رواية نسخة من روحي الفصل العشرين 20 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( الجزء العشرون)
لم يكن أحدٌ منهم يعلم أن الخيوط التي ظنوا أنها تفرقت منذ زمن كانت في الحقيقة تعود لتلتقي من جديد في أماكن مختلفة وتحت سماءٍ واحدة .. كانت القلوب تمضي في طريقها محمّلةً بأسرارها .. غير مدركة أن اللحظة التي ستنكشف فيها الحقيقة أصبحت أقرب مما يتخيلون.
أدهم .. الذي ظن أنه أنقذ فتاةً غريبة من مصيرٍ مظلم لم يكن يعلم أن تلك الليلة التي غيّرت حياته كانت في الحقيقة بداية قصةٍ أكبر بكثير مما تصور .. ظنها فتاةٌ أصبحت بلا ذاكرة وقلبٌ تعلّق دون أن يدري أن الحقيقة التي تنتظره قادرة على قلب كل شيء رأساً على عقب.
أما ليلى .. فقد عاشت أشهراً طويلة وهي تبحث عن ظلٍ ضائع .. عن نسخةٍ أخرى من ابنتها الغالية اختفت دون أثر وعن إجابةٍ لم تجدها رغم كل الطرق التي سلكتها .. تبحث عنها لتنقذ ما تبقى من نفسها
لكن القدر الذي بدا قاسياً في البداية كان يخبئ لها مفاجأة لم تكن تتوقعها أبداً.
وفي مكانٍ آخر كان هناك من لم ينسَ من لم يغفر ومن كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعود من جديد.
مؤيد .. الذي ظن الجميع أن وجوده انتهى .. لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد .. فالانتقام الذي يسكن صدره لم يخمد بل ازداد اشتعالاً مع كل يومٍ يمر.
بين كذباتٍ نسجوها وقلوبٍ تتقاطع طرقها دون أن تدري وأسرارٍ بدأت تتكشف واحدةً تلو الأخرى كان القدر يستعد لكتابة فصلٍ جديد من الحكاية .. فصلٌ لن يبقى فيه شيء كما كان.
...
كانت حلا متجمدة في مكانها .. قدماها اللتان كانتا تصعدان الدرج ركضاً توقفتا فجأة .. وكأن الأرض التصقت بهما .. اتسعت عيناها بذهولٍ وخوف بينما بقيت تحدق في الرجل الواقف أمام شقة أدهم مباشرة.
مؤيد ..لم يكن وهماً ولم تكن خدعةً من خيالها .. كان يقف هناك بالفعل .. ظهره مستند إلى الحائط وذراعاه متشابكتان أمام صدره وعيناه مثبتتان عليها بنظرةٍ باردةٍ مخيفة .. شعرت وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
همست بصوتٍ خرج مرتجفاً:
- مـ مؤيد؟
في تلك اللحظة وصلت رهف إلى الدرج خلفها وهي تلهث قليلاً من الركض وسألتها
- حلا لماذا توقفتِ فجأة؟
لكنها ما إن رفعت نظرها لترى ما تنظر إليه حلا حتى عقدت حاجبيها بدهشة و وقع في قلبها شيء من الرهبة .. فجأة تذكرت ذلك الشعور بعدم الارتياح وتلك الكوابيس التي طالما لازمتها في الماضي قبل أن تتعافى
الرجل الذي أمامهما كان ينظر إليهما نظرةً مليئة بالعداء قبل أن تنحني شفتيه ببطء في ابتسامةٍ باردة .. قال بصوتٍ منخفض يحمل سخريةً قاتمة:
- أخيراً ظهرتِ أيتها الساقطة
ارتجفت حلا قليلاً بينما تشنج جسدها دون وعي أما رهف فتحت عينيها واندفعت خطوة وقالت بغضب :
- ومن تكون أنت يا هذا حتى تنعتها بالساقطة ؟
انتقلت عيناه فجأة إلى رهف تغيرت ملامحه في لحظة واشتعلت في عينيه نظرة غضبٍ حاد .. دفع نفسه عن الحائط واندفع خطوةً نحوهما وهو يقول بحدة:
- ومن تكونين أنتِ أيضاً ؟
لم تنتظر رهف لحظة تقدمت خطوة إلى الأمام ووقفت مباشرةً أمام حلا وكأنها تحجبها بجسدها قالت ببرودٍ حازم:
- هذا لا يعنيك.
اتسعت ابتسامة مؤيد بسخرية وقال وهو يحك أنفه :
- لا يعنيني؟
ثم نظر بـ حلا وقال:
- تعالي إلى هنا
هزت حلا رأسها بارتجاف و ردت:
- لا أريد
- تعصين أوامري أيضاً؟
سكتت حلا بينما قاطعت رهف الكلام :
- أوامر ماذا .. من تعتقد نفسك يا هذا حتى تطلب منها المجيء إليك
رد مؤيد بعد أن كوّر قبضته:
- اسمعي أيتها الفتاة .. لستُ في مزاجٍ جيد لأتحاور معكِ .. ابتعدي عن وجهي
ردت رهف بتحدي:
- لن أبتعد .. أرني ماذا ستفعل أيها الفحل
اشتعلت عينا مؤيد بالغضب واندفع فجأة نحوها وكأنه يهم بالإمساك بها بعنف ولكن ما حدث بعدها لم يكن ما توقعه .. ففي اللحظة التي اقترب فيها تحركت رهف بسرعةٍ خاطفة
مدّت يدها وأمسكت بذراعه بقوة .. ثم لوتها بحركةٍ حادةٍ مفاجئة قبل أن تدير جسدها وتستغل اندفاعه نحوهما وهي تصرخ:
- حلا ابتعدي من خلفي
زاحت حلا بسرعة وتمسكت بجدار الدرج .. وفي لحظة واحدة فقد مؤيد توازنه وانقلب جسده فوق كتفها وارتطم بقوة على الدرج قبل أن يتدحرج عدة درجات إلى الأسفل.
تراجع جسد رهف خطوةً إلى الخلف وهي تلهث قليلاً ثم التفتت بسرعة إلى حلا التي ما تزال واقفةً بصدمة.
قالت بحدة:
- حلا
رمشت حلا بعينيها وكأنها عادت إلى الواقع فجأة بينما سألتها رهف بسرعة:
-هل معك مفتاح للشقة؟
أومأت حلا بسرعة وهي تقول:
- نعم
ركضت نحو باب الشقة فوراً وانحنت بسرعة لترفع الزريعة الصغيرة الموضوعة بجانب الباب قبل أن تخرج مفتاحاً كان مخبأً تحتها .. كانت يداها ترتجفان وهي تحاول إدخاله في القفل بينما صرخت رهف خلفها:
- افتحي بسرعة
كانت حلا تفتح الباب بيدين مرتجفة بينما أمسكتها رولا فجأة وقالت:
- لن أدعكِ تفلتين منه
بدأت حلا تتخبط بين يديها وهي تقول:
- دعيني وشأني
ردت رولا بغيظ:
- ستعودين معه وتبتعدين عن أدهم
فجأة سحبت رهف رولا من شعرها وهمست في أذنها من بين أسنانها:
- لا تلمسيها بيديك القذرتين تلك أيتها الأفعى الخبيثة
ثم دفعتها للخلف حتى اصطدم ظهر رولا بالجدار .. أخيراً دار المفتاح وانفتح الباب صرخت رهف فوراً:
- ادخلي
لكنها لم تتحرك بعد كانت عيناها مثبتتين على مؤيد الذي بدأ ينهض من أسفل الدرج ببطء .. رفع رأسه ونظر إليهما بنظرةٍ مشتعلة بالغضب ثم بدأ يصعد الدرج بخطواتٍ سريعة .. لم تنتظر رهف أكثر .. ركضت نحو الباب ودخلت خلف حلا بسرعة قبل أن تدفع الباب بقوة وتغلقه في اللحظة التالية تماماً ارتطم جسد مؤيد بالباب من الخارج بعنف .. دوّى صوته وهو يضرب الباب بقبضتيه بجنون :
- افتحي الباب يا حلا .. افتحي هذا الباب اللعين أيتها الساقطة
اهتز الباب تحت ضرباته القوية بينما كان يدفعه بكامل قوته وكأنه يحاول اقتلاعه من مكانه بينما خرج سكان البناء وتجمعوا على صراخه
داخل الشقة ..كانت حلا ورهف مستندتين إلى الباب بكل ثقلهما تحاولان تثبيته ضربات مؤيد المتواصلة جعلت الخشب يرتجف خلف ظهريهما .. كانت أنفاس حلا متقطعة وقلبها يدق بجنون في صدرها ..ثم التفتت رهف إليها فجأة وسألت بحدة:
- من هذا الرجل؟
ابتلعت حلا ريقها بصعوبة بينما كانت عيناها ما تزالان متسعتين من الصدمة خرج صوتها خافتاً:
- هذا .. مؤيد.
قطبت رهف حاجبيها.
- ومن مؤيد؟
ترددت حلا لحظة وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها .. ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
- كان…
توقفت أنفاسها لحظة قبل أن تكمل.
- كان زوجي.
ساد الصمت .. لم تعد رهف تسمع حتى ضربات الباب للحظة .. استدارت ببطء لتنظر إلى حلا.
كانت تحدق بها بذهولٍ واضح .. وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو.
- زوجكِ…؟
.................
في المستشفى .. وفي مكتب ليلى .. كان أدهم واقفاً في مكانه وكأن الكلمات التي سمعها للتو لم تصل إلى عقله بعد .. كان ينظر إلى ليلى دون أن يتكلم بينما الصدمة ما تزال واضحة في عينيه .. أخت رهف التوأم ! .. ترددت العبارة في رأسه مرةً تلو الأخرى .. أخفض نظره قليلاً وكأن ذهنه بدأ فجأة يستعيد صوراً متفرقة من الأيام الماضية.
رهف وحلا .. منذ اللحظة الأولى التي التقتا فيها.
تلك الألفة الغريبة التي نشأت بينهما بسرعةٍ غير طبيعية .. الضحكات التي كانتا تتشاركانها بسهولة .. تعلقهما ببعضهما وكأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات طويلة .. الشبه الذي لفت نظره والذي كان واضحاً له .. حتى طريقة نظر كل منهما للأخرى .. رفع أدهم رأسه ببطء ثم أطلق زفرة طويلة قبل أن يقول بصوتٍ منخفض:
- هذا .. يفسر كل شيء.
نظرت ليلى إليه بترقب وسألته بهدوء:
- ماذا تقصد؟
جلس أدهم على الأريكة وقال:
- منذ أن التقتا .. كان هناك شيء غريب.
ثم تابع وهو يهز رأسه قليلاً:
- انسجمتا بسرعة لا تُصدق وكأنهما تعرفان بعضهما منذ زمن .. حتى أنا استغربت تعلقهما ببعضهما بهذه الطريقة.
صمت لحظة ثم قال:
- الآن فهمت.
كان وائل يتابع الحديث بصمت قبل أن يقول بجدية:
- هذا طبيعي.
نظر إليه أدهم ليتابع وائل:
- التوأم غالباً ما يكون بينهما رابط أقوى من أي علاقة أخرى .. حتى إن لم يعرفا الحقيقة.
تدخلت ليلى بهدوء وصوتها يحمل مزيجاً من الأمل والخوف:
- إذن .. لم يبقى سوى إخبارهن بالحقيقة ؟
نظر أدهم إليها مباشرة و رد:
- نعم ولكن ..
صمت لحظة قبل أن يقول وائل:
- أنت خائفٌ من الكذبة التي ستنكشف صحيح؟
هز أدهم رأسه و رد:
- قد تحزن حلا .. وربما تكرهني أيضاً ..
اقتربت منه ليلى وربتت على كتفه بحنو:
- ستتفهم ذلك
نظر إليها وقال:
- هل يمكنني أن أخبرها أنا
- كيف؟
- ربما إن أخبرها أحدٌ غيري ستغضب مني .. إن اعترفت بنفسي ربما تتفهم .. أتمنى ذلك
بقي وائل ينظر إليه وكأن أمراً شغل باله .. حتى هو لم يكن يتسم بالبراءة .. فهو أيضاً كذب ولفّق على رهف مرضاً مميتاً وشغل بال ليلى وراجي به
فجأة أخرجه من أفكاره صوت رنين هاتف أدهم فجأة .. نظر أدهم إلى الشاشة سريعاً وقطب حاجبيه قليلاً قبل أن يجيب فوراً:
- نعم رهف
جاءه صوتها من الطرف الآخر لكنه لم يكن هادئاً كما اعتاده .. كان متوتراًرومشدوداً
- أدهم .. أين أنت؟
اعتدل في وقفته فوراً وقال:
- في المستشفى عند خالتي … ماذا حدث؟
قالت بسرعة:
- شخص اسمه مؤيد .. جاء إلى هنا.
اتسعت عينا أدهم فجأة و رد بصدمة:
- ماذا؟
تابعت رهف بسرعة:
- لقد تهجم علينا أمام الشقة وكان يريد أخذ حلا
تشنج جسد أدهم فوراً و رد بخوف:
- هل أنتما بخير؟
سمع صوت أنفاسها المتسارعة قبل أن تقول:
- أنا وحلا داخل الشقة الآن و لكنه حاول كسر الباب.
اشتدت ملامح أدهم وقال:
- وحلا؟
صمتت رهف لحظة قصيرة قبل أن تجيب بصوتٍ أخفض:
- دخلت في حالة انهيار عندما رأته .. لم تكفّ عن البكاء من لحظتها
انقبض صدر أدهم بشدة بينما تابعت رهف:
- اجتمع الجيران وحاولوا إيقافه بينما أنا ك اتصلت بالشرطة .. لكن قبل أن يصلوا هرب.
ساد الصمت لثانية قبض أدهم على الهاتف بقوة وهو يقول بحدة:
-ابقيا داخل الشقة .. لا تفتحي الباب لأي أحد .. أنا قادم الآن.
أغلق الهاتف فوراً .. رفع رأسه ليجد ليلى ووائل ينظران إليه بقلق .. قال بسرعة وهو يتجه نحو الباب:
- مؤيد وجد حلا وحاول أخذها .. كانت رهف معها
تغيرت ملامح ليلى فوراً ونطقت بصوت مرتجف:
- ماذا؟
أجاب أدهم بوجهٍ متوتر:
- ذهب إلى الشقة .. وهاجمهما.
قال وائل:
- ولكن ما الذي أخذ رهف وحلا إلى شقتك؟
ردت ليلى:
- لابد أن رهف طلبت من السائق أخذهما عندما خرجنا من الكافيتيريا
فتح أدهم الباب بسرعة وهو يقول:
- يجب أن أذهب حالاً.
أمسكت ليلى حقيبة يدها وركضت اتجاهه وقالت:
- سأذهب معك
بينما لحقهما وائل بسرعة وخرجوا سوياً
...............
لم يتوقف أدهم حتى وصل إلى باب الشقة .. كان صعوده الدرج سريعاً متوتراً .. يكاد يقفز الدرجات قفزاً بينما كانت ليلى ووائل يتبعانه بخطواتٍ متلاحقة .. لم يطرق الباب فقد فتحته رهف فور أن سمعته يصل وكأنها كانت تنتظر خلفه.
ما إن انفتح الباب حتى اندفع أدهم إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة وقعت عيناه عليها فوراً .. كانت حلا جالسة على الأريكة .. كتفاها يهتزان بخفوت ووجهها شاحبٌ كمن خرج لتوه من كابوسٍ طويل وفي اللحظة التي رأته فيها .. انهارت.
وقفت فجأة واندفعت نحوه وكأن كل ما بقي لها من قوة دفعها إليه .. ارتمت بين ذراعيه بقوة وارتجف جسدها وهي تنفجر بالبكاء.
- أدهم
ضمها فوراً دون تردد .. أحاطها بذراعيه بقوة وكأنه يخشى أن تسقط إن تركها .. كانت ترتجف بين ذراعيه ارتجافاً واضحاً بينما دفنت وجهها في صدره وتبكي من دون
رفع يده بهدوء ووضعها على شعرها يمسح عليه بحركاتٍ مطمئنة وصوته خرج خافتاً لكنه ثابت:
- انتهى الأمر .. اهدئي.
لكن بكاءها ازداد .. تشبثت به أكثر وكأنها تخشى أن يختفي إن ابتعدت عنه قال بهدوء وهو يربت على ظهرها:
- أنا هنا .. لا أحد سيؤذيكِ
كان يحاول أن يهدئ أنفاسها المتقطعة بينما بقيت ترتجف بين ذراعيه أما عند الباب .. كانت ليلى قد اقتربت من رهف .. توقفت أمامها تتفحصها بعينين قلقتين.
- هل أصابكِ شيء؟
هزت رهف رأسها بهدوء و ردت:
- لا .. أنا بخير.
لكن ليلى لاحظت شيئاً آخر .. لم تكن رهف مضطربة كما توقعت بل كانت واقفة بهدوءٍ غريب .. ساكنة وكأن ما حدث لم يزلزلها .. اقترب وائل قليلاً وسألها بفضول:
- كيف تخلصتما منه؟
نظرت رهف إليه ببساطة وكأن السؤال عادي تماماً و ردت:
- لم يكن الأمر صعباً.
رفع وائل حاجبه.
- حقاً؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة خفيفة وقالت:
- كان مجرد كتلة جسدية ضخمة تتحرك بلا عقل.
لم تتمالك ليلى نفسها من الابتسام قليلاً و قالت:
- إذن .. التمارين القتالية التي أصررتِ على تعلمها أفادتك أخيراً؟
التفتت رهف إليها ونظرت فيها و ردت بثقة :
- قلت لكِ إنها ستفيدني يوماً ما
لتبتسم ليلى بفخر بينما رفع وائل جبيه وسأله:
- هل تتقنين .. الفنون القتالية
- ليس تماماً .. أتقن ما يكفي لأدافع عن نفسي فقط
هز رائل رأسه وهمس في قلبه :
- يا إلهي .. أظن أنه يجب أن أنهي تلك الكذبة قبل أن تعلم رهف أنني كنت من أخرجا
أضافت رهف بنبرة جادة:
- المهم أنه لم يستطع أن يأخذ حلا.
صمتت بعدها .. و لكن عينيها تحركتا ببطء نحو الجانب الآخر من الغرفة .. نحو أدهم .. كان ما يزال يحتضن حلا التي لم تتوقف عن البكاء بعد .. كانت متشبثة به بقوة بينما كان هو يربت على شعرها محاولاً تهدئتها بصبرٍ واضح.
وقفت رهف تنظر إليهما طويلاً بصمت .. في عينيها شيءٌ غريب .. نظرة يصعب تفسيرها.
..................
حين وصلت السيارة إلى منزل ليلى كان الليل قد أرخى ستاره على المكان .. ترجلت ليلى أولاً ثم التفتت نحو المقعد الخلفي حيث كانت حلا جالسة بصمتٍ واضح ووجهها ما يزال شاحباً من أثر ما حدث .. أما رهف خرجت من الجهة الأخرى تراقب المشهد بعينين يقظتين .. فتحت ليلى الباب بلطف وقالت لـ حلا بنبرةٍ هادئة:
- هيا يا عزيزتي .. ادخلي.
نزلت حلا ببطء وكأن التعب يسكن جسدها كله .. وما إن خطت داخل المنزل حتى شعرت رهف بشيءٍ آخر .. شيءٍ لم يكن خافياً عليها .. قلق ليلى .. كانت تحيط حلا بعنايةٍ واضحة .. تسندها أحياناً وتلقي عليها نظراتٍ مطمئنة بين الحين والآخر وكأنها تخشى أن تنكسر إن تركتها وحدها.
وقبل أن يصعدن الدرج رفعت حلا رأسها فجأة وسألت بصوتٍ خافت:
- متى سيأتي أدهم؟
توقفت ليلى لحظة ثم نظرت إليها بلطفٍ واضح.
- لا تقلقي ..أدهم لن يتخلى عنك.
ثم أضافت وهي تضع يدها على كتفها:
- هو فقط قلق عليك من ذلك الرجل الذي هاجمك .. لذلك طلب مني أن تبقي عندي لبعض الوقت حتى تكوني بأمان.
هزت حلا رأسها ببطء وكأنها قبلت الأمر دون جدال .. اقتربت رهف منها قليلاً وأسندت ذراعها لتساعدها في صعود الدرج.
- تعالي لنصعد.
صعدتا معاً إلى الطابق العلوي .. وما إن دخلتا الغرفة حتى توجهت حلا مباشرة إلى السرير وجلست عليه ببطءٍ واضح و كأنها ألقت عن كتفيها ثقل يومٍ كامل .. أما رهف أغلقت الباب خلفهما ثم التفتت نحوها ..وقفت تنظر إليها للحظات .. رأسها مائل قليلاً وعيناها تتأملانها بصمتٍ طويل .. ثم سألت فجأة بصوتٍ هادئ لكنه مباشر:
- متى عادت إليك ذاكرتك يا حلا؟
رفعت حلا رأسها ببطء .. نظرت إليها .. لم يكن في عينيها أي تفاجؤ .. بل بدا وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال منذ البداية بينما اقتربت رهف أكثر ثم جلست على طرف السرير بجانبها .. انحنت قليلاً .. مستندةً إلى ركبتيها وعيناها ما تزالان مثبتتين عليها وقالت بهدوء:
- عندما التقيتك أول مرة كنتِ فاقدة الذاكرة فعلاً.
توقفت لحظة ثم أضافت:
- كان ذلك واضحاً في عينيك .. نظرة التوهان تلك لا يمكن تمثيلها.
رفعت عينيها قليلاً نحو وجهها.
- ولكن في المرة الثانية التي رأيتك فيها .. كانت نظرتك مختلفة.
ساد الصمت للحظة ثم قالت حلا بصوتٍ شارد:
- حدسك في مكانه.
تنهدت بهدوء.
- ذاكرتي عادت إليّ قبل أن أغادر المستشفى.
اتسعت عينا رهف قليلاً وسألت :
- وأدهم لا يعرف؟
هزت حلا رأسها ببطء و ردت:
- لا.
ثم أضافت بصوتٍ خافت:
- خفت أن أخبره.
قطبت رهف حاجبيها قليلاً وقالت:
- قال لك إنه أخوك
هزت حلا رأسها و ردت:
- نعم .. وقال ذلك بثقة.
ثم أردفت وهي تنظر إلى الأرض:
- لذلك تابعت التظاهر بأنني لا أتذكر شيئاً .. وسرت على هذا الأساس.
سألتها رهف ببطء:
- خفتِ من أدهم؟
رفعت حلا رأسها فوراً وهزت رأسها بالنفي
- لا.
ثم همست بصوتٍ ضعيف:
- خفت إن عرف الحقيقة أن يتركني.
ارتعشت شفتاها قليلاً.
- لهذا أخفيت الأمر.
ساد الصمت لثوانٍ .. ثم سألت رهف بهدوء:
- مؤيد .. كان زوجك حقاً؟
انخفضت نظرة حلا قليلاً.
- نعم.
ثم أضافت دون تردد:
- كان أسوأ شيء دخل في حياتي.
تصلبت ملامح رهف قليلاً وسألتها مباشرة:
- هل كان يضربك؟
جاء الجواب فوراً دون لحظة تفكير:
- دائماً.
ثم قالت بصوتٍ خافت و لكنه مشبع بالألم:
- طوال ثلاث سنوات من زواجي به .. لم يمر يوم واحد دون أن يضربني.
أخفضت رأسها قليلاً.
- كان يبدأ يومي بضربي .. وينهيه بضربي
ارتجف صوتها.
-وكأن بينه وبيني ثأراً.
تجمدت رهف في مكانها .. كانت تحدق فيها بعينين متسعتين من الصدمة ونطقت بتردد:
- ثلاث سنوات…؟
هزت حلا رأسها ببطء ..ثم سألتها رهف وكأنها بالكاد تصدق:
- والدك هو من زوّجك له .. رغماً عنك؟
أومأت حلا بالإيجاب.
- نعم.
توقفت لحظة .. قبل أن تضيف بصوتٍ مكسور:
- وعندما علمت أمي أنه ينوي تزويجي له ...
ارتعش صوتها فجأة.
- أصيبت بجلطة في الدماغ و ... وماتت.
اتسعت عينا رهف أكثر أما حلا فتابعت بصوتٍ مرتجف:
- وبعد أسبوعٍ واحد فقط من موتها…
اختنق صوتها بالبكاء.
- زوجني أبي له.
انفجرت بالبكاء فجأة ورفعت يديها لتغطي وجهها بينما أخذ جسدها يهتز بعنف أما رهف… بقيت جالسة مكانها تنظر إليها وعلى وجهها صدمة حقيقية لم تكن تصدق ما تسمعه.
...............
كان الصمت يخيّم على غرفة ليلى وراجي .. وقف راجي قرب النافذة .. وقد بدا عليه الذهول واضحاً؛ عيناه شاردتان وكأنه ما يزال يحاول استيعاب ما سمعه منذ قليل تمتم أخيراً بصوتٍ منخفض.يكاد يكون همساً:
- حلا .. أخت رهف التوأم؟!!
ثم التفت نحو ليلى ببطء وملامحه ما تزال مشدودة من الصدمة.
- الفتاة التي كنتِ تبحثين عنها كل هذا الوقت؟
اقتربت ليلى منه خطوةً تلو الأخرى حتى وقفت أمامه مباشرة .. مدت يديها وأمسكت بيديه بينما كانت الدموع تلمع في عينيها و لكن ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها في الوقت ذاته .. قالت بصوتٍ متهدج بين البكاء والضحك:
- نعم
توقفت لحظة وكأنها بالكاد تصدق الكلمات التي تنطق بها ثم أردفت:
- لقد وجدناها .. وجدنا ضالتنا أخيراً.
ظل راجي ينظر إليها لحظة ثم قال بسرعة:
- إذاً لماذا ما زلتِ صامتة؟
وأشار بيده وكأنه يدفعها للأمام.
- اذهبي وأخبريها فوراً.
لكن ليلى هزت رأسها بالنفي وقالت بهدوء:
- لا أدهم قال إنه سيتكفل بهذه المهمة.
قطب راجي حاجبيه.
- ولماذا؟
تنهدت ليلى قليلاً قبل أن تجيب:
- بصراحة .. لا أريد أن أصدم الفتاة .. أدهم أخبرها أنه أخوها.
اتسعت عينا راجي قليلاً.
- ماذا؟
أكملت ليلى بهدوءٍ حذر:
- إن أخبرناها الحقيقة فجأة ..قد تصاب بصدمة شديدة .. ربما تنفعل وربما تتصرف بطريقة لا تُحمد عقباها وأنا .. لا أريد أن أخسرها بعد أن وجدناها أخيراً.
صمت راجي قليلاً وهو يفكر في كلامها ثم أومأ رأسه بتفهم.
- معك حق.
لكن ملامحه سرعان ما أصبحت أكثر جدية .. قال بنبرة عملية:
- المهم ألا يطول الأمر كثيراً .. لأن الطريق أمامنا ما زال طويلاً .. أنتِ طبيبة وتعرفين ما يجب فعله .. علينا أخذ خزعة منها لنرى إن كان هناك تطابق بين خلاياها وخلايا رهف .. في حال احتاجت رهف يوماً إلى متبرع.
نظرت ليلى إليه بهدوء ثم أومأت برأسها.
- أعلم ذلك.
وضغطت على يده مطمئنة وهي تقول بثقة:
- لا تقلق .. كل شيء تحت السيطرة يا عزيزي
...............
بقيت تهف تحدّق في حلا لثوانٍ طويلة وكأن الكلمات التي سمعتها لم تجد بعد طريقها الكامل إلى عقلها ثم نهضت فجأة ووقفت أمام السرير وسارت بضع خطوات في الغرفة ذهاباً وإياباً وملامحها مشدودة وعيناها شاردتان و كأنها تحاول جمع قطعٍ مبعثرة من الحقيقة .. توقفت فجأة والتفتت نحو حلا .. حدقت فيها طويلاً ثم قالت دون مقدمات بصوتٍ خافت لكنه مثقل بالدهشة:
- يعني أنتِ .. أختي؟
رفعت حلا رأسها ببطء ونظرت إليها وعيناها ممتلئتان بالدموع .. نهضت من على السرير بينما تقدمت رهف خطوة نحوها وهي لا تزال تحاول استيعاب ما يحدث.
قالت بذهولٍ واضح:
- صدمتك في الكافيتيريا عندما سمعتِ الحديث عني…
توقفت لحظة ثم أضافت وهي تحدق فيها:
- لأنك أدركتِ الحقيقة قبلي .. أليس كذلك؟
لم تجب حلا ولكن دموعها بدأت تنهمر بصمت .. اقتربت رهف أكثر وصوتها يحمل دهشةً حقيقية:
- لماذا لم تخبريني؟
ارتجفت شفتا حلا و ردت:
- لا أعلم.
قطبت رهف حاجبيها بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيها أيضاً وقالت:
- خفتِ أن تقولي؟
نظرت حلا إليها بعينين غارقتين بالألم ثم قالت بصوتٍ مكسور:
- ماذا تتوقعين من فتاةٍ عاشت عمرها كله في الخوف؟
لم تحتمل رهف أكثر .. اندفعت نحوها فجأة واحتضنتها بقوة و كأنها تخشى أن تختفي إن تركتها .. كانت ضمتها شديدة وممتلئة بعاطفةٍ لم تعرفها من قبل .. أما حلا رفعت يديها ببطء وكأنها لا تزال غير مصدقة ما يحدث ثم وضعتهما على ظهر رهف وشدت أصابعها على قماش بلوزتها بقوة وانفجرت بالبكاء على كتفها وهي تقول:
- لم أتخيل يوماً أن يصبح لدي أشخاص يحبونني.
ارتعش صوتها وهي تتابع:
- منذ أن ماتت أمي لم يبقَ لي أحد.
شدت رهف ذراعيها حولها أكثر حتى كادت تخنقها من قوة العناق بينما ارتفعت شهقاتها هي الأخرى .. بعد لحظات أبعدت حلا قليلاً وأمسكت وجهها بين كفيها وقالت:
- لا تبكي بسببي .. أرجوكِ.
ابتسمت رهف وسط دموعها وقالت بنبرةٍ مبحوحة:
- وكأنكِ أنتِ تضحكين.
ثم أضافت وهي تمسح دموعها سريعاً:
-ثم أن هذه دموع الفرح .. أم أنكِ تستكثرين عليّ أن أبكي لأنني وجدت نصفي الآخر؟
ثم أعادتها إلى حضنها بقوة مرةً أخرى .. بقيتا متعانقتين لحظات طويلة و كأنهما تحاولان تعويض سنواتٍ ضائعة .. بعد قليل ابتعدت رهف قليلاً وقالت بحماس:
- يجب أن أخبر أمي .. ستفرح كثيراً بذلك
همّت أن تستدير و لكن حلا أمسكت بيدها بسرعة وقالت
- لا .. لا تخبري أحداً الآن.
التفتت رهف إليها باستغراب.
- لماذا؟
قالت حلا بتردد واضح:
- دعيني أنا من يخبرهم.
صمتت لحظة ثم أضافت بقلق:
- أخاف إن علم أدهم أنني كذبت عليه .. أن يغضب مني أو يكرهني.
هزت رهف رأسها فوراً.
- أدهم طيب القلب وسيتفهم إخفاءكِ للأمر
لكن حلا قالت بإصرار هادئ:
- لهذا أقول لكِ .. دعيني أنا أخبرهم.
تنهدت قليلاً وتابعت:
- من الأفضل أن يسمع الحقيقة مني لا من غيري.
تنهدت رهف أخيراً ثم ابتسمت لها وقالت:
- كما تريدين.
ثم نظرت إليها بفرحٍ واضح وقالت:
- ولكن أقسم أنني ما زلت غير مصدقة أنكِ أختي.
ضحكت بخفة وأضافت:
- أنا سعيدة بشكلٍ لا يوصف
ضحكت حلا أيضاً وسط دموعها.
- و لكن ليس بقدر سعادتي.
ثم أضافت بمرحٍ خفيف:
- على الأقل .. جاء من يلقن مؤيد درساً ويضربه.
انفجرتا بالضحك معاً رغم بقايا الدموع على وجهيهما .. قالت حلا وهي تمسح دموعها:
- هل رأيتِ شكله عندما تدحرج على الدرج؟
ضحكت رهف أكثر وقالت:
- رأيته .. ذلك البرميل
ثم أضافت بمرح:
- ليت راسه كُسر .. ثم كنت ساكسر رأس تلك الأفعى المجلجلة المدعوة رولا وأجعلها تندم على لمسها لكِ
ضحكتا معاً بصوتٍ أعلى بينما بقيت الغرفة مليئة بتلك الضحكات التي خرجت أخيراً بعد سنواتٍ طويلة من الألم.
..............
كان الليل قد ابتلع المكان بيتٌ مهجور يقف في أطراف الحي كهيكلٍ عظميٍّ نسيه الزمن؛ نصف جدرانه متصدعة .. وسقفه مفقود في معظمه .. تاركاً السماء السوداء مكشوفة فوقه.
في وسط ذلك الخراب .. اشتعلت نار صغيرة .. لهبها الراقص كان يبعث ضوءاً متقطعاً على الجدران المتآكلة ويقذف بظلالٍ مشوهة تتحرك ببطء حول المكان.
جلس مؤيد أمامها كان منحنياً قليلاً .. ممسكاً بعصا خشبية طويلة .. يحرّك بها الجمر بين الحين والآخر .. كلما نكش النار تصاعدت شرارات صغيرة في الهواء وانعكس وهجها في عينيه الداكنتين .. عينيه اللتين كانتا تلمعان بشيءٍ أشبه بالحقد الخام ساد الصمت حوله إلا من صوت احتراق الحطب ولكن ذهنه لم يكن صامتاً .. كانت صورة واحدة تتكرر في رأسه مراراً .. تلك الفتاة التي وقفت في وجهه .. قبض يده فجأة حتى برزت عروقه بوضوح وتمتم بصوتٍ منخفض مشحون بالغضب:
- من تكون تلك الساقطة حتى تجرأت عليّ
اشتدت قبضته أكثر وهو يتذكر كيف أمسكت بذراعه .. وكيف قلبته على الدرج أمام عيني حلا وجعلته أضحوكة لها ولقاطني ذلك البناء .. عض على أسنانه بقوة .. لكن غضبه لم يدم طويلاً .. بعد لحظات ارتخت ملامحه قليلاً وبدأت ابتسامة بطيئة و ملتوية تزحف على شفتيه رفع العصا مجدداً ونكش النار فارتفع اللهب قليلاً .. انعكس ضوءه على وجهه وهو يهمس:
- لكن الأمر لم يكن سيئاً تماماً.
صمت لحظة .. ثم رفع رأسه قليلاً نحو الظلام وعيناه تضيقان بتفكيرٍ خبيث لم يكن يعرف تلك الفتاة ولم يرها من قبل و لكن .. الشبه بينها وبين حلا كان واضحاً إلى حدٍ لا يمكن إنكاره .. نفس الملامح و العينين .. حتى الطريقة التي تتحرك بها .. همس ببطء:
- أختها…
اتسعت ابتسامته أكثر.
- التوأم.
كانت تلك القصة القديمة لا تزال عالقة في ذاكرته .. القصة التي سمعها قبل سنوات .. كيف باع عمار إحدى ابنتيه منذ اللحظة الأولى التي وُلدت فيها وسلمها لعائلةٍ ثرية مقابل المال .. أعاد العصا إلى النار يحرّك الجمر ببطء بينما يهمس:
- ذلك المختل لم يرضى إخباري من تلك العائلة التي باع لها شقيقة حلا .. كان سيصبح غنياً لو أنه سمع كلامي واستغل سذاجة تلك العائلة وتمسكهم بالطفلة .. لقد خاف وهذا ما جعله لا يتقدم خطوة .. إذا كانت تلك الفتاةهي نفسها الطفلة التي باعها عمار ...
توقف قليلاً .. ثم رفع رأسه ببطء وفي عينيه اشتعل بريق جشع واضح وتابع:
- فهذا يعني ..
ارتسمت ابتسامة شريرة على شفتيه.
- أنني اصطدت عصفورين بحجرٍ واحد.
ضحك ضحكة قصيرة منخفضة قبل أن يتمتم:
- وإن كانت قد نشأت مع عائلةٍ غنية كما قال ...
انحنى قليلاً نحو النار والوهج يرقص في عينيه.
- فهذا يعني أنني وضعت يدي على كنز.
ثم قبض يده ببطء وكأنه يمسك بذلك الكنز بالفعل .. وقال بصوتٍ خافتٍ مظلم:
-وسأحصل عليه .. عاجلاً أم آجلاً.
لم يكن أحدٌ منهم يعلم أن الخيوط التي ظنوا أنها تفرقت منذ زمن كانت في الحقيقة تعود لتلتقي من جديد في أماكن مختلفة وتحت سماءٍ واحدة .. كانت القلوب تمضي في طريقها محمّلةً بأسرارها .. غير مدركة أن اللحظة التي ستنكشف فيها الحقيقة أصبحت أقرب مما يتخيلون.
أدهم .. الذي ظن أنه أنقذ فتاةً غريبة من مصيرٍ مظلم لم يكن يعلم أن تلك الليلة التي غيّرت حياته كانت في الحقيقة بداية قصةٍ أكبر بكثير مما تصور .. ظنها فتاةٌ أصبحت بلا ذاكرة وقلبٌ تعلّق دون أن يدري أن الحقيقة التي تنتظره قادرة على قلب كل شيء رأساً على عقب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكن القدر الذي بدا قاسياً في البداية كان يخبئ لها مفاجأة لم تكن تتوقعها أبداً.
وفي مكانٍ آخر كان هناك من لم ينسَ من لم يغفر ومن كان ينتظر اللحظة المناسبة ليعود من جديد.
مؤيد .. الذي ظن الجميع أن وجوده انتهى .. لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد .. فالانتقام الذي يسكن صدره لم يخمد بل ازداد اشتعالاً مع كل يومٍ يمر.
بين كذباتٍ نسجوها وقلوبٍ تتقاطع طرقها دون أن تدري وأسرارٍ بدأت تتكشف واحدةً تلو الأخرى كان القدر يستعد لكتابة فصلٍ جديد من الحكاية .. فصلٌ لن يبقى فيه شيء كما كان.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت حلا متجمدة في مكانها .. قدماها اللتان كانتا تصعدان الدرج ركضاً توقفتا فجأة .. وكأن الأرض التصقت بهما .. اتسعت عيناها بذهولٍ وخوف بينما بقيت تحدق في الرجل الواقف أمام شقة أدهم مباشرة.
مؤيد ..لم يكن وهماً ولم تكن خدعةً من خيالها .. كان يقف هناك بالفعل .. ظهره مستند إلى الحائط وذراعاه متشابكتان أمام صدره وعيناه مثبتتان عليها بنظرةٍ باردةٍ مخيفة .. شعرت وكأن الدم انسحب من وجهها دفعة واحدة.
همست بصوتٍ خرج مرتجفاً:
- مـ مؤيد؟
في تلك اللحظة وصلت رهف إلى الدرج خلفها وهي تلهث قليلاً من الركض وسألتها
- حلا لماذا توقفتِ فجأة؟
لكنها ما إن رفعت نظرها لترى ما تنظر إليه حلا حتى عقدت حاجبيها بدهشة و وقع في قلبها شيء من الرهبة .. فجأة تذكرت ذلك الشعور بعدم الارتياح وتلك الكوابيس التي طالما لازمتها في الماضي قبل أن تتعافى
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أخيراً ظهرتِ أيتها الساقطة
ارتجفت حلا قليلاً بينما تشنج جسدها دون وعي أما رهف فتحت عينيها واندفعت خطوة وقالت بغضب :
- ومن تكون أنت يا هذا حتى تنعتها بالساقطة ؟
انتقلت عيناه فجأة إلى رهف تغيرت ملامحه في لحظة واشتعلت في عينيه نظرة غضبٍ حاد .. دفع نفسه عن الحائط واندفع خطوةً نحوهما وهو يقول بحدة:
- ومن تكونين أنتِ أيضاً ؟
لم تنتظر رهف لحظة تقدمت خطوة إلى الأمام ووقفت مباشرةً أمام حلا وكأنها تحجبها بجسدها قالت ببرودٍ حازم:
- هذا لا يعنيك.
اتسعت ابتسامة مؤيد بسخرية وقال وهو يحك أنفه :
- لا يعنيني؟
ثم نظر بـ حلا وقال:
- تعالي إلى هنا
هزت حلا رأسها بارتجاف و ردت:
- لا أريد
- تعصين أوامري أيضاً؟
سكتت حلا بينما قاطعت رهف الكلام :
- أوامر ماذا .. من تعتقد نفسك يا هذا حتى تطلب منها المجيء إليك
رد مؤيد بعد أن كوّر قبضته:
- اسمعي أيتها الفتاة .. لستُ في مزاجٍ جيد لأتحاور معكِ .. ابتعدي عن وجهي
ردت رهف بتحدي:
- لن أبتعد .. أرني ماذا ستفعل أيها الفحل
اشتعلت عينا مؤيد بالغضب واندفع فجأة نحوها وكأنه يهم بالإمساك بها بعنف ولكن ما حدث بعدها لم يكن ما توقعه .. ففي اللحظة التي اقترب فيها تحركت رهف بسرعةٍ خاطفة
مدّت يدها وأمسكت بذراعه بقوة .. ثم لوتها بحركةٍ حادةٍ مفاجئة قبل أن تدير جسدها وتستغل اندفاعه نحوهما وهي تصرخ:
- حلا ابتعدي من خلفي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
تراجع جسد رهف خطوةً إلى الخلف وهي تلهث قليلاً ثم التفتت بسرعة إلى حلا التي ما تزال واقفةً بصدمة.
قالت بحدة:
- حلا
رمشت حلا بعينيها وكأنها عادت إلى الواقع فجأة بينما سألتها رهف بسرعة:
-هل معك مفتاح للشقة؟
أومأت حلا بسرعة وهي تقول:
- نعم
ركضت نحو باب الشقة فوراً وانحنت بسرعة لترفع الزريعة الصغيرة الموضوعة بجانب الباب قبل أن تخرج مفتاحاً كان مخبأً تحتها .. كانت يداها ترتجفان وهي تحاول إدخاله في القفل بينما صرخت رهف خلفها:
- افتحي بسرعة
كانت حلا تفتح الباب بيدين مرتجفة بينما أمسكتها رولا فجأة وقالت:
- لن أدعكِ تفلتين منه
بدأت حلا تتخبط بين يديها وهي تقول:
- دعيني وشأني
ردت رولا بغيظ:
- ستعودين معه وتبتعدين عن أدهم
فجأة سحبت رهف رولا من شعرها وهمست في أذنها من بين أسنانها:
- لا تلمسيها بيديك القذرتين تلك أيتها الأفعى الخبيثة
ثم دفعتها للخلف حتى اصطدم ظهر رولا بالجدار .. أخيراً دار المفتاح وانفتح الباب صرخت رهف فوراً:
- ادخلي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- افتحي الباب يا حلا .. افتحي هذا الباب اللعين أيتها الساقطة
اهتز الباب تحت ضرباته القوية بينما كان يدفعه بكامل قوته وكأنه يحاول اقتلاعه من مكانه بينما خرج سكان البناء وتجمعوا على صراخه
داخل الشقة ..كانت حلا ورهف مستندتين إلى الباب بكل ثقلهما تحاولان تثبيته ضربات مؤيد المتواصلة جعلت الخشب يرتجف خلف ظهريهما .. كانت أنفاس حلا متقطعة وقلبها يدق بجنون في صدرها ..ثم التفتت رهف إليها فجأة وسألت بحدة:
- من هذا الرجل؟
ابتلعت حلا ريقها بصعوبة بينما كانت عيناها ما تزالان متسعتين من الصدمة خرج صوتها خافتاً:
- هذا .. مؤيد.
قطبت رهف حاجبيها.
- ومن مؤيد؟
ترددت حلا لحظة وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها .. ثم همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
- كان…
توقفت أنفاسها لحظة قبل أن تكمل.
- كان زوجي.
ساد الصمت .. لم تعد رهف تسمع حتى ضربات الباب للحظة .. استدارت ببطء لتنظر إلى حلا.
كانت تحدق بها بذهولٍ واضح .. وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته للتو.
- زوجكِ…؟
.................
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رهف وحلا .. منذ اللحظة الأولى التي التقتا فيها.
تلك الألفة الغريبة التي نشأت بينهما بسرعةٍ غير طبيعية .. الضحكات التي كانتا تتشاركانها بسهولة .. تعلقهما ببعضهما وكأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات طويلة .. الشبه الذي لفت نظره والذي كان واضحاً له .. حتى طريقة نظر كل منهما للأخرى .. رفع أدهم رأسه ببطء ثم أطلق زفرة طويلة قبل أن يقول بصوتٍ منخفض:
- هذا .. يفسر كل شيء.
نظرت ليلى إليه بترقب وسألته بهدوء:
- ماذا تقصد؟
جلس أدهم على الأريكة وقال:
- منذ أن التقتا .. كان هناك شيء غريب.
ثم تابع وهو يهز رأسه قليلاً:
- انسجمتا بسرعة لا تُصدق وكأنهما تعرفان بعضهما منذ زمن .. حتى أنا استغربت تعلقهما ببعضهما بهذه الطريقة.
صمت لحظة ثم قال:
- الآن فهمت.
كان وائل يتابع الحديث بصمت قبل أن يقول بجدية:
- هذا طبيعي.
نظر إليه أدهم ليتابع وائل:
- التوأم غالباً ما يكون بينهما رابط أقوى من أي علاقة أخرى .. حتى إن لم يعرفا الحقيقة.
تدخلت ليلى بهدوء وصوتها يحمل مزيجاً من الأمل والخوف:
- إذن .. لم يبقى سوى إخبارهن بالحقيقة ؟
نظر أدهم إليها مباشرة و رد:
- نعم ولكن ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أنت خائفٌ من الكذبة التي ستنكشف صحيح؟
هز أدهم رأسه و رد:
- قد تحزن حلا .. وربما تكرهني أيضاً ..
اقتربت منه ليلى وربتت على كتفه بحنو:
- ستتفهم ذلك
نظر إليها وقال:
- هل يمكنني أن أخبرها أنا
- كيف؟
- ربما إن أخبرها أحدٌ غيري ستغضب مني .. إن اعترفت بنفسي ربما تتفهم .. أتمنى ذلك
بقي وائل ينظر إليه وكأن أمراً شغل باله .. حتى هو لم يكن يتسم بالبراءة .. فهو أيضاً كذب ولفّق على رهف مرضاً مميتاً وشغل بال ليلى وراجي به
فجأة أخرجه من أفكاره صوت رنين هاتف أدهم فجأة .. نظر أدهم إلى الشاشة سريعاً وقطب حاجبيه قليلاً قبل أن يجيب فوراً:
- نعم رهف
جاءه صوتها من الطرف الآخر لكنه لم يكن هادئاً كما اعتاده .. كان متوتراًرومشدوداً
- أدهم .. أين أنت؟
اعتدل في وقفته فوراً وقال:
- في المستشفى عند خالتي … ماذا حدث؟
قالت بسرعة:
- شخص اسمه مؤيد .. جاء إلى هنا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا؟
تابعت رهف بسرعة:
- لقد تهجم علينا أمام الشقة وكان يريد أخذ حلا
تشنج جسد أدهم فوراً و رد بخوف:
- هل أنتما بخير؟
سمع صوت أنفاسها المتسارعة قبل أن تقول:
- أنا وحلا داخل الشقة الآن و لكنه حاول كسر الباب.
اشتدت ملامح أدهم وقال:
- وحلا؟
صمتت رهف لحظة قصيرة قبل أن تجيب بصوتٍ أخفض:
- دخلت في حالة انهيار عندما رأته .. لم تكفّ عن البكاء من لحظتها
انقبض صدر أدهم بشدة بينما تابعت رهف:
- اجتمع الجيران وحاولوا إيقافه بينما أنا ك اتصلت بالشرطة .. لكن قبل أن يصلوا هرب.
ساد الصمت لثانية قبض أدهم على الهاتف بقوة وهو يقول بحدة:
-ابقيا داخل الشقة .. لا تفتحي الباب لأي أحد .. أنا قادم الآن.
أغلق الهاتف فوراً .. رفع رأسه ليجد ليلى ووائل ينظران إليه بقلق .. قال بسرعة وهو يتجه نحو الباب:
- مؤيد وجد حلا وحاول أخذها .. كانت رهف معها
تغيرت ملامح ليلى فوراً ونطقت بصوت مرتجف:
- ماذا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ذهب إلى الشقة .. وهاجمهما.
قال وائل:
- ولكن ما الذي أخذ رهف وحلا إلى شقتك؟
ردت ليلى:
- لابد أن رهف طلبت من السائق أخذهما عندما خرجنا من الكافيتيريا
فتح أدهم الباب بسرعة وهو يقول:
- يجب أن أذهب حالاً.
أمسكت ليلى حقيبة يدها وركضت اتجاهه وقالت:
- سأذهب معك
بينما لحقهما وائل بسرعة وخرجوا سوياً
...............
لم يتوقف أدهم حتى وصل إلى باب الشقة .. كان صعوده الدرج سريعاً متوتراً .. يكاد يقفز الدرجات قفزاً بينما كانت ليلى ووائل يتبعانه بخطواتٍ متلاحقة .. لم يطرق الباب فقد فتحته رهف فور أن سمعته يصل وكأنها كانت تنتظر خلفه.
ما إن انفتح الباب حتى اندفع أدهم إلى الداخل دون أن يتفوه بكلمة وقعت عيناه عليها فوراً .. كانت حلا جالسة على الأريكة .. كتفاها يهتزان بخفوت ووجهها شاحبٌ كمن خرج لتوه من كابوسٍ طويل وفي اللحظة التي رأته فيها .. انهارت.
وقفت فجأة واندفعت نحوه وكأن كل ما بقي لها من قوة دفعها إليه .. ارتمت بين ذراعيه بقوة وارتجف جسدها وهي تنفجر بالبكاء.
- أدهم
ضمها فوراً دون تردد .. أحاطها بذراعيه بقوة وكأنه يخشى أن تسقط إن تركها .. كانت ترتجف بين ذراعيه ارتجافاً واضحاً بينما دفنت وجهها في صدره وتبكي من دون
رفع يده بهدوء ووضعها على شعرها يمسح عليه بحركاتٍ مطمئنة وصوته خرج خافتاً لكنه ثابت:
- انتهى الأمر .. اهدئي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أنا هنا .. لا أحد سيؤذيكِ
كان يحاول أن يهدئ أنفاسها المتقطعة بينما بقيت ترتجف بين ذراعيه أما عند الباب .. كانت ليلى قد اقتربت من رهف .. توقفت أمامها تتفحصها بعينين قلقتين.
- هل أصابكِ شيء؟
هزت رهف رأسها بهدوء و ردت:
- لا .. أنا بخير.
لكن ليلى لاحظت شيئاً آخر .. لم تكن رهف مضطربة كما توقعت بل كانت واقفة بهدوءٍ غريب .. ساكنة وكأن ما حدث لم يزلزلها .. اقترب وائل قليلاً وسألها بفضول:
- كيف تخلصتما منه؟
نظرت رهف إليه ببساطة وكأن السؤال عادي تماماً و ردت:
- لم يكن الأمر صعباً.
رفع وائل حاجبه.
- حقاً؟
رفعت كتفيها بلا مبالاة خفيفة وقالت:
- كان مجرد كتلة جسدية ضخمة تتحرك بلا عقل.
لم تتمالك ليلى نفسها من الابتسام قليلاً و قالت:
- إذن .. التمارين القتالية التي أصررتِ على تعلمها أفادتك أخيراً؟
التفتت رهف إليها ونظرت فيها و ردت بثقة :
- قلت لكِ إنها ستفيدني يوماً ما
لتبتسم ليلى بفخر بينما رفع وائل جبيه وسأله:
- هل تتقنين .. الفنون القتالية
- ليس تماماً .. أتقن ما يكفي لأدافع عن نفسي فقط
هز رائل رأسه وهمس في قلبه :
- يا إلهي .. أظن أنه يجب أن أنهي تلك الكذبة قبل أن تعلم رهف أنني كنت من أخرجا
أضافت رهف بنبرة جادة:
- المهم أنه لم يستطع أن يأخذ حلا.
صمتت بعدها .. و لكن عينيها تحركتا ببطء نحو الجانب الآخر من الغرفة .. نحو أدهم .. كان ما يزال يحتضن حلا التي لم تتوقف عن البكاء بعد .. كانت متشبثة به بقوة بينما كان هو يربت على شعرها محاولاً تهدئتها بصبرٍ واضح.
وقفت رهف تنظر إليهما طويلاً بصمت .. في عينيها شيءٌ غريب .. نظرة يصعب تفسيرها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حين وصلت السيارة إلى منزل ليلى كان الليل قد أرخى ستاره على المكان .. ترجلت ليلى أولاً ثم التفتت نحو المقعد الخلفي حيث كانت حلا جالسة بصمتٍ واضح ووجهها ما يزال شاحباً من أثر ما حدث .. أما رهف خرجت من الجهة الأخرى تراقب المشهد بعينين يقظتين .. فتحت ليلى الباب بلطف وقالت لـ حلا بنبرةٍ هادئة:
- هيا يا عزيزتي .. ادخلي.
نزلت حلا ببطء وكأن التعب يسكن جسدها كله .. وما إن خطت داخل المنزل حتى شعرت رهف بشيءٍ آخر .. شيءٍ لم يكن خافياً عليها .. قلق ليلى .. كانت تحيط حلا بعنايةٍ واضحة .. تسندها أحياناً وتلقي عليها نظراتٍ مطمئنة بين الحين والآخر وكأنها تخشى أن تنكسر إن تركتها وحدها.
وقبل أن يصعدن الدرج رفعت حلا رأسها فجأة وسألت بصوتٍ خافت:
- متى سيأتي أدهم؟
توقفت ليلى لحظة ثم نظرت إليها بلطفٍ واضح.
- لا تقلقي ..أدهم لن يتخلى عنك.
ثم أضافت وهي تضع يدها على كتفها:
- هو فقط قلق عليك من ذلك الرجل الذي هاجمك .. لذلك طلب مني أن تبقي عندي لبعض الوقت حتى تكوني بأمان.
هزت حلا رأسها ببطء وكأنها قبلت الأمر دون جدال .. اقتربت رهف منها قليلاً وأسندت ذراعها لتساعدها في صعود الدرج.
- تعالي لنصعد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- متى عادت إليك ذاكرتك يا حلا؟
رفعت حلا رأسها ببطء .. نظرت إليها .. لم يكن في عينيها أي تفاجؤ .. بل بدا وكأنها كانت تتوقع هذا السؤال منذ البداية بينما اقتربت رهف أكثر ثم جلست على طرف السرير بجانبها .. انحنت قليلاً .. مستندةً إلى ركبتيها وعيناها ما تزالان مثبتتين عليها وقالت بهدوء:
- عندما التقيتك أول مرة كنتِ فاقدة الذاكرة فعلاً.
توقفت لحظة ثم أضافت:
- كان ذلك واضحاً في عينيك .. نظرة التوهان تلك لا يمكن تمثيلها.
رفعت عينيها قليلاً نحو وجهها.
- ولكن في المرة الثانية التي رأيتك فيها .. كانت نظرتك مختلفة.
ساد الصمت للحظة ثم قالت حلا بصوتٍ شارد:
- حدسك في مكانه.
تنهدت بهدوء.
- ذاكرتي عادت إليّ قبل أن أغادر المستشفى.
اتسعت عينا رهف قليلاً وسألت :
- وأدهم لا يعرف؟
هزت حلا رأسها ببطء و ردت:
- لا.
ثم أضافت بصوتٍ خافت:
- خفت أن أخبره.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- قال لك إنه أخوك
هزت حلا رأسها و ردت:
- نعم .. وقال ذلك بثقة.
ثم أردفت وهي تنظر إلى الأرض:
- لذلك تابعت التظاهر بأنني لا أتذكر شيئاً .. وسرت على هذا الأساس.
سألتها رهف ببطء:
- خفتِ من أدهم؟
رفعت حلا رأسها فوراً وهزت رأسها بالنفي
- لا.
ثم همست بصوتٍ ضعيف:
- خفت إن عرف الحقيقة أن يتركني.
ارتعشت شفتاها قليلاً.
- لهذا أخفيت الأمر.
ساد الصمت لثوانٍ .. ثم سألت رهف بهدوء:
- مؤيد .. كان زوجك حقاً؟
انخفضت نظرة حلا قليلاً.
- نعم.
ثم أضافت دون تردد:
- كان أسوأ شيء دخل في حياتي.
تصلبت ملامح رهف قليلاً وسألتها مباشرة:
- هل كان يضربك؟
جاء الجواب فوراً دون لحظة تفكير:
- دائماً.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- طوال ثلاث سنوات من زواجي به .. لم يمر يوم واحد دون أن يضربني.
أخفضت رأسها قليلاً.
- كان يبدأ يومي بضربي .. وينهيه بضربي
ارتجف صوتها.
-وكأن بينه وبيني ثأراً.
تجمدت رهف في مكانها .. كانت تحدق فيها بعينين متسعتين من الصدمة ونطقت بتردد:
- ثلاث سنوات…؟
هزت حلا رأسها ببطء ..ثم سألتها رهف وكأنها بالكاد تصدق:
- والدك هو من زوّجك له .. رغماً عنك؟
أومأت حلا بالإيجاب.
- نعم.
توقفت لحظة .. قبل أن تضيف بصوتٍ مكسور:
- وعندما علمت أمي أنه ينوي تزويجي له ...
ارتعش صوتها فجأة.
- أصيبت بجلطة في الدماغ و ... وماتت.
اتسعت عينا رهف أكثر أما حلا فتابعت بصوتٍ مرتجف:
- وبعد أسبوعٍ واحد فقط من موتها…
اختنق صوتها بالبكاء.
- زوجني أبي له.
انفجرت بالبكاء فجأة ورفعت يديها لتغطي وجهها بينما أخذ جسدها يهتز بعنف أما رهف… بقيت جالسة مكانها تنظر إليها وعلى وجهها صدمة حقيقية لم تكن تصدق ما تسمعه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الصمت يخيّم على غرفة ليلى وراجي .. وقف راجي قرب النافذة .. وقد بدا عليه الذهول واضحاً؛ عيناه شاردتان وكأنه ما يزال يحاول استيعاب ما سمعه منذ قليل تمتم أخيراً بصوتٍ منخفض.يكاد يكون همساً:
- حلا .. أخت رهف التوأم؟!!
ثم التفت نحو ليلى ببطء وملامحه ما تزال مشدودة من الصدمة.
- الفتاة التي كنتِ تبحثين عنها كل هذا الوقت؟
اقتربت ليلى منه خطوةً تلو الأخرى حتى وقفت أمامه مباشرة .. مدت يديها وأمسكت بيديه بينما كانت الدموع تلمع في عينيها و لكن ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها في الوقت ذاته .. قالت بصوتٍ متهدج بين البكاء والضحك:
- نعم
توقفت لحظة وكأنها بالكاد تصدق الكلمات التي تنطق بها ثم أردفت:
- لقد وجدناها .. وجدنا ضالتنا أخيراً.
ظل راجي ينظر إليها لحظة ثم قال بسرعة:
- إذاً لماذا ما زلتِ صامتة؟
وأشار بيده وكأنه يدفعها للأمام.
- اذهبي وأخبريها فوراً.
لكن ليلى هزت رأسها بالنفي وقالت بهدوء:
- لا أدهم قال إنه سيتكفل بهذه المهمة.
قطب راجي حاجبيه.
- ولماذا؟
تنهدت ليلى قليلاً قبل أن تجيب:
- بصراحة .. لا أريد أن أصدم الفتاة .. أدهم أخبرها أنه أخوها.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا؟
أكملت ليلى بهدوءٍ حذر:
- إن أخبرناها الحقيقة فجأة ..قد تصاب بصدمة شديدة .. ربما تنفعل وربما تتصرف بطريقة لا تُحمد عقباها وأنا .. لا أريد أن أخسرها بعد أن وجدناها أخيراً.
صمت راجي قليلاً وهو يفكر في كلامها ثم أومأ رأسه بتفهم.
- معك حق.
لكن ملامحه سرعان ما أصبحت أكثر جدية .. قال بنبرة عملية:
- المهم ألا يطول الأمر كثيراً .. لأن الطريق أمامنا ما زال طويلاً .. أنتِ طبيبة وتعرفين ما يجب فعله .. علينا أخذ خزعة منها لنرى إن كان هناك تطابق بين خلاياها وخلايا رهف .. في حال احتاجت رهف يوماً إلى متبرع.
نظرت ليلى إليه بهدوء ثم أومأت برأسها.
- أعلم ذلك.
وضغطت على يده مطمئنة وهي تقول بثقة:
- لا تقلق .. كل شيء تحت السيطرة يا عزيزي
...............
بقيت تهف تحدّق في حلا لثوانٍ طويلة وكأن الكلمات التي سمعتها لم تجد بعد طريقها الكامل إلى عقلها ثم نهضت فجأة ووقفت أمام السرير وسارت بضع خطوات في الغرفة ذهاباً وإياباً وملامحها مشدودة وعيناها شاردتان و كأنها تحاول جمع قطعٍ مبعثرة من الحقيقة .. توقفت فجأة والتفتت نحو حلا .. حدقت فيها طويلاً ثم قالت دون مقدمات بصوتٍ خافت لكنه مثقل بالدهشة:
- يعني أنتِ .. أختي؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قالت بذهولٍ واضح:
- صدمتك في الكافيتيريا عندما سمعتِ الحديث عني…
توقفت لحظة ثم أضافت وهي تحدق فيها:
- لأنك أدركتِ الحقيقة قبلي .. أليس كذلك؟
لم تجب حلا ولكن دموعها بدأت تنهمر بصمت .. اقتربت رهف أكثر وصوتها يحمل دهشةً حقيقية:
- لماذا لم تخبريني؟
ارتجفت شفتا حلا و ردت:
- لا أعلم.
قطبت رهف حاجبيها بينما بدأت الدموع تتجمع في عينيها أيضاً وقالت:
- خفتِ أن تقولي؟
نظرت حلا إليها بعينين غارقتين بالألم ثم قالت بصوتٍ مكسور:
- ماذا تتوقعين من فتاةٍ عاشت عمرها كله في الخوف؟
لم تحتمل رهف أكثر .. اندفعت نحوها فجأة واحتضنتها بقوة و كأنها تخشى أن تختفي إن تركتها .. كانت ضمتها شديدة وممتلئة بعاطفةٍ لم تعرفها من قبل .. أما حلا رفعت يديها ببطء وكأنها لا تزال غير مصدقة ما يحدث ثم وضعتهما على ظهر رهف وشدت أصابعها على قماش بلوزتها بقوة وانفجرت بالبكاء على كتفها وهي تقول:
- لم أتخيل يوماً أن يصبح لدي أشخاص يحبونني.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- منذ أن ماتت أمي لم يبقَ لي أحد.
شدت رهف ذراعيها حولها أكثر حتى كادت تخنقها من قوة العناق بينما ارتفعت شهقاتها هي الأخرى .. بعد لحظات أبعدت حلا قليلاً وأمسكت وجهها بين كفيها وقالت:
- لا تبكي بسببي .. أرجوكِ.
ابتسمت رهف وسط دموعها وقالت بنبرةٍ مبحوحة:
- وكأنكِ أنتِ تضحكين.
ثم أضافت وهي تمسح دموعها سريعاً:
-ثم أن هذه دموع الفرح .. أم أنكِ تستكثرين عليّ أن أبكي لأنني وجدت نصفي الآخر؟
ثم أعادتها إلى حضنها بقوة مرةً أخرى .. بقيتا متعانقتين لحظات طويلة و كأنهما تحاولان تعويض سنواتٍ ضائعة .. بعد قليل ابتعدت رهف قليلاً وقالت بحماس:
- يجب أن أخبر أمي .. ستفرح كثيراً بذلك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لا .. لا تخبري أحداً الآن.
التفتت رهف إليها باستغراب.
- لماذا؟
قالت حلا بتردد واضح:
- دعيني أنا من يخبرهم.
صمتت لحظة ثم أضافت بقلق:
- أخاف إن علم أدهم أنني كذبت عليه .. أن يغضب مني أو يكرهني.
هزت رهف رأسها فوراً.
- أدهم طيب القلب وسيتفهم إخفاءكِ للأمر
لكن حلا قالت بإصرار هادئ:
- لهذا أقول لكِ .. دعيني أنا أخبرهم.
تنهدت قليلاً وتابعت:
- من الأفضل أن يسمع الحقيقة مني لا من غيري.
تنهدت رهف أخيراً ثم ابتسمت لها وقالت:
- كما تريدين.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ولكن أقسم أنني ما زلت غير مصدقة أنكِ أختي.
ضحكت بخفة وأضافت:
- أنا سعيدة بشكلٍ لا يوصف
ضحكت حلا أيضاً وسط دموعها.
- و لكن ليس بقدر سعادتي.
ثم أضافت بمرحٍ خفيف:
- على الأقل .. جاء من يلقن مؤيد درساً ويضربه.
انفجرتا بالضحك معاً رغم بقايا الدموع على وجهيهما .. قالت حلا وهي تمسح دموعها:
- هل رأيتِ شكله عندما تدحرج على الدرج؟
ضحكت رهف أكثر وقالت:
- رأيته .. ذلك البرميل
ثم أضافت بمرح:
- ليت راسه كُسر .. ثم كنت ساكسر رأس تلك الأفعى المجلجلة المدعوة رولا وأجعلها تندم على لمسها لكِ
ضحكتا معاً بصوتٍ أعلى بينما بقيت الغرفة مليئة بتلك الضحكات التي خرجت أخيراً بعد سنواتٍ طويلة من الألم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الليل قد ابتلع المكان بيتٌ مهجور يقف في أطراف الحي كهيكلٍ عظميٍّ نسيه الزمن؛ نصف جدرانه متصدعة .. وسقفه مفقود في معظمه .. تاركاً السماء السوداء مكشوفة فوقه.
في وسط ذلك الخراب .. اشتعلت نار صغيرة .. لهبها الراقص كان يبعث ضوءاً متقطعاً على الجدران المتآكلة ويقذف بظلالٍ مشوهة تتحرك ببطء حول المكان.
جلس مؤيد أمامها كان منحنياً قليلاً .. ممسكاً بعصا خشبية طويلة .. يحرّك بها الجمر بين الحين والآخر .. كلما نكش النار تصاعدت شرارات صغيرة في الهواء وانعكس وهجها في عينيه الداكنتين .. عينيه اللتين كانتا تلمعان بشيءٍ أشبه بالحقد الخام ساد الصمت حوله إلا من صوت احتراق الحطب ولكن ذهنه لم يكن صامتاً .. كانت صورة واحدة تتكرر في رأسه مراراً .. تلك الفتاة التي وقفت في وجهه .. قبض يده فجأة حتى برزت عروقه بوضوح وتمتم بصوتٍ منخفض مشحون بالغضب:
- من تكون تلك الساقطة حتى تجرأت عليّ
اشتدت قبضته أكثر وهو يتذكر كيف أمسكت بذراعه .. وكيف قلبته على الدرج أمام عيني حلا وجعلته أضحوكة لها ولقاطني ذلك البناء .. عض على أسنانه بقوة .. لكن غضبه لم يدم طويلاً .. بعد لحظات ارتخت ملامحه قليلاً وبدأت ابتسامة بطيئة و ملتوية تزحف على شفتيه رفع العصا مجدداً ونكش النار فارتفع اللهب قليلاً .. انعكس ضوءه على وجهه وهو يهمس:
- لكن الأمر لم يكن سيئاً تماماً.
صمت لحظة .. ثم رفع رأسه قليلاً نحو الظلام وعيناه تضيقان بتفكيرٍ خبيث لم يكن يعرف تلك الفتاة ولم يرها من قبل و لكن .. الشبه بينها وبين حلا كان واضحاً إلى حدٍ لا يمكن إنكاره .. نفس الملامح و العينين .. حتى الطريقة التي تتحرك بها .. همس ببطء:
- أختها…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- التوأم.
كانت تلك القصة القديمة لا تزال عالقة في ذاكرته .. القصة التي سمعها قبل سنوات .. كيف باع عمار إحدى ابنتيه منذ اللحظة الأولى التي وُلدت فيها وسلمها لعائلةٍ ثرية مقابل المال .. أعاد العصا إلى النار يحرّك الجمر ببطء بينما يهمس:
- ذلك المختل لم يرضى إخباري من تلك العائلة التي باع لها شقيقة حلا .. كان سيصبح غنياً لو أنه سمع كلامي واستغل سذاجة تلك العائلة وتمسكهم بالطفلة .. لقد خاف وهذا ما جعله لا يتقدم خطوة .. إذا كانت تلك الفتاةهي نفسها الطفلة التي باعها عمار ...
توقف قليلاً .. ثم رفع رأسه ببطء وفي عينيه اشتعل بريق جشع واضح وتابع:
- فهذا يعني ..
ارتسمت ابتسامة شريرة على شفتيه.
- أنني اصطدت عصفورين بحجرٍ واحد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- وإن كانت قد نشأت مع عائلةٍ غنية كما قال ...
انحنى قليلاً نحو النار والوهج يرقص في عينيه.
- فهذا يعني أنني وضعت يدي على كنز.
ثم قبض يده ببطء وكأنه يمسك بذلك الكنز بالفعل .. وقال بصوتٍ خافتٍ مظلم:
-وسأحصل عليه .. عاجلاً أم آجلاً.