📁 آخر الروايات

رواية غيوم تحجب القمر الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم مني السيد

رواية غيوم تحجب القمر الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم مني السيد


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
الفصل الثاني والعشرون
اتسعت عينا مريم على آخرهما وهي تراه وتسمعه يردد اسمها الحقيقي...... بضعة سنتيمترات تفصلها عنه ولكنها كانت تشعر وكأنها في مشرق الارض وهو في مغربها. وكأنها تصارع أمواج عاتية تفصل بينهما وعلو صدرها وهبوطه يؤكدان على ذلك. كأنها تنظر إليه من السماء وهو يناديها من الأرض لتهوى إلى هواه أو إلى هوّته ! كلا... بعد كل ما رأته بعينيها لن تدع له الفرصة التي لطالما حلمت بها هي شخصيا لسبع عجاف أن تقابله وتتحدث معه، لا لن تغيثه الآن ببضع كلمات منها أو حتى نظراتها الجائعة التي تنبئه بكل ما يعصف به صدرها وقلبها من شوق وألم. فليتألم مثلما تتألم فلتعد له من العدم حتى تؤرق حياته السعيدة التي يعيشها مع من سحقت مكانها في قلبه واستبدلها بها. فليعش متذكرا تلك اللحظة طوال عمره بأنه خسرها بعد أن وجدها ... خسرها للأبد!!
استدارت ملك بحدة واندفعت خارجة بقوة ثور جريح تنغرز الأسهم في كل انحاء جسده وينزف بغزارة كما دموعها. ظلت قمر تناديها ولكن لا من مجيب لم تكن تسمع سوى حروف اسمها الثلاثة التي افتقدتها من بين شفتيه. لم تكن ترى شيئا سوى نظرته المتلهفة والمصدومة. لم تكن تعي شيئا سوى انها رأته... مع غيرها.. وغادرت إلى منزلها تدفن نفسها بين وسائدها وتُفجِّر نهر دموعها التي بنت فوقه السدود لسنوات عدة.
***************
تجمدت ليلى وهي ترى أكرم يحاول الوقوف متشبثا بكتابها وكأنه قطعة منه. لم يسعها عقلها للتفكير فيما حدث او فيما يحدث الآن أو فيما قد يحدث بعد قليل. ملامحه تغيرت كثيرا أصبح اكبر ولكنه مازال وسيما كعادته مازالت عيناه تأسرها لدرجة أن لا تستطيع ان تحيد بنظرها عنهما ويداه اللتان ترتفعان مشيرة إليها وكأنهما ستلمسانها ... آه من تلك اليدان التي لطالما احتضنتها وضمتها. واسمها الذي افتقدت أن يناديها به وكأنها لم تسمعه من غيره منذ سنين. كادت تذهب إليه لترتمي بين ذراعيه كما كانت تفعل في الماضي السحيق رغم كل ما فعله بها ومعها ولكن هالها تحول تلك النظرات المندهشة المتعجبة إلى نظرات متألمة هلعة ويده التي ما كادت تشير إليها تنحني نحو صدره وعيناه تتسعان وهو لا يستطيع التنفس وارتمى على المقعد مرة أخرى تزيغ عيناه في دوامات لا متناهية، وأنفاس ضائعة يحاول اللحاق بها بألم واضح. أسرعت الممرضة التي كانت تقف مع ليلى لنجدته وهي تنقله بسرعة لغرفته وتضغط زر الإنذار. كل ذلك وليلى مازالت متجمدة لا تتحرك. فقط عيناها تدوران في المكان وتتابعان الداخل والخارج من غرفته في عجلة كمن يحاول اللحاق بقطار بدأ بالفعل في التحرك. وانخلع قلبها لمجرد التفكير بأنه قد يحدث له شيئا ما، وأن ذلك سيكون بسببها!
بعد أن هدأت الأحوال نسبيا في غرفة أكرم وبعد ان استعادت ليلى القليل من وعيها سألت إحدى الممرضات بتردد " هو ماله ايه اللي حصله"
- الممرضة " هو كان عنده أزمة قلبية بسيطة وللأسف رجعتله تاني بس أشد شوية مع ان حالته كانت مستقرة ادعيله"
أرخت ليلى جفنيها في وهن واضطربت قدماها التي أصبحت لا تستطيع حملها ، فأسندتها الممرضة
" مالك يافندم اندهلك دكتور"
- ليلى " لا لا بس وصليني للأسانسير لو سمحتي" اوصلتها الممرضة للمصعد وضغطت الطابق السفلي وخرجت ليلى توقف سيارة أجرة. لا تعرف كيف أوقفتها أو ماذا قالت للسائق كل الذي تعلمه أنها وصلت بيتها بعينيها المثقلتين بدموعها المنهمرة. دلفت مباشرة إلى غرفتها دون ان تطمأن على ابنتها لأول مرة.
***************
ّ غص حلق أدهم وهو يفرك جبينه ويقول" ازاي دا حصل انا سايبه كويس ايه اللي حصل بس"
- الطبيب " يا بشمهندس أدهم هو كانت حالته مستقرة ممكن يكون من التفكير الزيادة مثلا "
ضرب أدهم الحائط بقوة
" انا الغلطان مكانش لازم اسيبه"
- الطبيب " ع العموم احنا كده هانضطر نقعدة مدة أطول عشان نطمن ان حالته استقرت وياريت الزيارات اللي مش بيحبها تقل وتجيبوله الناس العزاز عليه"
تنهد أدهم بحسرة
" ودول أجيبهم منين دلوقتي"
استأذن الطبيب وتركه شارداً. دلف ادهم إلى غرفة والده وهو يرى الاسلاك المنغرزة في جسده بأسى. جلس بجانبه وهو يمسك يده بكلتا يديه
" متسبنيش انت كمان انا مش حمل صدمات تاني، خليك جنبي انا مليش غيرك حتى لو كنت غلطت زمان فأنا شريكك في الغلط وانا اللي قويتك عليه ارجع وفوق وخليك معايا يا بابا متسبنيش"
وأرخى أدهم رأسه بجانب يد والده المتصلة بالأنابيب متمسكاً بها بقوة إلى أن راح في سبات مضطرب يشوبه القلق. يرفع رأسه كل حين ليطمئن ان صدر والده مازال يتحرك ويستمع لأنفاسه المجهدة.
في الصباح الباكر ومع أول خيوط للشمس شعر أدهم بمن يقبض على يده فرفع رأسه مصعوقاً وهو ينظر لوالده الذي رآه مستيقظاً ويربت على يده
" بابا انت كويس الحمد لله الحمد لله انك فوقت، انت ايه اللي حصلك بس مش كنا اتفقنا على حاجات حلوة ايه اللي خلاك تقعد تفكر وتتعب تاني كده"
- أكرم بوهن وصوت يكاد يكون مسموع
" شوفتها يا أدهم شوفتها"
عقد أدهم حاجبيه
" ايه دا هي مديحة جاتلك هنا؟ ازاي وانا كنت سايبها ف البيت؟"
هز اكرم رأسه بضيق وتألم وكأن تلك الحركة البسيطة اتعبته
" مش مديحة يا أدهم ليلى شوفت ليلى"
فغر أدهم فاهه غير مستوعب
" ليلى مين؟؟!"
- اكرم من بين أنفاسه المسموعة بوضوح
" ايه يا ادهم ليلى أمك"
ابتلع أدهم لعابه محاولا السيطرة على مشاعره وضربات قلبه المنقبضة وهو يربت على يدي والده
" طب ارتاح انت بس وكل شيء هيبقا تمام"
- أكرم "انت مش مصدقني طب حتى اسأل الممرضة كانت واقفة معاها وبتكلمها"
- أدهم " طيب يا بابا حاضر هبقا اسألها"
- أكرم " روح اسألها دلوقتي يا أدهم عشان خاطري" كان والده يتكلم بتألم لا يعلم أهو من أثر الأزمة القلبية أم من أثر الأزمة النفسية و الحديث عن حب عمره الذي أضاعه بيده.
" حاضر يا بابا هاطمن عليك واقعد معاك شوية واروحلها"
اكرم من بين أنفاسه الذي يأخذها بصعوبة
" دلوقتي يا أدهم أحسن تمشي، قبل الشيفت ما يتغير يابني"
ربت أدهم على يد والده بخفة
" حاضر حاضر يا بابا هاروح اسألها".
خرج ادهم من الغرفة وهو غير مصدق كيف يسأل عن شخص مات منذ زمن. يعلم ان والده يستحضر ذكرياته مع والدته احساساً بالذنب او افتقاداً. يعلم ان كل ذلك ما هو إلا تهيؤات ،ولكنه سيسأل ليريح والده على كل حال فهو يعلم انه مجرد تحصيل حاصل. سأل أدهم في الاستقبال عن الممرضة التي أنقذت والده بالأمس فحضرت على عجلة
" ايوة يا فندم فيه حاجة حصلت؟"
- أدهم " لا ابدا انا بس كنت عاوز اشكرك انك لحقتي بابا في الوقت المناسب هو مكانش ف الاوضة ومكنش هايعرف يرن الجرس لولا ان انتي لحقتيه"
-الممرضة " يا فندم انا معملتش حاجة دا واجبي والحمد لله على سلامة والدك"
- أدهم " بابا بيقولي انك كنتي واقفة بتتكلمي مع واحدة ساعتها "
- ايوة فعلا كانت واحدة بتسأل على حاجة"
-أدهم "طيب ممكن توصيفهالي لو سمحتي"
-الممرضة " هي كانت طويلة وبيضا ومحجبة"
- أدهم وهو يحاول التماسك
" معلش انا عاوز وصف ادق شوية "
- فكرت الممرضة للحظات
" هي عنيها لونها عسلي فاتح وجميلة وسنها ف اوائل الاربعينات تقريبا كده"
اطمان أدهم فكل المواصفات كانت تنطبق على والدته الا السن فهي اذا كانت موجودة للآن كانت ستصبح في نهاية الاربعينيات وليس بداياتها. لكنه تذكر أن والدته دائما ما كان يبدو شكلها أصغر من سنها بكثير ولكنه نفض تلك الافكار بعيدا عن رأسه حتى لا ينجرف مع تهيؤات والده بالتأكيد هذه السيدة تشبهها كثيرا لذلك تعرض والده لتلك النوبة فاستطرد أدهم ناهياً الموضوع
" تمام متشكر اوي تعبتك معايا"
-الممرضة " لا ابدا يا فندم لا تعب ولا حاجة بعد إذنك"
ومضى ادهم لغرفة والده يؤكد له انه قد شبهها بإحداهن مع الرفض التام من والده وإصراره على انه رآها هي بنفسها، تنهد أدهم وتركه ليرتاح وهو يجلس بجانبه يراقبه ويفكر فيما يقول والده...... هل يا ترى بالفعل هم أحياء؟ خاصة وانهم لم يتسلموا جثتهما مثلهم مثل باقي الضحايا! ولكن أسمائهم كانت من ضمن ركاب الطائرة لم تعمل فكرته اللعينة بمنعهم من السفر بحجة عدم اتمام أخته لسن الثامنة عشر! لو استطاع أن يصل إليهما قبل إقلاع الطائرة لم يكن ليحدث كل هذا. أيعقل ان تكونا مازالتا على قيد الحياة ؟ وإذا كانتا كذلك لماذا لم تحاولا الالتقاء بهم أو حتى بآدم فهو الوحيد الذي لا يعد عدوا لهما !! هز أدهم رأسه وكانما ينفض تلك الأفكار عنها غير مستوعب ان ذلك قد يكون ممكنا، وأنه يعيد فتح ذلك الجرح الغائر في صدره بلا جدوى. شعر أدهم باهتزاز الهاتف في جيبه دون صوت فوجد قمر المتصلة يالتوقيتك الجميل يا قمر بالفعل احتاجك الآن!! تسحب من الغرفة بهدوء وخرج ليتحدث إليها وينفث لها الحريق الذي يدور بصدره
" أدهم عامل ايه انت كويس وباباك كويس"
تنهد تنهيدة حارقة
" ايوة يا قمر كله كويس بابا بس اتعرض لأزمة تانية امبارح بس هو كويس دلوقتي الحمد لله"
- قمر " ياخبر الف سلامة عليه ان شاء الله هيقوم ويخف ويبقا زي الاول واحسن "
- أدهم " يارب يا قمر يارب"
- قمر " صوتك باين عليه التعب خالص يا أدهم ممكن اجيلك"
- أدهم " لا يا قمر متتعبيش نفسك انا لو لقيت فرصة اجي هاجيلك"
- قمر " بس انا نفسي اطمن عليك يا أدهم واشوفك" -أدهم " وانا كمان يا قمر نفسي اشوفك بس متقلقيش انا كويس ... طب قمر معلش سلام دلوقتي عشان آدم بيتصل دولي من ايطاليا"
- قمر" اوكيه خلي بالك من نفسك"
وأغلقت الهاتف وهي تشعر بخطب ما في صوت أدهم هل تغامر وتذهب إليه؟! ولكن لا تعلم كيف ستكون ردة فعله! وماذا إذا قابلت ميرا او مديحة في طريقها كيف سيكون موقفها وموقف أدهم وحزنت لتذكرها انها مجرد محطة في رحلة قطار أدهم وأن ميرا هي المحطة الأخيرة.... محطة الوصول!!!
" أيوة يا آدم عامل ايه" صرخ آدم على الجانب الآخر لدرجة ان من كان يمر بالجوار سمع صوته عبر سماعة هاتف أدهم
" ازاي دا يحصل يا أدهم ازاي متكلمنيش ازاي متقوليش؟؟ اديني بابا اكلمه دلوقتي"
- أدهم " اهدى يا آدم اهدى انت عرفت ازاي؟" آدم وهو مازال يصرخ " هو المهم انا عرفت ازاي ولا المهم ازاي دا يحصل ومحدش يبلغني؟! اتصلت بالبيت يا سيدي بعد ما لاقيت تيلفونه مقفول وهما بلغوني" وتنفس قليلا ليهدئ من وطأة صراخه " اديني بقا بابا اكلمه هما بيقولوا انه بقا كويس وحالته بقت مستقرة
" ضغط ادهم على الهاتف وهو يقضم شفتيه ببعضهما ثم تحدث أخيرا
"للأسف هو تعب تاني امبارح وواخد أدوية ومسكنات مش هيقدر يكلمك"
صرخ آدم " تعب تاني؟!!! انا نازل مصر حالا هاشوف اول طيارة والنهاردة هاكون في مصر يا أدهم"
أومأ أدهم وهو يتنهد
" طيب يا آدم تعالى هو اكيد هيفرح بيك...... " ثم سكت قليلا وأردف مترددا
" آدم انت مشوفتش ماما ولا ملك؟"..... صمتٌ طويلٌ على الهاتف مما أرّق أدهم وبعثر أفكاره أكثر.
" مش فاهم يعني تقصد ايه!! انا كنت كبير يا أدهم لما اتوفوا يعني شوفتهم وفاكرهم، دا هما يدوب سبع سنين يا أدهم مكنتش نونو يعني"
تنهد أدهم مطمئناً ان شكوكه ما هي إلا مجرد تهيؤات وشعور بالذنب تماماً مثل والده!!!
*************
كان ماجد يتمشى على شاطئ النيل كالروح الهائمة. ينظر لظلام الماء الذي يتحد بظلام السماء فلا يستطيع التفرقة بينهما، فقط مشهد لانهائي من الظلام. لا يعلم هل يصدق بالفعل انه رآها؟ أم عساه شبهها بإحداهن لأنه كان يتكلم عنها منذ قليل مع قمر ، واجتّر ذكرياته التي تختبئ في حنايا قلبه وتسكن فيه سكون النائم القلق، سكون المنتظر لللاشيء ، سكون البركان المنطفئ من كثرة الاحتراق!! وفكر هل يخبر أدهم بذلك؟؟ كلا كلا لن يخبره بترهات يتخيلها في عقله ولكن نظراتها الغاضبة عيناها المتورمتان من البكاء هروبها من أمام ناظريه وكأنها تعاقبه بعدم رؤيتها. يكاد يقسم انها هي ولكن كيف كيف؟؟
**************
في المساء حضر آدم متلهفا وهو يبحث عن رقم الغرفة التي أبلغوه بها في الأسفل ودلف إليها بلهفة ووجد أدهم ووالده يجلسان سويّاً دون حديث وكل منهم هائم في ذكرياته!
" بابا"
هتف آدم ثم ذهب إلى جانب والده يمسك بيده وهو يتوق لاحتضانه ولكن يمنعه سريان الأنابيب في جميع أنحاء جسده
" ايه اللي حصلك بس يا بابا الف سلامة عليك يا حبيبي"
ربت أكرم على يده يطمئنه
" اطمن يا آدم انا بخير انت ايه اللي رجعك من شهر العسل "
- آدم " شهر عسل ايه بس وانت تعبان كده ف المستشفى"
ثم نظر إلى أدهم بعتاب واضح
" كده بردو يا أدهم كل دا يحصل ومتبلغنيش"
- أدهم "متزعلش يا آدم كل حاجة حصلت بسرعة وكانت ازمة خفيفة ومرضناش نقلقك انت وعروستك"
- آدم " بردو يا ادهم كان لازم تبلغني ع العموم انا جيت اهو ومش هاسيبك خالص يا بابا"
صاح ادهم معترضا
" لا يا آدم انت هاتروح لعروستك مينفعش تسيبها لوحدها، وكمان انت اكيد تعبان م السفر، وانا اللي هبات مع بابا"
-آدم " انا وديت نور عند مامتها يعني مش هتبات لوحدها ولا حاجة وبعدين انا جاي بطيارة مش على جمل يعني، وانت شكلك تعبان ومنمتش روح ريح ونبقا نبدل مع بعض وكمان عشان تعرف تاخد بالك من الشغل ف الشركة"
هز أكرم رأسه موافقا
ً " اسمع كلام اخوك يا ادهم وروح ريح النهاردة " انصاع أدهم لرأيهما بعد طول جدال ،ثم حيّاهما وخرج في طريقه للمنزل.
كانت قمر تعمل بتركيز شديد على الكمبيوتر المحمول خاصتها إلى ان سمعت نباح الكلاب فعلمت بوصول أدهم فالكلاب لا تنبح بهذه الطريقة الفرحة إلا لأدهم فقط. أسرعت إلى الباب تفتحه وهو يمد يده بالمفتاح إلا أنها كانت أسرع منه. وبنظرات متلهفة كانت تتأمل ملامحه المتعبة. ابتسم لها ابتسامة واهنة ولكنها تكفي لتعلم انه يحاول.
فبادرته بالتحية
" حمدا لله ع السلامة يا أدهم ايه باباك بقا كويس؟" - أدهم " ايوة الحمد لله وآدم جه وهو اللي هيبات معاه النهاردة"
- قمر "معقولة!! بس كويس انه جه عشان يطمن عليه وكمان اكيد باباك هيفرح بحاجة زي دي وعشان تستريح انت كمان شوية"
كان تحدثه وهو يصعد الدرج ويقوم بخلع ملابسه رويدا رويدا بضيق فتحدثت قمر مرة أخرى
" مالك يا ادهم فيه حاجة تانية مضيقاك"
استمر أدهم في التحدث بضيق
" قمر انا تعبان شوية هادخل آخد دش ولما اخرج نتكلم براحتك"
هزت رأسها كالقطة المطيعة وهي تفكر بألف شيء وألف طريقة لتساعده على تخطي تلك الأزمة وفي جزء صغير من عقلها الشرير تتمنى أن يكون مرض والده هذا حجة قوية لتأجيل زواجه من ميرا. نهرت نفسها على تفكيرها المشين ولكن ماذا تفعل هذا ما تتمناه من داخل أعماق قلبها لتحظى معه ببضعة أيام أخرى!
خرج أدهم من دورة المياه وهو يرتدي شورت أسود ويجفف شعره بكسل. يبدو الإجهاد على كل ملامحه وهذا يمزق قلبها وروحها. تابعته بعينيها وهو يمدد قدميه على الفراش ويستند بظهره عليه جالساً. تتمنى لو تستطيع حمل كل همومه عنه، تتمنى لو تستطيع إسعاده بأي طريقة تعلم انها مستعدة لفعل أي شيء فقط لترى ابتسامته الساحرة كما في الماضي. لقد افتقدته كثيرا في الأيام القليلة الماضية فلتعترف لنفسها بحبه فلتدع الإنكار جانبا وتعترف بأنها تعشق تلك العينين اللتان تحدقان بها وكأنه ينظر من خلالهما. فلتعترف له علّ ذلك يخفف عنه! أو قد يزيد ذلك من ثقل همومه أكثر!! كلا لن تعترف يكفي انها اعترفت لنفسها وورضيت بأنها يمكنها ان تحب حتى ولو كان هذا الحب مستحيلا فهي لن تصلح لأن تكون زوجته لا بين بعضهما البعض او حتى امام الناس!!!
" مالك يا أدهم شكلك تعبان وزعلان صدقني باباك قوي وان شاء الله هيرجع كويس متخافش عليه" تنهد ادهم تنهيدة تشق صدرها هي ثم تحدث بهدوء " انا تعبان تعبان أوي يا قمر"
كان صوته يشبه النحيب فاقتربت منه وربتت على يديه
" قولتلك متخافش طول ما انتو حواليه هايتحسن ويبقا احسن متقلقش"
-أدهم بأسى " بابا بيقول انه شاف ماما يا قمر" نزلت الكلمات على أذنيها كالصفعة المدوية وهي تفكر ان والده يرى الأموات مما يعني بقرب أجله كيف تفسر ذلك لأدهم الآن فأردف أدهم
" انا سألت الممرضة اللي اتكلمت معاها وقالتلي مواصفات زي مواصفات ماما بالظبط"
- قمر بعدم استيعاب
" ثانية واحدة ثانية واحدة يعني هو شاف حد فعلا ولا بيتخيل"
- أدهم" ايوة يا قمر شاف واحدة تشبهها أكيد وهو دا اللي عمل فيه كده لكن هو مصمم انها هي ومش واحدة تشبهها ولا حاجة"
تنهدت قمر ارتياحاً
" ايوة اكيد واحدة تشبهها اوي وعشان كده تعب تاني صح"
هز أدهم رأسه ولأول مرة ترى عيناه مغرورقتان بالدموع بل وتنحدر دمعتان منهما على استحياء وهو يسألها
" تفتكري ممكن يكونوا عايشين بجد يا قمر"
نالت دمعتاه من آخر حصونها فضمته إليها بشدة وهي تُهدِئَه
ُ " بس يا ادهم متكملش "
التفت ذراعه هو الآخر حولها وكأنه وجد الملجأ وانفجرت عيناه بالدموع دون ان يصدر صوتاً وشعرت هي بتأوهاته المكتومة فضمته إليها أكثر وهي تقول
" متكتمش دموعك يا أدهم ابكي انا هنا جنبك ومعاك"
دفن وجهه في رقبتها
" انا محتاجلك اوي محتاجلك اوي يا قمر"
ابعدته عنها قليلا ونظرت إلى عيناه الحمراوتان
" وانا هنا مش هسيبك ابداً"
ولأول مرة تترك نفسها لنفسها دون إشارات عقلها البغيضة، دون ذكرياتها وعقدها الدفينة، لاول مرة تأخذ هي الخطوة وتقبّله نعم تقبّله بكل ما في قلبها من حب بكل ما في جسدها من خوف ورهبة ولكنها على استعداد ان تتحدى جسدها لتسعد حبيبها ولو فقط بتلك القبلة.
ويقبلها.... بل يبثها همومه وينقل لها احزانه في قبله كالعناق أكثر منها قبلة عادية. في قبلة متألمة محمومة بمشاعر الخوف والحزن والألم من كلاهما.وازدادت القبلات وازداد العناق وكلا منهما تنفك همومه وتنفك عقد الحبل الفاصل بينهما عقدة تلو الأخرى، ويزداد الإحساس دون أن يشعرا بتشابك أغصانهما وارتفاعها للسماء كنشوتهما. ويذوبان معا ليمد أدهم جذوره في ترابها لتزهر وتزدهر وتصبح زوجته قلبا وقالباً.
**********
في الصباح تململت قمر وهي تفتقد دفئا كانت تشعر به منذ قليل. بحثت بيدها عن أدهم وفتحت عينيها حين لم تجده وتلفتت يمينا ويسارا تبحث عنه فوجدت ورقة صغيرة وخط أدهم يزينها بكلمتين فقط 《أنا آسف》.
قطبت حاجبيها ماذا يعني بذلك أهو يأسف عما حدث بينهما بالأمس؟! أهو يأسف لأنها تخلت عن نفسها وسلمت نفسها بطيب خاطر؟! أهو يأسف عما شعرته معه ولن تنكر انها لم تشعره من قبل ولن تشعره بعد ذلك ابدا ؟ألم يشعر بما شعرته ألم يكن يحبها كما ظنت ؟! أم أنه يأسف لأنه في جميع الأحوال سيتزوج بميرا وما هي إلا استراحة قصيرة في رحلته؟!!!
طوت الورقة بقلب ممزق ولم تفكر لثانيتين فلملمت أشيائها ومتعلقاتها ولم تستطع البكاء بالرغم من أن شهقات البكاء كادت تمزق صدرها ولكنها أبت البكاء كعادتها القديمة وعادت مرة أخرى لقمر القديمة القوية.
أسرعت خارجة دون ان تلتفت لمنزل أحلامها وسعادتها وحزنها! وقررت العودة إلى منبع مأساتها ..... إلى الإسكندرية!! ستبتعد عنه وتتركه لحياته التي اختارها، ستواجه الجميع الآن، ستقاتل كل من أذاها، ستحارب بجسارة فقد انفكت عقدتها على يده وسيظل في قلبها للأبد بالرغم من مرارة احساسها برفضه لها!!


الثالث والعشرين من هنا
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات