📁 آخر الروايات

رواية احفاد الثعلب الفصل التاسع عشر 19 بقلم شريهان سماحة

رواية احفاد الثعلب الفصل التاسع عشر 19 بقلم شريهان سماحة


الحلقة التاسعة عشر

حمدت الله أنها استطاعت أن تهرب قبل أن تتدبس في تلك المصيبة حقا ً..

وأي مصيبة أنها الكارثة بعينها أن تذهب أليه وتطلب له صورة !!

" يا إلهي حتماً كنت سأصاب حينها برعاش قوي في كامل جسدي .. وقد أسقط أرضا قبل التفوه بحرفٍ واحد "

من الجيد أنها استطاعت بأستخدام عقلها الخروج نوعا ما من ذلك المأزِق بوعد ليس بالأكيد حتي لا تتشكك شقيقتها بطبيعة العلاقة بينهم .. بأنها لو استطاعت أن تلتقط له صورة في أحدي الأيام حين ينتهي من أشغاله العميقة .. ستلتقطها علي الفور دون تردد فقط تمهلها للأيام ..

هبطت للأسفل بعد أن أنهت تلك المكالمة بمباركة قدوم شهر رجب المبارك شاكرة شقيقتها لتذكرها بذلك الأمر في هذا الجو المشحون بالبرود علي غير عادات شوارع بلادها في مثل ذلك الوقت ..

استدارت براسها تبحث عن ذلك العجوز الصامت الذي يرمقها في الخفاء بنظرات مريبة وقلقة ..

ولكن تعجبت لعدم وجوده في البهو كحال كل يوم .. ظلت تدخل بعض الغرف المحدودة بالجوار وتخرج منها باندهاش جلي تستغرب أختفائه المفاجئ .. عقدت ذراعيها امام صدرها في ضيق إلي أن تذكرت مطبخ القصر الذي لم تخطوا إليه مرة واحدة منذ بداية قدومها إلي هنا ..

فاسرعت تدخل ذلك الممر المتخفي بجانب البهو .. تخطوا به بنظرات متفحصة إلي أن شاهدت في وجهها غرفة شاسعة المساحة بها جميع أمكانيات الطبخ الحديثة يتوسطها طاولة كبيرة نوعا ما لتحضير الطعام و… و... و ذلك العجوز ساقطاً أرض بجوارها !!!

يا الهي !

قالتها بذهول وهي تهرع اليه تتفحصه بكل مشاعر القلق التي تملكت من جسدها في الحال ..

حمدت ربها أنه به نبض .. لا وبدأ يفيق أيضا من حالته المغيبة نوعا ما .. فاسرعت تهتف علي الفور عند هبوطها بركبتيها علي السطح الأملس بجواره :

- هل أنت بخير !

استعاد وعيه جزئيًا هاتفاً بوهن في صوته :
- أجل أصبحت بخير ..

- هل أنت مريض ؟!

- ليس بالأمر الأكيد ..

- ولكن لماذا سقط مغشي عليك أذا ..

- فقط بعض الأغماءات ليس أكثر ، قد تكون ناتجة عن كبر العمر ..

- يبدوا أنها تكررت معك كثيرا .. هل تفحصك طبيب من قبل ؟!

- كلا ..

- أذا لا تفتي أيها العجوز ولابد أن تستريح .. هل تستطيع النهوض أم أساعدك !

- كلا أستطيع مساعدة نفسي ..

- أذا أنهض .. واخرج استرح بالخارج علي أحد المقاعد وأنا سأتي علي الفور ولا تقلق إذا تأخرت ..

راقبته بحذر وخوف ما أن نهض معتدل يعيد توازنه ببطئ الي أن خرج وأبتعد من أمام عينيها ..
فاتجهت للبراد تبحث عن ما يمكن إيجادة لمساعدتها لأعداد وجبة صحية تُغذيه في حالة هبوطه تلك ..

بعد مرور بعض الوقت خرجت عليه تحمل بين راحة يديها حامل طعام يتوسطه طبق عميق قائلة بابتسامة هادئة :
- أعدت لك بعض الشوربة الدافئة التي تعيد نشاطك ..

نظر لما بين يداها بذعر وريبة وعت له جيدا عندما وضعت الحامل علي طاولة مباشرة لجلسته ..

فهمت علي الفور بما يدور بذهنه فقالت بدهاء يتوارى خلف نبرة صوتها البلهاء :

- ارجوك تذوقه فأنا أعددته من أجلك أم أنت خائف !..

تلجلج صوته ليخرج بتقطع أثناء نفيه بشجاعة مزيفة لجملتها :
- ولما س ..أاااخاف .. س .. سأتذوقه بالطبع ..

وما أن أقحم المعلقة بأطراف كفه المرتعشة في الحساء حاملا بعض منه ، ومن ثم رفعها باتجاة فمه بتردد واضح علي ملامح وجهه .. حتي أطلقت " هنا " صوت قوي مرددة من بينها بذعر جلي :
- لا تشرب ذلك الحساء فأنه به سمٌ قاتل .. وقد يكون به حزامٍ ناسف أيضًا !!!!

علي أثر سماع جملتها ليتأكد له ما في ذهنه أنتفض جسده بتوجس مريب .. تاركًا المعلقة تسقط علي ملابسه بذعر أشد .. بل ويفوق ذعرها المصطنع ألاف المرات ..

ذلك المشهد كفيل بأن يجعلها تطلق عدة ضحكات متواصلة ، وهي لا تصدق أن الخوف منها ومن شبيهها يصل إلي ذلك الحد عند الأمريكان !!

تطلع بعد برهة لضاحكتها ولحالته مستوعباً ذلك المقلب الذي فعلته به تلك الشقية ، فجلس مرة أخري ضاحكاً وهو لا يصدق بأن خوفه كان مكشوف لتلك الدرجة .. لكي تجعل فتاة بروحها الطفولية تفوز عليه بعقلها صاحب الدهاء الشديد ..

إلا أنها حين تطلعت له من وسط ضحكاتها حتي بترتها مردده باندهاش :
- أيها العجوز أنت تضحك مثلنا !!

هتف بنبرة ضاحكة :
- ألست بشر مثلك ؟!

زوت شفتاها بضيق وقالت :
- بدأت أشك أن ما في ذلك القصر بشر مثلنا ..

فقال لها بإصرار :
- لا تحكمي عليه قبل أن تعرفي ما يحوط به !!

تعجبت من مغزي جملته ، فاسرعت تهتف بفضول :
- وهل أنت تعلم ما يحوط به ؟!

أجابها برفض مؤكد :
- لا .. لا يجوز لي التحدث طالما صاحب الشأن لم يفصح به بعد !!

أصابها خيبة أمل ، ولكن إصرارها لم يجعلها تستسلم حين قالت بشغف :
- حدثني عنه ؟! حضرت طفولته وتعايشت مع عمي جلال فأنا لست بغريبة أنا ..

أجابها بهدوء :
- ابنة عمه وزوجته !

انفرجت شفتاها بتعجب فهتفت بنبرة بلهاء :
- هل تعلم بالامر !!

أجابها بالإيجاب :
- نعم ! .. بل وأنا من أقنعته طوال الأربع سنوات بضرورة العودة لموطنه والتواصل مع جده .. نفذ الأخير بعد عناء ولكن الأول رفضه بشدة ، إلي أن أتي لي غاضب ذات يوم وأخبرني بذلك الزواج الأجباري الذي وضعه به جده مما ترتب عليه قطع صلته به مرة أخري .. كان حينها أقرب ما يكون لأسد هائج .. استطاعت ترويضه ولكن لم أستطع في الأربع سنوات التالية لتلك الواقعة بأن أعدله عن قراره للتواصل معه .. إلي أن أتصل بي ذات يوم من عمله يخبرني بموته ورسالته وضرورة أحضارك .. ترجيته بقوة أقرب ما يكون إلي التوسل بأن يجعلك تحضرين ..

هتفت بتعجب جلي :
- لماذا ؟..

طأطأ رأسه قائلا بحزن عميق :
- لأنني كبرت وطالت سنوات عمري وسيصبح وحيداً من بعدي فأردت له رفيقا من دمه بعد موتي ..

- أطال الله في عمرك ..

- أشكرك .. ولكن هذه هي الحياة ..

ثم هتف بنبرة مرحه :
- ولكني صدمت من لباسك فهذا لم يكن في الحسبان ..

ضحكت لبرهه حتي أنتهت قائلة بتمعن :
- يبدوا لي بأنك تحبه كثيرًا !!

- أكثر من نفسي فطالما هو بالنسبة لي الأبن الذي ليس من صلبي ..

ثم راوده الشرود للماضي قائلا بصوت مسموع :
- " كريس " تلقيطه بين ذراعي من سيدي جلال وهو مبتسما مسرور حين رأه لأول وهله بعد ميلاده .. كبر ومرح في تلك اليد .. كان لا يأتمن أحد عليه إلا انا حتي عندما يغادر لمسقط رأسه في اجازته السنوية .. كان يكثر من توصياته لي أنا فقط .. تعلقت به وتعلق بي حتي في ذلك الوقت الذي واجهت فيه المصاعب وغادرت مسكنهم .. لم ينساني .. وأرجعني في ذلك القصر ولم يقوم بتوظيف أحد إلا أنا لخدمته حتي الطعام .. أنا الذي أعده له بنفسي .. فقط عاملين التنظيف يأتون كل أسبوع لنظافة القصر ومن ثم المغادرة علي الفور .. ويجب أن أقف فوق رؤسهم خلال تلك المدة !!

كل كلماته يحتويها الغموض ولكن تجاهلته جميعا قائلة باندهاش :
- من كريس ؟!!

قال بارتباك :
- هل قلت كريس ! يبدوا أنني كبرت حقاً وأصابني الخرف !!

رمقته بتعجب ثم قالت بهدوء يحتويه الفضول :
- ووالدته !!

توترت ملامحه قائلا بارتباك أشد :
- توفت منذ عدة سنوات .. وفي صغره كانت تنشغل كثيرا ..

- في ماذا ؟!

نهض من جلسته علي الفور ما أن تحول الحوار لوالدته ، قائلاً باضطراب واضح :
- لا أعلم فيجب أن أنهض حتي أعد طعام الغذاء فموعد قدومه قد أقترب ..

تفحصت حالته المفاجأة محدثه نفسها بشرود " يبدوا لي بأن ذلك العجوز مازال يحمل أسرار في جعبته .. إذا فهذا القدر يكفي إلي حد الجيد و يجب الصبر "

قطعت شرودها قائلة بتفهم :
- ولكنك مريض !!

أجابها بإصرار :
- سأحاول فهو لا يأكل إلا من يدي ..

فقالت بترجي :
- لماذا لا أعده بدلا منك ..

أجابها برفضٍ تام :
- كلا سيرفض وسيغضب حتما مني ..

أصرت قائلة :
- لا تخبره !

هتف بتعجب :
- ماذا !!

نهضت علي الفور ما ان شعرت بتردده قائلة بوضوح :
- فقط لا تخبره وأنا سأعده في الخفاء ، فأنا مللت الجلوس حقا غير أنك متعب جدا ولا يجوز أجهاد نفسك في هذا العمر اكثر من ذلك ..

---------------------------

حل المساء وأقترب موعد قدومه في حين تم تجهيز طعامه من جانبها علي أكمل وجه في ظل مراقبة وأشراف العجوز علي ما تعده أثناء جلوسه علي أحد المقاعد بجوارها يملي عليها ما يحبه وما لا يحبه .. ممتنه له كثيرا بأنه تركها تحضر إحد الاطباق الشرقية بلمسات أمريكية .. متمنيه أن ينول أعجاب الغامض ..
ضحكت مع نفسها بتلك المصطلحات التي تطلقها عليه كل حين وأخر .. أه لو يعلم لكان نفخ بها بكل قوته دون ترك أي أثر لها ..
حمدت الله أنه لم يعلم وأنه سرها…
لتهتم الأن بتحضير الطاولة ومن ثم الأختباء قبل أن يصل ..

رأت العجوز ينهض من جلسته فسألته علي الفور بقلق :
- إلي أين ؟!

فقال مبتسماً :
- إلي غرفة " الَي " .. لتحضير ملابسه ..

ثم شرع يشرح لها ما يفعله بهدوء وتمعن أستغربتهُ هي نفسها ..

ما هي إلا نصف الساعة وحضر " علي " فاستقبله العجوز بابتسامة هادئة بالتحية فبدالها " علي " بالمثل مع ابتسامة صافية لا تخرج إلا له هو فقط ..

ابتسامته جعلتها تفغر فاهها باندهاش وهي تحدث نفسها في ظل مراقبتهما من خلف ستائر الممر الجانبي لغرفة تحضير الطعام ..
" القاسي بيبتسم زينا يا ولاد .. يا ماشاء الله يا ماشاء الله "

إلا أنها انتبهت لموقعها فاسرعت تتوارى أكثر عن عينيه .. لتشاهد مغادرته للأعلى ومن ثم أقتراب العجوز لموقعها فانتظرت حتي أقترب بشدة ثم هتفت بهمس شديد :
- أين هو ؟!

- صعدَ ليتسحم أولا ومن ثم تغير ملابسه فهي عادته كرياضة الصباح مثل ما أخبرتك من قبل !

ضربت جبينها براحة كفها قائلة بأسف :
- أعذرني فلقد نسيت ..

تغيرت ملامح وجهه دون أدراك مقتربٍ منها قائلا بتحذير صارم :
- لقد أخبرتك لكي تتذكري .. لا أن تنسي .. !!

اندهشت من انقلاب حالته في أقل من الثانية مع ضغطه القوي علي جملته تلك ..

فتجرعت ما في حلقها باضطراب ثم قالت بلامبالاة مصطنعة :
- مالي وماله .. لا شأن لي به !!

هز رأسه قائلا بحزن شعرت به :
- لن تدوم الأيام هكذا طويلا !!

ثم صار من أمامها للخارج لاقتراب موعد هبوطه ، في حين هي تخبتطها الحيرة من أفعاله بشدة اليوم !!

لتزداد حيرتها ضاربة بها عرض الحائط عندما هبط ذلك الغامض مشيدا بتجلي لطبق اليوم في عبارته التي سمعتها جيدا :
- أراك أيها العجوز تفوقت علي نفسك في الكبر .. الطعام أكثر من رائع ..

أجابه العجوز بابتسامة بشوشة :
- أشكرك بني !

- من أين تعلمته ؟!

أجابه بارتباك :
- التلفاز لا يترك أحد .. وبرامج الطبخ كثيرة ..

غادر " علي " طاولة الطعام قائلا بإمتنان :
- علي كل حال الطعام جيدا وأريد أكثارك من مشاهدة التلفاز .. فهذا سيشجعني بأن أعمل هنا وأتي بجاك المسكين يتذوقه يوماً .. وترحمه من الطعام الجاهز ..

تبادل معه الابتسامة بتوتر خفي ثم هتف علي الفور :
- سأحضرك لك كوب قهوتك السريعة ..

فبادره " علي " برفع كف يده ليحثه علي الوقوف قائلاً :
- كلا .. استرح أنت فاليوم أجهدت نفسك كثيرا وأنا سأعده لنفسي !!

لم تعي إلا لشهقه خرجت منها كرد صادم لجملته باحثه علي مخبأ من حولها .. في حين هتف العجوز بأرتباك علي عجاله وهو يخطوا بكل قوته لداخل غرفة تحضير الطعام :
- كلا لم أتعب وسأعده لك بنفسي !!

تعجب " علي " من فعله فطالما كثيرا يعده ولكن لا بأس .. أخبره أنه سيتوجه لغرفته لحين الأنتهاء ..

اطمئنت لدخول العجوز فخرجت من مخبأها من أسفل الطاولة علي وقوفه أمامها مباشرة مردداً بأبتسامته الصافية :
- بارك الرب بكِ .. الأن أطمأن قلبي !!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات