رواية غيوم تحجب القمر الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم مني السيد
الفصل الواحد والعشرون
كان الصباح قد ادلى بخيوطه الذهبية منذ وقت طويل وقد قاربت الساعة العاشرة صباحا وأدهم
في المستشفى يتحرك بعصبية في كل مكان وسط هدوء مقيت لمديحة التي تجلس في صمت تتابع شيئا ما على هاتفها وكأنها تجلس في هذا المكان رغما عنها، أو كأنها ملّت من طول الانتظار. وجه أدهم الحديث إليها بعد محاولات عدة ألا يتحدث معها ولكنها تستفزه بهدوئها المقيت " اللي حصل دا حصل ازاي ودي أول مرة ولا حصل قبل كده" كان أدهم يحاول تثبيت الهدوء في صوته المتذبذب بين الصوت المرتفع والخفيض محاولا التحكم في نبرة صوته بصعوبة، في حين نظرت له مديحة ببرود بعد ان رفعت عينيها من هاتفها بصعوبة " اللي حصل حصل ، وأول ما وقع فضلنا نتصل بيك لكن حضرتك كنت قافل تيلفونك وماظنش انه حصل قبل كده، أي اسئلة تانية؟" زفرت مديحة بنفاذ صبر وهي تُقلّب شفتيها امتعاضاً، وأدهم يهز رأسه في غيظ ويتمتم مرددا" متظنيش اه متظنيش" وقبل أن يتطور الوضع بنظرات أدهم النارية خرج الطبيب فهرول إليه أدهم في حين لملمت مديحة حقيبتها ومعطفها ورتبتهم بجانبها على المقعد قبل أن تنهض من مكانها ثم التقطت هاتفها وتوجهت بالكعب العالي ذو الخطوات البطيئة الرتيبة إلى حيث يقف الطبيب وأدهم.
- الطبيب" الحمد لله عدت على خير ودي أزمة قلبية صغيرة متخافوش بس لازم يستريح شوية بعد ما يخرج م المستشفى ويستحسن يغير مكان او يسافر برا شوية " تدخلت مديحة بفرح في غير محله " أكيد أكيد هنسافر مطرح ما هو عاوز" نظر لها أدهم بضيق بجانب عينه ثم وجه حديثه مرة أخرى للطبيب " يعني الخطر زال كده يا دكتور ؟" - الطبيب " هو ما دام جتله أزمة قلبية حتى ولو كانت بسيطة زي دي فدا إنذار بالخطر ومعناه إنه لازم يبعد عن أي توتر أو ضغط عصبي عموما" هز أدهم رأسه " طيب ممكن ندخله دلوقتي " - الطبيب " هو بعد المسكنات والأدوية اللي أخدها من بالليل احتمال يفوق في خلال نص ساعة تقدروا تشوفوه بعدها" زفرت مديحة فقد كانت تعتقد أن الأمر انتهى وسيأخذونه للمنزل. سأله أدهم مرة أخرى " طيب يا دكتور هو متوقع يخرج امتى ان شاء الله " - الطبيب" يعني هنحطه تحت الملاحظة ٣ أيام ولو مظهرش جديد تقدروا تخرجوه بس زي ما اتفقنا خلوه يغير جو" تدخلت مديحة مرة أخرى بثقة " أكيد اكيد متقلقش م الموضوع دا خالص يا دكتور" شكر أدهم الطبيب ورن هاتفه فالتقطه من جيبه وهو ينوي رفض المكالمة فهو ليس في حالة تؤهله للتحدث مع أحد ولكن المتصلة كانت قمر فابتعد قليلا ثم تنفس قبل أن يرد " ألو ايوة يا قمر " قمر بلهفة " أيوة يا أدهم انا والله بمنع نفسي اني اكلمك من بدري بس مقدرتش امسك نفسي اكتر من كده" - ادهم " لا عادي يا قمر براحتك" - قمر " طيب باباك عامل ايه وايه اللي حصله؟" - أدهم " أزمة قلبية بسيطة والدكاترة هنا عملوا اللازم وعدت على خير الحمد لله " تنهدت قمر " طب الحمد لله وانت كويس؟" صمت أدهم قليلا " أيوة انا كويس متقلقيش" - قمر " طب ينفع اجيلك" - أدهم " لا يا قمر متتعبيش نفسك بس انا هاقعد معاه هنا ٣ ايام هتعرفي تقعدي لوحدك" - قمر "متقلقش عليا يا أدهم طب تحب اجيبلك حاجات م البيت هدوم او أي حاجة" - أدهم " خلاص ماشي هبقا اخلي ماجد يجي ياخدهم من عندك بس ابقي حضرهيهم ، انتي فين دلوقتي؟" - قمر " احنا عند الحداد بنكمل شغل امبارح وهيخلص النهاردة إن شاء الله" تنهد أدهم ثم تحدث وفي صوته نبرة تحذيرية " طب خلي بالك من نفسك" أغمضت قمر عينيها وهي تتنفس بحرارة " حاضر وانت كمان خلي بالك من نفسك" خرجت الممرضة تخبرهم باستيقاظ أكرم فاستأذن أدهم من قمر " انا لازم اقفل دلوقتي بابا فاق وهادخله " - قمر " طيب سلام ابقا طمنّي" أدهم بسرعة " اوكيه سلام" وأغلق الخط وتوجه مسرعا نحو غرفة والده قبل دخول مديحة بخطواتها المتعالية وأغلق الباب خلفه " ايييه يا أكرم بيه انت بتدلع وتشوف غلاوتك عندنا ولا ايه " أكرم بصوت مجهد " زمن الدلع عدى خلاص" - أدهم " لا لا انا مش متعود على اليأس دا منك امال فين أكرم بيه اللي بيحب الحياة وبيحب الهلس " - أكرم بندم " ما هو الهلس دا اللي ضيعني وضيع أغلى ما عندي" ترقرقت دمعتان من عينيه وكادت أن تنفرط الدموع من عيني أدهم أيضا على حال والده وعلى من يذكرهم بأغلى من عنده ثم حاول أدهم تغيير دفة الحديث " بس بقا الدكتور كتبلك على حتة روشته انما ايه هاتعجبك اوي وتهيص يا عم هاتسافر برا وتتفسح بأمر الطبيب " وحاول الضحك كذبا ليخفف من وطاة حديث والده على نفسه، فرد أكرم بإجهاد وهو يشير بسبابته " لأ لأ سفر برا لأ ، كده مديحة ما هتصدق تيجي معايا وتهريني شوبينج" فكر أدهم مليا " اممم يعني انت عاوز تهرب منها هي بالذات بقا " أومأ أكرم بتعب" فمال أدهم إليه " طب ايه رأيك انا عندي بيت صغير كده دورين جنب مزرعة واحد صاحبي في الأرياف ايه رأيك تروح تغير جو هناك وسط الطبيعة والخضرة " أومأ اكرم موافقا مرة أخرى. دخلت مديحة دون ان تطرق ويبدو عليها نفاذ الصبر " مش كفاية كده يا ادهم عشان منجهدوش" ثم وجهت كلامها لأكرم " ايه يا أكرم عامل ايه دلوقتي شوفت يا سيدي الدكتور قال لازم نسفرك برا ونفسحك انا بدات بتحضير البرنامج من دلوقتي ايه رأيك نروح...." قاطع ادهم حديثها بابتسامة صفراء " لا خلاص هو قرر هيروح فين والبرنامج اتعمل خلاص متتعبيش نفسك، هو هيروح يقعد في مزرعة واحد صاحبي في الارياف" قلبت مديحة شفتيها بتقزز " ايه ...مزرعة؟! و أرياف ؟!!لا لا لا مليش انا في شغل الفلاحين دا روح انت غير جو وانا هاستناك هنا" هز اكرم رأسه في ارتياح وكأنه حصل على مراده أخيرا ثم وجه حديثه لأدهم " الشركة أمانة في ايدك بقا يا أدهم مش هاوصيك " هز أدهم رأسه في حين انقلبت شفتا مديحة امتعاضاً " متقلقش ع الشركة وانا هابقا أساعده ما هي شركتي انا كمان " لم تفت أدهم النبرة المهددة والمحذرة في لهجتها ولكنه آثر الصمت. " طيب انا هاروح بقا اجيبلك شوية هدوم ومستلزمات يا أكرم عاوز حاجة تانية من البيت" - أكرم " أيوة في كتاب في المكتبة اسمه 《انت لي》 ياريت تجيبهولي معاكي لو سمحتي" تحفز أدهم لسماع اسم الكتاب لأنه يعرف انه كان هدية من والدته لوالده. - مديحة " كتب ايه بس اللي عاوز تتعب عينك فيها ما تتفرج ع التيلفزيون ولا الموبايل احسن" - اكرم بإجهاد ونفاذ صبر " يعني هما الموبايل والتليفزيون اللي مش هيتعبولي عيني هاتيه يا مديحة واسمعي الكلام" رددت اسمها وهي تقلب شفتيها بامتعاض "مديحة !!! .... طيب" وخرجت وكانما أفسحت مجالا للهواء في الغرفة بعد خروجها.
******************
-ليلى " بقولك ايه يابنتي ما تسيبك من موضوع الانتقام دا ونعيش حياتنا هنا وخلاص أو حتى نرجع انجلترا" - مريم " انتي بتقولي ايه يا ماما بعد كل اللي عشناه دا بتقولي نعيش حياتنا وخلاص" نهضت ليلى وهي تصرخ" هو ايه اللي عشناه انا عيشتك أحلى عيشة في انجلترا واتعلمتي احسن تعليم واشتغلتي احسن شغل ليه عماله تكبري موضوع الانتقام دا في دماغي مع ان انا اللي المفروض ابقا عاوزه كده بس انتي عندك غيظ وغل غريب" نهضت مريم وصرخت بدورها هي الأخرى " ايوة عندي غيظ وغل عشان قضوا على بنت صغيرة ورقيقة وف عز شبابها هي وأحلامها وخلوني امشي واسيب بلدي زي الهربانة واصحابي وحياتي وأغلى ما عندي عرفتي ليه انا متغاظة وزعلانة " - ليلى " هو ايه اللي بلدي واصحابي انتي كنتي بنت مفعوصة مكملتيش ١٨ سنة هو ايه اللي اغلى ما عندك دا كنتي بتحبي مثلا" صرخت مريم بهستيريا " ايوة كنت بحب وهما ضيعوه مني وحتى لو حاولت ادور عليه دلوقتي هيكون خطب ولا اتجوز ومش بعيد يكون عنده ولاد كمان" - ليلى " يا سلام كنتي بتحبي مين وازاي وانتي مكنتيش بتخرجي م البيت الا عشان الدروس وحتى دي كان موظف عند ابوكي هو اللي بيوصلك ليها" -مريم بارتباك " مش مهم مين وازاي المهم انه ضاع مني للأبد وهما السبب" اقتربت ليلى من ابنتها وربتت على كتفيها وهي تحتضنها " يابنتي استهدي بالله وفكري ف اللي بقولك عليه احنا كده كده هانستنى اسبوعين تقريبا لحد ما نور تيجي من شهر العسل وتتواصلي معاها لان قمر زي ما بتقولي قطعت علاقتها بيهم من بعد الفرح وانقطعت اخبارها مع سفر مراد. خلي الوقت دا فرصة تفكري ف الكلام اللي بقولك عليه، واذا كان ع الحب انتي صغيرة وجميلة والف مين يتمناكي" ارتمت مريم على المقعد " مش المشكلة مين اللي يتمناني المشكلة انا بتمنى مين" واغمضت عينيها ثم نهضت هاربة إلى خارج المنزل وهي تقول " هاتمشّى شوية ومش هتأخر" نبهتّها والدتها " طيب انا هانزل اشوف نتيجة التحاليل واعرضها ع الدكتور و....." لم تتم كلامها لأن الأخيرة لم تسمعها وتنهدت ليلى هذه أول مرة ترى فيها ابنتها بهذه الحالةالغريبة، وتلك أيضا أول مرة ستذهب للطبيب بمفردها!!!
****************
" الو ايوة يا ماجد ممكن اطلب منك طلب معلش" - ماجد " اتفضل يا ادهم انا تحت أمرك " - أدهم " عاوزك تروح العنوان اللي هاديهولك وتاخد قمر من هناك وتوصلها للبيت الكبير انا عارف انها مش شغلتك بس انت عارف انا مبثقش في حد غيرك" - تنهد ماجد " اكيد طبعا يا بشمهندس وبعدين دا اول شغل اشتغلته قبل ما ابقا hr manager اد الدنيا " تنهد أدهم بدوره وهو يتذكر مهنة ماجد الأولى ومع من كانت ثم طرد أفكاره الحزينة بسرعة واستطرد " معلش يا ماجد انت هتعمل كده لحد ما ارجع الشركة هما ٣ ايام بس ولو فيه اي امضاء ولا حاجة مطلوبة مني انت او ريم تيجوا هنا المستشفى تجيبوها ليا اي حد تاني لأ، وانا هابلغ ريم بالكلام دا" -ماجد " حاضر يا أدهم متقلقش انا هاعملك كل اللي انت عاوزه" شكره أدهم ثم أغلق الخط وتوجه إلى غرفة أبيه " ايه يا حاج انت هاتعملهم عليا انا كمان ولا ايه مبلاش شغل قلبي قلبي بتاع أفلام زمان دي" ابتسم أكرم ابتسامة مرهقة " ياريت الزمان يرجع يا أدهم" انتبه أدهم للنبرة الجادة المريرة التي تخرج من صوت والده " فيه ايه يا بابا مالك انا اول مرة اشوفك كده هي مديحة دي عملتلك حاجة" - أكرم " أبدا يا أدهم هي مديحة نفسها اللي اتجوزتها من سبع سنين، بس انا بقيت بحلم بأمك كتير أوي يا أدهم، انا من ساعة ما اتوفت وانا بحلم بيها بس دلوقتي تقريبا كل يوم .. كل يوم يا أدهم" ردد كلماته الأخيرة بألم مبرح وكأن تلك الكلمات تطعنه وتؤلمه كما تفعل به أحلامه. تنهد أدهم وهو يحاول تهدئة والده " طب ايه رأيك لما تخف وتشد حيلك كده تروح تعمل عمرة وتعملها هي كمان عمرة" رفع أكرم حاجبيه فهو ليس من ذلك النوع المتدين ولكن الفكرة اعجبته للغاية " بجد بجد يا أدهم انا ممكن ربنا يقبل مني حاجة زي دي" - ادهم " طبعا يا بابا ان شاء الله ربنا هايتقبل منك" - أكرم " متتصورش انت ريحتني باقتراحك دا اد ايه " - أدهم " شوفت بقا يبقا انا مغلطتش لما قولتلك يا حاج ف اول الكلام بس كل دا هايحصل لما تبقا كويس وتسترد صحتك ولو عاوزني آجي معاك كمان انا موافق هاجي انا ومراتي" تجهم وجه أكرم " هي ميرا هتوافق أصلا على حاجة زي دي؟ دي نسخة من خالتها ان مكانتش ألعن انت بردو لسه مصمم تتجوزها العقربة دي" ربت أدهم على كتفه " ريح انت بس يابابا دلوقتي ومتفكرش في اي حاجة تعكر دمك خالص. وتفاصيل موضوع العمرة دا سيبها عليا انا هاظبط كل حاجة " أومأ له أكرم في تعب وهو يغمض عينيه. خرج أدهم وتركه ليرتاح ثم اتصل بقمر مرة أخرى يطمئن لوصول ماجد معها.
" ايوة يا قمر ماجد جالك؟" - قمر " ايوة يا ادهم جه بس مكانش فيه داعي لكل دا انا كنت هاروح لوحدي عادي" - ادهم " لا انا كده هابقا مرتاح ومتطمن عليكي أكتر" - قمر "خلاص يا أدهم تمام انا هبعت مع ماجد شوية هدوم وحاجات تحب ابعتلك حاجة تانية" - أدهم "لا يا قمر متشكر اوي" وأغلق الهاتف وهو يتنهد ارتياحا.
على الجانب الآخر كانت قمر تجلس بجانب ماجد في السيارة فتبادر إلى ذهنها سؤاله " واضح ان أدهم بيثق فيك جدا يا ماجد بدليل انك كنت شاهد على جوازنا" هز ماجد رأسه " احنا اصحاب أصلا من اول ما بدأت اشتغل عندهم" - قمر " وانت بقا بتشتغل معاهم من زمان ؟" - ماجد وهو يحاول الحساب " يعني من حوالي ٩ سنين كده" - قمر بلهفة" يعني شوفت والدته وأخته تقدر تقولي كانوا عاملين ازاي" ارتبك ماجد ارتباكا واضحا ثم تنهد وهو يحاول التركيز في الطريق بصعوبة " يعني ايه عاملين ازاي بني آدمين عاديين يعني" - قمر وهي تقطب حاجبيها " منا عارفة انا قصدي شخصيتهم احلامهم افكارهم اصلي بفكر اعمل هدية لأدهم بس تكون الهدية خاصة بيهم" توقف ماجد على جانب الطريق بهدوء ثم أخذ نفسا عميقا " هدية ايه اللي عاوزة تعملهاله انتي مش عارفة ان أدهم حساس اوي للموضوع دا بالذات" - قمر " ايوة عارفة بس انا نفسي يفك شوية ويحاول يتخطى حادثة موتهم دي" زفر ماجد وهو يتمتم " اذا كان انا متخطيتهاش" قطبت قمر حاجبيها مرة أخرى " واضح انك كنت قريب اوي منهم" هز ماجد رأسه وهو يتحدث كمن يتكلم عبر الأثير وكأنه في عالم آخر لا وجود لسواه فيه وتمتم " انا كنت السواق بتاعها ... قصدي بتاعهم" -قمر بتعجب " سواق!! معقول انت اشتغلت سواق " ابتسم ماجد بعفوية " انا أصلا كنت بتدرب في الشركة وفي يوم سواق أكرم بيه تعب فملقيوش غيري أوصله فوصلته وانا مروح بقا قالولي اوصل ملك للدرس بتاعها ومن ساعتها بقيت بين الشركة وبين العربية وكده يعني " كان يبتسم ابتسامة بريئة كطفل يحكي عن أول زيارة له للشاطيء كانت. عيناه مليئتان بالحماس والحنين والتوتر والحزن. كل ذلك تجمع في عينيه وابتسامته اللطيفة الحانية. وكأنه يعود أدراجة لمكان وزمان مغايرين، لحقبة محببة لقلبه رغم تغيره وتغير منصبه لأحسن مما كان! " طيب ممكن اطلب منك طلب انا هاموت م الجوع وقفنا عند اي مطعم انزل اشتري منه أكل وهنمشي على طول مش هأخرك" - ماجد " انا واخد كارت بلانش من ادهم اني اعملك اي حاجة انتي عاوزاها" ابتسمت قمر كوحيدة والدها المدللة واغمضت عينيها وهي مزهوة بتلك المكانة الجديدة التي تتسلق فيها لقلب أدهم. توقفت السيارة عند أحد المطاعم وتأهبت قمر للنزول في حين استوقفها ماجد " ايييييه استني استني رايحة فين قوليلي انتي عاوزة ايه وانا اجيبهولك خليكي انتي مستريحة " - قمر " لا يا عم انا مش متعودة ع الدلع دا انا هانزل اجيب حاجتي بنفسي' - ابتسم ماجد على بساطتها في الحديث معه ثم تحدث مازحاً " انتي عاوزة أدهم يرفدني ولا ايه خليكي انتي ف العربية وانا هانزل اجيبلك اللي انتي عاوزاه" - قمر " خلاص ماشي انا بردو ميرضينيش قطع الارزاق " ضحك الاثنان وابلغته بطلبها ومضى ماجد إلى داخل المطعم موجهاً أنظاره نحو اللافتات المعروضة للطعام غير شاعر بتلك التي فغرت فاهها عن آخره وارتعدت فرائصها، وتراقصت ضربات قلبها بين فرحة برؤيته بعد طول السنين، وبين رد فعله إذا رآها الآن. ظلت تحدق فيه وهي لا تستطيع التحرك فقدماها تيبست. وذراعها تشنجت وأبى صوتها حتى أن يخرج من حنجرتها. وكأن جسدها شُل تماماً في حين أن عقلها وقلبها يعملان كالدينامو بكامل جهدهما حتى أوشكا على الإحتراق. كل ما استطاعت ان تحركه كان رأسها الذي يميل مع كل حركة او لفتة منه كأنها تستعيد حفظ ملامحه التي لم تتغير كثيرا بل ازداد وسامة وأناقة. وفكرت حزنا يبدو أن لديه من يهتم به وبأناقته. وهبت واقفة في شغف وضربات قلبها تركلها ركلا خوفا من ان يمضي دون ان تتحدث معه ولهثت خلفه وهي تراه يخرج من المطعم حاملا أكياس الطعام متوجهاً نحو سيارة حمراء تركن على مسافة بعيدة نسبيا. وجرجرت قدميها عبثا محاولة اللحاق به إلا أنها توقفت حين رأته يضع الطعام في المقعد الخلفي للسيارة التي تقبع فيها إحداهن بشعرها المنسدل ولكنها لم تتبين ملامحها لأن الأخيرة التفتت للطعام بسرعة وانطلقت السيارة!!!
***************
في المستشفى طلب أكرم من ادهم أن يحضر له بعض حاجياته من المنزل حتى لا تضطر مديحة للحضور بنفسهامجددا، فهو يريد الإسترخاء قليلا دون وجودها أمامه. فخرج إلى البهو الخارجي لحجرته وجلس بجانب الشرفة وهو ممسكاً كتابه المفضل بيده. الكتاب الذي يذكره بزوجته السابقة وكيف كانت حلم حياته التي حولها بنفسه إلى كابوس وتنهد عميقا حين عادت ذكرياته إلى رقتها .... وغلظته، إلى حنوّها .... وقسوته ، إلى وفائها وتفانيها في حبه .... وخيانته وخسته معها!!
************
دلفت ليلى إلى المستشفى وحيدة وتوجهت للمصعد تضغط على أزراره دون ان ترى لأي طابق تتوجه وهي سارحة في ابنتها وما حدث لها منذ قليل. لم تكن تعلم ان ابنتها قد أحبت من قبل!! كيف ؟ومن؟ ومتى؟؟ كل تلك الأسئلة كانت تعصف برأسها وادركت انها حتى حينما كانتا في بلاد الغربة لم تستغرب ان ابنتها لم تعشق او تحب أحدهم وبررت ذلك باختلاف الدين والعادات والتقاليد لذلك قررت العودة إلى مصر لتتيح لابنتها فرصة للحياة والسعادة التي لم تجدها هي نفسها أو قد نقول أنها وجدتها ولكن لوقت قليل واستيقظت من حلمها الجميل على كابوس مضني صادم!!
*************
كانت قمر في السيارة تلم شعرها في ذيل حصان في عجلة لتقضم الشطيرة بنهم وماجد ينظر لها بتعجب فتحدثت بعد ان ابتلعت لقمتها " متبصليش كده انا مأكلتش حاجة م الصبح ميغركش اني رقيقة وامورة وكده بس انا ف الأكل معرفش ابويا " ضحك ماجد " لا ما هو واضح ربنا يستر على دراعي" -قمر " لا متخافش انت جايب أكل يكفي وزيادة، متاخدلك ساندويتش" - ماجد " لا شكرا منا لو كنت عاوز كنت جبت لنفسي" وقاطع كلامه رنين هاتف قمر التي فتحت بسرعة " ايه يابنتي فينك من يوم نور ما اتجوزت ماسمعتش صوتك ولا شوفتك" لم يسمع ماجد بالطبع رد الطرف الآخر ولكن لم يفته تحول صوت قمر المرح إلى القلق والتوتر " فيه ايه طب ايه اللي حصل ؟؟ طب انتي فين دلوقتي؟ طب خلاص خلاص اهدي انا هاجيلك انا قريبة منك أصلا سلام" ثم توجهت بالحديث إلى ماجد ترجوه " معلش يا ماجد انا آسفة جدا والله بس ممكن ترجعني ع المطعم اللي كنا فيه دلوقتي" - ماجد مستفهماً " ليه الأكل فيه حاجة ولا ايه اللي حصل" - قمر " لا ابدا واحدة صاحبتي هناك ومحتجاني اوي، انت ممكن توصلني وتروح ، انا هبقا اركب تاكسي واروح معلش تعبتك معايا" - ماجد " لا مينفعش انا هاوديكي المطعم تقعدي مع صاحبتك اكون انا خلصت مشوار قريب ولما تخلصي تكلميني آجي اروّحك، أدهم هيزعل متي جامد لو سبتك" نظرت له ممتنة " انا متشكرة اوي يا ماجد بجد انا مش عارفة اقولك ايه " أومأ لها ماجد وأوصلها للمطعم مرة أخرى وانطلق مغادرا المكان.
قمر بلهفة وهي تقبل مريم " فيه أيه يا مريم خضتيني ايه اللي حصل" - مريم ومازالت عيناها غائمتان وآثار الصدمة تبدو على وجهها " اقعدي بس وانا هاحكيلك كل حاجة انا مصدومة مش قادرة اصدق لغاية دلوقتي" - قمر " فيه ايه بس احكيلي" مريم ودموعها قد تجمعت في مقلتيها وهي غير مصدقة " شوفته ياقمر شوفته " - قمر " هو مين دا اللي شوفتيه ومالك مخضوضة كده تحبي انده لحد يساعدنا" اغمضت مريم عينيها فانفلتت دمعتان وكأنهما تهربان من سجن مقلتيها " استني بس انا هاحكيلك م الاول انا كنت بحب واحد قبل ما نسافر، وهو كمان كان بيحبني انا كنت طفلة صغيرة وزي ما تقولي كده رباني على ايديه. وكان بيجهز نفسه ويصلح من نفسه عشان يليق بيا لكن انفصال ماما وبابا لخبطني وخصوصا ان بابا حرفيا أخد مننا كل حاجة حتى موبايلتنا اخدها وخلانا ع الحديدة ولولا خالو بعتلنا دعوة وحجزلنا تذاكر الطيران مكناش هنعرف حتى نسافر وحتى دي وقفلنا فيها ومنعنا من السفر بعد ما كنا خلاص عملنا (check in) بحجة اني مكملتش ١٨ سنة المهم يعني احنا بعدها سافرنا وانقطعت اخباره عني ومعرفتش اوصله ولا هو حتى حاول مع انه عارف اني اكيد هاروح لخالي في انجلترا، ودا قهرني اوي وحسسني اني كنت لعبة او تسلية او انه مكانش بيحبني حقيقي ولما رجعت كان نفسي اشوفه اوي لكن للأسف انا حتى معرفش اسمه ثلاثي وفجأة من شوية وانا قاعدة كده هنا لقيته داخل اشترى أكل بسرعة وخرج وكان معاه واحدة ف العربية يا قمر بس ملحقتش اشوف شكلها الدنيا كانت ضلمه و العربية كانت بعيدة ، لا وكمان الحيوان جايب عربيته حمرا عشان انا كنت بقوله اني بحب العربيات الحمرا" وانهارت مريم في البكاء وهي تقول من بين نحيبها " سبع سنين يا قمر معرفتش اخرجه من قلبي ولا من دماغي وهو خلاص عاش حياته ومش بعيد يكون عنده اولاد كمان، كنت بكدّب نفسي واقول انه اكيد مستنيني وحتى حاولت ادور عليه ع السوشيال ميديا لكن مفيش فايدة والنهاردة شوفته يا قمر شوفته وهو عايش حياته وبيحب ويتحب وانا اللي حياتي ضاعت وانتهت" انتقلت قمر للجلوس بجانبها وضمتها بقوة " متزعليش يا مريم انتي بنت حلوة وزي القمر ومحترمة وكتير يتمنوا يقعدوا بس معاكي، واكيد هاتنسيه لما تقعدي هنا اكتر ويبقا عندك أصحاب ومعارف وتبطلي تعيشي على أمل حبه دا وبعدين متزعليش مني سبع سنين فترة طويلة اوي خصوصا ان مكانش فيه ما بينكم اي اتصال وهو بردو حقه يعيش حياته ف متلوميهوش وبصي لمستقبلك وحياتك انتي كمان" ظلت قمر تحاول الترويح عن مريم قرابة النصف ساعة حتى رن هاتفها وكان ماجد المتصل " الو ... ايوة تمام ... خلاص ماشي انا مستنياك ف المطعم اوكيه" وأغلقت الهاتف في حين سألتها مريم " انتي خلاص مروحة " - قمر ايوة يا مريم للأسف اتأخرت اوي وورايا حاجات بالهبل تعالي معايا يالا عشان نوصلك" لم تكن مريم في حالة تسمح لها بسؤالها او حتى التفكير فيمن سيُقلّهما فاستأذنت قبلاً للذهاب لدورة المياه حتى تغسل وجهها وعينيها المتورمتين، وجلست قمر في انتظار ماجد الذي توجه إليها في عجلة " قمر معلش انا هادخل الحمام بسرعة واطلع أروحك على طول هه" لم تسنح لقمر الفرصة حتى تطلب منه ان يقل صديقتها في طريقهم لأنه توجه مسرعاً نحو دورات المياه.
************
خرجت ليلى من المصعد وهي تنظر حولها مستغربة. ليس هذا هو الطابق المخصص لطبيبها. ظلت تمشى في الردهة وهي تبحث علّها تجد أحدهم لتسأله وتوقفت وظهرها مواجه للشرفة حين وجدت إحدى الممرضات فسألتها " لو سمحتي عيادة دكتور رشدي المسيري فين لو سمحتي" التفت أكرم بسرعة على صوت ليلى وهو ممسكا كتابها بيده غير مصدق وهو مقتنع تماما انه يتخيل أو أنه يستحضر صوتها في صوت أي امرأة وحاول الوقوف عبثاً ثم ارتمى على المقعد مرة أخرى متشبثاً بالكتاب الذي في يده وهو مشدوها محاولا التنصت والاستماع والاستمتاع بهذا الصوت الذي يشبه صوتاً كان قد افتقده كثيراً والتفتت ليلى نحو الشرفةوهي تتأكد مما تقوله الممرضة وتشير إلى الردهة المقابلة لها وتوقفت يدها حيث أشارت، وعينيها حيث هو!! وهربت الدماء من وجهها حين رأت الكتاب الذي أهدته إليه بين يديه وهو يردد اسمها في صدمة " ليلى" !!!
**************
في الردهة المؤدية لدورات المياه كان ماجد يسرع لدخول الحمام ولم يلتفت لتلك الرقيقة الباكية التي تخرج من حمام السيدات مما أدي لاصطدامه بها فالتفت ليعتذر ولكن الكلمات توقفت في حلقة واتسعت عيناه على آخرهما فقد عرفها رغم حجابها لا لا لا يمكن ان تشبهها إحداهن لهذه الدرجة إنه يحفظ ملامحها عن ظهر قلب، وصورتها لا تفارق مخيلته أو حتى محفظته وهاتفه. إنها هي... هي بشحمها ولحمها بجمالها الأخاذ ورقتها. بتورد وجنتيها المحببتان إليه. وردد مشدوها وهو غير مصدق "ملك" !!!!