رواية اقدار مؤجلة الفصل الثاني 2 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭𝟐: الوحدة
by Volny_morya
. . . .
اليومَ أُعلنُ أنَّ البُعدَ منتصرٌ ،
على الوفاءِ، وأنّ الشوقَ قد بَرُدا
3
. . . . .
الهواء في الخارج كان مثلجًا، والسماء فوق موسكو كانت رمادية كالحديد البارد..
الطرقات امتدت أمامها مغلفة بطبقة رقيقة من الجليد، بينما رذاذ الثلج تناثر مع حركة السيارات، يرسم خطوطًا باهتة على زجاجها الجانبي...
الأضواء المتراقصة في الشوارع لم تكن كافية لتخفيف كآبة الشتاء الروسي، لكن المدينة لم تتوقف أبدًا، حتى في أحلك أيامها..
3
كانت السيارة تنزلق بسلاسة عبر الطرقات المتجمدة، تتجه نحو ضواحي روبلوفكا، حيث تقع الفلل الفاخرة والنخبة الروسية التي تفضل العزلة بعيدًا عن صخب المدينة...
منزلها هناك، بعيد عن الضجيج، محاط بأشجار الصنوبر المغطاة بالثلج، يختفي بين الظلال كما لو أنه جزء من المشهد الأبيض الممتد بلا نهاية..
2
السيارة التي كانت تقلها لم تكن عادية؛ مرسيدس مايباخ S680، سوداء اللون، أنيقة بقدر ما هي حصينة...
6
زجاجها معتم، مدرعة ضد الرصاص، مجهزة بأحدث وسائل الأمان...
1
بداخلها، كان الجو مختلفًا تمامًا عن البرودة القاسية في الخارج...الحرارة موزعة بعناية، والمقاعد الجلدية الفاخرة دافئة تحتها، تشعرها ولو مؤقتًا أنها بعيدة عن قسوة الطريق والوجوه التي تنتظرها في كل محطة...
على الطاولة الصغيرة أمامها، كان هناك كوب قهوة أسود، بخاره يتصاعد ببطء، ناشرًا رائحته الغنية في المقصورة... وضعت يدها حوله، تمتص حرارته، بينما عيناها تحدقان عبر الزجاج الأمامي، تتابع الطريق كما لو كانت تبحث عن شيء بين الضباب...
لم تكن بحاجة إلى النظر إلى هاتفها، فالرسائل لن تتوقف عن الورود، والمكالمات ستتراكم كما يحدث دائمًا بعد كل قضية من هذا النوع... لكنها الليلة لم تكن كأي ليلة...هناك شيء ما تغير...
ضغطت بأطراف أصابعها على حافة الكوب، وأخذت نفسًا عميقًا، قبل أن تهمس لنفسها بصوت بالكاد يُسمع وسط هدير المحرك:
"لماذا الوحدة 716 ؟!"
9
السؤال لم يكن موجّهًا لأحد، لكنه ظل معلقًا في الهواء، تمامًا كما بقيت آثار إطارات السيارة على الجليد خلفها، تمتد كخيوط غير مرئية نحو ماضٍ لم تنجُ منه بعد...
لماذا الآن؟ لماذا هذه القضية بالذات؟ ولماذا ذلك الرجل العسكري الذي لم تفهم بعد ما يريده منها؟...
أشجار الصنوبر العالية اصطفّت على جانبي الطريق المؤدي إلى حيّها الراقي في روبلوفكا، حيث كانت المنازل الهادئة محاطة بسياج من الخصوصية والأمان...
بعض الأهالي كانوا يحزمون أمتعتهم استعدادًا للسفر إلى مناطق التزلج، حيث سيكون الطقس مثاليًا بعد ساعات..
آخرون، مثلها، كانوا عائدين من أعمالهم، أبواب المرائب تُفتح لتبتلع سيارات أصحابها، وأضواء المنازل تضيء واحدة تلو الأخرى مع اقتراب المساء..
لكن الفرق الوحيد بينهم وبينها كان صارخًا..
كانوا عائلات-آباء يحملون حقائب أطفالهم، أمهات يضحكن بينما يزيلن الثلج عن المداخل، أطفال يركضون بمرح، يتركون آثار أقدامهم الصغيرة على المسارات البيضاء...
أما هي، فقد كانت وحيدة...وحيدة طوال السنوات الأربع الماضية....وحيدة في منزل كبير لا يلائم إلا العائلات، لكنه لم يعرف سوى خطواتها الهادئة وظلالها التي تتحرك بين جدرانه...
7
حين عبرت بوابة منزلها، لم تكن هناك يد تلوّح لها من النافذة، لم يكن هناك أحد يسألها كيف كان يومها...
2
كان المنزل شامخًا، مظلمًا، جامدًا كقطعة ثلج منحوتة بعناية....
تصميمه كان حديثًا، واجهته الزجاجية العريضة تعكس أضواء الحي الباهتة، بينما الأشجار المحيطة به تخفيه عن العيون المتطفلة..
باب خشبي داكن، درج رخامي، ومساحات شاسعة من الفراغ تنتظر أن يُملأ بشيء أكثر دفئًا من الصمت..
ترجّلت من السيارة، وخطت عبر الممر الحجري المغطى بطبقة رقيقة من الجليد، مفتاحها بين أصابعها الباردة....
عندما فتحت الباب، استقبلها السكون نفسه الذي اعتادت عليه...حرارة التدفئة المركزية بدأت تتغلغل في جسدها، لكنها لم تستطع تبديد الفراغ في صدرها...
المنزل من الداخل كان أنيقًا، بلمسات من الخشب والزجاج، جدرانه مزينة بألوان هادئة لا تحمل أي دفء حقيقي...
رائحة خفيفة من الفانيليا والخبز المخبوز حديثًا كانت تتسلل من المطبخ، بقايا من آخر مرة حاولت فيها الهروب من أفكارها بالعجن والخبز...
1
كلما اشتدت الوحدة، لجأت إلى المخبوزات، وكأنها تحاول أن تملأ الفراغ بشيء تستطيع لمسه وتذوقه..
6
خلعت معطفها، أسندت حقيبتها على الطاولة الرخامية في المدخل، ثم وقفت هناك للحظة، تنظر إلى الفراغ حولها...
هذا المنزل لم يكن مجرد مكان تعيش فيه، بل كان قوقعتها، حصنها ضد العالم... لكنه أيضًا كان تذكيرًا دائمًا بأنها بمفردها..
1
مرت أصابعها على سطح الطاولة، وشعرت بالبرودة تتسلل إلى أطرافها رغم دفء المنزل..
في زاوية الصالة، كان هناك رف مليء بكتب القانون، ملفات القضايا، دفاتر ملاحظات مليئة بمرافعات لم تُقرأ إلا في المحاكم...
عالمها كان هنا، بين هذه الجدران، بين الصفحات، بين القوانين والمرافعات، وليس خارجه...
عبرت الصالة بخطوات بطيئة، صوت كعب حذائها يرن بخفوت على الأرضية الرخامية، يعكس الصمت المطبق حولها..
المكان كان هادئًا إلى حد يبعث على الغرابة، كما لو أنه ينتظر صوتًا آخر يكسره...لكن لم يكن هناك أحد..لم يكن هناك أحد منذ سنوات غيرها..
1
صعدت الدرج الرخامي الواسع، الدرابزين الخشبي الأملس تحت أناملها الباردة، والنور الخافت المنبعث من الأضواء المثبتة في الجدران يرسم ظلالًا ناعمة على السقف...
كان المنزل كبيرًا عليها، مساحة فارغة تتردد فيها خطاها بلا صدى حقيقي...حين وصلت إلى الطابق العلوي، عبرت الممر المؤدي إلى غرفتها..
فتحت الباب، ووقفت للحظة تتأمل المكان كما لو أنها تراه لأول مرة..
غرفتها كانت انعكاسًا لشخصيتها..هادئة، مرتبة، ومليئة بالتفاصيل التي لا تبوح بشيء...
الجدران بلون رمادي دافئ، الأثاث أنيق بألوان ترابية، وسرير عريض مغطى بأغطية من الكتان الأبيض الناعم، مرتبة بعناية لم تمسها الفوضى يومًا...
ستائر طويلة تحجب عن نوافذها مشهد الليل البارد، لكن خلفها كانت المدينة نائمة تحت غطاء من الجليد، والنجوم تلمع بخفوت في السماء القاتمة..
خلعت ساعتها وأساورها، وضعتها على الطاولة بجانب سريرها، ثم توجهت مباشرة إلى الحمام..
كان الحمام واسعًا، بأرضية من الرخام الأبيض، وجدران مزينة بلمسات من الخشب الداكن..
في إحدى الزوايا، حوض استحمام عميق، بجواره رفوف زجاجية مرتبة بعناية، مليئة بقوارير الزيوت العطرية والصابون الفاخر...فتحت الصنبور، وبدأ الماء الدافئ يتدفق، البخار يتصاعد ببطء ليملأ المكان بضباب خفيف..
خلعت ملابسها قطعة بعد أخرى، حتى لم يبقَ بينها وبين انعكاسها في المرآة سوى الهواء..
نظرت إلى نفسها للحظة، إلى الإرهاق المرسوم على وجهها...لم تكن تتجاوز الثلاثين بعد، لكنها شعرت في تلك اللحظة وكأنها تحمل أعباء عمر كامل..
4
خطت إلى داخل الماء الساخن، شهيق طويل وهي تغمر جسدها بالكامل، الحرارة تتسلل إلى عظامها المتعبة، ترخي توتر الأيام الماضية، تمحو آثار البرد الذي التصق بها منذ خرجت من المحكمة...
أغلقت عينيها، استسلمت لذلك الدفء الذي لفها، لكن عقلها لم يهدأ...
بعد وقت بدا وكأنه لحظات طويلة، فتحت عينيها ببطء، ثم رفعت يدها لتدفع خصلات شعرها الأشقر المبلل عن وجهها...
نهضت من الماء، قطرت المياه تنزلق على بشرتها مع كل حركة، وبخار الحمام يلف جسدها كعباءة شفافة...
التقطت منشفة بيضاء، لفتها حول جسدها بإحكام، ثم خرجت إلى غرفتها، حيث سحب البرد بقايا الدفء من بشرتها بمجرد أن لامست قدماها الأرضية الخشبية الباردة..
ارتدت سروالًا منزليًا من الكشمير الرمادي الناعم، وقميصًا قطنيًا فضفاضًا بأكمام طويلة، يعانق جسدها برفق.. نشفت شعرها سريعًا بمنشفة أخرى، ثم تركته لينسدل بحرية على كتفيها، لا حاجة لتصفيفه الليلة..
تقدمت نحو النافذة، أبعدت الستائر قليلًا، نظرت إلى الشارع الهادئ تحتها... السيارات متوقفة، بعض النوافذ لا تزال مضاءة، وبعضها غارق في الظلام...
عائلات في الداخل، يجتمعون حول مائدة العشاء، يضحكون، يتبادلون الأحاديث... بينما هي هنا، تقف وحيدة في غرفة واسعة، بين جدران لا تعرف سوى صدى أفكارها..
أضاء هاتفها على مرتبة السرير، وامتلأ ضوء الشاشة بوهج بارد وسط العتمة الدافئة في غرفتها..
لم تكن بحاجة إلى النظر لترى من المرسل، فقد اعتادت هذا النوع من الإشعارات، اعتادت أن يكون هاتفها بوابتها الوحيدة إلى العالم الخارجي؛ لكن ليس إلى اي قريب بعيد..
قضية اليوم...
قضايا قادمة...
قضايا مضت، وما زالت تطاردها من بعيد...
لم يكن هناك احتمال آخر، لم يكن هناك رسالة من والدتها تسأل إن كانت قد أكلت شيئًا دافئًا هذا المساء..
لم يكن هناك اتصال من والدها يسأل ببرود عن أخبار عملها، أو حتى رسالة خاطفة من أصغر أخواتها تتظاهر بأنها أرسلتها عن طريق الخطأ...
ولا من أبناء عمومتها، ولا من أي قريب بعيد قد يتذكر أنها لا تزال تحمل اسم العائلة، حتى لو كان ذلك مجرد بقايا رسمية في وثائق لا يهتم بها أحد..
لقد قطعت الحبال بنفسها، منذ أربع سنوات، عندما اختارت طريقًا لم يكن مسموحًا لها بالسير فيه...
كان والدها قد جعل موقفه واضحًا منذ اللحظة الأولى، وحين وقّعت على ذلك الزواج، لم تكن تخسر رجلاً فقط، بل كانت تخسر عائلة بأكملها..
10
حملقت في الهاتف، لم تتحرك لتمسكه، وكأنها تتحدى الرسالة أن تذهب وحدها كما جاءت...
لكن الضوء استمر في الوميض، ينبض بإصرار، يذكّرها بأن العالم لم يتوقف عن الدوران، حتى لو كانت وحدها في هذه الغرفة...
زفرت ببطء، ثم مدّت يدها وأخذت الهاتف أخيرًا..
ضغطت على الشاشة، وظهرت الرسالة أمام عينيها، لم تتفاجأ بالمحتوى، كان كما توقعت؛ تحديثات حول القضية، مستندات جديدة، اجتماع محتمل مع طرف ثالث لم يُكشف عن هويته بعد...
أمور كان عليها التعامل معها غدًا...
لكن ما لم تتوقعه، كان هناك اسمٌ جديدٌ ظهر بين السطور...
عيناها ركزتا تلقائيًا على اسم المرسل:
"إيليانو .."
تجمدت أناملها للحظة فوق الشاشة، قبل أن ينعقد حاجباها ببطء...
لم يكن الاسم متوقعًا، لكنه بالتأكيد لم يكن الاسم الذي خشيت رؤيته..
ضغطت على الرسالة، وظهر محتواها، بسيطًا، طفوليًا، لكنه استطاع أن يشق ابتسامة صغيرة على شفتيها المقتضبتين..
"جليلندون! كنت في مكتبك اليوم، لكنك لم تكوني هناك... اشتقت إليك! ومخبوزاتك! لماذا لا تعودين لتخبزي لي فطائر التفاح؟ أعدك أنني لن أترك أي فتات هذه المرة.... !"
تبع النص وجه تعبيري عابس، وكأن الصبي يحاول أن يجعل رسالته أكثر تأثيرًا..
زفرت جليلندون، هزّت رأسها بخفة، لكنها لم تستطع أن تمنع الدفء الذي زحف إلى صدرها..
إيليانو..
الصبي الصغير الذي لم يكن له يد في أي شيء، لكنه بطريقة ما وجد طريقه إلى حياتها، رغم العاصفة التي اجتاحتها قبل سنوات...
كان ابن أخت زوجها ، طفلًا لم يكن قد تجاوز العاشرة، لكنه كان يمتلك من الجرأة والعفوية ما يكفي لإذابة الجليد حولها، ولو للحظات قصيرة..
6
تذكّرت كيف كان يزورها في مكتبها بين الحين والآخر، يتجول بين أروقة شركتها كما لو أنها مملكته الصغيرة، وكيف كان ينظر إليها بعينيه الواسعتين، مليئتين بالبراءة التي لم تشوّهها قسوة العائلة التي ينتمي إليها...
تذكرت أيضًا ولعه بمخبوزاتها، كيف كان يسرق قطع البسكويت قبل أن تبرد، وكيف كان يبرر ذلك بعبارات طفولية محاولًا الدفاع عن نفسه..
عندما عاشت معه في قصر العائلة الكبير لمدة أسبوع زفافها..
لكن الليلة، كان طلبه بسيطًا... فقط فطائر تفاح، ووجودها...
تنهدت، ومسحت على شاشة الهاتف بإبهامها... فكرت للحظة فيما يجب أن ترد به، لكنها في النهاية كتبت ببساطة:
"سأعوضك عنها قريبًا.. وعد.."
ضغطت على الإرسال، ثم وضعت الهاتف جانبًا..
قد لا تكون أمسيتها كما توقعتها، لكنها على الأقل لم تكن تمامًا كما خشيت أن تكون، بعد هذه الرسالة البسيطة..
سحبت حاسوبها المحمول من الطاولة المجاورة...بعينين مثقلتين بالإرهاق، التقطت أيضًا ملف القضية، القضية رقم 746: الاتحاد الروسي ضد جلوبال ترايدينغ..
كان هذا هو الملف الذي استحوذ على كامل انتباهها في الأسابيع الأخيرة...
قضية تتشابك فيها السياسة والاقتصاد والقانون، حيث لم يكن القانون سوى خيط رفيع تحاول السير عليه دون أن تنحاز لأحد؛ أو بالأحرى، دون أن تكشف لمن انحازت فعلًا...
فتحت الحاسوب، أضاءت الشاشة بلونها الأزرق الباهت، وظهر أمامها البريد الإلكتروني الذي تبادلته اليوم مع محامي شركة جلوبال ترايدينغ..
شركة تجارية ضخمة بواجهتها القانونية النظيفة، لكن تحت السطح كانت هناك قضايا تهريب وصفقات مشبوهة تثير شهية السلطات...
كانوا أقوياء، لديهم المال والعلاقات، لكنهم الآن تحت الأضواء، وكل خطوة خاطئة قد تكلفهم أكثر مما يمكنهم دفعه..
لكن جليلندون لم تكن هناك لكشف الحقيقة، على الأقل ليس كلها...
1
لم تكن محامية شريفة، لم تكن من ذلك النوع الذي يبحث عن العدالة المطلقة أو يسعى لإنقاذ العالم من الفساد...
القانون بالنسبة لها لم يكن سوى أداة، مجرد وسيلة لتحقيق النفوذ، لتوجيه المسار حيث تريد، ولحماية من يحتاجون الحماية؛ أو بالأحرى، من يدفعون ثمنها..
مررت أصابعها فوق سطح الملف، ثم فتحته، تفحصت الأوراق السرية التي ستكشف عنها في اجتماع الغد...
كيف وصلت الشحنة المشبوهة إلى الحدود العسكرية؟..
كان هذا هو السؤال الحقيقي...
شحنة بضائع كان يفترض أن تمر عبر الموانئ التجارية، لكنها انتهت على مقربة من منشأة عسكرية محظورة، محملة بمواد لا ينبغي أن تكون في يد أحد...
لم يكن واضحًا بعد من كان وراء هذه العملية؛ ما إذا كانت جلوبال ترايدينغ نفسها متورطة، أم أن هناك طرفًا آخر سعى لاستغلال خطوط الشحن الخاصة بها كغطاء..
غدًا، ستجلس أمام أعضاء الشركة، ستراقب تعابيرهم وهم يحاولون تبرير كيف أن بضائعهم كادت تتحول إلى أزمة أمنية دولية...
لكنها لن تكون هناك لتدينهم، بل لتفهم أين يمكنها المناورة، وكيف يمكنها توجيه القضية لصالحها بما أنهم عملائها...
تنقلت أنامل جليلندون بين صناديق البريد الإلكتروني، تتصفح رسائل القضايا العالقة، تقرأ بسرعة بين السطور، تبحث عن أي تحديثات تستدعي انتباهها...
كانت معتادة على هذا الروتين، على قراءة التقارير الرسمية الباردة، على التعامل مع محامين ومسؤولين يتحدثون بلغة العمل المجردة من أي انفعال..
لكن فجأة، توقفت أصابعها..
نقطة حمراء صغيرة..
ظهرت فوق صورة بريدها الشخصي، الحساب الذي بالكاد تتفقده، والذي لم يكن يعرفه سوى قلة قليلة..
رفعت حاجبها، فضغطت على أيقونة الحساب، وانتقلت إليه...
رسالتان غير مقروءتين...
المرسل: "إيكاترينا فولكوف.."
اسم ثقيل استقر على شاشتها، استقر في عقلها مثل صدى قديم.. شقيقتها الأكبر منها...
لم تكن تتوقع رسالة منها، ولم تكن متأكدة مما عليها أن تشعر به حيال ذلك...
إيكاترينا كانت مثل والدها، نسخة منه بكل تفاصيله، بنفس نظرته الصارمة، بنفس طريقته المتغطرسة في رؤية العالم من منظور النجاح والفشل فقط..
والدها، سيرجي فولكوف، لم يكن مجرد رجل ذو نفوذ، بل كان رئيس وزارة الصحة الروسية، فردًا من عائلة طبية امتدت أجيالها في هذا المجال...
4
في منزلهم، لم يكن هناك مكان للضعف، لم يكن هناك مكان للأحلام الشخصية، كان كل شيء يدور حول الإنجازات، حول الألقاب التي تزين الوثائق الرسمية، والشهادات التي تُعلّق على جدران المكاتب اللامعة..
أما جليلندون؟ فقد خرجت عن القاعدة.. و تبعت حلم من أحلامها الذي إعتبره سيرجي فولكوف تمرداً..
فتحت الرسالة الأولى، وعيناها تقرأان السطور الجافة، لكنها رغم جفافها، كانت تحمل ما يشبه الخيط الخفي من الاهتمام..
"جليلندون، أتمنى أنك لا تزالين على قيد الحياة وسط تلك القضايا التي تملأ مكتبك...لا أتوقع منك الرد، لكنني أرسلت هذه الرسالة على أي حال.. مر وقت طويل منذ أن سمعنا منك، ووالدتي تتساءل أحيانًا، وإن لم تقل ذلك صراحةً... أما والدي، فكما تعلمين، مشغول جدًا بما هو أكثر أهمية.."
8
ابتسمت جليلندون بسخرية، هزّت رأسها بخفة...
هذا أسلوب إيكاترينا، اهتمام مغلف ببرود، كلمات محايدة لكنها تخفي معاني أعمق... حتى حين تحاول أن تكون لطيفة، لا تستطيع أن تتخلى عن حذرها..
فتحت الرسالة الثانية...
"وصلتني أخبار بأنك تعملين على قضية دولية معقدة... أنتِ دائمًا ما تختارين أصعب الطرق، كما هو متوقع.. على أي حال، لا تهلكي نفسك، وأتمنى أن لا يكون لديك الكثير من الأعداء هذه المرة..."
5
أعداء؟ ابتسمت جليلندون مرة أخرى، لكن هذه المرة، كان في الابتسامة ظل تفكير عميق...
لو عرفت إيكاترينا الحقيقة، لو علمت حقًا بما يجري خلف الكواليس، هل كانت ستظل ترسل هذه الرسائل أم أنها كانت ستحذرها بدلاً من ذلك؟..
أغلقت البريد الإلكتروني، وألقت نظرة خاطفة على انعكاسها في الشاشة السوداء...
للحظة، رأت في ملامحها لمحة من عائلتها؛ تلك الصلابة، ذلك الثبات الذي لم يعد بإمكانها إنكاره...
لكنها لم تكن مثلهم تمامًا، ولن تكون...
الفرق الوحيد؟..
أنها لم تكن تخشى الاتساخ في الطريق إلى القمة...
أغلقت الحاسوب ببطء، نظرت إلى الشاشة للحظة، ثم دفعته جانبًا وأعادته إلى مكانه المعتاد على الطاولة. لم تكن ترغب في التفكير أكثر، لا في القضية، ولا في رسالة إيكاترينا، ولا في تلك الخيوط التي بدأت تتشابك حولها من جديد...
التقطت هاتفها ونهضت، عازمة على النزول إلى المطبخ... شعرت بحاجة إلى قهوة أخرى، أو ربما إلى شيء يملأ هذا الفراغ البارد الذي يحيط بها...
لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، اهتز هاتفها في يدها، وظهرت إشعارات جديدة...
إيليانو : "حقًا؟ ستعوضينني؟! رائع!"
كان الرد يحمل حماسته المعتادة، لكن ما لفت انتباهها أكثر كان وجود مقطع صوتي...
توقفت في منتصف الطريق، وضغطت على التشغيل...
في اللحظة التالية، ملأ صوت طفولي متحمس أجواء غرفتها الهادئة:
"جليلندون! الخميس القادم ستبدأ بطولة الهوكي لأرتيوم! هل ستأتين؟ أرجوكِ! إنه مهم جدًا! يحتاج لتشجيعك... وكعكة التفاح! لا تنسي كعكة التفاح! أقسم أنني سأساعده على الفوز إن أحضرتها!"
4
ضحكة صغيرة خرجت منها رغمًا عنها... تخيلت إيليانور وهو يرسل هذه الرسالة بكل إصراره الطفولي، وكيف أنه حتماً يضغط على هاتفه بلهفة، منتظرًا ردها كما لو كان هذا الطلب مسألة حياة أو موت...
أما أرتيوم...
رجل أخر من رجال عائلة كوزوسوف...
كانت قد رأته مرة أو مرتين..
لاعب هوكي، لم يكن مجرد فرد آخر في هذه العائلة المعقدة...
1
رجل هادئ، بارد، كتوم، تمامًا كما هو متوقع من شخص يحمل هذا اللقب... لم يكن يستجدي اهتمام أحد..
بل كان ظلاً صامتًا، حاضراً دائماً دون أن يُسمِع صوته، مثل بقية رجال عائلة كوزوسوف..
لم تلتقه سوى مرة واحدة، يوم زفافها، ولم يكن ذلك لقاءً فعليًا...
كان يقف هناك، بهدوء مبالغ فيه، يراقب المشهد بصمت، ملامحه مغلقة تمامًا مثل والده، مثل شقيقه، مثل كل رجل ينتمي لهذه العائلة...
4
بعد ذلك، اختفى تمامًا وسط جليد موسكو وصالات الهوكي، ولم تفكر فيه منذ ذلك الحين...
. . . .
🎬🎬🎬🎬🎬🎬
(يتبع.....