رواية نسخة من روحي الفصل التاسع عشر 19 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( التاسع عشر)
" أدهم "
أغلقت الهاتف ببطء وبقيت أنظر إلى الشاشة لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة وكأنني ما زلت أسمع صوتها يتردد في أذني .. أشتاق إليك .. لقد شعرت بالكلمة اخترقت كياني .. وأنا أيضاً اشتقت لها .. لأنفاسها في هذا المنزل .. إلى صوتها النقي
وضعت الهاتف على الطاولة أمامي وتنهدت بعمق .. لم أكن مرتاحاً .. منذ أن رأيت رولا وعلمت أن عمتها تعرفني وتعرف ماحصل منذ زمن .. لم يتوقف عقلي عن التفكير والقلق .. كان الأمر يبدو بسيطاً في ظاهره .. لكنني لم أستطع التخلص من ذلك الشعور المزعج بأن خلف هذه المصادفة شيئاً آخر.
رولا ليست من النوع الذي يقول الأشياء بلا سبب .. بل على العكس .. هي تختار كلماتها بعناية وتستمتع كثيراً بمشاهدة أثرها في الآخرين .. هذا ما فهمته عنها .. قصتي معها باختصار أنني لم أعرها إهتماماً أبداً .. لأنني وباختصار أكره الفتيات اللواتي يفرضن أنفسهن فرض
ولهذا تحديداً لم تعجبني تلك الابتسامة التي ظهرت على وجهها وهي تخبرني بالأمر .. نهضت من مكاني ببطء وبدأت أسير في الغرفة بينما أخذت أفكاري تتجه تلقائياً نحو اسمٍ واحد .. مؤيد .. شدّت ملامحي قليلاً دون أن أشعر .. ذلك الرجل لم ينسَ ما حدث وأنا متأكد من ذلك.
الطريقة التي نظر بها إليّ آخر مرة رأياه بها في السجن عندما حصلت على توقيعه على معاملة طلاقه لـ حلا كانت كافية لتخبرني أنه لن يمرر الأمر ببساطة.
وإن كان يعرف الآن أين أعيش أو من هم الأشخاص القريبون مني فلن أتفاجأ إن كان يبحث عن فرصة للانتقام
توقفت عن السير فجأة .. الانتقام مني أمرٌ يمكنني التعامل معه ولكن المشكلة ليست هنا .. المشكلة أن حلا جزءاً من هذه الدائرة .. من الجيد أنني أرسلتها مع رهف إلى منزل خالتي
أغمضت عيني للحظة وأنا أتذكر نبرة صوتها في المكالمة .. كانت حزينة .. ومشتاقة إلي كما أنا أشتاق إليها
مددت يدي نحو الهاتف مرة أخرى وكدت أتصل بها مجدداً… لكنني توقفت .. يجب علينا التحمّل .. مؤيد لم يختفِ من حياتنا بعد .. بل على العكس .. إنه ما زال يبحث عنا
في صباح اليوم التالي خرجت من الشقة بعد ليلةٍ لم تكن هادئة كما كنت أريد .. أغلقت الباب خلفي ونزلت الدرج بخطواتٍ ثابتة بينما كان عقلي ما يزال منشغلاً بأفكار الأمس.
الهواء الصباحي كان بارداً قليلاً والشوارع ما تزال في بدايتها اليومية المعتادة .. اتجهت نحو سيارتي المتوقفة أمام البناء و أخرجت المفاتيح من جيبي وأنا أفكر بما ينتظرني خلال اليوم وقبل أن أصل إليها سمعت صوتاً يناديني من الخلف :
- أدهم
توقفت لحظة ثم أطلقت زفرة ضيق قبل أن ألتفت .. لم أكن بحاجة لأن أراها لأعرف صاحبة الصوت كانت رولا .. تركض نحوي بخطواتٍ سريعة .. وابتسامة عريضة ترتسم على وجهها وكأنها تلاحق صديقاً عزيزاً لا جاراً يحاول تجنبها منذ أيام .. وقفت أمامي تلهث قليلاً بينما كنت أحدق فيها بملامح باردة .. قلت بفتور:
- ماذا تريدين يا رولا؟
رفعت حاجبيها وكأن السؤال فاجأها، ثم قالت بنبرةٍ متصنعة البراءة:
- لا شيء .. فقط تأخرت عن المدرسة اليوم وفكرت إن كان بإمكانك أن توصلني في طريقك .. إن لم يكن في ذلك إزعاج.
شدَدْتُ قبضتي حول المفاتيح دون أن أشعر وقلت بلهجةٍ جافة:
- وأهلك؟ إن علموا أنك خرجت معي؟
ثم أضفت ببرودٍ أشد:
- وأهل الحارة إن رأوك تركبين سيارتي .. ماذا سيقولون؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وكأن الأمر مسلٍّ بالنسبة لها وقالت:
- سيقولون إن جارنا شخصٌ شهمٌ ونبيل .. لقد رأني في الطريق وأوصلني .. لا أكثر.
ثم مالت قليلاً وهي تضيف بنبرةٍ خبيثة:
- ثم إنك معتاد على أن تُقلّ جاراتك في سيارتك .. أليس كذلك؟
تجهمت ملامحي فوراً .. لم يعجبني تلميحها ولم يعجبني أكثر الأسلوب الذي قالته به .. قلت ببرود واضح:
- إلى أين تريدين الوصول يا رولا؟ اختصري الكلام.
اقتربت خطوةً مني وكأنها تستمتع بإزعاجي وقالت:
- لا شيء .. فقط كنت أفكر ..
رفعت عينيها إليّ مباشرة وأضافت ببطءٍ متعمد:
- لماذا لم تكتب كتابك عليها؟
قطبت جبيني دون أن أفهم قصدها فوراً .. لكنها تابعت قبل أن أرد :
- أعني حلا .. لماذا لم تتزوجها بدلاً من أن توهم أهل البنا أنها شقيقتك؟
ثم رفعت كتفيها باستخفاف.
- هكذا تصبح زوجتك وينتهي الموضوع.
بقيت واقفاً أحدق فيها بصمت بينما كانت تراقب ردّة فعلي بفضولٍ واضح .. ثم قالت بابتسامةٍ باردة:
- آه صحيح .. نسيت.
مالت رأسها قليلاً وأكملت:
- لأنها لم تكن مطلقة أصلاً .. أليس كذلك؟ وأنت كنت مرتاحاً بذلك وفي تلك اللحظة شعرت بالدم يغلي في عروقي .. قاطعتها بحدة:
- احترمي نفسك يا رولا .. حلا أشرف منك.
اتسعت عيناها قليلاً ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقالت:
- أشرف مني؟
اقتربت خطوة أخرى وقالت بنبرةٍ متحدية:
- بماذا أشرف مني؟ لأنها تعيش في بيت واحد مع رجل غريب عنها؟
شعرت برغبة حقيقية في إنهاء هذا الحديث فوراً .. قلت ببرود قاطع:
- هذا أمر لا يخصك.
ثم أشرت بيدي إليها بإشارة ضيق.
- ويُفضَّل أن تهتمي بأمورك الخاصة بدلاً من التقليل من كرامتك بهذه الطريقة.
تغيرت ملامحها قليلاً لكنني لم أتوقف.
- وبالنسبة لسيارتي .. فلن تركبيها.
ثم نظرت إليها نظرةً حادة وأضفت:
- والحديث معي اختصريه قدر الإمكان .. لأنني بصراحة أكره أمثالك.
التفت نحو سيارتي وفتحت الباب لكنني توقفت فجأة قبل أن أركب .. عدت خطوة إلى الخلف والتفت نحوها مرة أخرى.
كانت واقفة في مكانها تحدق بي بنظرةٍ حاقدة اقتربت منها قليلاً وقلت بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
- وإن كان في رأسك شيء آخر تنوين فعله .. أو تخططين لأي لعبة سخيفة .. فافعلي ما تريدين.
شدّدت على كلماتي:
- ليس أنا من يخيفه تهديد أمثالك
بقيت أحدق بها لحظة ثم استدرت أخيراً نحو السيارة .. ركبت خلف المقود وأدرت المحرك وبعد لحظات تحركت مبتعداً عن البناء وأثناء القيادة نظرت إلى المرآة الجانبية .. كانت ما تزال واقفة في مكانها .. تحدق في السيارة وهي تبتعد ونظرتها في انعكاس المرآة لم تكن نظرة شخصٍ انتهى حديثه بل نظرة شخصٍ بدأ للتو.
ما إن انتهيت من آخر محاضرة في ذلك اليوم حتى خرجت من مبنى الجامعة وأنا أشعر بشيءٍ من الإرهاق .. كان النهار طويلاً ورأسي ما يزال مزدحماً بالأفكار منذ الصباح.
اتجهت نحو مواقف السيارات بخطواتٍ هادئة و أخرجت مفاتيحي وفتحت باب السيارة قبل أن أجلس خلف المقود.
كنت على وشك تشغيل المحرك حين رنّ هاتفي .. نظرت إلى الشاشة سريعاً و تجمدت يدي لحظة فوق المقود .. خالتي ليلى ! لم تكن من النوع الذي يتصل بي في هذا الوقت من النهار عادةً .. فتحت الاتصال بسرعة و رددت:
- نعم خالتي؟
جاءني صوتها من الطرف الآخر فوراً ولكنه لم يكن الصوت المعتاد الذي أعرفه .. كان متوتراً ومشدوداً بطريقةٍ واضحة.
- أدهم .. أين أنت؟
اعتدلت في جلستي قليلاً وأنا أجيب:
- في الجامعة .. بل خرجت منها قبل قليل .. انتهى دوامي.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر ثم قالت بسرعة:
- جيد أريدك أن تأتي إلى المستشفى حالاً
قطبت جبيني قليلاً.
- إلى المستشفى؟ هل حدث شيء؟
لم تجب عن سؤالي بل كررت بنبرةٍ حازمة:
- تعال حالاً يا أدهم .. أنتظرك في مكتبي.
ترددت لحظة قبل أن أقول:
- حسناً .. سأكون هناك.
أغلقت الخط وبقيت أنظر إلى الهاتف في يدي لثوانٍ .. لم يعجبني صوتها .. كان هناك شيء غير طبيعي في نبرتها .. توترٌ واضح لم تحاول حتى إخفاءه .. وضعت الهاتف جانباً وأدرت المحرك ثم خرجت بالسيارة من موقف الجامعة .. وأنا أقود في الطريق نحو المستشفى .. بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي ..أول ما خطر ببالي كان رهف.
هل أخبرتها؟ هل قالت لها إنني كنت أستضيفها في المنزل طوال تلك الفترة؟ شدّدت قبضتي على المقود قليلاً .. لم أكن أظن أن الأمر سيغضب خالتي إلى هذا الحد .. لكنها في النهاية أمها ومن حقها أن تعرف .. لكن إن كان هذا هو السبب فعلاً .. فلماذا بدت نبرتها متوترة إلى هذه الدرجة؟ ألا يجب أن تكون غاضبة؟
تنهدت ببطء وأنا أزيد سرعة السيارة قليلاً .. شيءٌ ما لم يكن مطمئناً .. بعد نحو عشر دقائق توقفت أمام المستشفى .. ترجلت من السيارة بسرعة ودخلت المبنى متجهاً مباشرةً نحو الطابق الذي يقع فيه مكتب خالتي .. طرقت الباب بخفة ثم فتحته .. وفي اللحظة التي دخلت فيها توقفت في مكاني .. لم تكن خالتي وحدها في المكتب .. كان هناك شاب يجلس أمام مكتبها .. نظرت إليه لثانية قبل أن أتعرف عليه.
وائل ! .. ارتسمت الدهشة على وجهي دون أن أتمكن من إخفائها بينما انتقلت عيناي بينه وبين خالتي .. لم أفهم فوراً سبب وجوده هنا ولكن شيئاً في الأجواء داخل الغرفة أخبرني أن هذه الزيارة ليست عادية
أغلقت الباب خلفي وبقيت واقفاً لحظة أحدق في وائل الجالس بهدوء أمام مكتب خالتي .. لم أكن أتوقع رؤيته هنا إطلاقاً نقلت نظري إلى خالتي ليلى التي كانت جالسة خلف مكتبها ولكن ملامحها لم تكن كما اعتدت رؤيتها .. لم تكن تلك الطبيبة الهادئة الواثقة بل امرأة يبدو أن في داخلها عاصفة.
اقتربت وقلت بتوتر :
- خالتي .. طلبتِ أن آتي بسرعة .. ماذا يحدث؟
لم تجب فوراً بل أشارت بيدها إلى الكرسي المقابل.
- اجلس يا أدهم.
جلست ببطء بينما بقي وائل صامتاً يراقبنا .. ثم قالت ليلى وهي تنظر إليّ مباشرة:
- قبل أن أبدأ بالكلام أود أن أعرفك على السيد وائل .. طبيب رهف النفسي
نظرت إليه و قلت:
- لقد قابلته من قبل
- حقاً !
ابتسم وائل وقال وكأنه يتدارك الموضوع :
- التقيته في المستشفى عندما ذهبت لزيارة رهف
ردت خالتي:
- مفهوم ..
قلت:
- ولكن ما لم أفهمه لماذا رهف كانت تذهب لطبيبٍ نفسي ؟
استندت خالتي على طاولتها و ردت:
- منذ ثلاث سنوات مرضت رهف .. احترت بعلّتها .. لم أكن أعرف إن كانت عضوية أم نفسية وحالها كان يؤلمني .. عرضتها على أكثر من طبيب ولكن لم يجدي ذلك نفعلاً حتى قررت أخيراً أن أعرضها على طبيبٍ نفسي .. وهذا ما جعلها تتحسن قليلاً ..
قلت:
- حسناً لم أفهم علاقتي بالموضوع بعد
ردت:
-أريد أن أسألك عن فتاة.
شعرت بأن شيئاً في داخلي انقبض فوراً .. قلت ببرود حذر:
- أي فتاة؟
قالت دون أن تزيح عينيها عني:
- حلا.
ساد الصمت لثوانٍ .. لم أكن أتوقع أن تبدأ الحديث بهذا الشكل .. تنهدت ببطء وقلت:
- ماذا عنها؟
مالت ليلى قليلاً إلى الأمام وقالت بنبرة أصبحت أكثر جدية :
- أريد الحقيقة كاملة يا أدهم .. من البداية.
رفعت حاجبي قليلاً وقلت:
- الحقيقة عن ماذا تحديداً؟
قالت بوضوح:
- كيف ظهرت في حياتك؟ ولماذا تعيش معك في البيت ؟ولماذا تخبر الناس أنها أختك؟
شعرت بثقلٍ غريب يستقر في صدري .. نظرت للحظة إلى الطاولة أمامي .. لابد أن رهف أخبرتها كل شيء .. لم أعد أرى أن الكذب سيكون مجدياً هذه المرة لهذا اتخذت قراري أن أقول الصدق هذه المرة .. عدت أرفع نظري إليها وقلت بهدوء:
- لأنني أخبرتها أنها أختي.
تجهمت ملامحها وقالت:
- لماذا؟
تنهدت ببطء وكأنني أفتح باباً كنت أتجنب فتحه منذ أشهر .. قلت أخيراً:
- لأنها لم تعد تتذكر من تكون.
ساد الصمت في الغرفة .. رأيت الدهشة تمر سريعاً في عيني ليلى التي قالت:
- ماذا تقصد؟
مررت يدي على جبيني قبل أبدأ بسرد ما حصل منذ أن انتقلت إلى الشقة حتى هذا اليوم .. أخبرتها عن كل شيء .. ضرب مؤيد لـ حلا وتعذيبها وصراخها وهي تستجير .. حتى أنني أخبرتها عن الجيران وردة فعلهم المقيتة وإساءتهم له فقط لأنه لم يسكت عن الظلم .. كانت تستمع لي بصمت وعيناها غارقتان بالدموع .. كنت وكأنني أتحدث عن ابنتها .. بعد أن انتهيت وقفت بتثاقل وكأنها تحمل جبالاً على ظهرها واتجهت نحو النافذة .. يبدو أنها كانت تشعر بالاختناق بسبب ما قلته .. حل الصمت بيننا عدة دقائق لم تكن تُسمع فيه سوى شهقاتها وهي تبكي بصمت وتمسح دموعها حتى لا نراها .. احترمنا موقفها أنا ووائل وبقينا غارقين في الصمت المطبق .. فجأة نطقت:
- لماذا لم تخبر أحداً بذلك؟
أخفضت رأسي وقلت:
- لقد خفت أن يؤذيها أحد بكلامه .. إنها فتاةٌ حساسة ورقيقة .. وقد تشعر بنفسها ثقيلة
التفتت لي وقالت :
- ومن يمكن أن يؤذي إنساناً بهذا الشكل؟
- رأيت منهم الكثير يا خالتي .. إنهم كثيرون يعيشون بيننا .. ليس الظالم وحده من يؤذي .. بل من يُعينه على ظلمه أيضاً .. هذا أذاه أعظم من أذى الظالم نفسه
اقتربت وقالت:
- إذاً أنت تعرف مؤيد
أومأت ببطء.
- نعم .. أعرفه جيداً.
ثم أكملت:
- لقد استطعت إبعاده عنها .. لم يكن الأمر سهلاً .. لكنه الآن قد خرج ويبحث عنا
تبادل وائل وليلى نظرة سريعة .. بينما تابعت بصوت أكثر هدوءاً:
- أما هي .. فكانت في حالة سيئة .. خائفة .. مرتبكة .. ولم تكن تتذكر شيئاً عن نفسها.
قطبت ليلى جبينها.
- فقدان ذاكرة؟
أومأت وقلت:
- هكذا أخبرني الطبيب حينها.
سألت فوراً:
- ولماذا أخذتها إلى بيتك؟
نظرت إليها مباشرة.
- لأنه لم يكن لديها مكان آخر.
توقفت لحظة ثم أضفت:
- لم تكن تعرف اسمها ولا عائلتها ولا من أين جاءت.
سادت لحظة صمت ثقيلة لأتابع:
- انتظرت كثيراً على أمل أن يأتي احدٌ من أقاربها .. ولكن لم يحصل .. لو أن الشرطة لم تتدخل حينها .. حتى اسمها لم أكن سأعرفه
سألت بنبرةٍ أكثر حدة:
- لكن هذا لا يفسر لماذا أخبرتها أنك شقيقها ؟
تنهدت ببطء ونظرت بعيداً لحظة قبل أن أقول:
- لأنني لم أجد جواباً أفضل .. قلت لها إنني أخوها.
سألت بدهشة:
- كذبت عليها؟
قلت بهدوء صريح:
- نعم.
صمتت لحظة قبل أن تسأل:
- ولماذا؟
أجبت بعد تردد قصير:
- لأنني لم أكن أستطيع تركها وحدها.
ثم أضفت بصوت أخفض:
- وفي الوقت نفسه .. لم يكن من المناسب أن تعيش فتاة غريبة معي تحت سقف واحد .. ولأنها أيضاً كانت ما تزال غلى ذمة ذلك المتوحش
تدخل وائل لأول مرة بهدوء:
- لهذا أخبرتها أنها أختك.
أومأت :
- كان الحل الوحيد الذي خطر ببالي .. لكن الأمر لم يكن سهلاً.
نظرت إلى ليلى التي قالت:
- قلت أنها كانت على ذمته .. هل طلقها ؟
- بل أجبرته على ذلك
سأل وائل بفضول:
- وكيف فعلت ذلك؟
- لم أفعل شيئاً يُذكر لأنه سيطه يسبقه .. فقط تتبعت عمله وعلمت بموضوع أعماله الخارجة عن القانون .. إقراض المال و الربا به ولعب القمار وتهديده للناس .. حتى حلا أخذها من والدها بطريقة قذرة حيث أخذها بدل الديون التي تراكمت على والدها بسبب لعبه للقمار ..
نطقت خالتي بصدمة:
- تزوجها بتلك الطريقة !!
رد وائل:
- هذا شخص قذر ووالدها أقذر منه .. الذي لم أفهمه لماذا لم تقدم هذه الدلائل للجهات المختصة
أخفضتّ رأسي وقلت:
- إن ادعيت على ذلك النذل سوف يتورط الكثير من الأبرياء .. علاقاته متشابكة وأعماله قد مسّت الضعاف وقد تتشرد عوائل بسببه
سادت لحظة صمت أخرى .. كانت خالتي ليلى تحدق بي وكأنها تحاول فهم كل ما سمعته .. ثم سألت ببطء:
- ماذا عن حلا .. هل استعادت ذاكرتها؟
هززت رأسي.
- لا .. ما زالت لا تتذكر شيئاً
بقيت ليلى صامتة للحظات وكأنها تفكر في كل كلمة قلتها .. أخيراً سألتها بتردد:
- هل أخبرتكِ رهف بأنني استضفتها عندي؟
- رهف لم تخبرني بشيء و لكن العتب يقع عليك بإخفاءها عني بهذه الطريقة
- صدقيني لقد عاندت وأخبرتني أنني إن وشيت لكِ عن مكانها ستفضح أمر حلا وتخبر أهلي
بقيت تنظر إلي باستغراب ليسأل وائل:
- هل قامت بذلك حقاً؟
- حسناً .. ربما أنا من جعلها تفعل ذلك وخاصة بعد أن أخبرتها أن حلا شقيقتي من والدي
ردت خالتي بصدمة:
- هل قمت بنسب حلا لوالدك حقاً؟
قلت بتوتر:
- فقط لتبرير وجودها معي لـ رهف
وضعت يدها على رأسها وجلست .. ثم رفعت رأسها وقالت فجأة:
- وأنت .. ماذا تشعر تجاهها؟
فوجئت بالسؤال .. نظرت إليها متفاجئاً.
- ماذا تقصدين؟
قالت بوضوح:
- هل ما زلت تراها مجرد فتاة أنقذتها؟
لم أجب فوراً .. صمتُّ لحظة ثم قلت بهدوء صادق:
- لا.
ساد الصمت لحظة ثم سألت ببطء:
- إذن ماذا تعني لك؟
تنهدت بعمق.
- لا أعرف متى حدث ذلك و لكنني لم أعد أستطيع تخيل حياتي من دونها
تبادلت مع وائل نظرة طويلة .. ثم قلت أخيراً:
- لكن هناك سؤال أريد أن أسأله أنا أيضاً
نظرت إليّ لأقول مباشرة:
- لماذا كل هذا الاهتمام؟ لماذا تسألين عن حلا بهذه الطريقة؟
سكتت ليلى لثوانٍ طويلة .. ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت ببطء:
- لأن حلا ليست فتاة وحيدة كما تظن.
شعرت بأن قلبي توقف لحظة.
- ماذا تقصدين؟
نظرت إليّ مباشرة وقالت:
- لأنها تكون أخت رهف.
تجمدت في مكاني بينما قالت بصوتٍ أثقل:
- أختها التوأم.
شعرت وكأن الكلمات اصطدمت بي دفعة واحدة .. أما خالتي أكملت بصوتٍ خافت :
- الفتاة التي أبحث عنها منذ أشهر .. كانت معك أنت .. هي حلا .. عندما أنقذتها أنت من مؤيد .. تعافت رهف من معاناتها
كنت أنظر إليها والصدمة تلازمني .. لم أفهم كيف تلاقت الأقدار أو تحولت القصة من مجرد إنقاذ إلى قصة لقاءٍ بعد سنين طويلة من الفراق
" أدهم "
أغلقت الهاتف ببطء وبقيت أنظر إلى الشاشة لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة وكأنني ما زلت أسمع صوتها يتردد في أذني .. أشتاق إليك .. لقد شعرت بالكلمة اخترقت كياني .. وأنا أيضاً اشتقت لها .. لأنفاسها في هذا المنزل .. إلى صوتها النقي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رولا ليست من النوع الذي يقول الأشياء بلا سبب .. بل على العكس .. هي تختار كلماتها بعناية وتستمتع كثيراً بمشاهدة أثرها في الآخرين .. هذا ما فهمته عنها .. قصتي معها باختصار أنني لم أعرها إهتماماً أبداً .. لأنني وباختصار أكره الفتيات اللواتي يفرضن أنفسهن فرض
ولهذا تحديداً لم تعجبني تلك الابتسامة التي ظهرت على وجهها وهي تخبرني بالأمر .. نهضت من مكاني ببطء وبدأت أسير في الغرفة بينما أخذت أفكاري تتجه تلقائياً نحو اسمٍ واحد .. مؤيد .. شدّت ملامحي قليلاً دون أن أشعر .. ذلك الرجل لم ينسَ ما حدث وأنا متأكد من ذلك.
الطريقة التي نظر بها إليّ آخر مرة رأياه بها في السجن عندما حصلت على توقيعه على معاملة طلاقه لـ حلا كانت كافية لتخبرني أنه لن يمرر الأمر ببساطة.
وإن كان يعرف الآن أين أعيش أو من هم الأشخاص القريبون مني فلن أتفاجأ إن كان يبحث عن فرصة للانتقام
توقفت عن السير فجأة .. الانتقام مني أمرٌ يمكنني التعامل معه ولكن المشكلة ليست هنا .. المشكلة أن حلا جزءاً من هذه الدائرة .. من الجيد أنني أرسلتها مع رهف إلى منزل خالتي
أغمضت عيني للحظة وأنا أتذكر نبرة صوتها في المكالمة .. كانت حزينة .. ومشتاقة إلي كما أنا أشتاق إليها
مددت يدي نحو الهاتف مرة أخرى وكدت أتصل بها مجدداً… لكنني توقفت .. يجب علينا التحمّل .. مؤيد لم يختفِ من حياتنا بعد .. بل على العكس .. إنه ما زال يبحث عنا
في صباح اليوم التالي خرجت من الشقة بعد ليلةٍ لم تكن هادئة كما كنت أريد .. أغلقت الباب خلفي ونزلت الدرج بخطواتٍ ثابتة بينما كان عقلي ما يزال منشغلاً بأفكار الأمس.
الهواء الصباحي كان بارداً قليلاً والشوارع ما تزال في بدايتها اليومية المعتادة .. اتجهت نحو سيارتي المتوقفة أمام البناء و أخرجت المفاتيح من جيبي وأنا أفكر بما ينتظرني خلال اليوم وقبل أن أصل إليها سمعت صوتاً يناديني من الخلف :
- أدهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا تريدين يا رولا؟
رفعت حاجبيها وكأن السؤال فاجأها، ثم قالت بنبرةٍ متصنعة البراءة:
- لا شيء .. فقط تأخرت عن المدرسة اليوم وفكرت إن كان بإمكانك أن توصلني في طريقك .. إن لم يكن في ذلك إزعاج.
شدَدْتُ قبضتي حول المفاتيح دون أن أشعر وقلت بلهجةٍ جافة:
- وأهلك؟ إن علموا أنك خرجت معي؟
ثم أضفت ببرودٍ أشد:
- وأهل الحارة إن رأوك تركبين سيارتي .. ماذا سيقولون؟
ابتسمت ابتسامة خفيفة وكأن الأمر مسلٍّ بالنسبة لها وقالت:
- سيقولون إن جارنا شخصٌ شهمٌ ونبيل .. لقد رأني في الطريق وأوصلني .. لا أكثر.
ثم مالت قليلاً وهي تضيف بنبرةٍ خبيثة:
- ثم إنك معتاد على أن تُقلّ جاراتك في سيارتك .. أليس كذلك؟
تجهمت ملامحي فوراً .. لم يعجبني تلميحها ولم يعجبني أكثر الأسلوب الذي قالته به .. قلت ببرود واضح:
- إلى أين تريدين الوصول يا رولا؟ اختصري الكلام.
اقتربت خطوةً مني وكأنها تستمتع بإزعاجي وقالت:
- لا شيء .. فقط كنت أفكر ..
رفعت عينيها إليّ مباشرة وأضافت ببطءٍ متعمد:
- لماذا لم تكتب كتابك عليها؟
قطبت جبيني دون أن أفهم قصدها فوراً .. لكنها تابعت قبل أن أرد :
- أعني حلا .. لماذا لم تتزوجها بدلاً من أن توهم أهل البنا أنها شقيقتك؟
ثم رفعت كتفيها باستخفاف.
- هكذا تصبح زوجتك وينتهي الموضوع.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- آه صحيح .. نسيت.
مالت رأسها قليلاً وأكملت:
- لأنها لم تكن مطلقة أصلاً .. أليس كذلك؟ وأنت كنت مرتاحاً بذلك وفي تلك اللحظة شعرت بالدم يغلي في عروقي .. قاطعتها بحدة:
- احترمي نفسك يا رولا .. حلا أشرف منك.
اتسعت عيناها قليلاً ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة ساخرة وقالت:
- أشرف مني؟
اقتربت خطوة أخرى وقالت بنبرةٍ متحدية:
- بماذا أشرف مني؟ لأنها تعيش في بيت واحد مع رجل غريب عنها؟
شعرت برغبة حقيقية في إنهاء هذا الحديث فوراً .. قلت ببرود قاطع:
- هذا أمر لا يخصك.
ثم أشرت بيدي إليها بإشارة ضيق.
- ويُفضَّل أن تهتمي بأمورك الخاصة بدلاً من التقليل من كرامتك بهذه الطريقة.
تغيرت ملامحها قليلاً لكنني لم أتوقف.
- وبالنسبة لسيارتي .. فلن تركبيها.
ثم نظرت إليها نظرةً حادة وأضفت:
- والحديث معي اختصريه قدر الإمكان .. لأنني بصراحة أكره أمثالك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كانت واقفة في مكانها تحدق بي بنظرةٍ حاقدة اقتربت منها قليلاً وقلت بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
- وإن كان في رأسك شيء آخر تنوين فعله .. أو تخططين لأي لعبة سخيفة .. فافعلي ما تريدين.
شدّدت على كلماتي:
- ليس أنا من يخيفه تهديد أمثالك
بقيت أحدق بها لحظة ثم استدرت أخيراً نحو السيارة .. ركبت خلف المقود وأدرت المحرك وبعد لحظات تحركت مبتعداً عن البناء وأثناء القيادة نظرت إلى المرآة الجانبية .. كانت ما تزال واقفة في مكانها .. تحدق في السيارة وهي تبتعد ونظرتها في انعكاس المرآة لم تكن نظرة شخصٍ انتهى حديثه بل نظرة شخصٍ بدأ للتو.
ما إن انتهيت من آخر محاضرة في ذلك اليوم حتى خرجت من مبنى الجامعة وأنا أشعر بشيءٍ من الإرهاق .. كان النهار طويلاً ورأسي ما يزال مزدحماً بالأفكار منذ الصباح.
اتجهت نحو مواقف السيارات بخطواتٍ هادئة و أخرجت مفاتيحي وفتحت باب السيارة قبل أن أجلس خلف المقود.
كنت على وشك تشغيل المحرك حين رنّ هاتفي .. نظرت إلى الشاشة سريعاً و تجمدت يدي لحظة فوق المقود .. خالتي ليلى ! لم تكن من النوع الذي يتصل بي في هذا الوقت من النهار عادةً .. فتحت الاتصال بسرعة و رددت:
- نعم خالتي؟
جاءني صوتها من الطرف الآخر فوراً ولكنه لم يكن الصوت المعتاد الذي أعرفه .. كان متوتراً ومشدوداً بطريقةٍ واضحة.
- أدهم .. أين أنت؟
اعتدلت في جلستي قليلاً وأنا أجيب:
- في الجامعة .. بل خرجت منها قبل قليل .. انتهى دوامي.
ساد صمت قصير في الطرف الآخر ثم قالت بسرعة:
- جيد أريدك أن تأتي إلى المستشفى حالاً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- إلى المستشفى؟ هل حدث شيء؟
لم تجب عن سؤالي بل كررت بنبرةٍ حازمة:
- تعال حالاً يا أدهم .. أنتظرك في مكتبي.
ترددت لحظة قبل أن أقول:
- حسناً .. سأكون هناك.
أغلقت الخط وبقيت أنظر إلى الهاتف في يدي لثوانٍ .. لم يعجبني صوتها .. كان هناك شيء غير طبيعي في نبرتها .. توترٌ واضح لم تحاول حتى إخفاءه .. وضعت الهاتف جانباً وأدرت المحرك ثم خرجت بالسيارة من موقف الجامعة .. وأنا أقود في الطريق نحو المستشفى .. بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي ..أول ما خطر ببالي كان رهف.
هل أخبرتها؟ هل قالت لها إنني كنت أستضيفها في المنزل طوال تلك الفترة؟ شدّدت قبضتي على المقود قليلاً .. لم أكن أظن أن الأمر سيغضب خالتي إلى هذا الحد .. لكنها في النهاية أمها ومن حقها أن تعرف .. لكن إن كان هذا هو السبب فعلاً .. فلماذا بدت نبرتها متوترة إلى هذه الدرجة؟ ألا يجب أن تكون غاضبة؟
تنهدت ببطء وأنا أزيد سرعة السيارة قليلاً .. شيءٌ ما لم يكن مطمئناً .. بعد نحو عشر دقائق توقفت أمام المستشفى .. ترجلت من السيارة بسرعة ودخلت المبنى متجهاً مباشرةً نحو الطابق الذي يقع فيه مكتب خالتي .. طرقت الباب بخفة ثم فتحته .. وفي اللحظة التي دخلت فيها توقفت في مكاني .. لم تكن خالتي وحدها في المكتب .. كان هناك شاب يجلس أمام مكتبها .. نظرت إليه لثانية قبل أن أتعرف عليه.
وائل ! .. ارتسمت الدهشة على وجهي دون أن أتمكن من إخفائها بينما انتقلت عيناي بينه وبين خالتي .. لم أفهم فوراً سبب وجوده هنا ولكن شيئاً في الأجواء داخل الغرفة أخبرني أن هذه الزيارة ليست عادية
أغلقت الباب خلفي وبقيت واقفاً لحظة أحدق في وائل الجالس بهدوء أمام مكتب خالتي .. لم أكن أتوقع رؤيته هنا إطلاقاً نقلت نظري إلى خالتي ليلى التي كانت جالسة خلف مكتبها ولكن ملامحها لم تكن كما اعتدت رؤيتها .. لم تكن تلك الطبيبة الهادئة الواثقة بل امرأة يبدو أن في داخلها عاصفة.
اقتربت وقلت بتوتر :
- خالتي .. طلبتِ أن آتي بسرعة .. ماذا يحدث؟
لم تجب فوراً بل أشارت بيدها إلى الكرسي المقابل.
- اجلس يا أدهم.
جلست ببطء بينما بقي وائل صامتاً يراقبنا .. ثم قالت ليلى وهي تنظر إليّ مباشرة:
- قبل أن أبدأ بالكلام أود أن أعرفك على السيد وائل .. طبيب رهف النفسي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد قابلته من قبل
- حقاً !
ابتسم وائل وقال وكأنه يتدارك الموضوع :
- التقيته في المستشفى عندما ذهبت لزيارة رهف
ردت خالتي:
- مفهوم ..
قلت:
- ولكن ما لم أفهمه لماذا رهف كانت تذهب لطبيبٍ نفسي ؟
استندت خالتي على طاولتها و ردت:
- منذ ثلاث سنوات مرضت رهف .. احترت بعلّتها .. لم أكن أعرف إن كانت عضوية أم نفسية وحالها كان يؤلمني .. عرضتها على أكثر من طبيب ولكن لم يجدي ذلك نفعلاً حتى قررت أخيراً أن أعرضها على طبيبٍ نفسي .. وهذا ما جعلها تتحسن قليلاً ..
قلت:
- حسناً لم أفهم علاقتي بالموضوع بعد
ردت:
-أريد أن أسألك عن فتاة.
شعرت بأن شيئاً في داخلي انقبض فوراً .. قلت ببرود حذر:
- أي فتاة؟
قالت دون أن تزيح عينيها عني:
- حلا.
ساد الصمت لثوانٍ .. لم أكن أتوقع أن تبدأ الحديث بهذا الشكل .. تنهدت ببطء وقلت:
- ماذا عنها؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- أريد الحقيقة كاملة يا أدهم .. من البداية.
رفعت حاجبي قليلاً وقلت:
- الحقيقة عن ماذا تحديداً؟
قالت بوضوح:
- كيف ظهرت في حياتك؟ ولماذا تعيش معك في البيت ؟ولماذا تخبر الناس أنها أختك؟
شعرت بثقلٍ غريب يستقر في صدري .. نظرت للحظة إلى الطاولة أمامي .. لابد أن رهف أخبرتها كل شيء .. لم أعد أرى أن الكذب سيكون مجدياً هذه المرة لهذا اتخذت قراري أن أقول الصدق هذه المرة .. عدت أرفع نظري إليها وقلت بهدوء:
- لأنني أخبرتها أنها أختي.
تجهمت ملامحها وقالت:
- لماذا؟
تنهدت ببطء وكأنني أفتح باباً كنت أتجنب فتحه منذ أشهر .. قلت أخيراً:
- لأنها لم تعد تتذكر من تكون.
ساد الصمت في الغرفة .. رأيت الدهشة تمر سريعاً في عيني ليلى التي قالت:
- ماذا تقصد؟
مررت يدي على جبيني قبل أبدأ بسرد ما حصل منذ أن انتقلت إلى الشقة حتى هذا اليوم .. أخبرتها عن كل شيء .. ضرب مؤيد لـ حلا وتعذيبها وصراخها وهي تستجير .. حتى أنني أخبرتها عن الجيران وردة فعلهم المقيتة وإساءتهم له فقط لأنه لم يسكت عن الظلم .. كانت تستمع لي بصمت وعيناها غارقتان بالدموع .. كنت وكأنني أتحدث عن ابنتها .. بعد أن انتهيت وقفت بتثاقل وكأنها تحمل جبالاً على ظهرها واتجهت نحو النافذة .. يبدو أنها كانت تشعر بالاختناق بسبب ما قلته .. حل الصمت بيننا عدة دقائق لم تكن تُسمع فيه سوى شهقاتها وهي تبكي بصمت وتمسح دموعها حتى لا نراها .. احترمنا موقفها أنا ووائل وبقينا غارقين في الصمت المطبق .. فجأة نطقت:
- لماذا لم تخبر أحداً بذلك؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لقد خفت أن يؤذيها أحد بكلامه .. إنها فتاةٌ حساسة ورقيقة .. وقد تشعر بنفسها ثقيلة
التفتت لي وقالت :
- ومن يمكن أن يؤذي إنساناً بهذا الشكل؟
- رأيت منهم الكثير يا خالتي .. إنهم كثيرون يعيشون بيننا .. ليس الظالم وحده من يؤذي .. بل من يُعينه على ظلمه أيضاً .. هذا أذاه أعظم من أذى الظالم نفسه
اقتربت وقالت:
- إذاً أنت تعرف مؤيد
أومأت ببطء.
- نعم .. أعرفه جيداً.
ثم أكملت:
- لقد استطعت إبعاده عنها .. لم يكن الأمر سهلاً .. لكنه الآن قد خرج ويبحث عنا
تبادل وائل وليلى نظرة سريعة .. بينما تابعت بصوت أكثر هدوءاً:
- أما هي .. فكانت في حالة سيئة .. خائفة .. مرتبكة .. ولم تكن تتذكر شيئاً عن نفسها.
قطبت ليلى جبينها.
- فقدان ذاكرة؟
أومأت وقلت:
- هكذا أخبرني الطبيب حينها.
سألت فوراً:
- ولماذا أخذتها إلى بيتك؟
نظرت إليها مباشرة.
- لأنه لم يكن لديها مكان آخر.
توقفت لحظة ثم أضفت:
- لم تكن تعرف اسمها ولا عائلتها ولا من أين جاءت.
سادت لحظة صمت ثقيلة لأتابع:
- انتظرت كثيراً على أمل أن يأتي احدٌ من أقاربها .. ولكن لم يحصل .. لو أن الشرطة لم تتدخل حينها .. حتى اسمها لم أكن سأعرفه
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لكن هذا لا يفسر لماذا أخبرتها أنك شقيقها ؟
تنهدت ببطء ونظرت بعيداً لحظة قبل أن أقول:
- لأنني لم أجد جواباً أفضل .. قلت لها إنني أخوها.
سألت بدهشة:
- كذبت عليها؟
قلت بهدوء صريح:
- نعم.
صمتت لحظة قبل أن تسأل:
- ولماذا؟
أجبت بعد تردد قصير:
- لأنني لم أكن أستطيع تركها وحدها.
ثم أضفت بصوت أخفض:
- وفي الوقت نفسه .. لم يكن من المناسب أن تعيش فتاة غريبة معي تحت سقف واحد .. ولأنها أيضاً كانت ما تزال غلى ذمة ذلك المتوحش
تدخل وائل لأول مرة بهدوء:
- لهذا أخبرتها أنها أختك.
أومأت :
- كان الحل الوحيد الذي خطر ببالي .. لكن الأمر لم يكن سهلاً.
نظرت إلى ليلى التي قالت:
- قلت أنها كانت على ذمته .. هل طلقها ؟
- بل أجبرته على ذلك
سأل وائل بفضول:
- وكيف فعلت ذلك؟
- لم أفعل شيئاً يُذكر لأنه سيطه يسبقه .. فقط تتبعت عمله وعلمت بموضوع أعماله الخارجة عن القانون .. إقراض المال و الربا به ولعب القمار وتهديده للناس .. حتى حلا أخذها من والدها بطريقة قذرة حيث أخذها بدل الديون التي تراكمت على والدها بسبب لعبه للقمار ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- تزوجها بتلك الطريقة !!
رد وائل:
- هذا شخص قذر ووالدها أقذر منه .. الذي لم أفهمه لماذا لم تقدم هذه الدلائل للجهات المختصة
أخفضتّ رأسي وقلت:
- إن ادعيت على ذلك النذل سوف يتورط الكثير من الأبرياء .. علاقاته متشابكة وأعماله قد مسّت الضعاف وقد تتشرد عوائل بسببه
سادت لحظة صمت أخرى .. كانت خالتي ليلى تحدق بي وكأنها تحاول فهم كل ما سمعته .. ثم سألت ببطء:
- ماذا عن حلا .. هل استعادت ذاكرتها؟
هززت رأسي.
- لا .. ما زالت لا تتذكر شيئاً
بقيت ليلى صامتة للحظات وكأنها تفكر في كل كلمة قلتها .. أخيراً سألتها بتردد:
- هل أخبرتكِ رهف بأنني استضفتها عندي؟
- رهف لم تخبرني بشيء و لكن العتب يقع عليك بإخفاءها عني بهذه الطريقة
- صدقيني لقد عاندت وأخبرتني أنني إن وشيت لكِ عن مكانها ستفضح أمر حلا وتخبر أهلي
بقيت تنظر إلي باستغراب ليسأل وائل:
- هل قامت بذلك حقاً؟
- حسناً .. ربما أنا من جعلها تفعل ذلك وخاصة بعد أن أخبرتها أن حلا شقيقتي من والدي
ردت خالتي بصدمة:
- هل قمت بنسب حلا لوالدك حقاً؟
قلت بتوتر:
- فقط لتبرير وجودها معي لـ رهف
وضعت يدها على رأسها وجلست .. ثم رفعت رأسها وقالت فجأة:
- وأنت .. ماذا تشعر تجاهها؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ماذا تقصدين؟
قالت بوضوح:
- هل ما زلت تراها مجرد فتاة أنقذتها؟
لم أجب فوراً .. صمتُّ لحظة ثم قلت بهدوء صادق:
- لا.
ساد الصمت لحظة ثم سألت ببطء:
- إذن ماذا تعني لك؟
تنهدت بعمق.
- لا أعرف متى حدث ذلك و لكنني لم أعد أستطيع تخيل حياتي من دونها
تبادلت مع وائل نظرة طويلة .. ثم قلت أخيراً:
- لكن هناك سؤال أريد أن أسأله أنا أيضاً
نظرت إليّ لأقول مباشرة:
- لماذا كل هذا الاهتمام؟ لماذا تسألين عن حلا بهذه الطريقة؟
سكتت ليلى لثوانٍ طويلة .. ثم أخذت نفساً عميقاً وقالت ببطء:
- لأن حلا ليست فتاة وحيدة كما تظن.
شعرت بأن قلبي توقف لحظة.
- ماذا تقصدين؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لأنها تكون أخت رهف.
تجمدت في مكاني بينما قالت بصوتٍ أثقل:
- أختها التوأم.
شعرت وكأن الكلمات اصطدمت بي دفعة واحدة .. أما خالتي أكملت بصوتٍ خافت :
- الفتاة التي أبحث عنها منذ أشهر .. كانت معك أنت .. هي حلا .. عندما أنقذتها أنت من مؤيد .. تعافت رهف من معاناتها
كنت أنظر إليها والصدمة تلازمني .. لم أفهم كيف تلاقت الأقدار أو تحولت القصة من مجرد إنقاذ إلى قصة لقاءٍ بعد سنين طويلة من الفراق