📁 آخر الروايات

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل العشرين 20 بقلم رباب حسين

رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل العشرين 20 بقلم رباب حسين


شاهد بلا ذاكرة.... الفصل العشرين
بقلم الكاتبة / رباب حسين
حين يظن الجميع أنهم رأوا الوجه الحقيقي لشخص ما قد يكون ذلك الوجه مجرد قناع جديد أُتقن ارتداؤه في الوقت المناسب. وبينما تتغير الأحكام وتُبنى القرارات على ما يبدو واضحًا أمام الأعين تبقى بعض الأسرار حبيسة الظلال، تنتظر لحظة ظهورها لتقلب كل شيء رأسًا على عقب.
في هذه المعركة لم يعد الخطر مقتصرًا على المؤامرات أو الطمع أو حتى الخيانة... بل أصبح الخطر في معرفة من يقول الحقيقة ومن يجيد تمثيلها.
أتقن فارس دوره دون السماح لذرة شك أن تخترق عقل من حوله، وحين عاد إلى غرفته كان يشعر بدوار داخل رأسه أثر الضربة التي تلقاها عندما تم اختطافه، فدثر جسده تحت الغطاء ونام.
أما يونس فبات ليله بقلب منفطر، يشعر بالحزن على حالة نيرة ومنها أيضًا، فأغمض عينيه بقوة حتى يمنع عقله عن التفكير.
أتت شمس الصباح، استيقظت يارا مبكرًا ثم بدلت ثيابها وتوجهت نحو غرفة منال مباشرة.
ابتسمت بإشراق وقالت: صباح الخير يا ست الكل.
منال: صباح النور.
لاحظت يارا شرودها وملامح وجهها العابسة فقالت: مالك يا حبيبتي؟ تعبانة ولا إيه؟
تنهدت منال وقالت: مش عارفة يا بنتي اللي حصل ده حقيقي ولا حلم!
يارا بتعجب: يعني إيه!
منال: امبارح وأنا نايمة حسيت بحاجة في دراعي، دبوس أو أبرة حاجة زي كده، ولما فتحت عيني لقيت فارس بيشد مي الممرضة وخرجو من الأوضة، استغربت من اللي بيحصل، فا قمت ووقفت ورا الباب وسمعتهم بيتكلمو مع بعض، بس الكلام كان غريب ومش مفهوم وصوتهم كان واطي، بس سمعت جملة واحدة مش فهماها.
يارا: إيه هي؟
منال: سمعت فارس بيقول "وقت ما هعوز منك تنفذي هقولك بنفسي."
عقدت يارا حاجبيها ونظرت بشرود إلى الفراغ وقالت: تنفذ إيه!
منال: ما ده اللي عمالة أفكر فيه الصبح ومش قادرة أفهم. مش دكتور منير اللي بعت الممرضة دي؟
يارا: اه، بس واضح إن فارس عارفها.
منال: عارفها منين وهو ناسي كل حاجة!
تذكرت يارا حديث روني، مما جعل الشك يدخل قلبها، ولكن نفضت الفكرة عن رأسها على الفور وقالت: أنا هسأل فارس، مفيش حل غير ده.
المهم يا ماما خليكي في أوضتك، ولو متضايقة من مي أجيبلك ممرضة تانية أحسن.
منال: يا بنتي بلاش نقطع عيش حد، أنا برده مفهمتش هما بيتكلمو في إيه؟
يارا: طيب يا حبيبتي. تحبي تفطري هنا ولا ننزل نفطر مع بعض.
منال: لا هنزل، عايزة أشوف الواد معتز؛ دخل قلبي بصراحة، واد زي القمر وعسل.
يارا: فعلًا يدخل القلب على طول، ربنا يخليه لفارس يارب. هسيبك وأنزل أنا استناكي تحت.
نزلت يارا وتركت منال متخبطة بين ما سمعت وبين عقلها الذي يرفض أن يصدق.
وجدت أميرة تشرف على تحضير الطعام، فابتسمت لها يارا وقالت: صباح الخير يا أميرة. فين معتز؟
أشارت أميرة إليه وهو يلعب بالحديقة وقالت: شاف ناس كتير برا فخرج يلعب في الجنينة.
يارا: ناس مين اللي برا.
أميرة: أنا سمعت أصوات كتير برا بليل، ولما بصيت من الشباك لقيت سعد واقف مع الحرس وشوية وفارس رجع متأخر.
يارا: هو فارس خرج بليل؟
أميرة: معرفش خرج إمتى بس شوفته وهو راجع.
يارا: هو فين فارس أصلًا؟
أميرة: لسه منزلش من فوق.
قاطع حديثهما دخول سعد المنزل، وحين رأى يارا اقترب منها مسرعًا وقال بقلق: فارس باشا صحي؟
يارا: لأ. هو فيه إيه؟
سعد: امبارح حد دخل الفيلا وضرب الحرس وخطف فارس باشا من الجنينة، وكمان اتضرب على راسه وشكله كان تعبان لما رجع، وما عرفتش حصله إيه.
فتحت يارا عينيها بفرع ثم ركضت إلى غرفته مباشرة، وجدته لا يزال نائمًا، اقتربت منه بقلق ومررت أناملها داخل شعره بهدوء وقالت: فارس... حبيبي إنت كويس؟!
فتح عينيه بثقل ثم نظر إليها وقال متبسمًا: صباح الخير حبيبتي.
يارا: صباح النور، طمني حصلك إيه؟
اعتدل فارس وجلس بالفراش وجذبها من يدها وجلست أمامه وقال: متخافيش أنا كويس، عرفت اتصرف.
يارا: تتصرف في إيه! طمني يا فارس مش مستحملة توتر.
أمسك فارس يدها وقبلها ثم قال: عدنان بعت رجالة يخطفوني، هددني إني لو معملتش المخدرات أو رجعت الفلوس هيقتلني ويقتل كل حد حواليا.
فتحت يارا عينيها بصدمة، وقالت بفزع: وعملت إيه؟
فارس: قولتله إني مش فاكر التركيبة، بس إداني مهلة لحد ما أفتكر.
يارا: هتخرج من الحوار ده ازاي؟
فارس: مش عارف، بس أنا خايف عليكو أوي وخصوصًا معتز.
يارا: لازم نشوف حل، عدنان ده شكله مش هيسكت.
فارس: اللي فهمته إن عدنان مضغوط عليه من ناس برا مصر والناس دي مش سهلة، يعني لو البضاعة متسلمتش أنا وهو هتسافر بطيارة واحدة للأخرة.
أنا من امبارح وأنا بفكر أعمل إيه؛ بس مش لاقي حل غير إني أعمل البضاعة دي وأسلمها.
فتحت يارا عينيها بصدمة وقالت: عايز تصنع هيروين تاني يا فارس!
فارس: معنديش حل تاني، أنا وإنتي وابني؛ كلنا في خطر، لازم أفكر فينا الأول قبل ما أفكر في الناس اللي ممكن تموت من المخدرات.
يارا: يبقى تبلغ البوليس.
فارس: أروح أقول للبوليس خدت فلوس بضاعة ومش عايز أسلمها! كلنا هندخل السجن ده لو سابوني في حالي، وأنا مش هخاطر يا يارا.
يارا: وأنا مش موافقة على الحل ده.
فارس: قولي حل تاني. وبعدين إنتي بتتكلمي معايا على أساس إني عايز أعمل كده، اللي بيحصل ده كله غصب عني وإنتي عارفة ده، وأنا كنت واضح معاكي من الأول، وحاولت أنهي الموضوع بس معرفتش ولا إنتي قدرتي، ولما عرفتي إن فيه ناس تانية بتهددني قولتيلي مش عايزة أبعد عنك، لو شايفة إنك مش قابلة اللي بيحصل ده كله ولا مستحملاه إبعدي يا يارا، بس إعملي حسابك مش هتخرجي من البيت ده ولا هتبعدي عن عيني لحظة واحدة غير لما كل اللي بيحصل ده ينتهي.
يارا: هو أنا عشان بقولك مش عايزاك تعمل الزفت ده تعمل مشكلة وتنهي اللي بينا اللي لسه مبدأش أصلًا، هو الموضوع سهل أوي كده عندك؟
فارس: أظن إن مشاعري واضحة من أول يوم معاكي وإنتي عارفة أنا أد إيه بحبك، ومش سهل عليا أبعد عنك بس في نفس الوقت أنا بحاول أحافظ على كل القريبين مني، ولو حتى عملت المخدرات دي مش هعملها تاني، أنا بس عايز أخلص من القرف ده كله، ولو لقيت الفلوس ورجعتها هيعملوا مشكلة برده عشان عرفتهم وخدت الفلوس منهم ومسلمتش، فا مفيش حل غير إني أسلم البضاعة.
زفرت يارا بضيق ونظرت إلى الجهة الأخرى، تنهد فارس واقترب منها قليلًا وقال: استحمليني شوية يا قلبي، غصب عني بجد.
نظرت له يارا ورأت عينيه تلمع بالحب، فهدأت قليلًا وقالت: أنا خايفة ومش مطمنة.
فارس: محدش هيلمسك طول ما إنتي معايا، كلهم خايفين من فارس السيوفي عشان كده محدش قادر يقرب لحد دلوقتي، لكن لو فضلت أماطل في الموضوع مش هيسكتو، ولو بقيتي مرات فارس السيوفي انسي الخوف خالص.
ابتسمت يارا وقالت: ده وقته يا فارس بجد!
فارس: وقته جدًا، ده أنا ما صدقت حنيتي عليا، هيحصل إيه لو اتجوزنا يعني، هتفضلي معايا غصب عنك.
يارا: إيه ده! ليه غصب عني يعني؟
فارس: بمزاجك يا ستي. حلو كده؟
يارا: أنا شايفة إن لسه بدري.
فارس بضيق: يووووه، خلاص يا يارا، إخرجي بقى عشان أغير هدومي.
يارا: استنى بس، إنت ما بتصدق! طمني بس جرالك حاجة لما خطفوك؟
فارس بضيق: لأ. يلا بقى سيبيني وأخرجي.
لاحظت يارا حين تبدلت ملامحه بسبب رفضها، ولكنها ترى أن لايزال باكرًا على اتخاذ قرار الزواج.
خرجت من الغرفة وتركته ينظر إلى أثرها بضيق، ثم نزلت إلى الأسفل ورأتهم ينتظرونها لتخبرهم عن حالة فارس، فطمئنتهم وقالت لهم أنه سوف ينزل الآن.
_________
خرج جلال من منزله ذاهبًا إلى العمل، نظر إلى باب منزل كمال وتذكر ما حدث بالأمس، فطرق الباب وقام كمال بفتحه وقال: تعالى يا جلال أدخل.
دخل جلال وقال: هنعمل إيه في اللي أمي عملته ده؟
كمال: ولا حاجة. هنبلغ عنها يعني؟
جلال: إنت عارف لو فارس عرف هيعمل إيه!
كمال: هيعرف منين. وبعدين أنا مش فايق الحوارات ديه دلوقتي، دماغي مشغولة بالواد اللي ظهر ده، والهانم اللي سابت البيت، يا عم ياريته مات وريحنا كان زمان الفلوس كلها معانا.
جلال: هو كان حل فعلًا، بس أنا مستغرب ماما نفذت ازاي من غير ما تقول لحد.
كمال: هي أمك كده طول عمرها، تبان غلبانة ومعملتش حاجة لحد ما تلاقيها عاملة مصيبة ومحدش عارفها.
جلال: ما أنا عارف، طيب أنا سيبتك تهدى امبارح بس ماكنش ينفع تطرد نيرة من البيت، وبعدين راحت فين البت دي؟
كمال: هتلاقيها راحت للزفت يونس.
جلال: وهو يونس هيبص في وشها بعد اللي حصل! على العموم لما أرجع من الشغل هشوف هي فين، وكمان هشوف روني يمكن تقدر تساعدنا في حل في مشكلة الواد ده أو عدنان، أنا حاسس إن الدنيا بتخرب.
كمال: هي خربت من ساعة ما فارس فاق.
زفر جلال وذهب إلى العمل، ووجد يونس يفتح منفذه فنظر له يونس بإشمئزاز ثم دلف إلى الداخل، مما جعل جلال يرمقه بضيق وغادر بسيارة العمل على الفور.
سمع يونس صوت ينادي باسمه فالتفت على الفور وجدها سماح، لاحظ عبوسها فقال: صباح الخير يا سماح.
سماح: صباح النور.
يونس: مالك متضايقة ليه؟ عمي رأفت تعبان ولا حاجة؟
سماح: أنا اللي تعبت يا يونس، شفتك امبارح وإنت طالع مع نيرة البيت عندكو. رجعتلها خلاص؟
يونس: لأ. ومش هرجعلها، هي بس سابت البيت ومش لاقية حتة تقعد فيها، خدتها عندنا وسبت أن البيت وقاعد عند واحد صاحبي هنا.
سماح: وهي لما تسيب البيت تروح تقعد عند واحد كان خطيبها! واضح إنك مش قادر تنساها يا يونس، على العموم ديه حياتك وإنت حر فيها، أنا بس كان نفسي تبقى ليا بس الظاهر مفيش نصيب.
يونس: عارفة يا سماح، أنا عمري ما شفتك وحشة ولا مش مناسبة، بس القلب وما يريد، بالعكس أنا عارف إنك تستاهلي كل خير، وأنا فعلًا زي ما قلتلك لو فكرت اتجوز مش هلاقي أحسن منك.
سماح: وإيه اللي مانعك، ما أنت قلت مش هترجعلها يعني خلاص الموضوع مقفول، ومش هتفضل يعني قاعد من غير جواز، إذا كان هي ماستنتش حتى لما تسيبك واتخطبت لغيرك وهي معاك! إنت بقى مستني إيه؟!
زفر بضيق، فشعرت سماح بأنها جرحته بحديثها، فأردفت باندفاع: مش قصدي أضايقك، متزعلش مني، أنا بس مش مستحملة اللي عملته فيك، ده أنت تتشال على الراس، هي اللي مش مقدرة النعمة اللي كانت في إيدها.
يونس: خلاص يا سماح، شوفي إنتي عايزة إيه أجيبه؟
سماح: عايزة متزعلش مني، ماقدرش أزعلك أبدًا ده أنا يجرالي حاجة.
يونس: أنا مش زعلان منك، أنا زعلان على نفسي.
سماح بحزن: ولا حد في الدنيا يقدر يكسرك، ده أنت سيد الناس كلها، طيب أعمل إيه عشان أشيل الزعل ده من قلبك؟
يونس: ربك قادر على كل شيء. قولي بقى عايزة طلبات إيه؟
شعر يونس بحب سماح الحقيقي، وهذا ما أحزن قلبه، يتمنى لو ينال هذا الحب من التي أحبها، ولكن لا يوجد حب برغبة العقل.
____________
أما فارس فغادر المنزل دون طعام، ولم يقبل أن يترك يارا بالمنزل، وبالرغم من ذلك لم يتحدث معها فهو يشعر بالضيق من رفضها له، حاولت يارا التحدث معه ولكنه لم يجيبها.
حين وصلو إلى الشركة، تحدث سعد قبل أن يغادر السيارة فقال: مش هطمني يا فارس باشا على اللي حصل امبارح؟
فارس: عندي شغل دلوقتي يا سعد، لما أخلص عايزك تجيلي بليل ضروري.
سعد: يعني إنت كويس؟
فارس: متقلقش عليا.
نزل فارس ولحقت به يارا وقالت: خلاص يا فارس بقى، ما مش منطقي نعترف بحبنا لبعض امبارح ونتجوز النهاردة!
التفت إليها فارس بضيق وقال: ما لو حبك ليا بجد كنتي وافقت.
يارا: يا فارس مش هينفع بجد السرعة دي.
فارس: مش وقته يا يارا، عندي شغل، اتفضلي استني في مكتبي وأنا رايح المعامل.
أومأت له يارا ثم دخل إلى الشركة ولحقت به يارا، ذهب فارس إلى المعمل وحين دخله اقترب منه علي فورًا وقال بحماس: أنا كنت مستني حضرتك يا دكتور.
فارس: خير يا علي.
علي: كان عندي تركيبة معينة كده لدوا جديد، كنت عرضته على حضرتك بس حصلت الحادثة ومعرفتش رأي حضرتك.
فارس: مفيش مشكلة هات التركيبة مكتبي ونشوفها سوا.
شكره علي، وبعد أن مر فارس على المعامل عاد إلى مكتبه، وحين رأته روني اقتربت منه وتحدثت بدلال قائلة: أنا قلت برده الدور ده مش لايق على فارس السيوفي.
أشار إليها فارس قائلًا: هشش، وطي صوتك يارا جوا.
روني: اه جوا، بس نسيت، أو الفرحة نستني، المهم سريعًا كده قبل ما يارا تسمع، الناس عرفت وعايزين يتكلموا معاك.
فارس: ماشي تمام، المهم خلي بالك ومتتكلميش ويارا موجودة.
روني: متقلقش يا بوس، كله تحت السيطرة، المهم نرجع لأيام فارس السيوفي بقى.
قاطع حديثها خروج من يارا من المكتب، ترمقهما بنظرات مبهمة، عينيها مشدوهتان مما سمعت، وتحول الشك إلى يقين في لحظة واحدة، يبدو وأن فارس قد خدعها.
تُرى هل ستبتعد عنه أم لا؟
يتبع...


تعليقات