رواية نسخة من روحي الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( الجزء الواحد والعشرون)
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى الغرفة بهدوء وانعكس نورها الخافت على الجدران بلونٍ دافئ .. كانت رهف أول من استيقظ .. فتحت عينيها ببطء وكأنها تعود تدريجياً من عالمٍ آخر .. بقيت للحظات تنظر إلى السقف بصمت قبل أن تدير رأسها إلى الجانب وهناك كانت حلا غارقة في نومٍ عميق، وكأن جسدها المتعب أخيراً وجد لحظة أمان.
أنفاسها ترتفع بانتظام ووجهها الهادئ بدا طفولياً على غير عادته .. رفعت رهف نفسها قليلاً على مرفقها واقتربت بنظرها أكثر .. بدأت تتأمل ملامحها بهدوء .. ملامح تشبهها إلى حدٍ مذهل لكن شيئاً آخر شد انتباهها .. تلك الندوب .. آثار خفيفة متناثرة على وجه حلا بالكاد تُرى للوهلة الأولى و لكنها واضحة لمن يتأمل .. امتدت أصابع رهف ببطء وكأنها تريد أن تلمس إحداها ولكنها توقفت قبل أن تفعل .. انقبض صدرها عندما تذكرت المعاناة التي كانت تعانيها كلما تأذت حلا وهي بعيدة عنها .. وفي تلك اللحظة تسللت صورة أخرى إلى ذهنها .. وجه مؤيد .. نفس النظرة القاسية ونفس العنف الذي لمحت أثره على جسد حلا وكلماتها .. اشتدّ فكّها فجأة .. وشيء ساخن اشتعل في صدرها .. غضب ونارٌ أخذت تتقد في داخلها .. أخفضت يدها ببطء وعيناها ما تزالان معلقتين بوجه أختها النائمة .. ثم همست بصوتٍ منخفض لكن حاد:
- أقسم أنني لن أدعك تفلت بما فعلته .. إن اقتربت منها مرة أخرى…
توقفت لحظة ثم أكملت ببطءٍ بارد:
- سأجعلك تندم على اليوم الذي فكرت فيه بلمسها.
.....................
كان الصباح لا يزال باكراً حين توقفت سيارة سوداء قديمة عند طرف شارعٍ جانبي مهمل المكان شبه خالٍ لا يسمع فيه سوى ضجيج السيارات البعيدة وصرير أبواب المحال التي بدأت تفتح أبوابها ببطء.
وقف مؤيد قرب جدارٍ متآكل ذراعاه متشابكتان أمام صدره وعيناه تتحركان ببطء في المكان .. لم يكن ينتظر طويلاً.
ظهر رجل من نهاية الزقاق يمشي بخطواتٍ سريعة حتى وصل إليه.
توقف أمامه ونظر إليه نظرة سريعة قبل أن يقول:
- هل أنت متأكد مما تطلبه؟
ابتسم مؤيد ابتسامة خفيفة… لكنها لم تصل إلى عينيه.
- أكثر مما تتخيل.
أخرج الرجل من جيبه هاتفاً صغيراً ضغط عليه عدة مرات قبل أن يريه شيئاً على الشاشة.
ألقى مؤيد نظرة سريعة ثم هز رأسه برضا.
- جيد.
قال الرجل :
- لكن هذا قد يكلّفك مبلغاً محترماً من المال
اقترب مؤيد خطوة حتى أصبح صوته خافتاً كهمسٍ بارد.
- لا تقلق .. لدي ما يكفي لتغطية التكاليف
ثم أضاف وهو يحدق فيه ببرود:
- فقط تأكد أنه سيتم إفراغه لي
ساد صمت قصير بينهما ثم مد مؤيد يده ووضع مبلغاً صغيراً في كف الرجل الذي نظر إليه للحظة .. قبل أن يرفع عينيه إليه مرة أخرى.
- هذه دفعة على الحساب وبقية المبلغ ستناله عندما يصبح كل شيء جاهزاً
- متى .. تريده ؟
ارتسمت على شفتي مؤيد ابتسامة غامضة.
- كلما أسرعت سيكون افضل
- قد يطول الأمر
- لا بأس .. ولكن اعمل جهدك أن يكون الموعد قريباً
ثم استدار دون أن يضيف كلمة أخرى .. مشى بخطواتٍ هادئة نحو السيارة المتوقفة عند طرف الطريق.
فتح الباب وجلس خلف المقود وبقي شارداً لحظة وصورة حلا ورهف تلوح برأسه وتتخبط بجدرانه بعنف .. شد على المقود بقبضته وهمس:
- سيكون انتقامي منكما كبيراً يا بنات عمار
أدار المحرك واهتزت السيارة قليلاً قبل أن تستقر .. رفع عينيه نحو المرآة الأمامية لحظة وابتسامته الخفيفة ما تزال عالقة على وجهه .. ثم ضغط على دواسة الوقود وانطلقت السيارة مبتعدة عن المكان ببطء بينما كانت خطته بدأت تتحرك بالفعل.
..................
كان صوت المحاضر يتردد في القاعة بانتظام .. يشرح بنبرة هادئة بينما تتحرك الأقلام فوق الدفاتر وتتنقل العيون بين السبورة والكتب .. لكن أدهم لم يكن هناك.
يجلس في مقعده .. مرفقه مستند إلى الطاولة ويده تستند إلى جبينه بينما عينيه معلقتان في الفراغ أمامه دون أن ترى شيئاً مما يُكتب على السبورة .. الكلمات تمرّ قربه ولا تصل إليه .. كل ما كان يشغل عقله سؤال واحد كيف سيخبرها؟
تنهد بصمت وأخفض نظره إلى دفتره المفتوح أمامه .. كان قد كتب سطراً واحداً منذ بداية المحاضرة ثم توقف.
رفع القلم بين أصابعه وأدارَه ببطء .. حلا .. حتى اسمها أصبح يثقل صدره الآن .. مرر يده على وجهه بتعب.
كان قد وعد ليلى أن يتكفل بالأمر ولكنه لم يتوقع أن يكون بهذه الصعوبة .. كيف سيجلس أمامها ويقول لها فجأة إن كل ما عرفته عن نفسها خلال الأشهر الماضية لم يكن الحقيقة؟
كيف سيخبرها أن الرجل الذي صدقته حين قال إنه أخوها لم يكن أخاها أصلاً؟
ضغط القلم بين أصابعه قليلاً لم يكن يخشى غضبها .. بل شيئاً آخر .. أن تنظر إليه تلك النظرة نفسها التي رآها في عينيها عندما اكتشفت أن مؤيد عاد.
نظرة الخذلان .. أخفض عينيه قليلاً وهو يفكر .. هل ستظن أنه خدعها؟ أنه كذب عليها؟ شد فكّه قليلاً.
لم يكن يملك خياراً حينها .. كان ذلك الطريق الوحيد ليحميها.
لكن هل ستفهم ذلك الآن؟ مرّت لحظة طويلة قبل أن يزفر ببطء .. همس لنفسه بصوتٍ خافت:
- كان يجب أن أخبرها منذ البداية.
رفع رأسه أخيراً نحو الدكتور وكأنه يحاول العودة إلى الواقع .. لكن ذهنه عاد فوراً إلى الفكرة نفسها .. ماذا سيحدث عندما تعرف الحقيقة؟
.................
في المطبخ على الطاولة الخشبية التي اجتمعوا ليلى و رهف وحلا حولها لتناول الفطور سوياً .. قالت ليلى مجهة كلامها لـ رهف :
- لقد أخبرت إدارة مدرستك أنكِ لن تستطيعي المداومة وقد تطول إجازتكِ
ردت رهف وهي تأكل:
- لا بأس المهم أن أقدم الامتحان
- المهم أن تكوني على ثقة بأنكِ ستنجحين
ضحكت رهف و ردت:
- وهل تشكّين بقدرات ابنتك
ضحكتا معاً وأكملتا حديثهما بينما حلا لم تكن حاضرة تماماً في تلك اللحظة .. كانت جالسة بهدوء .. أصابعها تعبث بطرف كوب الشاي أمامها دون أن تشرب منه بينما كان عقلها غارقاً في دوامة من الأفكار .. منذ ليلة الأمس وقلبها لا يهدأ.
كانت تعرف أنها لم تعد تستطيع الهروب من الحقيقة أكثر .. يجب أن تخبر أدهم و لكن كيف؟ .. كيف ستقف أمامه وتقول له إن كل ما ظنه عنها لم يكن كما بدا؟ كيف ستخبره أن ذاكرتها عادت إليها بعد أيام قليلة من الحادثة ولكنها كذبت ومشت في كذبتها .. وأنها منذ ذلك الوقت تعرف جيداً أنه ليس أخاها؟
عضّت شفتها بخفة وهي تفكر .. لم يكن خوفها من غضبه فقط .. بل من شيء آخر أكثر إيلاماً كيف ستخبره بما تشعر به نحوه؟ .. كيف ستعترف له أن قلبها تعلّق به؟
تساءلت في صمتٍ مؤلم هل سيتقبل ذلك…؟أم سيبتعد عنها فوراً؟ .. أغمضت عينيها للحظة و كأنها تحاول إيقاف سيل الأسئلة الذي يغرقها .. في تلك اللحظة قطع صوت رهف الصمت حول الطاولة .. رفعت رأسها فجأة نحو ليلى وقالت بنبرة عفوية:
- أمي .. هل يوجد في المشفى طبيب مختص بالجلدية والتجميل؟
رفعت ليلى حاجبيها قليلاً باستغراب و ردت:
- نعم، يوجد .. لماذا تسألين؟
نظرت رهف إلى حلا ثم قالت ببساطة:
- أفكر في معالجة الندوب التي في وجه حلا.
مدت يدها قليلاً نحو خد حلا مشيرة إلى آثار الجروح القديمة .. ثم تابعت بفضول :
- هذه الندوب يمكن علاجها وتختفي .. أليس كذلك؟
ابتسمت ليلى بهدوء وهي تضع فنجان الشاي على الطاولة.
- بالطبع هناك .. في هذه الأيام لا يكاد يوجد شيء بلا علاج.
وقبل أن تضيف شيئاً آخر،ط هزت حلا رأسها بسرعة وقالت بتردد:
- لا .. لا داعي لكل هذا.
لكن رهف لم تبدُ مقتنعة .. مدت يدها فجأة ووضعتها برفق على خد حلا وقالت:
- ولمَ لا؟
ثم ابتسمت لها ابتسامة دافئة وتابعت:
- كم حلا عندي أنا؟ .. أنتِ صديقتي وأختي ونور عيني أيضاً.
ارتجفت نظرة حلا قليلاً وكأن الكلمات لامست شيئاً عميقاً في قلبها ابتسمت رغم تأثرها ثم مالت بجسدها نحو رهف ببطء وأسندت رأسها إلى كتفها .. ضحكت بخفوت بينما كانت عيناها تلمعان بتأثر واضح.
أما ليلى فكانت تراقبهما بصمت من الجهة المقابلة للطاولة .. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة .. بينما امتلأت عيناها بشيءٍ من التأثر .. لم تقل شيئاً ولكنها شعرت في تلك اللحظة بسعادةٍ عميقة وهي ترى الرابط الذي بدأ ينمو بينهما .. وكأن القلبين تعرفا إلى بعضهما أخيراً.
.................
كان مكتب وائل غارقاً في هدوءٍ ثقيل بعد انتهاء دوام المرضى .. جلس وائل خلف مكتبه يقلب بعض الأوراق دون اهتمامٍ حقيقي .. توقفت يده أخيراً.
أغلق الملف أمامه ببطء .. ثم التقط هاتفه من على الطاولة.
ضغط رقماً محفوظاً وانتظر طويلاً ولكن لم يجد رداً .. أنزل الهاتف ورن مرة واثنين وثلاث حتى أصابه اليأس .. تنهد وهمس:
- أين هو؟
عاد ليرن مرة أخرى ولكن هذه المرة على رقمٍ آخر لترد عليه فتاة من الطرف الآخر :
- نعم
رد وائل بهدوء:
- كن أريد السؤال عن الطبيب حامد .. هل هو في المستشفى؟
- نعم إنه على رأس عمله الآن
- ولكنه لا يردّ على مكالماتي .. هل هو مشغولٌ لهذه الدرجة
- نعم إنه متواجد في غرفة العمليات حالياً .. هل ترغب في ترك رسالة ما له ؟
- لا لا فقط كنت أريد الاطمئنان عليه .. شكراً لكِ
ثم أنهى المكالمة ووضع الهاتف على المكتب .. بقي صامتاً للحظات .. وعيناه معلقتان في الفراغ وكأنه يعيد ترتيب أفكاره من جديد .. همس بتوجس:
- قد لا أستطيع الوصول إليه الآن .. يجب إنهاء الأمر فقد حصلت ليلى على شقيقة رهف ولم يتبقى شيء
وقف وسحب معطفه وخرج من العيادة بسرعة ..
..................
في خلال النهار كانت رائحة المعقمات تعبق في ممرات المستشفى والضوء الأبيض القوي ينعكس على الأرضية اللامعة.
داخل عيادة الجلدية والتجميل جلست حلا على الكرسي الطبي بينما كانت الطبيبة تفحص الندوب المنتشرة على وجهها بعناية في حين وقفت ليلى إلى جانبها تستمع لشرحها باهتمام ..
أما رهف .. فكانت تقف قرب الباب، تنظر إلى وجه حلا بين الحين والآخر .. مالت قليلاً نحو ليلى وهمست:
- أمي .. سأذهب إلى الحمام وأعود حالاً.
أومأت ليلى برأسها دون أن تلتفت.
- حسناً يا حبيبتي
خرجت رهف من العيادة بخطوات هادئة وسارت في الممر الطويل حتى وصلت إلى الحمام .. بعد دقائق خرجت منه .. تمسح يديها بمنديل ورقي وهي عائدة في الاتجاه نفسه .. لكنها توقفت فجأة في الطرف الآخر من الممر .. كان هناك شخص يمشي مبتعداً عنها .. ضيقت عينيها قليلاً وهمست بدهشة:
- وائل؟!!
انعقد حاجباها باستغراب .. ما الذي يفعله هنا؟ .. تقدمت ببطء خلفه .. تحاول أن تتأكد مما رأته .. لم ينتبه لها .. واصل سيره حتى توقف أمام إحدى العيادات ثم فتح الباب ودخل.
اقتربت رهف أكثر ورفعت نظرها إلى اللوحة الصغيرة المثبتة على الباب "الدكتور حامد " توقفت في مكانها بدهشة لماذا جاء إلى هنا؟ .. خطت خطوة أخرى نحو الباب ورفعت يدها لتطرقه لكنها توقفت حين وصلها صوته من الداخل.
- لماذا أصبح الوصول إليك صعباً إلى هذه الدرجة؟
- كما ترى .. ضغطٌ في العمل .. أخبرني ما الأمر الذي تريده؟
جلس وائل وقال:
- إريدك أن تُنهي موضوع مرض رهف
استغربت رهف من كلمته وبقيت واقفة مكانه بينما سمعت حامد يقول:
- يعني انتهى الأمر؟
جاء صوت وائل بعد لحظة قصيرة:
- نعم.
ثم أضاف ببرودٍ واضح:
- فقط أخبر السيدة ليلى أن التشخيص كان خطأ وأن رهف لا تعاني من أي مرض.
ساد صمت قصير .. ثم قال حامد وهو يزفر بارتياح:
- أخيراً اقتنعت بإيقاف هذه المهزلة.
تجمدت يد رهف في الهواء .. اتسعت عيناها ببطء بينما واصل حامد كلامه بنبرة متوترة:
- لو تعلم كم كنت قلقاً من أن تعود ليلى لتسأل عن العلاج أو تستفسر عن شيء.
رد وائل بهدوء:
- لا تقلق .. كل ما أردته قد حصل.
تصلب جسد رهف بالكامل.
- لقد كشفت الأمر الذي كانت ليلى تخفيه.
سأل حامد بدهشة:
- ماذا تقصد؟
قال وائل:
- لقد كان تشخيصي لحالة رهف في مكانه .. تصوّر لديها بالفعل أخت.
ارتفع صوت حامد بصدمة:
- حقاً؟! السيدة ليلى لديها ابنة أخرى؟
ضحك وائل بخفوت.
- السيدة ليلى عاقر في الأصل ورهف ليست ابنتها الحقيقية
شهقت رهف بصمت وبدأت دموعها تتجمع في عينيها بينما تابع وائل ببرود:
- رهف متبناة والذي فهمته أنها أخذتها من رجل أمجب توأم في هذه المستشفى وأخذت إحداهن عِوضاً عن الفاتورة
جلس حامد قبالته وقال بصدمة:
- أحقاً ما تقوله؟
- هذا ما اعترفت به .. توأم رهف كانت تعيش حياةً قاسية وتتلقى الضرب من زوجها .. وهذا انعكس على حالة رهف النفسية حتى جعلها بتلك الهشاشة في ذلك الوقت
- يا لها من قصةٍ غريبة
واصل وائل كلامه بلا اكتراث:
- حسناً .. لقد انكشفت القصة وحقي وصلني وخاصةً بعد أن قامت ليلى بإهانتي في ذلك اليوم وهي تنكر تشخيصي بشراسة
فجأة قُطع حديثهما عندما فُتح الباب بعنف شديد واندفع إلى الداخل بقوة ووقفت رهف عند العتبة .. عيناها ممتلئتان بالدموع ووجهها شاحب كأن الدم انسحب منه.
التفتا وائل وحامد إليها في اللحظة نفسها وتجمد الاثنان .. لم تكن هناك حاجة لشرح شيء لأن نظرتها وحدها كانت كافية لتخبرهما أنها سمعت كل كلمة .. همس وائل بصدمة:
- رهف
خطا نحوها خطوة لكنها كانت تنظر إليه كما لو كانت تراه للمرة الأولى .. قالت بصوت مرتجف و مكسور:
- كل هذا .. يخرج منك أنت؟
اقترب منها أكثر رافعاً يده كأنه يريد أن يمسك بذراعها وقال:
- رهف .. استمعي إليّ .. أنا ....
لكنها رفعت يدها فجأة في وجهه وتراجعت خطوة إلى الخلف ثم صرخت بصوت مخنوق بالدموع:
- لا تلمسني .. ابتعد عني .. إياك والاقتراب
ارتد وائل خطوة إلى الوراء مصدوماً .. تابعت وهي ترتجف:
- إياك أن تلمسني
انهمرت دموعها على خديها بينما كانت تحدق فيه بصدمة وخيبة عميقة وقالت:
- أنت .. لا أخلاق لديك ولا إنسانية .. كيف طاوعك قلبك أن تفعل هذا بي؟!
ارتجف وائل و رد بصوت مرتجف:
- رهف… لم يكن الأمر ...
قاطعته بحدة والتفتت نحو حامد
- وأنت أيها الطبيب حامد
تجمد حامد في مكانه لتتابع بعتابٍ واضح:
- طوال حياتي أراك الإنسان الرزين و العاقل والنظيف.
اختنق صوتها أكثر و همست:
- وتشارك في مخطط قذر كهذا؟!
قال حامد بسرعة وهو يرفع يديه دفاعاً:
- آنسة رهف .. الموضوع ليس كما تظنين .. صدقيني ...
صرخت فيه بغضب:
-إذاً كيف هو؟!
اقتربت خطوة وهي تشير بيد مرتجفة على نفسها:
- تضع في جسدي مرضاً مميتاً ثم تزيله بكلمة منه؟! أهذه هي أخلاق الأطباء .. أو لم تقسموا أن تكونوا مخلصين لعملكم
لم يجد حامد ما يقوله .. اقترب وائل مرة أخرى وقال بلهجة حاول أن يجعلها هادئة:
- صدقيني كل ما فعلته .. كان لمصلحتك.
ضحكت رهف بمرارة وسط دموعها
- لمصلحتي؟!
اهتز صوتها وهي تتكلم بنبرة مكسورة :
- وأمي؟! أمي التي كاد قلبها يتوقف خوفاً علي خلال الأشهر الماضية .. لم تفكر بها؟! لم تفكر بعذابها؟!
ثم صاحت بمرارة:
- ولا بأبي؟! عندما عرف بالمرض؟!
كانت تبكي الآن بلا قدرة على التوقف.
- أنت .. ماذا أنت؟! من ماذا معجونٌ أنت ؟!
تقدم وائل خطوة أخرى وعيناه امتلأتا بالندم.
-رهف .. أنا
لكنها لم تترك له الفرصة .. هزت رأسها بعنف.
- لا أريد أن أسمع شيئاً منك .. أنت شخصٌ وضيع وليس لديك قلب ولا إحساس
رمت في وجهه هذه الكلمات ثم استدارت فجأة واندفعت خارج العيادة بخطوات سريعة ليناديها وائل بسرعة:
- رهف ..
نظر إلى حامد الذي رفع يديه وسأله:
- والآن؟ سيفضح أمرنا وقد تنتهي مسيرتنا هنااا ونخسر شهاداتنا بسبب كذبتك المقيتة تلك
هز وائل رأسه باستنكار وانطلق خلفها فوراً .. اختفى الاثنان في الممر وبقي حامد وحده في الغرفة وقف للحظات في مكانه مشلولاً من الصدمة .. ثم بدأ يتحرك بعصبية .. يمسح وجهه ويمشط شعره بأصابعه بتوتر .. تمتم لنفسه بصوتٍ خافت:
- يا إلهي .. ماذا فعلنا ؟ سينتهي أمرنا لا محالة .
...
كانت رهف تمشي بخطواتٍ سريعة وهي تمسح دموعها بينما وائل يلحق بها بسرعة وهو يناديها .. أمسكها أخيراً من زندها وهو يقول:
- رهف قلت لكِ توقفي
فجأة وقف مصدوماً عندما استدارت بسرعة وصفعته على وجهه ليلتف رأسه جانباً .. كانا يقفان بمحاذات بعض بصمت .. وائل لم يكن يتوقع تلك الصفعة ورهف لم تتوقع أن يصل خذلانها بها أن تصفع من أحبت .. نظر إليها بعينين غارقتين بدموع الندم:
- فقط اسمعيني ثم افعلي ما تريدين
- لقد كان تقرّبكَ مني فقط لأجل انتقامك من أمي واسترداد كرامتك وليس حباً بي كما قلت
هز رأسه رأسه نافياً وقال:
- غير صحيح ..
- بلى صحيح .. لقد كسرت قلبي بفعلك الشنيع ذاك .. كيف استعطعت فعل هذا .. لماذا خطر ببالك أنني سأكون سعيدة إن رأيت والداي تعيسين .. هل فكرت يوماً أنني قد أصاب فعلاً بذلك المرض خوفاً عليهم من ان يصيبهم مكروه بسبب تلك الكذبة الشنيعة
ابتلع ريقه و رد:
- سامحيني
- لماذا سأسمحك؟
بقيا يتبادلان النظرات لحظات قبل أن يقطع حديثهما صوت ليلى تنادي رهف .. لتلتفت الأخرى وهي تمسح دموعها .. توقفت ليلى وخلفها حلا .. عندما رأيا الحالة التي كانت بها .. اقتربت ليلى وقالت:
- ما الذي أتى بك إلى هنا سيد وائل؟
ابتعد وائل خطوة و رد:
- لا شيء يذكر
ونظر إلى رهف التي تراجعت وقالت وهي تمسك بزند حلا:
- دعينا نذهب
ردت ليلى:
- ولكن كنت أريد الذهاب للطبيب حامد حتى يبدأ بخطة العلاج
نظرت رهف إليها و ردت بنبرةٍ ساخرة:
- لا داعي فالمرض المزيف لا يحتاج خطة علاج يا أمي
ورمقت وائل نظرة ازدراء بينما سألتها ليلى باستغراب :
- ماذا تقصدين؟
- لماذا لا تسألين الطبيبين الراشدين .. السيد وائل والسيد حامد .. قد يخبرانكِ ما أقصده .. عن إذنكم
وسحبت حلا ومستا بعيداً حتى اختفتا عن أنظارهما .. نظرت ليلى إلى وائل وقالت:
- عن ماذا تتحدث رهف؟
ابتلع وائل ريقه ورأى أنه لم يعد هناك سبب ليكذب أكثر على ليلى ..
في المكتب كانت ليلى جالسة وحامد ووائل يجلسان قبالتها وكأنهما يجلسان في محكمة وهما مجرمان ينتظران حكم القاضي .. بقيت ليلى ساكنة تنظر إليهما بطريقة لم يفهماها .. حتى وائل لم يستطع قراءة تلك النظرات الغريبة .. هزت رأسها بالإيجاب وقالت بهدوء:
- هكذا إذاً
رد حامد:
- سيدة ليلى .. كان التشخيص خاطئاً و ...
قاطعته :
- وانت فقط أكملت في الأمر
أخفض رأسه بخجل بينما قال وائل :
- لو لم يخطئ حامد بـ ...
قاطعته:
- هو لم يخطئ .. أنت من طلبت منه
عاد ليحل الصمت بينما سحبت ليلى حقيبها وعدلتها على كتفها وقالت:
- أنا سأكون رحيمة ولن أشتكي عليكما بسبب لعبكما بأعصابي وأعصاب رهف بتلك الطريقة ولكن ..
نظرت إلى حامد بحدة وقالت:
- ستجمع اغراضك وتغادر المستشفى .. أنا لا يناسبني طبيب مثلك يعمل في مشفاي
ارتفعت أنفاس حامد وقال:
- سيدة ليلى أرجوكِ
- أنا التي أرجوك أن ترجطحل بصمت من دون إثارة المتاعب .. انت مفصول
- ولكن ..
- عشر سنين يا حامد .. أنت تعمل في هذا المستشفى منذ عشر سنين .. لقد دربنا والدي معاً هنا على هذه المهنة .. لماذا لم تحترم ذكرى معلّمك الطبيب فارس على الأقل .. يجب تكون ممتناً لي لأنني لن أقدم للوزارة شكوى فيك حتى لا تُسحب منك شهادتك .. لأنني سأحترم زمالتنا وإخلاصك بعملك
طأطأ حامد راسه بندم بينما قال وائل:
- إن كان هناك من يستحق الطرد من المهنة فهو أنا سيدة ليلى .. صدقيني حامد رفض في بادئ الأمر
- ولكنه اقتنع في النهاية
رد حامد بعد فترة من الصمت:
- كلام السيدة ليلى صحيح .. اللوم يقع عليّ لأنني وافقت المضي معك في هذا يا وائل .. عن إذنكم .. سأذهب لأجمع أغراضي وارحل
التفت ليخرج ليستوقفه صوت ليلى :
- مرّ على المحاسبة لتأخذ تعويض فصلك من العمل
التفت إليها و رد:
- لا داعي له سيدة ليلى .. يمكنك توزيعه على الفقراء والمساكين فأنا لست بحاجته
خرج من المكتب تاركاً ليلى ووائل يقفان بمفردهما .. نظرت ليلى إليه وقالت:
- أتعرف ما الذي فعلته الآن
نظر إليها لتكمل بحزن:
- لقد جعلتني أطرد صديقاً وزميلاً .. وطبيباً مثالياً ربما لن أجد مثله ليأخذ مكانه
أغمض عينيه بندم و رد:
- سامحيني سيدة ليلى
- على ماذا تريد أن أسامحك؟ على تلك الليالي التي لم أنام بها بسبب تفكيري بمرض رهف المزيف؟ أم على صدمة رهف عندما أخبرتها من ماذا تعاني؟ أم على ماذا .. هل كنت ستسامحني لو فعلت بكَ ذلك؟
رفع رأسه و رد:
- لو لم أفعل ذلك لما كنتِ بحثت عن شقيقة رهف .. ولم تكوني ستعترفين لها بتلك الحقيقة
- صحيح .. ولكن سأقولها للمرة الأخيرة .. هذا لم يكن من شأنك يوماً
قالت هذه الكلمة والتفتت عنه وتكتفت ليسحب نفس ويزفره بضيق ثم يتراجع ويخرج تاركاً إياها غارقة بأفكارها .. عندما سمعت صوت الباب وهو يغلق .. غرقت عينيها بالدموع واعتلت ملامحها ابتسامةً كلها راحة وكأن جبالاً قد زيحت عن كاهلها .. اتجهت نحو الكرسي وجلست ثم تنهدت براحة كبيرة همست:
- رهف بخير .. انها ليست مريضة
اتسعت ضحكتها بينما انهمرت دموعها .. رفعت رأسها للسماء وقالت:
- لقد غمرتني بلطفك وفضلك .. لقد أنقذت صغيرتي وروحي من الضياع يا الله .. رهف ليست مريضة .. الحمد لك يا الله .. الحمد لك يا الله
وغمرت وجهها وأخذت تبكي بسعادة
..................
بعد اسبوعين ..
في مخزنٍ مهجور عند أطراف المدينة كانت رائحة الرطوبة تعبق في المكان .. الجدران متشققة والنوافذ مكسورة والضوء الشاحب يتسلل من فتحاتٍ صغيرة في السقف.
جلس مؤيد على كرسيٍ قديم قرب الطاولة، ينتظر .. لم يطل انتظاره فقد فُتح الباب بعنف ودخل رجلان وهما يسحبان جسداً مقيداً .. كانت فتاة .. يداها مربوطتان خلف ظهرها ورأسها مغطى بكيسٍ أسود .. بينما فمها مكمم بقطعة قماش سميكة حتى لا تصرخ .. قال أحد الرجلين وهو يدفعها قليلاً إلى الأمام:
- هذه الفتاة كما طلبت سيد مؤيد
نهض مؤيد ببطء من مكانه واقترب منها بخطوات هادئة وعيناه تلمعان بترقب وقف أمامها مباشرة .. ثم مد يده وأمسك طرف الكيس وسحبه فجأة وتجمدت ملامحه لجزءٍ من الثانية .. حدّق فيها لحظة قصيرة .. قبل أن تتسع ابتسامته ببطء .. لم يكن ذلك غضباً ..بل شيء أقرب إلى نشوةٍ خبيثة .. لمعت عيناه فجأة وكأن القدر قدم له هدية لم يكن يتوقعها .. اقترب خطوة أخرى ثم أمسك وجهها بيده بقسوة وضغط أصابعه على خدّيها حتى انقبض وجهها بين قبضته .. انحنى قليلاً نحوها وهمس بصوتٍ بارد:
- يبدو أن الله يحبني كثيراً.
شد قبضته أكثر على خدّيها لتطلق أنيناً بسبب الألم وتابع
- حتى عندما يخطئون ويخلطون الأمور
مال برأسه قليلاً وهو يحدق في عينيها.
- يجلبون لي الجائزة الكبرى.
ارتجفت أنفاسه خلف القماش الذي يكتم فمها و لكن عينيها بقيتا ثابتتين عليه .. لم يكن فيهما خوف .. بل حقدٌ مكبوت يتقد في نظراتها .. ابتسم مؤيد ابتسامة أوسع وقال:
- لا أصدق أنهم بدلاً من حلا
اقترب أكثر حتى كاد صوته يلامس أذنها.
- جلبوا لي أنتِ
ثم أطلق ضحكة منخفضة.
- ويبدو أنني ربحت ورقة يانصيب اليوم.
وماهي إلا لحظات حتى بدأت قهقهاته تعلوا وينتشر صداها في أرجاء هذا المخزن القديم ..
تسللت خيوط الصباح الأولى إلى الغرفة بهدوء وانعكس نورها الخافت على الجدران بلونٍ دافئ .. كانت رهف أول من استيقظ .. فتحت عينيها ببطء وكأنها تعود تدريجياً من عالمٍ آخر .. بقيت للحظات تنظر إلى السقف بصمت قبل أن تدير رأسها إلى الجانب وهناك كانت حلا غارقة في نومٍ عميق، وكأن جسدها المتعب أخيراً وجد لحظة أمان.
أنفاسها ترتفع بانتظام ووجهها الهادئ بدا طفولياً على غير عادته .. رفعت رهف نفسها قليلاً على مرفقها واقتربت بنظرها أكثر .. بدأت تتأمل ملامحها بهدوء .. ملامح تشبهها إلى حدٍ مذهل لكن شيئاً آخر شد انتباهها .. تلك الندوب .. آثار خفيفة متناثرة على وجه حلا بالكاد تُرى للوهلة الأولى و لكنها واضحة لمن يتأمل .. امتدت أصابع رهف ببطء وكأنها تريد أن تلمس إحداها ولكنها توقفت قبل أن تفعل .. انقبض صدرها عندما تذكرت المعاناة التي كانت تعانيها كلما تأذت حلا وهي بعيدة عنها .. وفي تلك اللحظة تسللت صورة أخرى إلى ذهنها .. وجه مؤيد .. نفس النظرة القاسية ونفس العنف الذي لمحت أثره على جسد حلا وكلماتها .. اشتدّ فكّها فجأة .. وشيء ساخن اشتعل في صدرها .. غضب ونارٌ أخذت تتقد في داخلها .. أخفضت يدها ببطء وعيناها ما تزالان معلقتين بوجه أختها النائمة .. ثم همست بصوتٍ منخفض لكن حاد:
- أقسم أنني لن أدعك تفلت بما فعلته .. إن اقتربت منها مرة أخرى…
توقفت لحظة ثم أكملت ببطءٍ بارد:
- سأجعلك تندم على اليوم الذي فكرت فيه بلمسها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الصباح لا يزال باكراً حين توقفت سيارة سوداء قديمة عند طرف شارعٍ جانبي مهمل المكان شبه خالٍ لا يسمع فيه سوى ضجيج السيارات البعيدة وصرير أبواب المحال التي بدأت تفتح أبوابها ببطء.
وقف مؤيد قرب جدارٍ متآكل ذراعاه متشابكتان أمام صدره وعيناه تتحركان ببطء في المكان .. لم يكن ينتظر طويلاً.
ظهر رجل من نهاية الزقاق يمشي بخطواتٍ سريعة حتى وصل إليه.
توقف أمامه ونظر إليه نظرة سريعة قبل أن يقول:
- هل أنت متأكد مما تطلبه؟
ابتسم مؤيد ابتسامة خفيفة… لكنها لم تصل إلى عينيه.
- أكثر مما تتخيل.
أخرج الرجل من جيبه هاتفاً صغيراً ضغط عليه عدة مرات قبل أن يريه شيئاً على الشاشة.
ألقى مؤيد نظرة سريعة ثم هز رأسه برضا.
- جيد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لكن هذا قد يكلّفك مبلغاً محترماً من المال
اقترب مؤيد خطوة حتى أصبح صوته خافتاً كهمسٍ بارد.
- لا تقلق .. لدي ما يكفي لتغطية التكاليف
ثم أضاف وهو يحدق فيه ببرود:
- فقط تأكد أنه سيتم إفراغه لي
ساد صمت قصير بينهما ثم مد مؤيد يده ووضع مبلغاً صغيراً في كف الرجل الذي نظر إليه للحظة .. قبل أن يرفع عينيه إليه مرة أخرى.
- هذه دفعة على الحساب وبقية المبلغ ستناله عندما يصبح كل شيء جاهزاً
- متى .. تريده ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كلما أسرعت سيكون افضل
- قد يطول الأمر
- لا بأس .. ولكن اعمل جهدك أن يكون الموعد قريباً
ثم استدار دون أن يضيف كلمة أخرى .. مشى بخطواتٍ هادئة نحو السيارة المتوقفة عند طرف الطريق.
فتح الباب وجلس خلف المقود وبقي شارداً لحظة وصورة حلا ورهف تلوح برأسه وتتخبط بجدرانه بعنف .. شد على المقود بقبضته وهمس:
- سيكون انتقامي منكما كبيراً يا بنات عمار
أدار المحرك واهتزت السيارة قليلاً قبل أن تستقر .. رفع عينيه نحو المرآة الأمامية لحظة وابتسامته الخفيفة ما تزال عالقة على وجهه .. ثم ضغط على دواسة الوقود وانطلقت السيارة مبتعدة عن المكان ببطء بينما كانت خطته بدأت تتحرك بالفعل.
..................
كان صوت المحاضر يتردد في القاعة بانتظام .. يشرح بنبرة هادئة بينما تتحرك الأقلام فوق الدفاتر وتتنقل العيون بين السبورة والكتب .. لكن أدهم لم يكن هناك.
يجلس في مقعده .. مرفقه مستند إلى الطاولة ويده تستند إلى جبينه بينما عينيه معلقتان في الفراغ أمامه دون أن ترى شيئاً مما يُكتب على السبورة .. الكلمات تمرّ قربه ولا تصل إليه .. كل ما كان يشغل عقله سؤال واحد كيف سيخبرها؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفع القلم بين أصابعه وأدارَه ببطء .. حلا .. حتى اسمها أصبح يثقل صدره الآن .. مرر يده على وجهه بتعب.
كان قد وعد ليلى أن يتكفل بالأمر ولكنه لم يتوقع أن يكون بهذه الصعوبة .. كيف سيجلس أمامها ويقول لها فجأة إن كل ما عرفته عن نفسها خلال الأشهر الماضية لم يكن الحقيقة؟
كيف سيخبرها أن الرجل الذي صدقته حين قال إنه أخوها لم يكن أخاها أصلاً؟
ضغط القلم بين أصابعه قليلاً لم يكن يخشى غضبها .. بل شيئاً آخر .. أن تنظر إليه تلك النظرة نفسها التي رآها في عينيها عندما اكتشفت أن مؤيد عاد.
نظرة الخذلان .. أخفض عينيه قليلاً وهو يفكر .. هل ستظن أنه خدعها؟ أنه كذب عليها؟ شد فكّه قليلاً.
لم يكن يملك خياراً حينها .. كان ذلك الطريق الوحيد ليحميها.
لكن هل ستفهم ذلك الآن؟ مرّت لحظة طويلة قبل أن يزفر ببطء .. همس لنفسه بصوتٍ خافت:
- كان يجب أن أخبرها منذ البداية.
رفع رأسه أخيراً نحو الدكتور وكأنه يحاول العودة إلى الواقع .. لكن ذهنه عاد فوراً إلى الفكرة نفسها .. ماذا سيحدث عندما تعرف الحقيقة؟
.................
في المطبخ على الطاولة الخشبية التي اجتمعوا ليلى و رهف وحلا حولها لتناول الفطور سوياً .. قالت ليلى مجهة كلامها لـ رهف :
- لقد أخبرت إدارة مدرستك أنكِ لن تستطيعي المداومة وقد تطول إجازتكِ
ردت رهف وهي تأكل:
- لا بأس المهم أن أقدم الامتحان
- المهم أن تكوني على ثقة بأنكِ ستنجحين
ضحكت رهف و ردت:
- وهل تشكّين بقدرات ابنتك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت تعرف أنها لم تعد تستطيع الهروب من الحقيقة أكثر .. يجب أن تخبر أدهم و لكن كيف؟ .. كيف ستقف أمامه وتقول له إن كل ما ظنه عنها لم يكن كما بدا؟ كيف ستخبره أن ذاكرتها عادت إليها بعد أيام قليلة من الحادثة ولكنها كذبت ومشت في كذبتها .. وأنها منذ ذلك الوقت تعرف جيداً أنه ليس أخاها؟
عضّت شفتها بخفة وهي تفكر .. لم يكن خوفها من غضبه فقط .. بل من شيء آخر أكثر إيلاماً كيف ستخبره بما تشعر به نحوه؟ .. كيف ستعترف له أن قلبها تعلّق به؟
تساءلت في صمتٍ مؤلم هل سيتقبل ذلك…؟أم سيبتعد عنها فوراً؟ .. أغمضت عينيها للحظة و كأنها تحاول إيقاف سيل الأسئلة الذي يغرقها .. في تلك اللحظة قطع صوت رهف الصمت حول الطاولة .. رفعت رأسها فجأة نحو ليلى وقالت بنبرة عفوية:
- أمي .. هل يوجد في المشفى طبيب مختص بالجلدية والتجميل؟
رفعت ليلى حاجبيها قليلاً باستغراب و ردت:
- نعم، يوجد .. لماذا تسألين؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أفكر في معالجة الندوب التي في وجه حلا.
مدت يدها قليلاً نحو خد حلا مشيرة إلى آثار الجروح القديمة .. ثم تابعت بفضول :
- هذه الندوب يمكن علاجها وتختفي .. أليس كذلك؟
ابتسمت ليلى بهدوء وهي تضع فنجان الشاي على الطاولة.
- بالطبع هناك .. في هذه الأيام لا يكاد يوجد شيء بلا علاج.
وقبل أن تضيف شيئاً آخر،ط هزت حلا رأسها بسرعة وقالت بتردد:
- لا .. لا داعي لكل هذا.
لكن رهف لم تبدُ مقتنعة .. مدت يدها فجأة ووضعتها برفق على خد حلا وقالت:
- ولمَ لا؟
ثم ابتسمت لها ابتسامة دافئة وتابعت:
- كم حلا عندي أنا؟ .. أنتِ صديقتي وأختي ونور عيني أيضاً.
ارتجفت نظرة حلا قليلاً وكأن الكلمات لامست شيئاً عميقاً في قلبها ابتسمت رغم تأثرها ثم مالت بجسدها نحو رهف ببطء وأسندت رأسها إلى كتفها .. ضحكت بخفوت بينما كانت عيناها تلمعان بتأثر واضح.
أما ليلى فكانت تراقبهما بصمت من الجهة المقابلة للطاولة .. ارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة .. بينما امتلأت عيناها بشيءٍ من التأثر .. لم تقل شيئاً ولكنها شعرت في تلك اللحظة بسعادةٍ عميقة وهي ترى الرابط الذي بدأ ينمو بينهما .. وكأن القلبين تعرفا إلى بعضهما أخيراً.
.................
كان مكتب وائل غارقاً في هدوءٍ ثقيل بعد انتهاء دوام المرضى .. جلس وائل خلف مكتبه يقلب بعض الأوراق دون اهتمامٍ حقيقي .. توقفت يده أخيراً.
أغلق الملف أمامه ببطء .. ثم التقط هاتفه من على الطاولة.
ضغط رقماً محفوظاً وانتظر طويلاً ولكن لم يجد رداً .. أنزل الهاتف ورن مرة واثنين وثلاث حتى أصابه اليأس .. تنهد وهمس:
- أين هو؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- نعم
رد وائل بهدوء:
- كن أريد السؤال عن الطبيب حامد .. هل هو في المستشفى؟
- نعم إنه على رأس عمله الآن
- ولكنه لا يردّ على مكالماتي .. هل هو مشغولٌ لهذه الدرجة
- نعم إنه متواجد في غرفة العمليات حالياً .. هل ترغب في ترك رسالة ما له ؟
- لا لا فقط كنت أريد الاطمئنان عليه .. شكراً لكِ
ثم أنهى المكالمة ووضع الهاتف على المكتب .. بقي صامتاً للحظات .. وعيناه معلقتان في الفراغ وكأنه يعيد ترتيب أفكاره من جديد .. همس بتوجس:
- قد لا أستطيع الوصول إليه الآن .. يجب إنهاء الأمر فقد حصلت ليلى على شقيقة رهف ولم يتبقى شيء
وقف وسحب معطفه وخرج من العيادة بسرعة ..
..................
في خلال النهار كانت رائحة المعقمات تعبق في ممرات المستشفى والضوء الأبيض القوي ينعكس على الأرضية اللامعة.
داخل عيادة الجلدية والتجميل جلست حلا على الكرسي الطبي بينما كانت الطبيبة تفحص الندوب المنتشرة على وجهها بعناية في حين وقفت ليلى إلى جانبها تستمع لشرحها باهتمام ..
أما رهف .. فكانت تقف قرب الباب، تنظر إلى وجه حلا بين الحين والآخر .. مالت قليلاً نحو ليلى وهمست:
- أمي .. سأذهب إلى الحمام وأعود حالاً.
أومأت ليلى برأسها دون أن تلتفت.
- حسناً يا حبيبتي
خرجت رهف من العيادة بخطوات هادئة وسارت في الممر الطويل حتى وصلت إلى الحمام .. بعد دقائق خرجت منه .. تمسح يديها بمنديل ورقي وهي عائدة في الاتجاه نفسه .. لكنها توقفت فجأة في الطرف الآخر من الممر .. كان هناك شخص يمشي مبتعداً عنها .. ضيقت عينيها قليلاً وهمست بدهشة:
- وائل؟!!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اقتربت رهف أكثر ورفعت نظرها إلى اللوحة الصغيرة المثبتة على الباب "الدكتور حامد " توقفت في مكانها بدهشة لماذا جاء إلى هنا؟ .. خطت خطوة أخرى نحو الباب ورفعت يدها لتطرقه لكنها توقفت حين وصلها صوته من الداخل.
- لماذا أصبح الوصول إليك صعباً إلى هذه الدرجة؟
- كما ترى .. ضغطٌ في العمل .. أخبرني ما الأمر الذي تريده؟
جلس وائل وقال:
- إريدك أن تُنهي موضوع مرض رهف
استغربت رهف من كلمته وبقيت واقفة مكانه بينما سمعت حامد يقول:
- يعني انتهى الأمر؟
جاء صوت وائل بعد لحظة قصيرة:
- نعم.
ثم أضاف ببرودٍ واضح:
- فقط أخبر السيدة ليلى أن التشخيص كان خطأ وأن رهف لا تعاني من أي مرض.
ساد صمت قصير .. ثم قال حامد وهو يزفر بارتياح:
- أخيراً اقتنعت بإيقاف هذه المهزلة.
تجمدت يد رهف في الهواء .. اتسعت عيناها ببطء بينما واصل حامد كلامه بنبرة متوترة:
- لو تعلم كم كنت قلقاً من أن تعود ليلى لتسأل عن العلاج أو تستفسر عن شيء.
رد وائل بهدوء:
- لا تقلق .. كل ما أردته قد حصل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد كشفت الأمر الذي كانت ليلى تخفيه.
سأل حامد بدهشة:
- ماذا تقصد؟
قال وائل:
- لقد كان تشخيصي لحالة رهف في مكانه .. تصوّر لديها بالفعل أخت.
ارتفع صوت حامد بصدمة:
- حقاً؟! السيدة ليلى لديها ابنة أخرى؟
ضحك وائل بخفوت.
- السيدة ليلى عاقر في الأصل ورهف ليست ابنتها الحقيقية
شهقت رهف بصمت وبدأت دموعها تتجمع في عينيها بينما تابع وائل ببرود:
- رهف متبناة والذي فهمته أنها أخذتها من رجل أمجب توأم في هذه المستشفى وأخذت إحداهن عِوضاً عن الفاتورة
جلس حامد قبالته وقال بصدمة:
- أحقاً ما تقوله؟
- هذا ما اعترفت به .. توأم رهف كانت تعيش حياةً قاسية وتتلقى الضرب من زوجها .. وهذا انعكس على حالة رهف النفسية حتى جعلها بتلك الهشاشة في ذلك الوقت
- يا لها من قصةٍ غريبة
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- حسناً .. لقد انكشفت القصة وحقي وصلني وخاصةً بعد أن قامت ليلى بإهانتي في ذلك اليوم وهي تنكر تشخيصي بشراسة
فجأة قُطع حديثهما عندما فُتح الباب بعنف شديد واندفع إلى الداخل بقوة ووقفت رهف عند العتبة .. عيناها ممتلئتان بالدموع ووجهها شاحب كأن الدم انسحب منه.
التفتا وائل وحامد إليها في اللحظة نفسها وتجمد الاثنان .. لم تكن هناك حاجة لشرح شيء لأن نظرتها وحدها كانت كافية لتخبرهما أنها سمعت كل كلمة .. همس وائل بصدمة:
- رهف
خطا نحوها خطوة لكنها كانت تنظر إليه كما لو كانت تراه للمرة الأولى .. قالت بصوت مرتجف و مكسور:
- كل هذا .. يخرج منك أنت؟
اقترب منها أكثر رافعاً يده كأنه يريد أن يمسك بذراعها وقال:
- رهف .. استمعي إليّ .. أنا ....
لكنها رفعت يدها فجأة في وجهه وتراجعت خطوة إلى الخلف ثم صرخت بصوت مخنوق بالدموع:
- لا تلمسني .. ابتعد عني .. إياك والاقتراب
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إياك أن تلمسني
انهمرت دموعها على خديها بينما كانت تحدق فيه بصدمة وخيبة عميقة وقالت:
- أنت .. لا أخلاق لديك ولا إنسانية .. كيف طاوعك قلبك أن تفعل هذا بي؟!
ارتجف وائل و رد بصوت مرتجف:
- رهف… لم يكن الأمر ...
قاطعته بحدة والتفتت نحو حامد
- وأنت أيها الطبيب حامد
تجمد حامد في مكانه لتتابع بعتابٍ واضح:
- طوال حياتي أراك الإنسان الرزين و العاقل والنظيف.
اختنق صوتها أكثر و همست:
- وتشارك في مخطط قذر كهذا؟!
قال حامد بسرعة وهو يرفع يديه دفاعاً:
- آنسة رهف .. الموضوع ليس كما تظنين .. صدقيني ...
صرخت فيه بغضب:
-إذاً كيف هو؟!
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- تضع في جسدي مرضاً مميتاً ثم تزيله بكلمة منه؟! أهذه هي أخلاق الأطباء .. أو لم تقسموا أن تكونوا مخلصين لعملكم
لم يجد حامد ما يقوله .. اقترب وائل مرة أخرى وقال بلهجة حاول أن يجعلها هادئة:
- صدقيني كل ما فعلته .. كان لمصلحتك.
ضحكت رهف بمرارة وسط دموعها
- لمصلحتي؟!
اهتز صوتها وهي تتكلم بنبرة مكسورة :
- وأمي؟! أمي التي كاد قلبها يتوقف خوفاً علي خلال الأشهر الماضية .. لم تفكر بها؟! لم تفكر بعذابها؟!
ثم صاحت بمرارة:
- ولا بأبي؟! عندما عرف بالمرض؟!
كانت تبكي الآن بلا قدرة على التوقف.
- أنت .. ماذا أنت؟! من ماذا معجونٌ أنت ؟!
تقدم وائل خطوة أخرى وعيناه امتلأتا بالندم.
-رهف .. أنا
لكنها لم تترك له الفرصة .. هزت رأسها بعنف.
- لا أريد أن أسمع شيئاً منك .. أنت شخصٌ وضيع وليس لديك قلب ولا إحساس
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- رهف ..
نظر إلى حامد الذي رفع يديه وسأله:
- والآن؟ سيفضح أمرنا وقد تنتهي مسيرتنا هنااا ونخسر شهاداتنا بسبب كذبتك المقيتة تلك
هز وائل رأسه باستنكار وانطلق خلفها فوراً .. اختفى الاثنان في الممر وبقي حامد وحده في الغرفة وقف للحظات في مكانه مشلولاً من الصدمة .. ثم بدأ يتحرك بعصبية .. يمسح وجهه ويمشط شعره بأصابعه بتوتر .. تمتم لنفسه بصوتٍ خافت:
- يا إلهي .. ماذا فعلنا ؟ سينتهي أمرنا لا محالة .
...
كانت رهف تمشي بخطواتٍ سريعة وهي تمسح دموعها بينما وائل يلحق بها بسرعة وهو يناديها .. أمسكها أخيراً من زندها وهو يقول:
- رهف قلت لكِ توقفي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- فقط اسمعيني ثم افعلي ما تريدين
- لقد كان تقرّبكَ مني فقط لأجل انتقامك من أمي واسترداد كرامتك وليس حباً بي كما قلت
هز رأسه رأسه نافياً وقال:
- غير صحيح ..
- بلى صحيح .. لقد كسرت قلبي بفعلك الشنيع ذاك .. كيف استعطعت فعل هذا .. لماذا خطر ببالك أنني سأكون سعيدة إن رأيت والداي تعيسين .. هل فكرت يوماً أنني قد أصاب فعلاً بذلك المرض خوفاً عليهم من ان يصيبهم مكروه بسبب تلك الكذبة الشنيعة
ابتلع ريقه و رد:
- سامحيني
- لماذا سأسمحك؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ما الذي أتى بك إلى هنا سيد وائل؟
ابتعد وائل خطوة و رد:
- لا شيء يذكر
ونظر إلى رهف التي تراجعت وقالت وهي تمسك بزند حلا:
- دعينا نذهب
ردت ليلى:
- ولكن كنت أريد الذهاب للطبيب حامد حتى يبدأ بخطة العلاج
نظرت رهف إليها و ردت بنبرةٍ ساخرة:
- لا داعي فالمرض المزيف لا يحتاج خطة علاج يا أمي
ورمقت وائل نظرة ازدراء بينما سألتها ليلى باستغراب :
- ماذا تقصدين؟
- لماذا لا تسألين الطبيبين الراشدين .. السيد وائل والسيد حامد .. قد يخبرانكِ ما أقصده .. عن إذنكم
وسحبت حلا ومستا بعيداً حتى اختفتا عن أنظارهما .. نظرت ليلى إلى وائل وقالت:
- عن ماذا تتحدث رهف؟
ابتلع وائل ريقه ورأى أنه لم يعد هناك سبب ليكذب أكثر على ليلى ..
في المكتب كانت ليلى جالسة وحامد ووائل يجلسان قبالتها وكأنهما يجلسان في محكمة وهما مجرمان ينتظران حكم القاضي .. بقيت ليلى ساكنة تنظر إليهما بطريقة لم يفهماها .. حتى وائل لم يستطع قراءة تلك النظرات الغريبة .. هزت رأسها بالإيجاب وقالت بهدوء:
- هكذا إذاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- سيدة ليلى .. كان التشخيص خاطئاً و ...
قاطعته :
- وانت فقط أكملت في الأمر
أخفض رأسه بخجل بينما قال وائل :
- لو لم يخطئ حامد بـ ...
قاطعته:
- هو لم يخطئ .. أنت من طلبت منه
عاد ليحل الصمت بينما سحبت ليلى حقيبها وعدلتها على كتفها وقالت:
- أنا سأكون رحيمة ولن أشتكي عليكما بسبب لعبكما بأعصابي وأعصاب رهف بتلك الطريقة ولكن ..
نظرت إلى حامد بحدة وقالت:
- ستجمع اغراضك وتغادر المستشفى .. أنا لا يناسبني طبيب مثلك يعمل في مشفاي
ارتفعت أنفاس حامد وقال:
- سيدة ليلى أرجوكِ
- أنا التي أرجوك أن ترجطحل بصمت من دون إثارة المتاعب .. انت مفصول
- ولكن ..
- عشر سنين يا حامد .. أنت تعمل في هذا المستشفى منذ عشر سنين .. لقد دربنا والدي معاً هنا على هذه المهنة .. لماذا لم تحترم ذكرى معلّمك الطبيب فارس على الأقل .. يجب تكون ممتناً لي لأنني لن أقدم للوزارة شكوى فيك حتى لا تُسحب منك شهادتك .. لأنني سأحترم زمالتنا وإخلاصك بعملك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إن كان هناك من يستحق الطرد من المهنة فهو أنا سيدة ليلى .. صدقيني حامد رفض في بادئ الأمر
- ولكنه اقتنع في النهاية
رد حامد بعد فترة من الصمت:
- كلام السيدة ليلى صحيح .. اللوم يقع عليّ لأنني وافقت المضي معك في هذا يا وائل .. عن إذنكم .. سأذهب لأجمع أغراضي وارحل
التفت ليخرج ليستوقفه صوت ليلى :
- مرّ على المحاسبة لتأخذ تعويض فصلك من العمل
التفت إليها و رد:
- لا داعي له سيدة ليلى .. يمكنك توزيعه على الفقراء والمساكين فأنا لست بحاجته
خرج من المكتب تاركاً ليلى ووائل يقفان بمفردهما .. نظرت ليلى إليه وقالت:
- أتعرف ما الذي فعلته الآن
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد جعلتني أطرد صديقاً وزميلاً .. وطبيباً مثالياً ربما لن أجد مثله ليأخذ مكانه
أغمض عينيه بندم و رد:
- سامحيني سيدة ليلى
- على ماذا تريد أن أسامحك؟ على تلك الليالي التي لم أنام بها بسبب تفكيري بمرض رهف المزيف؟ أم على صدمة رهف عندما أخبرتها من ماذا تعاني؟ أم على ماذا .. هل كنت ستسامحني لو فعلت بكَ ذلك؟
رفع رأسه و رد:
- لو لم أفعل ذلك لما كنتِ بحثت عن شقيقة رهف .. ولم تكوني ستعترفين لها بتلك الحقيقة
- صحيح .. ولكن سأقولها للمرة الأخيرة .. هذا لم يكن من شأنك يوماً
قالت هذه الكلمة والتفتت عنه وتكتفت ليسحب نفس ويزفره بضيق ثم يتراجع ويخرج تاركاً إياها غارقة بأفكارها .. عندما سمعت صوت الباب وهو يغلق .. غرقت عينيها بالدموع واعتلت ملامحها ابتسامةً كلها راحة وكأن جبالاً قد زيحت عن كاهلها .. اتجهت نحو الكرسي وجلست ثم تنهدت براحة كبيرة همست:
- رهف بخير .. انها ليست مريضة
اتسعت ضحكتها بينما انهمرت دموعها .. رفعت رأسها للسماء وقالت:
- لقد غمرتني بلطفك وفضلك .. لقد أنقذت صغيرتي وروحي من الضياع يا الله .. رهف ليست مريضة .. الحمد لك يا الله .. الحمد لك يا الله
وغمرت وجهها وأخذت تبكي بسعادة
..................
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في مخزنٍ مهجور عند أطراف المدينة كانت رائحة الرطوبة تعبق في المكان .. الجدران متشققة والنوافذ مكسورة والضوء الشاحب يتسلل من فتحاتٍ صغيرة في السقف.
جلس مؤيد على كرسيٍ قديم قرب الطاولة، ينتظر .. لم يطل انتظاره فقد فُتح الباب بعنف ودخل رجلان وهما يسحبان جسداً مقيداً .. كانت فتاة .. يداها مربوطتان خلف ظهرها ورأسها مغطى بكيسٍ أسود .. بينما فمها مكمم بقطعة قماش سميكة حتى لا تصرخ .. قال أحد الرجلين وهو يدفعها قليلاً إلى الأمام:
- هذه الفتاة كما طلبت سيد مؤيد
نهض مؤيد ببطء من مكانه واقترب منها بخطوات هادئة وعيناه تلمعان بترقب وقف أمامها مباشرة .. ثم مد يده وأمسك طرف الكيس وسحبه فجأة وتجمدت ملامحه لجزءٍ من الثانية .. حدّق فيها لحظة قصيرة .. قبل أن تتسع ابتسامته ببطء .. لم يكن ذلك غضباً ..بل شيء أقرب إلى نشوةٍ خبيثة .. لمعت عيناه فجأة وكأن القدر قدم له هدية لم يكن يتوقعها .. اقترب خطوة أخرى ثم أمسك وجهها بيده بقسوة وضغط أصابعه على خدّيها حتى انقبض وجهها بين قبضته .. انحنى قليلاً نحوها وهمس بصوتٍ بارد:
- يبدو أن الله يحبني كثيراً.
شد قبضته أكثر على خدّيها لتطلق أنيناً بسبب الألم وتابع
- حتى عندما يخطئون ويخلطون الأمور
مال برأسه قليلاً وهو يحدق في عينيها.
- يجلبون لي الجائزة الكبرى.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لا أصدق أنهم بدلاً من حلا
اقترب أكثر حتى كاد صوته يلامس أذنها.
- جلبوا لي أنتِ
ثم أطلق ضحكة منخفضة.
- ويبدو أنني ربحت ورقة يانصيب اليوم.
وماهي إلا لحظات حتى بدأت قهقهاته تعلوا وينتشر صداها في أرجاء هذا المخزن القديم ..