأنه يجمع شجاعته قبل أن يترجل.
تنهد ببطء وهمس:
- يجب أنهي الأمر اليوم
نزل من السيارة وتقدم نحو الباب ودخل .. رفع رأسه ورأى حلا تلوح له .. عادت نبضات قلبه تعلو عندما رآها .. ابتسم ولوح له بدوره ثم توجع للباب الخشبي ورن الجرس .. لم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب وظهرت ليلى بابتسامتها الهادئة وقالت:
- أهلاً يا أدهم .. تفضل.
ابتسم لها بخفوت واقرب منها وحضنها:
- كيف حالك يا خالتي؟
- بخير و الحمد لله ..
دخل إلى الصالة وما هي إلا لحظات حتى سُمعت خطوات خفيفة تنزل على الدرج رفع رأسه تلقائياً ورأى حلا.
كانت تنزل الدرج ببطء وعيناها تبحثان في الصالة حتى وقعتا عليه .. توقفت خطوة صغيرة ثم تابعت نزولها.
لكن شيئاً من الارتباك كان واضحاً في حركتها .. تقدمت نحوه وقالت بصوت هادئ:
- كيف حالك أدهم
رد أدهم فوراً:
- أصبحت أفضل عندما رأيتكِ
وقف قليلاً ثم قال وهو يراقب توترها بتوتر أكبر :
- مابكِ .. هل أنتِ بخير ؟
رفعت عينيها إليه للحظة قصيرة ثم أخفضتهما بسرعة و ردت:
- لقد أطلت غيابك ..
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
- لقد غبت فقط يومان
- بالنسبة لي كانوا أكثر
- أرجوكِ لا تغضبي مني .. لقد انشغلت قليلاً
ساد صمت قصير بينهما .. كلاهما كان يشعر بشيءٍ غريب في تلك اللحظة وقبل أن يقول أحدهما شيئاً آخر .. جاء صوت رهف من الأعلى:
- حلا
رفعت حلا رأسها فوراً نحو الدرج .. بعد لحظات ظهرت رهف على السلم وما إن رأت أدهم حتى توقفت لحظة وقالت بهدوء:
- أهلاً أدهم.
- أهلاً رهف.
اكتفت بإيماءة خفيفة بهدوء ثم قالت:
- حلا .. تعالي لحظة أريدكِ بشيء
ثم استدارت وعادت إلى غرفتها دون أن تضيف كلمة أخرى.
نظرت حلا إلى أدهم للحظة قصيرة وكأنها تريد أن تقول شيئاً لكنها لم تفعل .. تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تقول بخفوت:
- سأصعد قليلاً.
ثم التفتت وصعدت خلف رهف .. ظل أدهم واقفاً ينظر إلى الدرج للحظة قبل أن يسمع صوت ليلى خلفه :
- أدهم .. تعال معي إلى الصالة الداخلية
أومأ برأسه ولحق بها .. دخل الاثنان إلى الصالون وجلسا متقابلين .. سأل أدهم بعد لحظة:
- كيف حال حلا يا خالتي؟ أرجو أنها لا تزعجكم
ابتسمت ليلى ابتسامة دافئة وقالت:
- تزعجنا !! لابد وأنك تمازحني .. تلك الفتاة كالملاك يا أدهم .. ليتني تعرفت عليها منذ زمن
تنهدت قليلاً ثم أضافت:
- إن رهف لا تفارقها أبداً منذ جاءت .. لقد تعلقت بها وكأنها تعرفها منذ سنين
- هذا طبيعي .. إنهما توأمين .. ورهف وجدت نصفها الضائع
- الحمدلله .. كم أنا سعيدة من أجلها
هز أدهم رأسه بتفكير ثم قال:
- كأنني لاحظت أن رهف ليست على ما يرام .. شعرت أنها حزينة قليلاً.
تنهدت ليلى بعمق وكأن السؤال فتح باباً لم تكن تريد فتحه.
- إنها كذلك حقاً .. والأمر ليس بسيطاً يا أدهم .. رهف تعرضت لخيبة كبيرة من شخصٍ ربما أحبّته
نظر إليها أدهم وسألها باهتمام :
- ماذا حدث؟
أطرقت ليلى قليلاً ثم بدأت تسرد له ما جرى .. منذ اللحظة التي أخبرها فيها الأطباء أن رهف مريضة مروراً بالخوف والقلق الذي عاشوه وصولاً إلى اللحظة التي اكتشفوا فيها أن كل ذلك كان كذبة دبروها حامد ووائل.
استمع أدهم بصمت وملامحه تزداد دهشة مع كل كلمة .. وعندما انتهت ليلى من حديثها مال رأسه قليلاً وقال بدهشة واضحة:
- كل هذا… يخرج من وائل والطبيب حامد؟
هزت ليلى رأسها بأسف.
- نعم .. ورهف حتى الآن لم تستطع أن تسامح وائل
- والطبيب حامد؟
تنهدت وقالت:
- لقد قمت .. بطرده
- ولكنكِ قلتِ أنها كانت فكرة وائل
- صحيح .. ذنبه أنه وافقه .. ثم ألست من قلتَ لي أن من يساعد الظالم على ظلمه أسوأ من الظالم نفسه ؟
ساد الصمت بينهما لحظة قبل أن يرد بأسف:
- معكِ حق ..
أخفض رأسه وتاه بعينيه بتوتر واضح .. كانت ليلى تراقبه ولاحظت أن ملامحه تغيرت منذ سمع القصة .. رأته ضيّق حاجبيه قليلاً وكأنه غرق في أفكار بعيدة .. قالت وهي تنظر إليه باهتمام:
- ما الأمر يا أدهم؟ أشعر أن هناك شيئاً يشغلك.
رفع نظره إليها بعد لحظة صمت وقال بهدوء:
- في الحقيقة .. كنت قد جئت اليوم لأخبر حلا بالحقيقة
تابع وهو يخفض عينيه قليلاً:
- وأعترف لها أنني لست أخاها.
ساد الصمت للحظة ثم تابع بصوت هادئ:
- لكن بعد ما أخبرتني بما حدث مع رهف .. بدأت أتردد.
نظرت إليه ليلى بتفهم وقالت:
- و لكن كذبتك لم تؤذِ حلا يا أدهم .. بالعكس .. أنت قمت بحمايتها والحفاظ عليها.
هز رأسه ببطء
- هذا ليس مبرراً يا خالتي .. حلا متعلقة بي على أساس أنني شقيقها .. وعندما تعرف الحقيقة .. ربما ستكرهني.
تنهد قليلاً ثم قال:
- كما كرهت رهف وائل.
حاولت ليلى أن تقنعه:
- الأمر مختلف تماماً يا أدهم .. القصتين لا تشبهان بعضهما
لكنه قال بهدوء:
- ربما و لكنني لا أريد أن أراها تنظر إليّ بتلك النظرة .. خالتي .. أريد أن أطلب منك طلباً.
- تفضل.
- أنا سأغيب قليلاً .. ربما شهر
رفعت ليلى حاجبيها باستغراب وقالت:
- شهر؟
أومأ برأسه.
- لدي امتحانات كثيرة .. وأحتاج أن أركز.
ثم أضاف:
- إن سألت حلا عني .. أخبريها أنني مشغول بدراستي ولا أملك وقتاً لزيارة أحد.
نظرت إليه ليلى وقالت:
- و لكنها في كل الأحوال ستعرف الحقيقة يوماً ما .. وربما تعود ذاكرتها وتتذكر أنك لست أخاها.
قال بهدوء:
- لا بأس .. ربما يكون هذا أفضل.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة متعبة:
- عقلي الآن مشغول بالامتحانات .. وإن حدث شيء بيني وبين حلا الآن .. قد يتشتت ذهني ولن أستطيع تقديمها جيداً.
تنهدت ليلى وكأنها أدركت أنه اتخذ قراره و ردت:
- كما تريد يا أدهم.
بعد لحظات نهض من مكانه.
- أنا سأذهب الآن.
وقفت ليلى معه حتى الباب.
- اعتنِ بنفسك يا أدهم
- وأنتِ أيضاً يا خالتي.
خرج أدهم من المنزل وبعد لحظات اختفى صوت سيارته في الشارع .. مرّ بعض الوقت ثم نزلت حلا من الدرج .. نظرت حولها قبل أن تسأل:
- خالتي .. أين أدهم؟
أجابت ليلى بهدوء:
- لقد ذهب.
توقفت حلا مكانها.
- ذهب؟
أومأت ليلى برأسها .. ساد الصمت للحظة .. أخفضت حلا نظرها قليلاً ومرّ حزن خفيف في عينيها .. لم تقل شيئاً ولكن ملامحها وحدها كانت كافية لتقول إن رحيله ترك فراغاً لم تتوقعه.
...................
في اليوم التالي .. كانت ساحة المدرسة تعجّ بالطلاب الخارجين بعد انتهاء الامتحان .. تتعالى أصواتهم بين ضحكاتٍ متعبة وتعليقاتٍ متفرقة عن الأسئلة وما جاء فيها.
وقف بعضهم قرب البوابة بينما كان آخرون يتفرقون في الطريق المؤدي إلى الشارع العام .. خرجت رهف من الباب بخطوات هادئة حقيبتها معلقة على كتفها ووجهها متعب قليلاً من أثر الساعات الطويلة التي قضتها في القاعة .. توقفت لحظة قرب الرصيف تتنفس بعمق كأنها تحاول أن تترك خلفها ضغط الامتحان .. لكنها ما إن رفعت رأسها حتى تجمدت خطواتها
كان وائل يقف على الجهة المقابلة من الطريق .. يستند إلى سيارته بصمت وعيناه معلقتان بها منذ اللحظة التي خرجت فيها .. لم يتحرك في البداية وكأنه كان ينتظر أن تراه.
وعندما التقت عيناهما للحظة شعر بانقباضٍ في صدره.
أما رهف فقد تصلبت ملامحها فوراً .. أدارت وجهها ببرود وكأنها لم تره أصلاً ثم بدأت تسير مبتعدة نحو سيارتها الخاصة لكن وائل لم يتركها .. ابتعد عن سيارته بخطوات سريعة ولحق بها حتى وقف إلى جانبها وقال بصوتٍ منخفض:
- رهف .. انتظري لحظة.
لم تنظر إليه .. واصلت سيرها وكأنها لم تسمع شيئاً .. تنهد وائل بتعب ثم قال مرة أخرى:
- أرجوك .. فقط دقيقة.
توقفت رهف فجأة واستدارت نحوه ببطء وعيناها باردتان على نحوٍ لم يره فيهما من قبل وقالت بجمود:
- ماذا تريد؟
تردد لحظة قبل أن يجيب:
- أردت فقط أن أعرف كيف كان امتحانك.
ضحكت رهف ضحكة قصيرة لكنها كانت مليئة بالمرارة.
- حقاً؟
ثم قالت بحدة:
- هذا ما جاء بك إلى هنا؟
أخفض وائل نظره قليلاً ثم قال:
- أردت أن أراك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقالت:
- وأنا لم أعد بحاجة إلى رؤيتك.
- رهف .. أعلم أنك غاضبة ولكن ...
قاطعته بحدة:
- غاضبة؟
اقتربت خطوة منه وعيناها تلمعان بغضبٍ مكبوت.
- أنت ما زلت تعتقد أن الأمر مجرد غضب؟
سكت وائل بينما تابعت هي بصوتٍ قاسٍ:
- أنت كذبت عليّ وعلى أمي و أبي.
ارتجف صوتها قليلاً رغم محاولتها السيطرة عليه.
- جعلت أمي تعيش أشهراً وهي تظن أنني سأموت.
أخفض وائل رأسه بصمت ثم قال بهدوء مثقل:
- أعلم أن ما فعلته كان خطأً.
هزت رأسها بعدم تصديق.
- أنت تسمي هذا خطأ؟.. هل لديك فكرة عمّا شعرت أمي به طوال تلك الأشهر؟
اقترب خطوة صغيرة وقال:
- صدقيني .. لم أرد أن أؤذيك.
نظرت إليه بازدراء واضح.
- لكنك فعلت .. كم كنت حمقاء عندما اعتقدت أنك شخص جيد
- ولكنني لست سيئاً
- بل أنت كذلك ..
ساد صمت قصير بينهما .. ثم قالت بصوتٍ أكثر برودة:
- أنا ذاهبة
- رهف… فقط اسمعيني
- لا.
ثم أضافت بصرامة:
- لا أريد أن أسمع منك شيئاً.
تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت:
- في الواقع .. أنا لا أريد أن أراك أصلاً فقد إمتلأ قلبي حقداً عليك
تصلبت ملامح وائل وكأن الكلمات أصابته في مكانٍ عميق .. قال بصوتٍ خافت:
- أعلم أنني لا أستحق غفرانك .. لكن
قاطعته مرة أخرى:
- على الأقل تعترف بذلك .. هذا أفضل شيء قلته اليوم.
استدارت لتكمل طريقها .. لكنها توقفت لحظة دون أن تنظر إليه وقالت بصوتٍ هادئ .. لكنه قاسٍ:
- إن كنت تحترم شيئاً واحداً مما تبقى من الود الذي كان بيننا ...
سكتت لحظة ثم أكملت:
- فلا تحاول التحدث معي مرة أخرى.
ثم مضت في طريقها دون أن تلتفت .. بقي وائل واقفاً في منتصف الطريق يراقبها وهي تبتعد شيئاً فشيئاً بين الطلاب والمارة لم يتحرك أو ينادها .. فقط ظل واقفاً هناك وشيء ثقيل يهبط في صدره مع كل خطوة تأخذها بعيداً عنه.
حتى ركبت بسيارتها التي انطلقت بسرعة واختفت تماماً عن ناظريه .. وعندها فقط أدرك أن بعض المسافات لا تُقاس بالخطوات بل بالقلوب التي لم تعد قادرة على الاقتراب.
...............
في مستودعٍ مهجور عند أطراف المدينة .. وقف مؤيد أمام رجلٍ في الثلاثين من عمره عريض الكتفين يبدو عليه الضجر الواضح.
قال الرجل بنبرة متبرمة:
- قلت لك من قبل .. أنا لا أحب هذه الأعمال.
ابتسم مؤيد ابتسامة خفيفة.
- لكنها أعمال تدر مالاً جيداً.
أخرج من جيبه ظرفاً سميكاً ولوّح به قليلاً قبل أن يمده نحوه .. تردد الرجل لحظة ثم أخذه وفتح الظرف واتسعت عيناه قليلاً حين رأى المال بداخله .. قال مؤيد بهدوء:
- هذا مجرد عربون.
- ماذا تريد بالضبط؟
أخرج مؤيد من جيبه صورة قديمة ووضعها على الطاولة المعدنية بينهما ليلتقطها الرجل وينظر إليها .. كانت صورة لفتاة في الرابعة عشرة تقريباً .. ملامحها هادئة وشعرها منسدل على كتفيها .. قال الرجل وهو يعيد النظر إلى مؤيد:
- ولكن هذه طفلة.
رد مؤيد ببرود:
- لم تعد طفلة الآن .. هذه صورة لها قبل ثلاث سنوات .. لا أملك غيرها .. اسمها حلا.
قطب الرجل حاجبيه.
- ولماذا تريدها؟
ابتسم مؤيد وأشعل سيجارة .. نفخ دخانها بعبث وقال:
- مع أن هذا ليس من شأنك ولكن سأخبرك .. تلك كانت زوجتي وقد هربت مني
ابتسم الرجل بمكر :
- ولماذا هربت
رد مؤيد بغضب:
- وما علاقتك أنت؟
انتفض الرجل خوفاً بينما أكمل أدهم بصوتك الأجش:
- أنت فقط كل ما عليك فعله هو أن تحضرها إلي.
ظل الرجل ينظر إلى الصورة لحظة أخرى ثم قال بتأفف:
- لماذا لا تحضرها بنفسك إن كانت زوجتك .. أنا لا أحبذ المشاكل العائلية
رد مؤيد بهدوء:
- لو كنت أستطيع الوصول إليها كنت سأدفع لك تلك المبالغ الضخمة حتى تحضرها لي برأيك؟
أشار إلى الظرف وتابع:
- وعندما تنتهي المهمة .. ستحصل على مثله مرتين
تردد الرجل قليلاً ثم زفر بضيق.
- حسناً .. لكن يجب أن أعرف أين أجدها.
أجاب مؤيد:
- إنها تسكن في هذا المنزل الآن
أخرج هاتفه وفتح صورة لبيت ليلى وقال:
- سأبعث لك بموقعه .. أنت راقب المكان وعندما تراها خرجت خذها بسرعة .. الفتاة ضعيفة وجبانة وما إن هدتها بسكين سوف تلبد وتخرس
سحب الرجل صورة حلا وظرف المال وخرج من المستودع .. أما مؤيد ارتاح على الكرسي ووضع قدميه على الطاولة وهو يسحب من السيجارة وينفث دخانها بكثافة وعيناه تلمع بـكل أحقاد الدنيا
....................
مرّ الأسبوعان التاليان بهدوءٍ ظاهري .. لكن تحت هذا الهدوء كانت القلوب تعيش صخباً لا يُرى
في المستشفى بدأت ليلى تأخذ حلا بانتظام إلى عيادة الجلدية والتجميل .. كانت الطبيبة تفحص الندوب بعناية وتشرح لها مراحل العلاج .. بينما تجلس حلا بهدوء على الكرسي الطبي تستمع وتومئ برأسها بين الحين والآخر.
في البداية كانت مترددة بل خجلة من فكرة معالجة تلك الآثار التي رافقتها طويلاً و لكن إصرار رهف وابتسامة ليلى المطمئنة جعلاها تقبل الأمر في النهاية.
ومع مرور الأيام بدأت ملامح التغيير تظهر شيئاً فشيئاً.
لم تكن الندوب تختفي بسرعة و لكن أثر العلاج كان واضحاً بما يكفي ليبعث الأمل في قلب ليلى ويجعل رهف تبتسم كلما نظرت إلى وجه أختها.
أما حلا نفسها فكانت تشعر بشيءٍ جديد يتشكل ببطء داخلها .. شعورٌ يشبه بداية حياةٍ مختلفة لم تتخيلها من قبل .. لكن ذلك الشعور لم يكن صافياً تماماً .. فمنذ زيارة أدهم الأخيرة للمنزل وغيابه المفاجئ بعدها .. ظل سؤالٌ صغير يلحّ في ذهنها كل يوم .. أين اختفى؟ ولماذا لم يعد يزورهم كما كان يفعل دائماً؟
كانت ليلى تكرر الجواب نفسه كلما سألت عنه:
إنه مشغول بامتحاناته ودراسته ولا يجد وقتاً للزيارة.
كانت حلا تكتفي بالإيماء و لكنها لم تكن تقنع نفسها تماماً .. وفي بعض الليالي كانت تجد نفسها تفكر فيه دون أن تدري لماذا .. ثم تهز رأسها محاولةً طرد الفكرة قبل أن تتضخم أكثر.
أما أدهم فكان يعيش تلك الأيام غارقاً بين دفاتره وكتبه محاولاً إقناع نفسه أن ما يفعله هو القرار الصحيح.
كان يقضي ساعات طويلة في الدراسة .. يقرأ ويكتب ويعيد المراجعة و لكن ذهنه لم يكن يبقى مع الكتب طويلاً .. ففي كل مرة يتوقف قليلاً .. كانت صورة واحدة تعود إلى ذهنه دون استئذان .. حلا.
وجهها عندما سلمت عليه يوم زيارته الأخيرة وارتباكها الذي لاحظه بوضوح .. كان يسأل نفسه أحياناً إن كان قد أخطأ عندما قرر الابتعاد هذه الفترة ولكنه كان يعود ويقنع نفسه أن الوقت ليس مناسباً الآن .. ليس قبل أن تنتهي امتحاناته .. وليس قبل أن يكون مستعداً لمواجهة الحقيقة كلها.
وفي الجهة الأخرى من المدينة .. لم يكن حال وائل أفضل بكثير .. منذ المواجهة الأخيرة مع رهف .. لم يمر يوم دون أن يفكر فيها .. كان يذهب إلى عمله يقابل مرضاه ويتصرف كعادته أمام الجميع و لكن شيئاً في داخله لم يعد كما كان.
وكانت كل محاولة منه للاعتذار تنتهي بالطريقة نفسها .. رهف ترفض الحديث معه وتغلق الباب في وجه أي فرصة للتصالح.
أما رهف نفسها .. فقد حاولت خلال تلك الأيام أن تعود إلى حياتها الطبيعية قدر الإمكان .. عادت إلى مدرستها لتكمل امتحاناتها وبدت أمام الجميع هادئة ومتماسكة ولكن شيئاً من البرود كان قد استقر في نظراتها منذ تلك الحادثة ومع ذلك .. كانت تمضي معظم وقتها إلى جانب حلا .. ترافقها إلى المستشفى أحياناً وتجلس معها بعد العلاج وتتحدثان في أمور بسيطة تحاول من خلالها أن تبقي الأجواء خفيفة بينهما .. وكأن وجود حلا بقربها أصبح الشيء الوحيد القادر على تخفيف ثقل الأيام الأخيرة.
وهكذا مضت الأيام ببطء .. كل شخص منهم يحاول أن يرتب فوضى قلبه بطريقته الخاصة دون أن يعلم أيٌّ منهم أن تلك الأيام الهادئة لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة التي كانت تقترب دون أن ينتبه لها أحد.
...................
عودة لهذا الوقت حيث كانت سيارة الرجل متوقفة على الجانب الآخر من الشارع .. جلس هو وصديقه داخلها .. ما زالان يراقبان المنزل منذ ايام ليدرسا الجو حتى يستطيعان اتمام عملهما من دون أن يُكشفا
قال السائق وهو يتثاءب:
- هل سنبقى هنا طويلاً؟ لقد مرت أيام ونحن نراقب
رد الآخر وهو ينظر إلى الصورة القديمة في يده:
- حتى تخرج الفتاة وحدها ..
- وهل ستتعرف عليها بتلك الصورة؟
نظر الرجل مرة أخرى إلى الصورة وقال:
- قال مؤيد أن تلك الصورة عمرها ثلاث سنين فقط .. لا أظن أن ملامحها تغيرت كثيراً .. لن نخطئها اطمئن
صمتا لحظات قبل أن يدرك السائق ويقول:
- إذاً هي صغيرة
- كف عن ذلك .. لقد قال أنها كانت زوجته
- وما أدراك .. هل أعطاك دليل على كلامه
- ولماذا يكذب .. نحن مهمتنا أن نعيد فتاة لزوجها .. نحن نقوم بعمل إنساني .. لو أنه لا يحبها لما كان طلب أن نحضرها بتلك الطريقة
رد الآخر بسخرية:
- ولو أنها تحب ذلك البغل لما كانت هربت منه .. لو لم تكن أخذت المال منه لما كنت وافقت على ذلك
- فقط اصمت وانتظر
مرت دقائق طويلة ثم انفتح باب المنزل أخيراً وخرجت فتاة لوحدها .. كانت تسير بخطوات هادئة على الرصيف وهي ترتري ملابس رياضية وتضع سماعات
رفع الرجل الصورة مرة أخرى ثم نظر إليها .. تشابه الملامح كان واضحاً .. نفس العينين ونفس شكل الوجه.
قال السائق:
- هل هذه هي؟
حدق الرجل فيها لحظة أخرى ثم قال بثقة:
- نعم .. هي نفسها.
وشغل السيارة ومشى بها خلفها .. لم يكن يعلم أن الصورة التي يحملها كانت لحلا قبل سنوات طويلة وأن الفتاة التي خرجت من المنزل الآن .. لم تكن حلا بل كانت رهف.
خرجت حلا بعدها بدقائق وهي ترتدي سترتها وهي تقول:
- أنا ذاهبة مع رهف إلى بيت خالتي رويدا
ردت ليلى من الداخل:
- لا تتأخرن
- حسناً
خرجت تركض على الرصيف لتلحق بـ رهف .. ثم وقفت متفاجأة
في نهاية الشارع أوقف الرجل السيارة ونزل منها بسرعة متجهاً نحو رهف .. قطبت حلا حاجبيها والتفتت للخلف وعادت تنظر إلى ذلك الرجل الذي صار قريباً من رهف
لم تشعر رهف بشيء حتى اقترب منها فجأة ووضع منديلاً فيه مخدراً على وجهها .. حاولت رهف أن تسحب يدها و لكن الرجل كان أقوى .. أما حلا صرخت بذعر باسم رهف وركضت اتجاههم
ظهر شريكه خلفه بالسيارة في اللحظة نفسها وخلال ثوانٍ قليلة كانت رهف تُسحب نحو السيارة بالقوة بينما حلا مازالت تركض لتخلصها ..اختفى صوتها في الشارع الخالي ثم أُغلق باب السيارة بعنف لتصل حلا إلى السيارة وتمسك بالباب وهي تضرب زجاجه وتحاول فتحه وهي تنادي باسم رهف التي كانت فاقدة للوهي في المقعد الخلفي .. ثم انطلقت مبتعدة لتقع حلا في منتصف الطريق وهي تبكي وتصرخ باسم رهف .. حتى خرجت ليلى وساكني ذلك الحي على صراخها
...............
كان المخزن المهجور غارقاً في ضوءٍ باهت يتسلل من ثقوب السقف بينما تختلط رائحة الرطوبة بالغبار القديم في الهواء.
وقفت رهف في وسط المكان ويداها مقيدتان خلف ظهرها بحبلٍ خشن وقطعة قماش سميكة تكتم فمها.
كان الرجلان اللذان خطفاها ملثمان ويقفان على جانبيها .. يمسكان بذراعيها بإحكام .. أما مؤيد كان يقف أمامها مباشرة.
عيناه تتأملانها ببطء وابتسامة باردة لا تزال عالقة على شفتيه منذ اللحظة التي اكتشف فيها أن الفتاة التي أُحضرت ليست حلا ..
نظر مؤيد بالرجلان وقال:
- كم أنتما أحمقان .. هذه ليست الفتاة المقصودة
نظرا ببعضهما و رد أحدهم:
- ولكن ماذا تقول ! .. انظر هي ذات الفتاة
وأخرج الصورة من جيبه ووضعها بجانب وجه رهف وقال:
- من الطبيعي أن يكون هناك قليل من الاختلاف في ملامحها .. فهذه الصورة قبل ثلاث سنوات
رد مؤيد:
- صحيح هناك شبه .. ولكن هذه ليست زوجتي يا حمقى .. هذه شقيقتها التوأم
قال تلك الكلمة ونظر بـ رهف التي بقيت ترمقه بنظرات غاضبة ممزوجة بدهشة .. رفت عينها وهمست بداخلها:
- إذاً هذا المتوحش كان يعلم بوجودي منذ البداية
اقترب مؤيد خطوة أخرى منها وكأنه يستمتع بتلك اللحظة .. لكن رهف لم تُخفض نظرها .. كانت تحدق فيه بثباتٍ مشتعِل في عينيها لم يكن هناك خوف .. بل غضبٌ حارق .. اشتعل قلبها حقداً عليه بعد أن لاحت في ذاكرتها صورة رهف والندوب التي سببها لها بسبب تعذيبه لها
راقبها مؤيد لحظة قبل أن يبتسم ابتسامة أوسع.
- ولكن ما هذه النظرة؟ هل تعتقدين أنني من بعتكِ وفرّقتكِ عن أختك الحمقاء ؟
لم تجب بطبيعة الحال بسبب تغطيتهم لفمها ولكن جسدها المتوتر كان يقول كل شيء .. وقبل أن ينتبه أحد تحركت فجأة .. انحنت برأسها إلى الأمام بسرعة ثم رفعت جبينها بعنف لتضرب مؤيد مباشرة في أنفه.
ارتطم رأسها به بقوة ليصرخ بألم .. تراجع خطوة إلى الخلف وهو يمسك أنفه بصدمة .. وفي اللحظة نفسها استغلت رهف ارتباك الرجلين اللذين يمسكانها .. رفعت ركبتها بقوة وضربت الرجل الذي على يمينها في بطنه .. انفلتت يده عنها للحظة وهو يئن من الألم .. دارت بجسدها بسرعة وضربت الآخر بكوعها رغم أن يديها مقيدتان فأصابته في صدره ودفعته خطوة إلى الخلف .. حاولت أن تندفع للأمام و لكن الأرض كانت زلقة والغرفة ضيقة والرجلان استعادا توازنهما بسرعة.
اندفع أحدهما نحوها وأمسك بذراعها بعنف بينما أمسك الآخر كتفها من الخلف .. قاومت بكل قوتها تحاول أن تضربهما بكتفيها وركبتيها و لكنهما كانا أقوى منها وفجأة شُدّ رأسها إلى الخلف بعنف .. قبضة قوية أمسكت شعرها وسحبتها بقسوة حتى كادت تفقد توازنها .. كان مؤيد.
كان أنفه محمراً قليلاً من الضربة وعيناه تشتعلان غضباً .. شد شعرها أكثر حتى اضطرّت أن ترفع رأسها نحوه .. اقترب منها حتى أصبح وجهه قرب أذنها .. ثم همس بصوتٍ منخفض و لكن مشبع بالغضب:
- يا لكِ من فتاةٍ وقحة
لم يكن أحد منهم يعلم أن اللحظة التي ظنّ فيها كل شيء بدأ يستقر كانت في الحقيقة اللحظة التي بدأ فيها كل شيء ينهار .. في مكانٍ ما داخل المدينة كانت الحقيقة قد انكشفت أخيراً وفي مكانٍ آخر كانت الكذبة التي بُني عليها كل شيء قد سقطت .. رهف لم تعد تلك الفتاة التي كانت قبل أسابيع
ووائل لم يعد يملك ما يخفيه وليلى ظنت للحظة أن الله أعاد إليها الطمأنينة أخيراً ولكن القدر كان يكتب سطراً آخر لم يقرأه أحد بعد.
وفي الجهة الأخرى من المدينة .. داخل مخزنٍ مهجور تفوح منه رائحة العفن والحديد الصدئ كانت رهف مقيدة اليدين وعيناها تشتعلان غضباً في وجه الرجل الذي ظن أنه أمسك أخيراً بورقة انتقامه الأخيرة .. أما مؤيد فلم يكن يدرك أنه في اللحظة التي اعتقد فيها أنه ربح اللعبة .. كان قد فتح الباب على جحيم لن يستطيع إغلاقه وبينما كان يبتسم منتشياً بما ظنه نصراً ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قبل أسبوعين
كان المساء قد خيّم على الغرفة بهدوءٍ ثقيل .. والضوء الخافت المتسلل من المصباح الصغير قرب السرير يرسم ظلالاً طويلة على الجدران .. جلست رهف قرب النافذة ضامةً ركبتيها إلى صدرها وعيناها معلقتان في الظلام خارج الزجاج .. لم تكن تتحرك وكأنها تحاول أن تمنع نفسها من التفكير .. منذ ساعات وهي على هذه الحال ..
وقفت حلا عند الباب للحظات تراقبها بصمت .. قلبها حزين وعيناها لم تنشفا من الدموع وهي ترى حزن رهف وانهيارها .. تقدمت بخطواتٍ هادئة وجلست على طرف السرير خلفها ثم نادتها برفق:
- رهف
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أرجوكِ لا تفعلي بنفسكِ هذا
بقيت لحظات تنتظر رداً منها لتقول:
- توقعت أن تفرحي لأنكِ سليمة ولا تعانين من شيء
أخيراً نطقت رهف بصوتها الساكن بعد لحظة:
- هل تعلمين ما هو أكثر ألم من المرض ؟
نظرت حلا إليها بقلق وقالت:
- ماذا؟
ابتسمت رهف ابتسامة باهتة وقالت:
- أن يكسرك الشخص الذي وثقت به.
ساد صمت ثقيل .. تابعت رهف بصوتٍ خافت:
- لم أتخيل يوماً أن يكون وائل هكذا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كنت أظنه .. مختلفاً.
أخفضت رأسها وهي تضحك ضحكة قصيرة مريرة.
- طبيب .. إنسان محترم .. شخص يمكن الوثوق به.
رفعت عينيها إلى السقف وكأنها تحاول منع دموعها.
- لكن يبدو أنني كنت ساذجة.
اقتربت حلا أكثر قليلاً وأمسكتها من كتفيها:
- رهف
لكن الأخرى تابعت قبل أن تكمل:
- هل تعلمين ما الذي قتلني حقاً؟
التفتت أخيراً ونظرت إلى حلا بعينين محمرتين.
- ليس كذبة المرض.
توقفت لحظة وانهمرت دموعها وهي تكمل:
- بل أنه استطاع أن ينظر إليّ وهو يكذب.
ضمت حلا شفتيها وابتعدت عن رهف خطوة وعادت لتجلس بشرود بينما أكملت رهف من دون وعي
- كيف استطاع أن يفعل ذلك؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- معكِ حق
نظرت رهف إليها وكأنها أدركت ما يشغل بال حلا .. نهضت واقتربت منها ومدت يدها ببطء وأمسكت بيدها وقالت:
- ليس كل الناس يشبهون قلوبنا يا حلا
- وأنا أيضاً كذبت يا رهف
- ولكنكِ كنتِ مجبرة
- ولكن هذا ليس تبريراً .. ذنبي لا يقل عن ذنب وائل
ضحكت رهف بمرارة وقالت:
- على الأقل أنتِ لم تؤذي أدهم بكذبتك .. بل فقط خفتِ أن تبقي وحيدة .. أما وائل فكذبته عذرها أقبح منها .. يبدو أنني كنت أراه كما أردته أن يكون.
ثم همست:
- ربما كنت أحبه.
تجمدت حلا قليلاً لكنها لم تقل شيئاً .. تابعت رهف بصوتٍ خافت:
- تخيلي كم هو مؤلم أن تكتشفي أن الشخص الذي ظننته سيحميك هو من طعنك
اقتربت حلا منها أكثر ثم رفعت يدها ومسحت دمعة أخرى عن خدها.
- القلوب الطيبة تنخدع أحياناً .. كما خُدع أدهم بي
قالت ذلك بهدوء ثم أضافت:
- لكن هذا لا يعني أنه ليس مخطئاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- الخطأ ليس في أنك وثقتِ به .. الخطأ أنه لم يكن يستحق هذه الثقة.
ساد صمت طويل بينهما .. بعد لحظات جلست رهف و مالت ببطء وأسندت رأسها على كتف حلا أغمضت عينيها وهمست بتعب:
- أشعر وكأن شيئاً انكسر بداخلي.
لفّت حلا ذراعها حول كتفيها برفق
- الأشياء التي تنكسر يمكن أن تلتئم.
سكتت لحظة ثم أضافت بهدوء:
- لكن ليس بوجود الأشخاص الذين كسروها.
وبقيتا هكذا في صمت .. إحداهما تحاول أن تخفف الألم والأخرى تحاول أن تتعلم كيف تعيش بعد الخيبة.
..........
كانت الغرفة غارقة في شبه ظلام لا يقطع سكونها سوى الضوء الخافت القادم من مصباح صغير على الطاولة الجانبية .. جلس وائل على طرف السرير مائلاً قليلاً إلى الأمام ومرفقاه مستندان إلى ركبتيه بينما تتشابك أصابعه أمامه بتوتر ..
منذ أن عاد إلى المنزل وهو لم يغيّر وضعه تقريباً .. لم يبدّل ملابسه أو يشغّل التلفاز حتى الطعام الذي وضعه على الطاولة بقي كما هو دون أن يمسه .. كان رأسه مثقلاً بفكرة واحدة فقط .. رهف .. أغمض عينيه للحظة و لكن صورتها عادت فوراً إلى ذهنه .. تلك النظرة التي رمقته بها عندما اكتشفت الحقيقة ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- رهف
مرّر يده في شعره بعصبية قبل أن يسند ظهره إلى السرير ويحدق في السقف .. لم يكن يتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد .. كان يظن أنه يستطيع التحكم بكل شيء .. بالموقف والكذبة حتى بالنهاية .. لكن شيئاً واحداً لم يحسب له حساباً وهي الطريقة التي اتبعها ليصل إلى الحقيقة
تنهد بعمق وأغلق عينيه مرة أخرى.
- لو تعلمين فقط .. كم كنت خائفاً عليكِ فعلاً.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه و لكنها كانت مليئة بالمرارة.
- كنت أريد فقط أن أعرف الحقيقة .. أن أعرف ماذا تخفي أمكِ
صمت لحظة ثم هز رأسه ببطء.
- لكنني لم أفكر لحظة بما سيحدث لكِ.
عاد صوتها يرن في أذنيه
“أنت شخص وضيع وليس لديك قلب ولا إحساس.”
انقبض صدره فجأة .. رفع يده ببطء ولمس خده حيث صفعتْه وكأن أثر الصفعة ما زال هناك .. لم يشعر بالإهانة بل شعر أنه يستحقها .. أخفض يده وهمس بتعب:
- كان يجب أن أوقف الأمر منذ البداية.
مرّت لحظة طويلة من الصمت .. ثم قال بصوتٍ أثقل:
- لم يكن يجب أن أدخلكِ في هذا أبداً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- المشكلة أنني .. أحببتكِ.
ساد الصمت مجدداً في الغرفة .. لم يكن هناك من يسمعه .. ولا من يجيبه .. فقط رجل يجلس في غرفته المظلمة يواجه لأول مرة الحقيقة التي حاول تجاهلها طويلاً .. أنه خسر الشخص الوحيد الذي لم يكن مستعداً لخسارته وبسببه هو.
وبينما كان الليل يمضي ببطء خلف النافذة بقي وائل جالساً في مكانه غارقاً في أفكاره .. لأول مرة منذ سنوات يشعر أن كل ما حققه في حياته لا يساوي شيئاً أمام نظرة خيبة واحدة في عيني رهف.
.................
بعد يومين ..
كان المساء يهبط ببطء على الشارع حين توقفت سيارة مؤيد على مسافة غير بعيدة من المبنى .. جلس خلف المقود مائلاً قليلاً إلى الأمام وعيناه مثبتتان على المدخل.
بعد دقائق رأى أدهم قد خرج من البناء .. تصلبت ملامح مؤيد فور رؤيته وانفرجت شفتاه بابتسامة باردة وتمتم لنفسه:
- حسناً .. فلنرَ إلى أين تخبئها.
أدار المحرك بهدوء وترك مسافة كافية بينه وبين سيارة أدهم متبعاً إياها في الشوارع دون أن يلفت الانتباه .. انعطف أدهم أكثر من مرة حتى وصل إلى حيٍ أكثر هدوءاً وتوقف أخيراً أمام منزلٍ أنيق تحيط به حديقة صغيرة .. أخفض مؤيد رأسه قليلاً خلف المقود يراقب المكان بعينين ضيقتين.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إذاً هنا تختبئين
ارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة وهمس:
- وجدتك أخيراً
ثم تراجع بالسيارة واختفى في الظلام
.................
أمام بوابة البيت ركن أدهم سيارته .. بقي جالساً خلف المقود لحظة قصيرة .. يحدّق في الباب الحديدي وكأنه يجمع شجاعته قبل أن يترجل.
تنهد ببطء وهمس:
- يجب أنهي الأمر اليوم
نزل من السيارة وتقدم نحو الباب ودخل .. رفع رأسه ورأى حلا تلوح له .. عادت نبضات قلبه تعلو عندما رآها .. ابتسم ولوح له بدوره ثم توجع للباب الخشبي ورن الجرس .. لم تمضِ لحظات حتى فُتح الباب وظهرت ليلى بابتسامتها الهادئة وقالت:
- أهلاً يا أدهم .. تفضل.
ابتسم لها بخفوت واقرب منها وحضنها:
- كيف حالك يا خالتي؟
- بخير و الحمد لله ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت تنزل الدرج ببطء وعيناها تبحثان في الصالة حتى وقعتا عليه .. توقفت خطوة صغيرة ثم تابعت نزولها.
لكن شيئاً من الارتباك كان واضحاً في حركتها .. تقدمت نحوه وقالت بصوت هادئ:
- كيف حالك أدهم
رد أدهم فوراً:
- أصبحت أفضل عندما رأيتكِ
وقف قليلاً ثم قال وهو يراقب توترها بتوتر أكبر :
- مابكِ .. هل أنتِ بخير ؟
رفعت عينيها إليه للحظة قصيرة ثم أخفضتهما بسرعة و ردت:
- لقد أطلت غيابك ..
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
- لقد غبت فقط يومان
- بالنسبة لي كانوا أكثر
- أرجوكِ لا تغضبي مني .. لقد انشغلت قليلاً
ساد صمت قصير بينهما .. كلاهما كان يشعر بشيءٍ غريب في تلك اللحظة وقبل أن يقول أحدهما شيئاً آخر .. جاء صوت رهف من الأعلى:
- حلا
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أهلاً أدهم.
- أهلاً رهف.
اكتفت بإيماءة خفيفة بهدوء ثم قالت:
- حلا .. تعالي لحظة أريدكِ بشيء
ثم استدارت وعادت إلى غرفتها دون أن تضيف كلمة أخرى.
نظرت حلا إلى أدهم للحظة قصيرة وكأنها تريد أن تقول شيئاً لكنها لم تفعل .. تراجعت خطوة إلى الخلف وهي تقول بخفوت:
- سأصعد قليلاً.
ثم التفتت وصعدت خلف رهف .. ظل أدهم واقفاً ينظر إلى الدرج للحظة قبل أن يسمع صوت ليلى خلفه :
- أدهم .. تعال معي إلى الصالة الداخلية
أومأ برأسه ولحق بها .. دخل الاثنان إلى الصالون وجلسا متقابلين .. سأل أدهم بعد لحظة:
- كيف حال حلا يا خالتي؟ أرجو أنها لا تزعجكم
ابتسمت ليلى ابتسامة دافئة وقالت:
- تزعجنا !! لابد وأنك تمازحني .. تلك الفتاة كالملاك يا أدهم .. ليتني تعرفت عليها منذ زمن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إن رهف لا تفارقها أبداً منذ جاءت .. لقد تعلقت بها وكأنها تعرفها منذ سنين
- هذا طبيعي .. إنهما توأمين .. ورهف وجدت نصفها الضائع
- الحمدلله .. كم أنا سعيدة من أجلها
هز أدهم رأسه بتفكير ثم قال:
- كأنني لاحظت أن رهف ليست على ما يرام .. شعرت أنها حزينة قليلاً.
تنهدت ليلى بعمق وكأن السؤال فتح باباً لم تكن تريد فتحه.
- إنها كذلك حقاً .. والأمر ليس بسيطاً يا أدهم .. رهف تعرضت لخيبة كبيرة من شخصٍ ربما أحبّته
نظر إليها أدهم وسألها باهتمام :
- ماذا حدث؟
أطرقت ليلى قليلاً ثم بدأت تسرد له ما جرى .. منذ اللحظة التي أخبرها فيها الأطباء أن رهف مريضة مروراً بالخوف والقلق الذي عاشوه وصولاً إلى اللحظة التي اكتشفوا فيها أن كل ذلك كان كذبة دبروها حامد ووائل.
استمع أدهم بصمت وملامحه تزداد دهشة مع كل كلمة .. وعندما انتهت ليلى من حديثها مال رأسه قليلاً وقال بدهشة واضحة:
- كل هذا… يخرج من وائل والطبيب حامد؟
هزت ليلى رأسها بأسف.
- نعم .. ورهف حتى الآن لم تستطع أن تسامح وائل
- والطبيب حامد؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد قمت .. بطرده
- ولكنكِ قلتِ أنها كانت فكرة وائل
- صحيح .. ذنبه أنه وافقه .. ثم ألست من قلتَ لي أن من يساعد الظالم على ظلمه أسوأ من الظالم نفسه ؟
ساد الصمت بينهما لحظة قبل أن يرد بأسف:
- معكِ حق ..
أخفض رأسه وتاه بعينيه بتوتر واضح .. كانت ليلى تراقبه ولاحظت أن ملامحه تغيرت منذ سمع القصة .. رأته ضيّق حاجبيه قليلاً وكأنه غرق في أفكار بعيدة .. قالت وهي تنظر إليه باهتمام:
- ما الأمر يا أدهم؟ أشعر أن هناك شيئاً يشغلك.
رفع نظره إليها بعد لحظة صمت وقال بهدوء:
- في الحقيقة .. كنت قد جئت اليوم لأخبر حلا بالحقيقة
تابع وهو يخفض عينيه قليلاً:
- وأعترف لها أنني لست أخاها.
ساد الصمت للحظة ثم تابع بصوت هادئ:
- لكن بعد ما أخبرتني بما حدث مع رهف .. بدأت أتردد.
نظرت إليه ليلى بتفهم وقالت:
- و لكن كذبتك لم تؤذِ حلا يا أدهم .. بالعكس .. أنت قمت بحمايتها والحفاظ عليها.
هز رأسه ببطء
- هذا ليس مبرراً يا خالتي .. حلا متعلقة بي على أساس أنني شقيقها .. وعندما تعرف الحقيقة .. ربما ستكرهني.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كما كرهت رهف وائل.
حاولت ليلى أن تقنعه:
- الأمر مختلف تماماً يا أدهم .. القصتين لا تشبهان بعضهما
لكنه قال بهدوء:
- ربما و لكنني لا أريد أن أراها تنظر إليّ بتلك النظرة .. خالتي .. أريد أن أطلب منك طلباً.
- تفضل.
- أنا سأغيب قليلاً .. ربما شهر
رفعت ليلى حاجبيها باستغراب وقالت:
- شهر؟
أومأ برأسه.
- لدي امتحانات كثيرة .. وأحتاج أن أركز.
ثم أضاف:
- إن سألت حلا عني .. أخبريها أنني مشغول بدراستي ولا أملك وقتاً لزيارة أحد.
نظرت إليه ليلى وقالت:
- و لكنها في كل الأحوال ستعرف الحقيقة يوماً ما .. وربما تعود ذاكرتها وتتذكر أنك لست أخاها.
قال بهدوء:
- لا بأس .. ربما يكون هذا أفضل.
ثم أضاف بابتسامة خفيفة متعبة:
- عقلي الآن مشغول بالامتحانات .. وإن حدث شيء بيني وبين حلا الآن .. قد يتشتت ذهني ولن أستطيع تقديمها جيداً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كما تريد يا أدهم.
بعد لحظات نهض من مكانه.
- أنا سأذهب الآن.
وقفت ليلى معه حتى الباب.
- اعتنِ بنفسك يا أدهم
- وأنتِ أيضاً يا خالتي.
خرج أدهم من المنزل وبعد لحظات اختفى صوت سيارته في الشارع .. مرّ بعض الوقت ثم نزلت حلا من الدرج .. نظرت حولها قبل أن تسأل:
- خالتي .. أين أدهم؟
أجابت ليلى بهدوء:
- لقد ذهب.
توقفت حلا مكانها.
- ذهب؟
أومأت ليلى برأسها .. ساد الصمت للحظة .. أخفضت حلا نظرها قليلاً ومرّ حزن خفيف في عينيها .. لم تقل شيئاً ولكن ملامحها وحدها كانت كافية لتقول إن رحيله ترك فراغاً لم تتوقعه.
...................
في اليوم التالي .. كانت ساحة المدرسة تعجّ بالطلاب الخارجين بعد انتهاء الامتحان .. تتعالى أصواتهم بين ضحكاتٍ متعبة وتعليقاتٍ متفرقة عن الأسئلة وما جاء فيها.
وقف بعضهم قرب البوابة بينما كان آخرون يتفرقون في الطريق المؤدي إلى الشارع العام .. خرجت رهف من الباب بخطوات هادئة حقيبتها معلقة على كتفها ووجهها متعب قليلاً من أثر الساعات الطويلة التي قضتها في القاعة .. توقفت لحظة قرب الرصيف تتنفس بعمق كأنها تحاول أن تترك خلفها ضغط الامتحان .. لكنها ما إن رفعت رأسها حتى تجمدت خطواتها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وعندما التقت عيناهما للحظة شعر بانقباضٍ في صدره.
أما رهف فقد تصلبت ملامحها فوراً .. أدارت وجهها ببرود وكأنها لم تره أصلاً ثم بدأت تسير مبتعدة نحو سيارتها الخاصة لكن وائل لم يتركها .. ابتعد عن سيارته بخطوات سريعة ولحق بها حتى وقف إلى جانبها وقال بصوتٍ منخفض:
- رهف .. انتظري لحظة.
لم تنظر إليه .. واصلت سيرها وكأنها لم تسمع شيئاً .. تنهد وائل بتعب ثم قال مرة أخرى:
- أرجوك .. فقط دقيقة.
توقفت رهف فجأة واستدارت نحوه ببطء وعيناها باردتان على نحوٍ لم يره فيهما من قبل وقالت بجمود:
- ماذا تريد؟
تردد لحظة قبل أن يجيب:
- أردت فقط أن أعرف كيف كان امتحانك.
ضحكت رهف ضحكة قصيرة لكنها كانت مليئة بالمرارة.
- حقاً؟
ثم قالت بحدة:
- هذا ما جاء بك إلى هنا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أردت أن أراك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقالت:
- وأنا لم أعد بحاجة إلى رؤيتك.
- رهف .. أعلم أنك غاضبة ولكن ...
قاطعته بحدة:
- غاضبة؟
اقتربت خطوة منه وعيناها تلمعان بغضبٍ مكبوت.
- أنت ما زلت تعتقد أن الأمر مجرد غضب؟
سكت وائل بينما تابعت هي بصوتٍ قاسٍ:
- أنت كذبت عليّ وعلى أمي و أبي.
ارتجف صوتها قليلاً رغم محاولتها السيطرة عليه.
- جعلت أمي تعيش أشهراً وهي تظن أنني سأموت.
أخفض وائل رأسه بصمت ثم قال بهدوء مثقل:
- أعلم أن ما فعلته كان خطأً.
هزت رأسها بعدم تصديق.
- أنت تسمي هذا خطأ؟.. هل لديك فكرة عمّا شعرت أمي به طوال تلك الأشهر؟
اقترب خطوة صغيرة وقال:
- صدقيني .. لم أرد أن أؤذيك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لكنك فعلت .. كم كنت حمقاء عندما اعتقدت أنك شخص جيد
- ولكنني لست سيئاً
- بل أنت كذلك ..
ساد صمت قصير بينهما .. ثم قالت بصوتٍ أكثر برودة:
- أنا ذاهبة
- رهف… فقط اسمعيني
- لا.
ثم أضافت بصرامة:
- لا أريد أن أسمع منك شيئاً.
تراجعت خطوة إلى الخلف وقالت:
- في الواقع .. أنا لا أريد أن أراك أصلاً فقد إمتلأ قلبي حقداً عليك
تصلبت ملامح وائل وكأن الكلمات أصابته في مكانٍ عميق .. قال بصوتٍ خافت:
- أعلم أنني لا أستحق غفرانك .. لكن
قاطعته مرة أخرى:
- على الأقل تعترف بذلك .. هذا أفضل شيء قلته اليوم.
استدارت لتكمل طريقها .. لكنها توقفت لحظة دون أن تنظر إليه وقالت بصوتٍ هادئ .. لكنه قاسٍ:
- إن كنت تحترم شيئاً واحداً مما تبقى من الود الذي كان بيننا ...
سكتت لحظة ثم أكملت:
- فلا تحاول التحدث معي مرة أخرى.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حتى ركبت بسيارتها التي انطلقت بسرعة واختفت تماماً عن ناظريه .. وعندها فقط أدرك أن بعض المسافات لا تُقاس بالخطوات بل بالقلوب التي لم تعد قادرة على الاقتراب.
...............
في مستودعٍ مهجور عند أطراف المدينة .. وقف مؤيد أمام رجلٍ في الثلاثين من عمره عريض الكتفين يبدو عليه الضجر الواضح.
قال الرجل بنبرة متبرمة:
- قلت لك من قبل .. أنا لا أحب هذه الأعمال.
ابتسم مؤيد ابتسامة خفيفة.
- لكنها أعمال تدر مالاً جيداً.
أخرج من جيبه ظرفاً سميكاً ولوّح به قليلاً قبل أن يمده نحوه .. تردد الرجل لحظة ثم أخذه وفتح الظرف واتسعت عيناه قليلاً حين رأى المال بداخله .. قال مؤيد بهدوء:
- هذا مجرد عربون.
- ماذا تريد بالضبط؟
أخرج مؤيد من جيبه صورة قديمة ووضعها على الطاولة المعدنية بينهما ليلتقطها الرجل وينظر إليها .. كانت صورة لفتاة في الرابعة عشرة تقريباً .. ملامحها هادئة وشعرها منسدل على كتفيها .. قال الرجل وهو يعيد النظر إلى مؤيد:
- ولكن هذه طفلة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لم تعد طفلة الآن .. هذه صورة لها قبل ثلاث سنوات .. لا أملك غيرها .. اسمها حلا.
قطب الرجل حاجبيه.
- ولماذا تريدها؟
ابتسم مؤيد وأشعل سيجارة .. نفخ دخانها بعبث وقال:
- مع أن هذا ليس من شأنك ولكن سأخبرك .. تلك كانت زوجتي وقد هربت مني
ابتسم الرجل بمكر :
- ولماذا هربت
رد مؤيد بغضب:
- وما علاقتك أنت؟
انتفض الرجل خوفاً بينما أكمل أدهم بصوتك الأجش:
- أنت فقط كل ما عليك فعله هو أن تحضرها إلي.
ظل الرجل ينظر إلى الصورة لحظة أخرى ثم قال بتأفف:
- لماذا لا تحضرها بنفسك إن كانت زوجتك .. أنا لا أحبذ المشاكل العائلية
رد مؤيد بهدوء:
- لو كنت أستطيع الوصول إليها كنت سأدفع لك تلك المبالغ الضخمة حتى تحضرها لي برأيك؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- وعندما تنتهي المهمة .. ستحصل على مثله مرتين
تردد الرجل قليلاً ثم زفر بضيق.
- حسناً .. لكن يجب أن أعرف أين أجدها.
أجاب مؤيد:
- إنها تسكن في هذا المنزل الآن
أخرج هاتفه وفتح صورة لبيت ليلى وقال:
- سأبعث لك بموقعه .. أنت راقب المكان وعندما تراها خرجت خذها بسرعة .. الفتاة ضعيفة وجبانة وما إن هدتها بسكين سوف تلبد وتخرس
سحب الرجل صورة حلا وظرف المال وخرج من المستودع .. أما مؤيد ارتاح على الكرسي ووضع قدميه على الطاولة وهو يسحب من السيجارة وينفث دخانها بكثافة وعيناه تلمع بـكل أحقاد الدنيا
....................
مرّ الأسبوعان التاليان بهدوءٍ ظاهري .. لكن تحت هذا الهدوء كانت القلوب تعيش صخباً لا يُرى
في المستشفى بدأت ليلى تأخذ حلا بانتظام إلى عيادة الجلدية والتجميل .. كانت الطبيبة تفحص الندوب بعناية وتشرح لها مراحل العلاج .. بينما تجلس حلا بهدوء على الكرسي الطبي تستمع وتومئ برأسها بين الحين والآخر.
في البداية كانت مترددة بل خجلة من فكرة معالجة تلك الآثار التي رافقتها طويلاً و لكن إصرار رهف وابتسامة ليلى المطمئنة جعلاها تقبل الأمر في النهاية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم تكن الندوب تختفي بسرعة و لكن أثر العلاج كان واضحاً بما يكفي ليبعث الأمل في قلب ليلى ويجعل رهف تبتسم كلما نظرت إلى وجه أختها.
أما حلا نفسها فكانت تشعر بشيءٍ جديد يتشكل ببطء داخلها .. شعورٌ يشبه بداية حياةٍ مختلفة لم تتخيلها من قبل .. لكن ذلك الشعور لم يكن صافياً تماماً .. فمنذ زيارة أدهم الأخيرة للمنزل وغيابه المفاجئ بعدها .. ظل سؤالٌ صغير يلحّ في ذهنها كل يوم .. أين اختفى؟ ولماذا لم يعد يزورهم كما كان يفعل دائماً؟
كانت ليلى تكرر الجواب نفسه كلما سألت عنه:
إنه مشغول بامتحاناته ودراسته ولا يجد وقتاً للزيارة.
كانت حلا تكتفي بالإيماء و لكنها لم تكن تقنع نفسها تماماً .. وفي بعض الليالي كانت تجد نفسها تفكر فيه دون أن تدري لماذا .. ثم تهز رأسها محاولةً طرد الفكرة قبل أن تتضخم أكثر.
أما أدهم فكان يعيش تلك الأيام غارقاً بين دفاتره وكتبه محاولاً إقناع نفسه أن ما يفعله هو القرار الصحيح.
كان يقضي ساعات طويلة في الدراسة .. يقرأ ويكتب ويعيد المراجعة و لكن ذهنه لم يكن يبقى مع الكتب طويلاً .. ففي كل مرة يتوقف قليلاً .. كانت صورة واحدة تعود إلى ذهنه دون استئذان .. حلا.
وجهها عندما سلمت عليه يوم زيارته الأخيرة وارتباكها الذي لاحظه بوضوح .. كان يسأل نفسه أحياناً إن كان قد أخطأ عندما قرر الابتعاد هذه الفترة ولكنه كان يعود ويقنع نفسه أن الوقت ليس مناسباً الآن .. ليس قبل أن تنتهي امتحاناته .. وليس قبل أن يكون مستعداً لمواجهة الحقيقة كلها.
وفي الجهة الأخرى من المدينة .. لم يكن حال وائل أفضل بكثير .. منذ المواجهة الأخيرة مع رهف .. لم يمر يوم دون أن يفكر فيها .. كان يذهب إلى عمله يقابل مرضاه ويتصرف كعادته أمام الجميع و لكن شيئاً في داخله لم يعد كما كان.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما رهف نفسها .. فقد حاولت خلال تلك الأيام أن تعود إلى حياتها الطبيعية قدر الإمكان .. عادت إلى مدرستها لتكمل امتحاناتها وبدت أمام الجميع هادئة ومتماسكة ولكن شيئاً من البرود كان قد استقر في نظراتها منذ تلك الحادثة ومع ذلك .. كانت تمضي معظم وقتها إلى جانب حلا .. ترافقها إلى المستشفى أحياناً وتجلس معها بعد العلاج وتتحدثان في أمور بسيطة تحاول من خلالها أن تبقي الأجواء خفيفة بينهما .. وكأن وجود حلا بقربها أصبح الشيء الوحيد القادر على تخفيف ثقل الأيام الأخيرة.
وهكذا مضت الأيام ببطء .. كل شخص منهم يحاول أن يرتب فوضى قلبه بطريقته الخاصة دون أن يعلم أيٌّ منهم أن تلك الأيام الهادئة لم تكن سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة التي كانت تقترب دون أن ينتبه لها أحد.
...................
عودة لهذا الوقت حيث كانت سيارة الرجل متوقفة على الجانب الآخر من الشارع .. جلس هو وصديقه داخلها .. ما زالان يراقبان المنزل منذ ايام ليدرسا الجو حتى يستطيعان اتمام عملهما من دون أن يُكشفا
قال السائق وهو يتثاءب:
- هل سنبقى هنا طويلاً؟ لقد مرت أيام ونحن نراقب
رد الآخر وهو ينظر إلى الصورة القديمة في يده:
- حتى تخرج الفتاة وحدها ..
- وهل ستتعرف عليها بتلك الصورة؟
نظر الرجل مرة أخرى إلى الصورة وقال:
- قال مؤيد أن تلك الصورة عمرها ثلاث سنين فقط .. لا أظن أن ملامحها تغيرت كثيراً .. لن نخطئها اطمئن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إذاً هي صغيرة
- كف عن ذلك .. لقد قال أنها كانت زوجته
- وما أدراك .. هل أعطاك دليل على كلامه
- ولماذا يكذب .. نحن مهمتنا أن نعيد فتاة لزوجها .. نحن نقوم بعمل إنساني .. لو أنه لا يحبها لما كان طلب أن نحضرها بتلك الطريقة
رد الآخر بسخرية:
- ولو أنها تحب ذلك البغل لما كانت هربت منه .. لو لم تكن أخذت المال منه لما كنت وافقت على ذلك
- فقط اصمت وانتظر
مرت دقائق طويلة ثم انفتح باب المنزل أخيراً وخرجت فتاة لوحدها .. كانت تسير بخطوات هادئة على الرصيف وهي ترتري ملابس رياضية وتضع سماعات
رفع الرجل الصورة مرة أخرى ثم نظر إليها .. تشابه الملامح كان واضحاً .. نفس العينين ونفس شكل الوجه.
قال السائق:
- هل هذه هي؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- نعم .. هي نفسها.
وشغل السيارة ومشى بها خلفها .. لم يكن يعلم أن الصورة التي يحملها كانت لحلا قبل سنوات طويلة وأن الفتاة التي خرجت من المنزل الآن .. لم تكن حلا بل كانت رهف.
خرجت حلا بعدها بدقائق وهي ترتدي سترتها وهي تقول:
- أنا ذاهبة مع رهف إلى بيت خالتي رويدا
ردت ليلى من الداخل:
- لا تتأخرن
- حسناً
خرجت تركض على الرصيف لتلحق بـ رهف .. ثم وقفت متفاجأة
في نهاية الشارع أوقف الرجل السيارة ونزل منها بسرعة متجهاً نحو رهف .. قطبت حلا حاجبيها والتفتت للخلف وعادت تنظر إلى ذلك الرجل الذي صار قريباً من رهف
لم تشعر رهف بشيء حتى اقترب منها فجأة ووضع منديلاً فيه مخدراً على وجهها .. حاولت رهف أن تسحب يدها و لكن الرجل كان أقوى .. أما حلا صرخت بذعر باسم رهف وركضت اتجاههم
ظهر شريكه خلفه بالسيارة في اللحظة نفسها وخلال ثوانٍ قليلة كانت رهف تُسحب نحو السيارة بالقوة بينما حلا مازالت تركض لتخلصها ..اختفى صوتها في الشارع الخالي ثم أُغلق باب السيارة بعنف لتصل حلا إلى السيارة وتمسك بالباب وهي تضرب زجاجه وتحاول فتحه وهي تنادي باسم رهف التي كانت فاقدة للوهي في المقعد الخلفي .. ثم انطلقت مبتعدة لتقع حلا في منتصف الطريق وهي تبكي وتصرخ باسم رهف .. حتى خرجت ليلى وساكني ذلك الحي على صراخها
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان المخزن المهجور غارقاً في ضوءٍ باهت يتسلل من ثقوب السقف بينما تختلط رائحة الرطوبة بالغبار القديم في الهواء.
وقفت رهف في وسط المكان ويداها مقيدتان خلف ظهرها بحبلٍ خشن وقطعة قماش سميكة تكتم فمها.
كان الرجلان اللذان خطفاها ملثمان ويقفان على جانبيها .. يمسكان بذراعيها بإحكام .. أما مؤيد كان يقف أمامها مباشرة.
عيناه تتأملانها ببطء وابتسامة باردة لا تزال عالقة على شفتيه منذ اللحظة التي اكتشف فيها أن الفتاة التي أُحضرت ليست حلا ..
نظر مؤيد بالرجلان وقال:
- كم أنتما أحمقان .. هذه ليست الفتاة المقصودة
نظرا ببعضهما و رد أحدهم:
- ولكن ماذا تقول ! .. انظر هي ذات الفتاة
وأخرج الصورة من جيبه ووضعها بجانب وجه رهف وقال:
- من الطبيعي أن يكون هناك قليل من الاختلاف في ملامحها .. فهذه الصورة قبل ثلاث سنوات
رد مؤيد:
- صحيح هناك شبه .. ولكن هذه ليست زوجتي يا حمقى .. هذه شقيقتها التوأم
قال تلك الكلمة ونظر بـ رهف التي بقيت ترمقه بنظرات غاضبة ممزوجة بدهشة .. رفت عينها وهمست بداخلها:
- إذاً هذا المتوحش كان يعلم بوجودي منذ البداية
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
راقبها مؤيد لحظة قبل أن يبتسم ابتسامة أوسع.
- ولكن ما هذه النظرة؟ هل تعتقدين أنني من بعتكِ وفرّقتكِ عن أختك الحمقاء ؟
لم تجب بطبيعة الحال بسبب تغطيتهم لفمها ولكن جسدها المتوتر كان يقول كل شيء .. وقبل أن ينتبه أحد تحركت فجأة .. انحنت برأسها إلى الأمام بسرعة ثم رفعت جبينها بعنف لتضرب مؤيد مباشرة في أنفه.
ارتطم رأسها به بقوة ليصرخ بألم .. تراجع خطوة إلى الخلف وهو يمسك أنفه بصدمة .. وفي اللحظة نفسها استغلت رهف ارتباك الرجلين اللذين يمسكانها .. رفعت ركبتها بقوة وضربت الرجل الذي على يمينها في بطنه .. انفلتت يده عنها للحظة وهو يئن من الألم .. دارت بجسدها بسرعة وضربت الآخر بكوعها رغم أن يديها مقيدتان فأصابته في صدره ودفعته خطوة إلى الخلف .. حاولت أن تندفع للأمام و لكن الأرض كانت زلقة والغرفة ضيقة والرجلان استعادا توازنهما بسرعة.
اندفع أحدهما نحوها وأمسك بذراعها بعنف بينما أمسك الآخر كتفها من الخلف .. قاومت بكل قوتها تحاول أن تضربهما بكتفيها وركبتيها و لكنهما كانا أقوى منها وفجأة شُدّ رأسها إلى الخلف بعنف .. قبضة قوية أمسكت شعرها وسحبتها بقسوة حتى كادت تفقد توازنها .. كان مؤيد.
كان أنفه محمراً قليلاً من الضربة وعيناه تشتعلان غضباً .. شد شعرها أكثر حتى اضطرّت أن ترفع رأسها نحوه .. اقترب منها حتى أصبح وجهه قرب أذنها .. ثم همس بصوتٍ منخفض و لكن مشبع بالغضب:
- يا لكِ من فتاةٍ وقحة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
دفعها فجأة بقوة حتى سقطت على الأرض بقسوة وارتطم كتفها بالأرض الخشنة .. وقف مؤيد ينظر إليها ببرود وهو يعدل ياقة سترته .. ثم قال بلهجة آمرة:
- اربطوا هذه الفاجرة .. أريد الدم يُحبس بداخل عروقها
اقترب الرجلان منها بسرعة وأمسك أحدهما بذراعها بينما رفعها الآخر من الأرض بالقوة .. كانت تحاول المقاومة مرة أخرى و تتحرك بعنف رغم الحبال التي كانت تقيد يديها ولكن هذه المرة لم يمنحوها فرصة .. دفعوها إلى الكرسي وربطوا الحبال حول جسدها وذراعيها بإحكام حتى أصبحت عاجزة عن الحركة .. وقف مؤيد أمامها مرة أخرى يراقبها بصمت.
لكن هذه المرة لم تختفِ تلك النظرة في عينيها .. نظرة التحدي وكأنها تقول له بوضوح .. أن الأمر لم ينتهِ بعد.