رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل التاسع عشر 19 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة.... الفصل التاسع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليست كل الضربات تأتي من الأعداء... فبعضها يخرج من حيث نظن أننا في أمان.
في ليلة ظن الجميع أنها بداية لراحة طال انتظارها، كانت الأقدار تكتب فصلًا جديدًا أكثر قسوة مما تخيلوا. فبينما انشغلت القلوب بالحب، وتحركت الأرواح نحو أحلام ظنت أنها أصبحت قريبة المنال، كانت الحقيقة تتحرك في الخفاء بخطوات هادئة لا يسمعها أحد.
يارا، التي وجدت أخيرًا الشجاعة لتعترف بما يسكن قلبها، فلم تكن تدرك أن ساعات قليلة فقط تفصلها عن اختبار قد يغير حياتها للأبد، ويجعلها تواجه خوفًا لم تعرفه من قبل.
وفي الجانب الآخر كانت الخيوط التي حركت المؤامرات طويلًا تقترب من نهايتها، لكن النهاية لم تكن كما خطط لها أصحابها.
فبعض الأسرار حين تُكشف لا تفضح الماضي فحسب... بل تقتل الحاضر أيضًا.
وبين قلب اختطفته يد مجهولة ووجوه بدأت أقنعتها تتساقط وحقيقة صادمة تستعد للظهور...
كانت الموازين كلها على وشك أن تنقلب.
فهل سيكون القادم بداية النجاة... أم بداية السقوط؟
وفي الليلة التي أختطف فيها فارس من منزله، كان ذاهبًا إلى المجهول، لا يشعر بشيء حتى فتح عينيه بثقل، وجد عدنان يجلس أمامه بشموخ، ابتسم بثقة وقال: أخيرًا إتقابلنا يا دكتور.
حاول فارس أن يستجمع قدرته على الحديث أثر تلك الضربة التي تلقاها على رأسه، ولكن هناك شيء قد تغير، نظرته تبدلت، صوته أصبح أكثر حدة وقال: وإنت عشان تقابلني لازم تعمل الحركات ديه؟
عدنان: ما أنت لازم تستوعب إنت بتتعامل مع مين، المشكلة إنك فاكرني بهزر، أنا سايبك بس عشان مش عايز أئذيك.
فارس: لا ده شكلك إنت اللي نسيت إنت بتتعامل مع مين، فوق يا عدنان أنا فارس السيوفي.
عقد عدنان حاجبيه وقال: إنت عرفتني إزاي! مش المفروض إنك فاقد الذاكرة.
فارس: بما إنك صدقت إني فقدت الذاكرة وإنت أكتر حد عارفني كويس يبقى معنى كده إن خطتي نجحت.
اعتدل عدنان في جلسته وقال: إنت بتقول إيه! إنت قصدك إنك..
فارس: أنا فاكر كل حاجة.
وقف عدنان أمامه بصدمة، ينظر إليه بعينين مشدوهة، وطرق بعقله سؤال: هل كل ما حدث كان مدبر؟
ثم قال: لأ مش فاهم حاجة. فهمني.
فارس: قبل ما أتكلم تعالى فك الحبل ده.
اقترب منه عدنان سريعًا وحل قيده، أمسك فارس يديه بألم وقال: لما حصلت الحادثة دخلت في غيبوبة، بس كنت بفوق واسمع اللي بيحصل حواليا وغصب عني مش بقدر أتحرك، ولما فوقت وبقيت قادر أتكلم افتكرت كل حاجة سمعتها طول الفترة ديه، عرفت إن عمي وعمتي أتفقو عشان ياخدو كل حاجة مني، سمعتهم بيتفقو وأنا نايم قدامهم، وسمعت الدكتور وهو بيقول إن جزء الذاكرة في المخ إتأذى وممكن أفوق بس مفتكرش حاجة خالص.
بس كل ده كان جزء من اللي كنت خايف منه، لكن اللي حصل قبل الحادثة هو اللي خلاني أمثل إني فعلًا فقدت الذاكرة.
عدنان: إيه اللي حصل.
وقف فارس وتحرك بشموخ المعتاد وقال: البضاعة ريحتها وصلت للحكومة، اللي عرفته إن فيه دكتور عندي شاف التركيبة على مكتبي، وبلغ البوليس وبدأو يعملو تحريات عني، لو كانت البضاعة طلعت وسافرت زي ما كنا متفقين كان زماني أنا وإنت نايمين في زنزانة واحدة وواخدين مؤبد.
عدنان: مين الدكتور ده؟
فارس: متقلقش، هطيره قريب بس أنا مش عايز اقربله دلوقتي عشان الحكومة متشكش فيا تاني، الحادثة خدمتني وخلت الحكومة تشيل عينها من عليا، وطبعًا عشان ده يتم كان لازم أرسم الدور مظبوط قدامهم، وده اللي حصل فعلًا.
عدنان: وابنك ده؟
فارس: هتأكد بس هو ابني ولا لأ ولو طلع ابني هستخدمه عشان العيلة النصابة ديه تقع واحد واحد، خصوصًا إني شاكك إن هما اللي بعتو حد يقتلني وراح فيها عم عبده، وده بقى بالذات حسابه عندي أنا... وهاخده.
عدنان بدهشة: أنا عمري ما شكيت في ذكائك أبدًا، بس مكنتش أتخيل إنك قادر تمثل بالشكل ده، ده حتى روني صدقتك.
فارس: ده إنت كنت هتوقعني بسبب روني ديه، أول ما شفتها بالحجاب كنت هموت من الضحك، بس قدرت أمسك نفسي بالعافية.
عدنان: أنا مش مصدق بجد! طيب... يارا، الدكتورة ديه.
فارس: ديه بقى جات لحد عندي على طبق من دهب، إنت متخيل إني كنت بدور عليها وهموت وأوصلها عشان أكسر منخيرها ديه؛ ويوم ما أفتح عيني من الغيبوبة ألاقيها واقفة قدامي، أنا مصدقتش نفسي لما شفتها، وطبعًا الدور اللي رسمته وقعها فيا ودلوقتي بقت زي الخاتم في صباعي.
عدنان: يعني هتنضم لقايمة زوجات فارس السيوفي.
فارس: أكيد. بس أتدبست في حوار أمها ده.
عدنان: وهتعمل إيه بقى.
فارس: أنا أتفقت مع الدكتور بتاعها يقول ليارا إنها محتاجة شوية وقت للعملية، وفي الفترة ديه هاخد اللي أنا عايزه من يارا وساعتها هطردها هي وأمها.
عدنان: هو ده فارس اللي أعرفه، ندل.
ضحك فارس بقوة وقال: الغاية تبرر الوسيلة يا صاحبي. المهم... الممرضة اللي إنت بعتها تخلص على منال النهاردة أنا منعتها تلمسها.
عدنان بدهشة: إنت عرفت؟
فارس بثقة: عيب عليك، أنا أقدر أكشف البني آدم من عينيه، ومن أول بصة في عينيها عرفت إنها جاية لسبب تاني.
عدنان: طيب عملت معاها إيه؟
قص فارس ما حدث منذ ساعات قليلة.
فلاش باك
خرج فارس ويارا من غرفة معتز، وبعد أن أتقن دور العاشق الولهان دخلت يارا غرفتها، ثم ذهب فارس إلى غرفة مي بعد أن تأكد أن جميع من بالمنزل خلد إلى النوم، وحين فتح باب غرفتها لم يجدها، فذهب إلى غرفة منال سريعًا، وجدها تضع حقنة بذراعها، فقبض على يدها سريعًا وجذبها خارج الغرفة بعد أن حذرها أن تتحدث أو تصدر صوتًا، ثم أغلق الباب بهدوء وقال: مين بعتك؟!
مي بارتباك: ها... يعني إيه.. مش فاهمة.
رمقها فارس بنظرة حارقة ثم قال بحزم: انطقي وأخلصي بدل ما أدفنك مكانك. مين بعتك؟
دب الخوف في قلبها، وارتعشت أوصالها التي أُصيبت بالبرودة، وكأن الدماء هربت من جسدها وقالت: أنا مليش دعوى، واحد جيه إداني فلوس وقالي أديها الحقنة ديه.
فارس: مين هو؟
مي بتردد: اسمه... عدنان.
تنهد فارس وقال: وليه عايز يخلص منها؟
مي: قالي أحط الحقنة في أوضتك وبعدين أقول للدكتورة يارا إنك إنت اللي إدتها الحقنة وإني شفتك بعيني عشان يوقع بينكم.
فارس: وهو مستفيد إيه من الحوار ده؟
مي: لأ معرفش، ده كل اللي قاله والأوامر بتاعته.
فارس: طيب اللي حصل ده خليه بينا، وأنا مش هجيب سيرة عنه لحد، وأنا هتصرف مع عدنان، ووقت ما هعوز منك تنفذي هقولك بنفسي، بس طبعًا مش هتتهميني في القتل. تمام؟
مي بسعادة: يعني مش هتبلغ عني؟
فارس: طالما في منك مصلحة يبقى وجودك مهم، بس تسمعي كلامي أنا بس.
أومأت له وهي تتنهد براحة، كانت تظن أن فارس سوف يسلمها إلى الشرطة أو يقتلها كما قال ولكن الآن شعرت بالراحة بأنها لن تنال عقابها عما حاولت فعله.
عودة من الفلاش باك
فارس: عايز تلبسني جريمة قتل يا عدنان!
عدنان: ما البت ديه كلت عقلك على الآخر، وخلتك تصلي وتبطل تجارة وتصنيع، وأنا مديون للناس برا وهموت وإنت عامل فيها شيخ. عايزني أعمل إيه يعني.
فارس: المهم إني لحقتها على آخر لحظة.
عدنان: وإنت عايز منها إيه تاني.
فارس: ممكن أحتاجها لو يارا ماطلت في حوار الجواز ده، ولو طلبت مني أعمل العملية قبل ما أتجوزها هضطر أخلص من منال.
عدنان بصدمة: دماغك سم بجد.
فارس: وإنت غبي، كل ما أحاول أعمل حاجة تخرب الدنيا كلها.
عدنان: وأنا أعرف منين يعني؟
فارس: يلا كل حاجة جات في وقتها.
عدنان: هتعمل إيه مع جلال وكمال؟
فارس: أشوف بس من فيهم اللي حاول يخلص مني، وبعدين حسابي معاهم هيبقى عسير، ده كانو هيلبسوني في جوازة مع الزفتة نيرة، لأ وشوف البجاحة! مخطوبة وبتمثل عليا إنها بتحبني.
عدنان: ما أنا عارف، بس بجد كان ليه حق أبوك يعاملهم كده، إيه يا عم ده! ديه عيلة تموت على القرش.
فارس: كله هيتحاسب، بس اطلع البضاعة وكل حاجة هتتحل.
عدنان: هنسلم البضاعة إزاي؟
فارس: فيه في دماغي خطة كده، بس هظبطها وأقولك.
عدنان: بسرعة يا فارس، الناس بتهددني بالقتل.
فارس: أنا هتصرف معاهم، دبر بس إنت معاد بيني وبينهم وأنا هفهمهم كل حاجة، هما في الآخر عايزين البضاعة مش عايزين يخسرو فلوسهم، وأنا عايز أخلص من البضاعة ديه.
عدنان: إنت شايلها فين؟ ده أنا قلبت عليها الدنيا.
فارس: في معملي، متقلقش البضاعة موجودة وفلوسك موجودة، ولو الناس برا عايزة تشوفها قولي.
عدنان: هبلغهم.
فارس: طيب هنعمل إيه بقى في الخطف ده، عايز أفكر هقولهم إيه في البيت.
عدنان: قولهم إني هددتك وإنك قولتلي إنك هتنفذ بس عشان تكسب وقت، وإنك قولتلي إنك مش فاكر التركيبة وهتدور عليها.
فارس: فكرة، طيب ممكن أمشي بقى لإني عايز أنام؟
عدنان: أكيد.
فارس: لو فيه حاجة عايز تبلغهالي أو أوصلهالك خليها عن طريق روني.
عدنان: مفيش مشكلة.
غادر فارس بأحد سيارات عدنان وعاد إلى المنزل، نظر إلى الحراس التي تم ضربهم عند البوابة وحين رأوه اقتربو منه سريعًا وعلى رأسهم سعد الذي قال: فارس باشا! جرالك حاجة؟
فارس: متقلقش يا سعد أنا كويس، شوف بس الرجالة ديه لو محتاجة علاج، وأنا هطلع أنام لأني مش قادر أقف من التعب.
سعد: طيب طمني حصل إيه، ومين ضربهم كده.
فارس: بكرة هفهمك يا سعد، بقولك مش قادر أقف.
تنهد سعد وقال: طيب أنا هشوف الرجالة وإنت اطلع ارتاح.
__________
كانت نيرة تجلس أمام سهير وأميرة باكية، حاولو أن يهدأو من روعها ولكنها تزداد في النحيب، ويونس يراقب ما يحدث بقلب حزين وعقل يسيطر عليه الكبرياء والغضب، فوقف يشاهدها من بعيد ولم يتحدث، فقط قص على والدته ما حدث والتزم الصمت.
تنهدت أميرة وقالت: يا بنتي كفاية عياط وفهمينا، حصل إيه؟
نيرة: خلاص مبقاش ليا حد، خسرت كل حاجة ومبقتش عايزة أعيش.
سهير: يا بنتي بلاش الكلام ده، متيأسيش من رحمة ربنا.
ابتسم يونس بتهكم، فنظرت له نيرة بحزن وقالت: بتضحك عليا وأنا في الحالة ديه يا يونس؟
يونس: أنا مش بضحك عليكي خالص، أنا مستغرب ماما وهي بتقولك متيأسيش من رحمة ربنا، مش لما تعرفي ربنا الأول؟
نهضت نيرة وهمت بالخروج من المنزل، ولكن وقفت أمامها أميرة وقالت: مفيش خروج من هنا، وبعدين يا يونس، مش وقته الكلام ده.
يونس: خلاص سكتت.
نيرة: أنا اطردت من البيت عشان وقفت واجهتم بكل اللي عملوه، أنا مكنتش باصة للي بعمله بالشكل ده، أنا كان كل همي إني أسكت بابا وبس.
يونس بحدة: كدابة، إنتي طمعتي في فلوس فارس.
نيرة: مش هكدب عليك وأقولك لأ، بس بابا برده اللي فهمني إن الفلوس ديه من حقنا، قالي إن جدي صرف على أخوهم وعلمه وهما لأ، كان بيقعدو من غير أكل عشان هو يدرس ويتعلم، فرق ما بينهم عشان هو يطلع حاجة تنفعه وينفع أخواته، وفعلًا كان بيصرف عليهم طول ما جدي وستي كانو عايشين، لكن أول ما ماتو منع إيده عنهم، ونسي هما عملو إيه عشانه وخلى ابنه يعمل زيه، عشان كده فلوسه هما ليهم حق فيه، وطالما حقي وكل مشكلتنا أنا وإنت الفلوس؛ مش عايزني أحل المشكلة ديه ليه؟
يونس: عشان حتى لو أبوكي وعمتك عملو كده مع إني مش مصدق الحوار ده؛ فا الفلوس مترجعش بالطريقة ديه، ولا أخوهم ملزم يصرف عليهم، هما مش صغيرين ولا عاجزين عشان ينصبو على واحد عيان عشان الفلوس، وإنتي مش صغيرة عشان متعرفيش تفرقي بين الحلال والحرام.
نيرة: ودلوقتي فهمت وواجهتم، وطردني من البيت بس مش فارق معايا، كل ده مش فارق، أنا اللي فارق معايا هو أنت.
يونس بحزم: نيرة، انسي إن يبقى فيه بيني وبينك حاجة تاني، واوعي تفتكري إني جبتك هنا البيت دلوقتي عشان نرجع لبعض، أنا لسه باقي على العشرة اللي كانت بينا اللي استحالة أبيعها وأسيبك تروحي تموتي نفسك، حتى لو مش عايزك عمري ما هسيبك لوحدك وإنتي كده.
نظرت له نيرة بحزن، نظرته اختلفت، الحب الذي كان يرتسم داخل مقلتيه اختفى، قتلت ذلك العشق بيدها ولم يبقى سوى الندم.
اقتربت منه قليلًا وقالت: أنا نيرة يا يونس، حبيبة عمرك، معقول كل حاجة بينا خلصت بالشكل ده! طيب الحب اللي بينا ميخلكش تسامحني؟
يونس: والحب اللي كان بينا مخلكيش تاخدي بالك إنك بتخونيني، بتخدعيني، مفكرتيش فيا وأنا قاعد شايف خطيبتي بين أيدين واحد تاني، قدام الناس كلها واقف بيقول عليكي خطيبته.
إنتي كسرتي كل حاجة، واللي بينا خلاص مبقاش ينفع يرجع زي الأول.
ثم التفت إلى سهير وقال: أنا هروح عند واحد صاحبي هفضل عنده لحد ما نيرة تشوف هتعمل إيه، وخدي وقتك أنا مش مستعجل، واعتبري البيت بيتك.
كاد يذهب ولكن قبضت على يده وقالت: طيب أعمل إيه عشان تسامحني؟ أنا مستعدة أروح لفارس وأقوله الحقيقة كلها، مستعدة لأي عقاب منه ومنك كمان، بس متبعدش عني.
نفض يده من يدها بهدوء وغادر المنزل دون رد.
تابعت أثره بحزن، وعادت تبكي بمرارة الفقد، قلبها كاد يتوقف من ألم البعد عن حبيبها، ولكن لن تتوقف عن المحاولة، ربما يسامحها يومًا ما.
انتهى اليوم بصفعة الحقيقة، وغدر فارس وقدرته على التمثيل أمام الجميع بإتقان، ويبدو أن عدد ضحايا فارس سوف تزداد، ويارا تلك العاشقة المخدوعة؛ كيف ستواجه حقيقة فارس الجديدة، وهل ستنجو منال من مكيدته؟
يتبع....