رواية احفاد الثعلب الفصل العشرين 20 بقلم شريهان سماحة
الحلقة العشرين 
مرت الأيام ..
واطمأن العجوز لها عن كل ذي يوما يمر .. تكاثر الحديث بينهما ، وعلمت منه عن "علي" الكثير والكثير حتي أنها علمت بمدي تعلقه بوالده وذكراه .. متجنباً بكل الطرق ذكري أي شيء يختص بوالدته مما زادها هذا فضولا ..
مرت في ظل سعادتها لتحضير الطعام كل يوم مع غضبها الداخلي لافعاله التي تبغضها بل ولا تقبل بها من الاساس .. ولكن حتما سيأتي لها يوماً وستنفجر بكل طاقتها المكبوتة في وجهه .. فهي لن تنتظر كثيرًا علي وضعهُ هذا .. فليعنها الله حين ذاك !!
مرت وهي تجاهد بكل قوتها لراحة العجوز مع استمرار كثرة اغماءته .. الذي ينفي نفيا قاطعا بخطورتها وزيارة الطبيب لأجلها .. لذلك فعلت كل ما يفعله من اعمال إلا دخول غرفة " علي " وتحضير ملابسه تلك التي رفضتها رفضا لا نقاش فيه !!
ذات مساء أخبره " علي " علي الهاتف بأنه لن يحضر الطعام في البيت لحضوره عشاء عمل مع أحد مندوبي الشركات العالمية الكبرى .. مما جعل العجوز وهنا ينعمان في جلسة خاصة في بهو القصر .. مع أعداده لكوبين من العصير الطازج .. والذي أعطاها كوباً منه قائلا بهدوء :
- هذا من أجلك ..
شكرته ثم هتفت علي استحياء :
- شكرًا لك .. لماذا اجهدت حالك .. ثم أنني لن أستطيع الشراب ..
فهم العجوز سبب رفضها واصرارها الدائم لتناول الطعام لحالها ، فخرج صوته قائلاً لها بحذر شديد :
- لما تستمرين في لبس ذلك الشيء حتي داخل البيت .. ألم تعانين منه ؟!!
أجابته بابتسامة هادئة :
- نعم هو مشاقه ولكن لها أجرها عند الله .. ثم أنك غريبٌ عني ولا يجوز لي التخلي عنه أمام الغرباء ..
تحدت باندهاش :
- غريب !!
ضحكت قائلة بتفسير :
- غريب ليس بمعني أن تكون بعيدٍ بل ليس من ضمن الذين حللهم الاسلام للفتاة لرؤية وجهها كالزوج والأب والعم والخال والأخ .. فأنا أقصد ذلك .. ولم أقصدك أنت لذاتك فأنت بطيبة قلبك تذكرني بجدي كثيرًا رغم أنك علي ديانه أخرى ..
- أشكرك كثيرا بنيتي .. بل أنا من سعد قلبهُ بأنكِ أنتِ دون غيرك زوجة ل " علي "
اجتاحها الخجل فاخفضت رأسها قائلة بمرح لكي تنفض عنها تلك الحالة :
- ولا تأخذ عني وعن من مثلي بأننا معقدون أو متزمتون .. أو ينتج عنا الارهاب !!
انهت جملتها ثم انتفضت من جلستها ترفف بذراعيها المفرودتين علي أخر حدودهما في الهواء .. مع حركة جسدها الدائرية .. مغمضة العين باسترخاء مع رفرفة أسدالها الفضفاض خلفها تستأنف حديثها المرح بابتسامه صافية هادئة :
- أنظر جيداً نحن نضحك .. نمرح .. نمازح .. نطير في الهواء مثل الطيور .. نفعل كل شئ إلا محرمات ربي ..
توقفت من حركتها ضاحكة .. تلتقط أنفاسها بتقطع لتكمل حديثها للعجوز الذي شاهدته واقفاً من جلسته قاطعاً ابتسامته باضطراب جلي فسألته بحيرة :
- ما بك ؟!
فلم يجب !! فاضطرت لأن تستدير وتشاهد نهاية مرمي بصره خلفها .. والذي انتهي عند شبيه جدها الصامت وأحدي كف يداه في جيب سرواله بعينين متفحصة لهيئتها جيداً !!
تلاشت ضحكاتها علي الفور .. وأزداد توترها .. فضمت راحة يديها في بعضهما تفركهما بقلق بالغ وترقب لرد فعله كحال موقفهما السابق ..
والذي فجأها بأسوء مما كانت تتوقعه !!
عندما لملم حالته المتفحصة وراء عبارته التي هتف بها باسلوب ساخر فج وهو يتوجه للدرج صاعدٍ للأعلي ..
- أشاهد أن تلك الفتاة لم تُضيع الوقت كأمثالها و رمت بخيوط شباكها عليك أنت أيضا أيها العجوز .. !!!!
أغُرقت عيناها المراقبة لمغادرته بالدموع من عبارته القاتلة والجارحة لها كأنثي .. والتي أثلجها بعض الشئ ذلك العجوز من خلفها بقوله :
- لا تحزني .. ولا تحكمي علي الزهرة من اشواكها !!
------------------
- السلام عليكم .. ولن أقول صباح الخير أو مرحباً !!
ضحك العجوز علي طريقتها المرحة لطرح الحديث فبدالها قائلا بصعوبة كما علمته :
- الَ .. الَيكم ال.. ال ..سلام !!!
ضمت شفتاها قائلة برضي بعض الشئ يغلبها الفكاهة :
- هذا أفضل من المحاولات السابقة بكثير استمر فيما تدربنا وستتقن العربية علي يدي أن شاء الله في القريب العاجل ..
أنفرج فمه ضاحكاً من تلك الفتاة حقاً.. فبصحبتها تنسي من تكون .. بل وتنسي مرضك المميت .. علي ذكر المرض تلاشت ضحكاته بهدوء دون أثارة الشك ..
قائلا بمرح مصطنع :
- أشعر أنكِ تحتاجين لقول شئٌ !!
طأطأت رأسها قائلة باستحياء يصاحبه بعض الأرتباك :
- أا..اريد أن أخرج قليلاً ..
قال باندهاش :
- لماذا ؟!
رفعت رأسها قائله بوضوح :
- لقد دخلنا في ايام الصوم في أفضل شهور السنة وأريد أن اشتري تمر للأفطار عليه قبل الطعام .. ومن ثم أريد شراء بعض الملابس لأن كل ما أوتيت به من ملابس هو لباسٍ شتوي وأنا أتعذب حقاً أثناء أرتفاع درجة الحرارة ..
قال بتعجب جلي :
- يا لكِ من مسكينة .. تحملتي كل تلك الفترة الماضية وأنتِ صامتة !!
أومأت راسها باستياء دون حديث .. ليتحدث هو في الحال :
- سأخبره وسأحاول أن يلين برأيه .. لم تعلمين كم عانيت المرة الماضية لكي استجلب موافقته !!
رفعت عينيها الجاحظة ترمقه في صمت محدثه ذاتها " الأن فهمت لما وافق ذلك المتحجر القاسي بالسماح لها بالخروج " .. حينها انقلبت مقلتي عينيها للإنخفاض متراقصة بعدم استيعاب وهي تحدث ذاتها مرة أخرى بذهول " ياإلهي هذا العجوز رحمة لي منك .. فقد كنت أموت حينها حقاً "
شعر بما يدور بذهنها .. فقال مبتسماً بحكمه دون مقدمات :
- " هو كالعجوز في عقله .. وكالشاب في قوته .. وكالطفل في حبه !!
فتضرعي لربك بأن يلين الشاب ويقنع العجوز بأن يحتويه الطفل !!!
حينها ستعلمين حقاً من يكون !!!! "
--------------------
أتت السيارة واستقلتها مع سائقها التي لم تدرك عيونه المراقبة لكل أنش بها .. والشفتين المبتسمة لرؤياها .. وسعادة قلبه بدقاته النابضة لها هي فقط دون نساء العالم آجمع !!
تنظر للمارة بعينين شاردتين وكل ما كان يشغلها جملة ذلك العجوز التي تأكل تفكيرها أكلاً !!
تلك الجملة التي ما أن سمعتها حتي صرت في جسدها قشعريرة عجيبة و غريبة !!
خرجت من شرودها علي صوت السائق الذي ميزته في الحال يردد قائلا :
- إلي أين سيدتي ؟!
أجابته بهدوء :
- أريد مركز تجاري به كل شئ حتي التمر !!
اندهش من جملتها إلا أنه لم يكترث لكثير من الوقت وانحرف بالسيارة لوجهتها…
-------------------------
أشتد ألم الرأس اللعين ..
قبض علي رأسه بكفي يداه بشدة .. ممتناً للظروف بأنها خرجت قبل أن يسقط أمامها في غيبوبة مؤقتة من شدة الألم كما الحال في السابق ..
إلا أنه أشتد عن كل مرةٍ يأتي بها .. فاسرع لغرفته المجاورة لغرفة تحضير الطعام يبتلع بعض الحبيبات التي وصفها له الطبيب كمسكن للألم !!
تجرعها بعجاله وشرب بيد مرتجفة جرعة ماء وراءها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط علي الفراش بسبات عميق من شدة التعب والأرهاق المرافق له عند مقاومة ألمه المميت !!
-------------------
أنشغل عقله منذ أن أخبره لأصطحابها ورد فعله المفاجئ عليه .. فالفرحة تسربت بملامحه في الحال ..ثم هتف بأبتسامة يقاومها بالا تتسع :
- حقاً مستر " الَي " سأصطحبها !!
تعجب ! من رد فعله كأنه بات يعرفها بل تعجبا أكثر لسرعة مغادرته ُدون تريث .. كأنه لقاء تمني بأحلامهُ تحقيقه ..
منذ ذلك الحين وتفكيره يتفاخم براسه والنار تأكل صدره ولم يعلم لما !!
لديه اجتماع هام مع مديرة أحدى الشركات الأوربية .. بعد قليل .. ومع هذا لا يشغل عقله به مع أن التعاقد مع تلك الشركة ستضيف لعالمه الألكتروني الكثير والكثير ..
عقله ينشغل بشئ واحد دون أراده !
ماذا يفعلان ! وهل هي تبادله الشعور كما هو !!
مُصرٌ بأخر تفكيره بأنهن كلهن ملعونات وخائنات !!
عند تلك النقطة انتفض جسده بقوة دون أدراك من مقعده في غرفة مكتبه .. متجه للنافذة الزجاجية وهو يضغط بكل قوته علي الهاتف ببعض الأرقام المحفوظة عليه ليهم برفعه علي أذنه ينتظر أجابة الطرف الأخر علي أحر من الجمر !!
- نعم " الَي " ..
- ماذا تفعل ليمر كل ذلك الوقت ؟!
- كنت أبحث معها علي ..
قطع جملته بنفور مزيف :
- لا يهمني ماذا تفعلان .. المهم أن تأتي لي في الحال !!
- ولكن ال..
قطع جملته مرة أخرى قائلا بضيق وتعصب مفاجئ :
- لا يوجد عندي لكن .. بل قلت في الحال تعني في الحال .. ثم اجتماع الشركة الأوربية سأدخل به الأن واحتاج إلي استفسارات كثيرة ولا أجدك ..
اطلق جاك تنهيدة قصيرة قائلا باستسلام نظرا لحالته الغاضبة :
- حاضر " الَي " بعض الدقائق وسأكون أمامك ..
أقفل " علي " المكالمة ولم يشعر بنفسه الغاضبة إلا وهو يستدير بكل قوته يشيح بذلك الهاتف في عرض الحائط من خلفه .. فعلي ما يبدوا أنه مازال يعاني من ذلك الماضي الحقير رغم علاجه النفسي !!!
-------------------
زفر جاك بتنهيدة مطولة تعبر عن استياء صاحبها .. ثم بدأ يسرع من سرعة السيارة مردداً بضيق للجالسة خلفه في صمت متابعة حديثهما المشحون :
- معذرةٍ ! لن نذهب لمنطقة الغروب !!
هتفت بتفهم :
- لا بأس .. أوصلني للقصر وأذهب لعملك .. فسيدك يحتاجك أكثر مني ..
تعجب من جملتها فمن سيده ! ولكن لا بأس ليس هناك وقت للاستفسار يا جاك ..
هتف بأسف :
- ولا أستطيع أيصالك للقصر أيضًا ..
تعجبت من أمره ومن سرعته الجنونية فقالت بذعر :
- لم أفهم مقصدك بعد !!
هتف بأعتذار :
- أسف سيدتي سأضطر لأصطحابك معي للشركة الأم فليس أمامي وقت لتوصيلك ومن ثم الذهاب للشركة في ظل غضب مستر " الَي "وحاجته لي في الحال.. كما ان مقر العمل أقرب لي الأن !
تلجلج لسانها فهتفت بغضب نسبي :
- لا .. شأن لي به .. ولا بك أوصلني القصر وغادر في الحال ..
تكرر أسفه ثانيا مرددا بعجلة :
- أسف سيدتي مرةٍ أخري .. ولكن نحن وصلنا بالفعل ..
قالها وهو يقتحم ممر جانبي لصرح مهول أبهر مقلتيها الجاحظة .. ومن ثم أنحرافه بأتجاة باب معدني فتح للأعلي ما أن نطق اسمه كما شاهدته مع بوابة القصر من قبل .. لينطلق خط اشعاعي أحمر اللون في الحال للمرور فوق هكيل السيارة وتفحص من بها .. للتأكد منها بالفعل !!
تكنولوجيا عجيبة والأعجب لمن ذلك الصرح المهول !!
هل " علي " موظفا هنا .. أم .. أم .. ياإلهي هل ما طرأ في ذهنها به شئ من العقل ..
انتبهت من شرودها علي فتح الباب المجاور لجلستها الخلفية وقول جاك باستفسار :
- سيدتي لما لا تهبطين من السيارة ؟!
اندهشت ملامحها بقوة .. فمن سوف يهبط ؟! .. ويهبط إلي أين ؟!
فعاود جاك سؤاله مرة أخري بعجالة من أمره منتظر هبوطها بحيرة .. بينما هي بداخلها ترفض وترفض بعينان حائرة ضاله طريقها .. هل ستهبط لترتفع ذلك الارتفاع الشاهق وذاك الضيق التي لديها منهما فوبيا بالغة الحد .. أم هل ستهبط ليشاهدها ويثور أو ينطق كلمة جارحة لها كعادته كلما أجتمع بمكانٍ واحد ..
- سيدتي ما الأمر .. تأخرك هذا سيضرني في عملي !
علي أثر جملته هبطت أرجلها في الحال من السيارة دون أدراك فهي لم ولن تشترك بقطع أرزاق البشر ولكن…
تداركت ما فعلته وهو يتقدمها باتجاة المصعد الخاص بالمديرين كما هو مكتوب علي اللافتة بالجوار ..
تجمدت حركة أرجلها وندمت أشد الندم أنها هبطت من مقعدها .. وأجابت علي نفسها العاتبة بأنها أيضا لن تستطيع أنتظاره هنا في مرأب شاسع ساكن موحش هدوئه .. تجرعت ما في حنجرتها عندما فتح بابه وأقتحم ذلك السائق به ..
اندهش من صمتها وترددها المريب فهتف بعد أن شعر بشئ بها .. مغادرا المصعد متوجهاً باتجاهها بعينين تتفحصها بهدوء وبحنان لم يعهده من قبل باتجاة امرأة :
- يبدوا لي أنكِ تعانين من أمر ما .. ثقي بي و أخبريني ما هو !!
فركت راحة يداها بارتباك .. فمن هو لكِ تحدثه عن نقطة ضعفها و.. و .. ولكن يجوز أن تخبره دون شرح بالثانية وتحمل الأولي بالتوكل علي الله .. فهتفت علي الفور :
- أوعدني بالا أتاخر .. ولا أحد يراني مهما كان هو !
مرت الأيام ..
واطمأن العجوز لها عن كل ذي يوما يمر .. تكاثر الحديث بينهما ، وعلمت منه عن "علي" الكثير والكثير حتي أنها علمت بمدي تعلقه بوالده وذكراه .. متجنباً بكل الطرق ذكري أي شيء يختص بوالدته مما زادها هذا فضولا ..
مرت في ظل سعادتها لتحضير الطعام كل يوم مع غضبها الداخلي لافعاله التي تبغضها بل ولا تقبل بها من الاساس .. ولكن حتما سيأتي لها يوماً وستنفجر بكل طاقتها المكبوتة في وجهه .. فهي لن تنتظر كثيرًا علي وضعهُ هذا .. فليعنها الله حين ذاك !!
مرت وهي تجاهد بكل قوتها لراحة العجوز مع استمرار كثرة اغماءته .. الذي ينفي نفيا قاطعا بخطورتها وزيارة الطبيب لأجلها .. لذلك فعلت كل ما يفعله من اعمال إلا دخول غرفة " علي " وتحضير ملابسه تلك التي رفضتها رفضا لا نقاش فيه !!
ذات مساء أخبره " علي " علي الهاتف بأنه لن يحضر الطعام في البيت لحضوره عشاء عمل مع أحد مندوبي الشركات العالمية الكبرى .. مما جعل العجوز وهنا ينعمان في جلسة خاصة في بهو القصر .. مع أعداده لكوبين من العصير الطازج .. والذي أعطاها كوباً منه قائلا بهدوء :
- هذا من أجلك ..
شكرته ثم هتفت علي استحياء :
- شكرًا لك .. لماذا اجهدت حالك .. ثم أنني لن أستطيع الشراب ..
فهم العجوز سبب رفضها واصرارها الدائم لتناول الطعام لحالها ، فخرج صوته قائلاً لها بحذر شديد :
- لما تستمرين في لبس ذلك الشيء حتي داخل البيت .. ألم تعانين منه ؟!!
أجابته بابتسامة هادئة :
- نعم هو مشاقه ولكن لها أجرها عند الله .. ثم أنك غريبٌ عني ولا يجوز لي التخلي عنه أمام الغرباء ..
تحدت باندهاش :
- غريب !!
ضحكت قائلة بتفسير :
- غريب ليس بمعني أن تكون بعيدٍ بل ليس من ضمن الذين حللهم الاسلام للفتاة لرؤية وجهها كالزوج والأب والعم والخال والأخ .. فأنا أقصد ذلك .. ولم أقصدك أنت لذاتك فأنت بطيبة قلبك تذكرني بجدي كثيرًا رغم أنك علي ديانه أخرى ..
- أشكرك كثيرا بنيتي .. بل أنا من سعد قلبهُ بأنكِ أنتِ دون غيرك زوجة ل " علي "
اجتاحها الخجل فاخفضت رأسها قائلة بمرح لكي تنفض عنها تلك الحالة :
- ولا تأخذ عني وعن من مثلي بأننا معقدون أو متزمتون .. أو ينتج عنا الارهاب !!
انهت جملتها ثم انتفضت من جلستها ترفف بذراعيها المفرودتين علي أخر حدودهما في الهواء .. مع حركة جسدها الدائرية .. مغمضة العين باسترخاء مع رفرفة أسدالها الفضفاض خلفها تستأنف حديثها المرح بابتسامه صافية هادئة :
- أنظر جيداً نحن نضحك .. نمرح .. نمازح .. نطير في الهواء مثل الطيور .. نفعل كل شئ إلا محرمات ربي ..
توقفت من حركتها ضاحكة .. تلتقط أنفاسها بتقطع لتكمل حديثها للعجوز الذي شاهدته واقفاً من جلسته قاطعاً ابتسامته باضطراب جلي فسألته بحيرة :
- ما بك ؟!
فلم يجب !! فاضطرت لأن تستدير وتشاهد نهاية مرمي بصره خلفها .. والذي انتهي عند شبيه جدها الصامت وأحدي كف يداه في جيب سرواله بعينين متفحصة لهيئتها جيداً !!
تلاشت ضحكاتها علي الفور .. وأزداد توترها .. فضمت راحة يديها في بعضهما تفركهما بقلق بالغ وترقب لرد فعله كحال موقفهما السابق ..
والذي فجأها بأسوء مما كانت تتوقعه !!
عندما لملم حالته المتفحصة وراء عبارته التي هتف بها باسلوب ساخر فج وهو يتوجه للدرج صاعدٍ للأعلي ..
- أشاهد أن تلك الفتاة لم تُضيع الوقت كأمثالها و رمت بخيوط شباكها عليك أنت أيضا أيها العجوز .. !!!!
أغُرقت عيناها المراقبة لمغادرته بالدموع من عبارته القاتلة والجارحة لها كأنثي .. والتي أثلجها بعض الشئ ذلك العجوز من خلفها بقوله :
- لا تحزني .. ولا تحكمي علي الزهرة من اشواكها !!
------------------
- السلام عليكم .. ولن أقول صباح الخير أو مرحباً !!
ضحك العجوز علي طريقتها المرحة لطرح الحديث فبدالها قائلا بصعوبة كما علمته :
- الَ .. الَيكم ال.. ال ..سلام !!!
ضمت شفتاها قائلة برضي بعض الشئ يغلبها الفكاهة :
- هذا أفضل من المحاولات السابقة بكثير استمر فيما تدربنا وستتقن العربية علي يدي أن شاء الله في القريب العاجل ..
أنفرج فمه ضاحكاً من تلك الفتاة حقاً.. فبصحبتها تنسي من تكون .. بل وتنسي مرضك المميت .. علي ذكر المرض تلاشت ضحكاته بهدوء دون أثارة الشك ..
قائلا بمرح مصطنع :
- أشعر أنكِ تحتاجين لقول شئٌ !!
طأطأت رأسها قائلة باستحياء يصاحبه بعض الأرتباك :
- أا..اريد أن أخرج قليلاً ..
قال باندهاش :
- لماذا ؟!
رفعت رأسها قائله بوضوح :
- لقد دخلنا في ايام الصوم في أفضل شهور السنة وأريد أن اشتري تمر للأفطار عليه قبل الطعام .. ومن ثم أريد شراء بعض الملابس لأن كل ما أوتيت به من ملابس هو لباسٍ شتوي وأنا أتعذب حقاً أثناء أرتفاع درجة الحرارة ..
قال بتعجب جلي :
- يا لكِ من مسكينة .. تحملتي كل تلك الفترة الماضية وأنتِ صامتة !!
أومأت راسها باستياء دون حديث .. ليتحدث هو في الحال :
- سأخبره وسأحاول أن يلين برأيه .. لم تعلمين كم عانيت المرة الماضية لكي استجلب موافقته !!
رفعت عينيها الجاحظة ترمقه في صمت محدثه ذاتها " الأن فهمت لما وافق ذلك المتحجر القاسي بالسماح لها بالخروج " .. حينها انقلبت مقلتي عينيها للإنخفاض متراقصة بعدم استيعاب وهي تحدث ذاتها مرة أخرى بذهول " ياإلهي هذا العجوز رحمة لي منك .. فقد كنت أموت حينها حقاً "
شعر بما يدور بذهنها .. فقال مبتسماً بحكمه دون مقدمات :
- " هو كالعجوز في عقله .. وكالشاب في قوته .. وكالطفل في حبه !!
فتضرعي لربك بأن يلين الشاب ويقنع العجوز بأن يحتويه الطفل !!!
حينها ستعلمين حقاً من يكون !!!! "
--------------------
أتت السيارة واستقلتها مع سائقها التي لم تدرك عيونه المراقبة لكل أنش بها .. والشفتين المبتسمة لرؤياها .. وسعادة قلبه بدقاته النابضة لها هي فقط دون نساء العالم آجمع !!
تنظر للمارة بعينين شاردتين وكل ما كان يشغلها جملة ذلك العجوز التي تأكل تفكيرها أكلاً !!
تلك الجملة التي ما أن سمعتها حتي صرت في جسدها قشعريرة عجيبة و غريبة !!
خرجت من شرودها علي صوت السائق الذي ميزته في الحال يردد قائلا :
- إلي أين سيدتي ؟!
أجابته بهدوء :
- أريد مركز تجاري به كل شئ حتي التمر !!
اندهش من جملتها إلا أنه لم يكترث لكثير من الوقت وانحرف بالسيارة لوجهتها…
-------------------------
أشتد ألم الرأس اللعين ..
قبض علي رأسه بكفي يداه بشدة .. ممتناً للظروف بأنها خرجت قبل أن يسقط أمامها في غيبوبة مؤقتة من شدة الألم كما الحال في السابق ..
إلا أنه أشتد عن كل مرةٍ يأتي بها .. فاسرع لغرفته المجاورة لغرفة تحضير الطعام يبتلع بعض الحبيبات التي وصفها له الطبيب كمسكن للألم !!
تجرعها بعجاله وشرب بيد مرتجفة جرعة ماء وراءها ولم يشعر بنفسه إلا وهو يسقط علي الفراش بسبات عميق من شدة التعب والأرهاق المرافق له عند مقاومة ألمه المميت !!
-------------------
أنشغل عقله منذ أن أخبره لأصطحابها ورد فعله المفاجئ عليه .. فالفرحة تسربت بملامحه في الحال ..ثم هتف بأبتسامة يقاومها بالا تتسع :
- حقاً مستر " الَي " سأصطحبها !!
تعجب ! من رد فعله كأنه بات يعرفها بل تعجبا أكثر لسرعة مغادرته ُدون تريث .. كأنه لقاء تمني بأحلامهُ تحقيقه ..
منذ ذلك الحين وتفكيره يتفاخم براسه والنار تأكل صدره ولم يعلم لما !!
لديه اجتماع هام مع مديرة أحدى الشركات الأوربية .. بعد قليل .. ومع هذا لا يشغل عقله به مع أن التعاقد مع تلك الشركة ستضيف لعالمه الألكتروني الكثير والكثير ..
عقله ينشغل بشئ واحد دون أراده !
ماذا يفعلان ! وهل هي تبادله الشعور كما هو !!
مُصرٌ بأخر تفكيره بأنهن كلهن ملعونات وخائنات !!
عند تلك النقطة انتفض جسده بقوة دون أدراك من مقعده في غرفة مكتبه .. متجه للنافذة الزجاجية وهو يضغط بكل قوته علي الهاتف ببعض الأرقام المحفوظة عليه ليهم برفعه علي أذنه ينتظر أجابة الطرف الأخر علي أحر من الجمر !!
- نعم " الَي " ..
- ماذا تفعل ليمر كل ذلك الوقت ؟!
- كنت أبحث معها علي ..
قطع جملته بنفور مزيف :
- لا يهمني ماذا تفعلان .. المهم أن تأتي لي في الحال !!
- ولكن ال..
قطع جملته مرة أخرى قائلا بضيق وتعصب مفاجئ :
- لا يوجد عندي لكن .. بل قلت في الحال تعني في الحال .. ثم اجتماع الشركة الأوربية سأدخل به الأن واحتاج إلي استفسارات كثيرة ولا أجدك ..
اطلق جاك تنهيدة قصيرة قائلا باستسلام نظرا لحالته الغاضبة :
- حاضر " الَي " بعض الدقائق وسأكون أمامك ..
أقفل " علي " المكالمة ولم يشعر بنفسه الغاضبة إلا وهو يستدير بكل قوته يشيح بذلك الهاتف في عرض الحائط من خلفه .. فعلي ما يبدوا أنه مازال يعاني من ذلك الماضي الحقير رغم علاجه النفسي !!!
-------------------
زفر جاك بتنهيدة مطولة تعبر عن استياء صاحبها .. ثم بدأ يسرع من سرعة السيارة مردداً بضيق للجالسة خلفه في صمت متابعة حديثهما المشحون :
- معذرةٍ ! لن نذهب لمنطقة الغروب !!
هتفت بتفهم :
- لا بأس .. أوصلني للقصر وأذهب لعملك .. فسيدك يحتاجك أكثر مني ..
تعجب من جملتها فمن سيده ! ولكن لا بأس ليس هناك وقت للاستفسار يا جاك ..
هتف بأسف :
- ولا أستطيع أيصالك للقصر أيضًا ..
تعجبت من أمره ومن سرعته الجنونية فقالت بذعر :
- لم أفهم مقصدك بعد !!
هتف بأعتذار :
- أسف سيدتي سأضطر لأصطحابك معي للشركة الأم فليس أمامي وقت لتوصيلك ومن ثم الذهاب للشركة في ظل غضب مستر " الَي "وحاجته لي في الحال.. كما ان مقر العمل أقرب لي الأن !
تلجلج لسانها فهتفت بغضب نسبي :
- لا .. شأن لي به .. ولا بك أوصلني القصر وغادر في الحال ..
تكرر أسفه ثانيا مرددا بعجلة :
- أسف سيدتي مرةٍ أخري .. ولكن نحن وصلنا بالفعل ..
قالها وهو يقتحم ممر جانبي لصرح مهول أبهر مقلتيها الجاحظة .. ومن ثم أنحرافه بأتجاة باب معدني فتح للأعلي ما أن نطق اسمه كما شاهدته مع بوابة القصر من قبل .. لينطلق خط اشعاعي أحمر اللون في الحال للمرور فوق هكيل السيارة وتفحص من بها .. للتأكد منها بالفعل !!
تكنولوجيا عجيبة والأعجب لمن ذلك الصرح المهول !!
هل " علي " موظفا هنا .. أم .. أم .. ياإلهي هل ما طرأ في ذهنها به شئ من العقل ..
انتبهت من شرودها علي فتح الباب المجاور لجلستها الخلفية وقول جاك باستفسار :
- سيدتي لما لا تهبطين من السيارة ؟!
اندهشت ملامحها بقوة .. فمن سوف يهبط ؟! .. ويهبط إلي أين ؟!
فعاود جاك سؤاله مرة أخري بعجالة من أمره منتظر هبوطها بحيرة .. بينما هي بداخلها ترفض وترفض بعينان حائرة ضاله طريقها .. هل ستهبط لترتفع ذلك الارتفاع الشاهق وذاك الضيق التي لديها منهما فوبيا بالغة الحد .. أم هل ستهبط ليشاهدها ويثور أو ينطق كلمة جارحة لها كعادته كلما أجتمع بمكانٍ واحد ..
- سيدتي ما الأمر .. تأخرك هذا سيضرني في عملي !
علي أثر جملته هبطت أرجلها في الحال من السيارة دون أدراك فهي لم ولن تشترك بقطع أرزاق البشر ولكن…
تداركت ما فعلته وهو يتقدمها باتجاة المصعد الخاص بالمديرين كما هو مكتوب علي اللافتة بالجوار ..
تجمدت حركة أرجلها وندمت أشد الندم أنها هبطت من مقعدها .. وأجابت علي نفسها العاتبة بأنها أيضا لن تستطيع أنتظاره هنا في مرأب شاسع ساكن موحش هدوئه .. تجرعت ما في حنجرتها عندما فتح بابه وأقتحم ذلك السائق به ..
اندهش من صمتها وترددها المريب فهتف بعد أن شعر بشئ بها .. مغادرا المصعد متوجهاً باتجاهها بعينين تتفحصها بهدوء وبحنان لم يعهده من قبل باتجاة امرأة :
- يبدوا لي أنكِ تعانين من أمر ما .. ثقي بي و أخبريني ما هو !!
فركت راحة يداها بارتباك .. فمن هو لكِ تحدثه عن نقطة ضعفها و.. و .. ولكن يجوز أن تخبره دون شرح بالثانية وتحمل الأولي بالتوكل علي الله .. فهتفت علي الفور :
- أوعدني بالا أتاخر .. ولا أحد يراني مهما كان هو !