رواية سحر الراوي الفصل الثامن عشر 18 بقلم الثناء ضاحي
البارت الثامن عشر
سرايا الراوي — صباحٌ ثقيل يولد من قلب العاصفة
ثمة أيام لا تبدأ مع شروق الشمس...
بل تبدأ مع قرار.
قرار واحد فقط.
قد يغيّر شكل حياة كاملة.
وكان هذا الصباح واحدًا من تلك الأيام.
امتدت أشعة الشمس فوق سرايا الراوي ببطء، تزحف فوق الجدران الحجرية القديمة، وتوقظ تفاصيل المكان كما لو أنها تزيح الغبار عن ذاكرة عتيقة.
كانت السرايا تبدو هادئة.
هادئة أكثر مما ينبغي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وكل هدوء زائد عن الحد يخفي شيئًا.
كان عبد المنعم الراوي يقف أمام نافذة مكتبه الواسعة.
كلا الرجلين اللذين عاشا داخله كانا مستيقظين في تلك اللحظة.
الرجل القوي الذي اعتاد أن يأمر فيُطاع.
والأب الذي بدأ يخاف.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
كان الأب أقوى من السيد.
رفع بصره نحو الحديقة.
حيث كان العمال يتحركون في نشاط غير معتاد.
وأصوات الترتيب والتنظيف تتردد في الأرجاء.
تنهد ببطء.
ثم همس لنفسه:
"الزمن بيلف دايرته غصب عن الكل."
دخل فؤاد بهدوء.
وقال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"أمير وعزيزة وافقوا."
لم يلتفت عبد المنعم.
كأنه كان يعرف.
بل كأنه توقع الموافقة منذ اللحظة الأولى.
فبعض البشر لا يرفضون الفرص...
حتى لو كانوا يكرهون أصحابها.
قال أخيرًا:
"وقاسم؟"
ابتسم فؤاد.
"أول مرة أشوفه بالشكل ده."
التفت عبد المنعم.
"شكل إيه؟"
ضحك الرجل العجوز.
"شكل راجل أخيرًا لقى البيت اللي كان بيدور عليه."
ساد الصمت.
ولم يعلق عبد المنعم.
لكنه عاد ينظر للحديقة.
وهناك...
لأول مرة منذ وصول قاسم إلى السرايا...
رآه يتحرك دون ذلك الحمل الثقيل فوق كتفيه.
وكأن شيئًا داخله بدأ يستقر.
ورغم كل شيء...
شعر عبد المنعم براحة صغيرة.
راحة لم يعترف بها لأحد.
ولا حتى لنفسه.
الجناح الشرقي
كان الجناح الشرقي مهجورًا منذ سنوات.
غرف واسعة.
وشرفات مطلة على البساتين.
وأرضيات رخامية تحمل آثار الزمن.
وقف قاسم وسط المكان.
يتأمله بصمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الغبار يملأ الزوايا.
لكن الرجل لم يكن يرى الغبار.
كان يرى الحياة القادمة.
وهذه من أجمل خدع الحب...
أنه يجعل الإنسان يرى ما ليس موجودًا بعد.
دخل مصطفى خلفه.
نظر حوله.
ثم أطلق صفيرًا طويلًا.
وقال:
"يعني أنا طول عمري عايش هنا ومحدش قالي إن عندنا قصر جوه القصر؟"
ابتسم قاسم.
فأكمل مصطفى:
"أنا شايف إننا نعمل فيه فرع فندقي ونحل الأزمة الاقتصادية."
ضحك قاسم.
بينما أخذ مصطفى يدور في المكان.
ثم توقف فجأة.
وأشار إلى غرفة واسعة.
"دي أوضتي."
قال قاسم:
"أوضتك إيه؟"
رد مصطفى بثقة:
"صاحب العريس ليه امتيازات."
"مين قال إنك صاحب العريس؟"
رفع مصطفى حاجبيه.
"بعد كل اللي عملته؟"
ثم أضاف بحزن مصطنع:
"الغدر وحش يا قاسم."
لكن خلف سخريته المعتادة...
كانت عيناه تراقبان صديقه.
وتلاحظ ذلك البريق الجديد.
البريق الذي يظهر في عيون الرجال حين يصبح للمستقبل وجه واضح.
شيماء
في الناحية الأخرى...
كانت شيماء تقف داخل غرفتها.
وأمامها المرآة.
لكنها لم تكن تنظر إلى انعكاسها.
كانت تنظر إلى حياتها.
حياة كاملة تتغير في أسابيع قليلة.
منذ شهور...
كانت تشعر أنها مجرد ضيفة داخل هذا العالم.
لا تنتمي تمامًا إلى السرايا.
ولا تنتمي إلى البيت الصغير الذي يعيش فيه والداها.
كانت عالقة بين مكانين.
مثل شجرة نبتت بين صخرتين.
أما الآن...
فكان لأول مرة يوجد طريق.
طريق واضح.
لكن الوضوح أحيانًا يخيف أكثر من الغموض.
دخلت وهج بهدوء.
وحين رأت شيماء...
ابتسمت.
ابتسامة جميلة.
ومتعبة.
وقالـت:
"مبروك."
رفعت شيماء رأسها.
ثم اقتربت منها.
وأمسكت يدها.
"وهج..."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكن وهج قاطعتها بلطف.
"متقوليش حاجة."
ابتسمت مجددًا.
تلك الابتسامة التي تؤلم أكثر من البكاء.
وقالت:
"أنا فرحانة لك."
وكانت تكذب.
أو ربما لا تكذب بالكامل.
فهي بالفعل كانت تتمنى السعادة لشيماء.
لكن الإنسان يستطيع أن يحب شخصين في اللحظة نفسها...
سعادة من يحبهم.
وحزنه الشخصي.
وكان هذا تحديدًا ما يحدث داخلها.
حين غادرت الغرفة...
شعرت وكأن أحدًا انتزع شيئًا من صدرها.
شيئًا صغيرًا.
لكنه كان جزءًا منها.
وفي الممر الطويل...
سارت وحدها.
تفكر.
وتدرك للمرة الأولى أن بعض المعارك لا تُخسر أمام الناس...
بل تُخسر داخل القلب.
بصمت كامل.
شريف العامري
في مكان آخر من السرايا...
كان شريف يجلس في المكتبة القديمة.
أمامه ملفات.
وخرائط.
وصور.
لكن عقله لم يكن معها كلها.
كان هناك خيط ناقص.
وتلك الخيوط الناقصة كانت تزعجه أكثر من الأخطار نفسها.
دخل مصطفى دون استئذان.
كعادته.
وجلس أمامه.
ثم قال:
"عندي نظرية."
لم يرفع شريف رأسه.
"خايف أسمعها."
"لا دي محترمة."
أغلق شريف الملف أخيرًا.
"قول."
اقترب مصطفى قليلًا.
وقال:
"إنت مبتنامش."
"وبعدين؟"
"واللي مبتنامش ده بيبقى يا عبقري... يا عنده مشاكل نفسية."
نظر إليه شريف.
فأضاف مصطفى بسرعة:
"أنا شخصيًا مرشحك للخيار الأول."
ورغم جدية المكان...
ضحك شريف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ضحكة قصيرة.
لكنها كشفت شيئًا مهمًا.
فالقوة الحقيقية لا تجعل الإنسان حجرًا.
بل تجعله قادرًا على الضحك رغم الأثقال.
قال مصطفى فجأة:
"بجد يا شريف."
"همم؟"
"إنت شايف إيه محدش شايفه؟"
ساد الصمت.
ثم أجاب شريف بهدوء:
"كل الناس بتبص للأحداث."
"وأنت؟"
"أنا ببص للناس."
انعقد حاجبا مصطفى.
فأكمل شريف:
"الحدث بيكذب أحيانًا."
ثم نظر إلى الملفات.
"البشر أقل قدرة على الكذب."
ظل مصطفى صامتًا.
لأنه فهم.
ولأن الإجابة كانت أعمق من أن تتحول إلى نكتة.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
أدرك أكثر لماذا يثق بهذا الرجل.
مساء السرايا
مع اقتراب الغروب...
بدأ الجناح الشرقي يتغير.
العمال يتحركون.
الأثاث الجديد يصل.
الستائر تُعلق.
والغرف تستعيد الحياة.
كان قاسم يشرف بنفسه على كل شيء.
ويبدو غريبًا كيف يستطيع الحب أن يحول أكثر الرجال صلابة إلى شخص يهتم بلون الستائر واتجاه الضوء.
ومن شرفة بعيدة...
كانت وهج تراقب.
وترى.
وتفهم.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كل تفصيلة كانت سهمًا صغيرًا.
لكن السهام الصغيرة إذا اجتمعت...
تصنع جرحًا كبيرًا.
أغمضت عينيها.
ثم ابتعدت.
هذه المرة دون أن تنظر خلفها.
وفي مكان بعيد...
كان عامر الراوي يقف فوق المرتفع الصخري المعتاد.
الريح تعصف بثوبه الأسود.
وعيناه مثبتتان على الأفق.
اقترب أحد رجاله.
وقال:
"الخطوبة قربت."
ظل عامر صامتًا.
ثم ابتسم.
تلك الابتسامة التي لم يكن أحد يحب رؤيتها.
وقال:
"عارف."
"نعمل حاجة؟"
هز رأسه ببطء.
"لا."
استغرب الرجل.
أما عامر...
فنظر نحو السماء التي بدأت تظلم.
وقال:
"أخطر لحظة في حياة الإنسان..."
ثم سكت قليلًا.
"...مش ساعة الخوف."
رفع الرجل رأسه نحوه.
فأكمل عامر:
"أخطر لحظة هي ساعة الطمأنينة."
وساد الصمت.
بينما كانت الشمس تختفي خلف الجبال.
وتترك العالم نصف غارق في النور...
ونصف غارق في الظلام.
مثل قلوب أبطال الحكاية تمامًا.
ففي السرايا...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان الحب يكبر.
وكانت الأحلام تُبنى.
وكانت الجراح تُخفى.
وفي مكان آخر...
كانت المؤامرات تستيقظ.
وكان شخص ما يقترب من الحقيقة.
وشخص آخر يقترب من الخيانة.
أما القدر...
فكان يراقب الجميع بصبر.
كأنه يعرف ما لا يعرفونه.
سرايا الراوي — قبل الخطوبة بثلاثة أيام
من الغريب أن البيوت الكبيرة لا يوقظها الخطر وحده...
بل توقظها الأفراح أيضًا.
ولأول مرة منذ شهور طويلة...
بدأت السرايا تتنفس بطريقة مختلفة.
كأن الجدران العتيقة التي اعتادت سماع الصراخ والخلافات والمؤامرات...
اشتاقت إلى صوت الضحك.
منذ الصباح الباكر والخدم يتحركون في كل اتجاه.
السجاد يُنفض.
الثريات تُلمع.
الستائر تُستبدل.
وأصص الزهور تُنقل من مكان إلى آخر.
حتى الحديقة الجنوبية تغير شكلها بالكامل.
الممرات الحجرية القديمة غُسلت بالماء.
والنوافير أُعيد تشغيلها.
وأغصان الياسمين امتدت فوق الأقواس الحجرية كأنها تحاول أن تشارك هي الأخرى في الاحتفال.
وكان قاسم...
في قلب كل ذلك.
لا يجلس.
لا يرتاح.
ولا يترك تفصيلة دون أن يراجعها بنفسه.
وقف في الجناح الشرقي يتابع العمال.
ثم أشار إلى إحدى الشرفات.
وقال:
"الورود دي تتغير."
استغرب العامل.
"دي جديدة يا بيه."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسم قاسم.
وقال:
"عارف."
ثم نظر إلى الورود لحظة.
وأضاف:
"بس مش دي اللي كانت بتحبها."
توقف العامل للحظة.
ثم فهم.
وابتسم.
أما قاسم...
فلم ينتبه.
لأنه كان غارقًا في شيء آخر.
شيء لم يعشه منذ سنوات طويلة.
الانتظار الجميل.
شيماء
في الجهة الأخرى من السرايا...
كانت شيماء تعيش حالة لم تعرف لها اسمًا.
السعادة أحيانًا لا تأتي كعاصفة.
بل تأتي بهدوء شديد.
لدرجة أن الإنسان يخاف أن يصدقها.
جلست قرب النافذة.
وأمامها صندوق صغير قديم.
تحتفظ بداخله بأشياء لا قيمة مادية لها.
ورقة.
صورة قديمة.
وردة جافة.
ذكريات صغيرة.
لكنها كانت حياة كاملة.
دخلت وهج بهدوء.
وجلست بجوارها.
لبعض الوقت...
لم تتكلم أي منهما.
وكان الصمت بينهما أكثر صدقًا من الكلام.
ثم قالت شيماء فجأة:
"أنا خايفة."
ابتسمت وهج ابتسامة خفيفة.
"من إيه؟"
تنهدت شيماء.
ونظرت من النافذة.
"من إن كل ده يطلع حلم."
ساد الصمت.
ثم قالت وهج بهدوء:
"الحلم بيبقى حلم طول ما صاحبه خايف يلمسه."
نظرت إليها شيماء.
فابتسمت وهج مجددًا.
وأضافت:
"إنتِ أخيرًا مدّيتي إيدك لحياتك."
ولأول مرة...
شعرت شيماء أن الكلمات لامست قلبها.
فأمسكت يد وهج.
وقالت بصوت منخفض:
"مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
وهنا...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسمت وهج.
لكن قلبها كان ينزف.
لأن بعض الناس...
يواسون الآخرين في الألم نفسه الذي يعيشونه.
بعد الغروب
كانت السماء تكتسي بلون أرجواني هادئ.
والحديقة الخلفية شبه خالية.
خرجت شيماء وحدها.
تبحث عن بعض الهدوء.
وبعد دقائق...
وجدت قاسم جالسًا قرب النافورة القديمة.
يحمل دفترًا صغيرًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 1
اقتربت.
فرفع رأسه.
وحين رآها...
ابتسم.
تلك الابتسامة التي أصبحت تخصها وحدها.
جلست بجواره.
وقالت:
"بتكتب إيه؟"
أغلق الدفتر بسرعة.
فرفعت حاجبها.
"سر؟"
قال:
"نوعًا ما."
ضحكت.
"أول مرة أشوفك متوتر."
نظر إليها.
ثم قال بهدوء:
"يمكن عشان أول مرة يبقى عندي حاجة أخاف أخسرها."
اختفت الضحكة تدريجيًا.
وساد بينهما صمت طويل.
لم يكن صمت حرج.
بل صمت شخصين يشعران أن الكلام أقل مما يريدان قوله.
تحركت الريح بخفة.
فوقعت خصلة من شعرها فوق وجهها.
ومدت يدها لتبعدها.
لكن قاسم سبقها.
ثم توقف في منتصف الحركة.
كأنه تذكر نفسه فجأة.
أما شيماء...
فاكتفت بالنظر إليه.
وفي تلك اللحظة الصغيرة جدًا...
لم يحدث شيء كبير.
لا اعتراف.
ولا لمسة طويلة.
ولا مشهد مبتذل.
لكن شيئًا أعمق حدث.
ذلك النوع من اللحظات الذي يجعل الإنسان يشعر أنه وصل أخيرًا إلى المكان الذي كان يبحث عنه.
فقالت شيماء بهدوء:
"عارف؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"إيه؟"
ابتسمت.
"أنا مبسوطة."
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
"وأنا كمان."
وكانت الجملة بسيطة جدًا.
لكنها خرجت من قلبين يعرفان جيدًا معنى الطريق الطويل قبل الوصول.
يوم الخطوبة
سرايا الراوي — السابعة مساءً
بدت السرايا في تلك الليلة كأنها خرجت من زمن آخر.
الأضواء الذهبية كانت تتدلى من الشرفات الحجرية.
والحدائق امتلأت بالفوانيس الصغيرة.
وأشجار النخيل زُينت بخيوط الضوء.
أما النافورة الرئيسية...
فكانت تتلألأ وسط الساحة الكبيرة كأنها قلب الاحتفال نفسه.
ازدحمت السرايا بالضيوف.
أصوات الترحيب.
الضحكات.
رائحة القهوة العربية.
وحركة الخدم بين الطاولات.
كل شيء كان ينبض بالحياة.
حتى عبد المنعم الراوي...
الذي نادرًا ما يرى أحد ابتسامته...
بدا أقل صرامة تلك الليلة.
كأنه سمح لنفسه بهدنة قصيرة مع الدنيا.
ظهور وهج
وحين نزلت وهج إلى الحديقة...
التفتت إليها الأنظار دون قصد.
لم تكن أجمل فتاة في المكان فحسب.
بل كانت تحمل ذلك النوع من الجمال الذي يولد من الحزن الراقي.
ارتدت فستانًا بلون أزرق هادئ.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وتركت شعرها الأسود الطويل منسدلًا فوق كتفيها.
وكانت ملامحها الليلة أكثر نضجًا.
أكثر رقة.
وأكثر وجعًا.
حتى ابتسامتها بدت كأنها تخفي قصة كاملة.
مرت بين الضيوف.
تبارك.
وتبتسم.
وتؤدي دورها بإتقان.
لكن داخلها...
كانت معركة أخرى تدور.
ورغم ذلك...
لم يلاحظ أحد شيئًا.
إلا شخصًا واحدًا.
شريف العامري.
شريف
كان يجلس وحده نسبيًا.
يراقب المكان بعينيه المعتادتين على ملاحظة ما لا يراه الآخرون.
وحين وقعت عيناه عليها...
توقف للحظة.
لحظة قصيرة جدًا.
لكنها حدثت.
تابعها وهي تتحرك بين الضيوف.
تضحك.
وتتكلم.
وتخفي نفسها خلف ابتسامتها.
ثم لاحظ شيئًا.
لاحظ أن ابتسامتها لا تصل إلى عينيها.
فهم.
أو ظن أنه فهم.
وبعد دقائق...
وجدها تجلس وحدها على إحدى الطاولات البعيدة نسبيًا.
تنظر نحو المنصة.
حيث يقف قاسم بجوار شيماء.
فتقدم بهدوء.
وتوقف بجوار الطاولة.
وقال:
"ممكن؟"
رفعت رأسها.
ثم أومأت.
"اتفضل."
جلس.
وساد الصمت.
الغريب...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أن الصمت لم يكن مزعجًا.
كأن كليهما لا يحتاج إلى الكلام.
كانت وهج تنظر نحو قاسم وشيماء.
أما شريف...
فكان ينظر نحوها هي.
بهدوء.
ودون أن يشعر.
يتأمل ملامحها.
طريقة جلوسها.
وتلك النظرة البعيدة التي تحمل أكثر مما تقول.
ثم فجأة...
استدارت نحوه.
فأدار بصره فورًا ناحية المنصة.
كأنه كان ينظر إليها صدفة.
أما هي...
فلم تلاحظ.
لأن قلبها كان في مكان آخر.
ولأول مرة منذ سنوات...
وجد شريف نفسه يتنهد دون سبب واضح.
الأمر أزعجه.
لأنه رجل اعتاد فهم نفسه.
وهذه المرة...
لم يفهم.
وفي الجهة المقابلة...
كان مصطفى قد قرر أن يحول نفسه إلى كارثة اجتماعية متحركة.
وقف بجوار أحد الخدم.
وقال:
"من فضلك متحطليش حلويات زيادة."
استغرب الرجل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"ليه؟"
تنهد مصطفى بحزن.
"أنا عندي علاقة سامة مع البسبوسة."
وبعد دقائق...
كان يحمل ثلاثة أطباق.
وحين رآه شريف...
هز رأسه بيأس.
فقال مصطفى:
"متبصليش كده."
وأشار للأطباق.
"دي مسؤولية وطنية."
ورغم التوترات كلها...
انفجر شريف ضاحكًا.
ضحكة حقيقية.
جعلت مصطفى يبتسم بانتصار.
وكأن نجاحه في إضحاك شريف أهم من الخطوبة نفسها.
المنصة
وقف قاسم بجوار شيماء.
وأصوات التهاني تتعالى من كل مكان.
لكن وسط الزحام كله...
لم يكن يرى سوى هي.
أما شيماء...
فكانت تشعر أن السنوات الثقيلة التي عاشتها...
تبتعد قليلًا.
كأن القدر يمنحها أخيرًا استراحة.
وكانت السرايا كلها تبدو سعيدة.
إلا قلبين فقط.
قلب وهج...
الذي يبتسم ويخفي وجعه.
وقلب رجل يجلس إلى جوارها...
بدأ يدرك متأخرًا أنه ينظر إليها أكثر مما ينبغي.
وفي مكان بعيد...
بعيد جدًا...
كان شخص آخر يراقب كل ذلك.
ويبتسم.
لأن العاصفة...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم تبدأ بعد.
كان الليل قد استقر فوق السرايا تمامًا.
لكن البهجة ما زالت تتدفق بين الأضواء والوجوه والضحكات.
في الساحة الرئيسية...
كانت الموسيقى الهادئة تنساب بين الطاولات.
والناس يتحركون في مجموعات صغيرة.
كل مجموعة تصنع حكايتها الخاصة.
أما على الطاولة البعيدة...
فكان الصمت يجلس بين وهج وشريف.
صمت غريب.
ليس مريحًا تمامًا.
وليس مزعجًا تمامًا.
بل ذلك النوع من الصمت الذي يحدث حين لا يعرف شخصان كيف يبدآن الحديث.
كانت وهج تنظر ناحية المنصة.
حيث يقف قاسم وشيماء.
بينما كان شريف يحاول للمرة الأولى منذ سنوات أن يفتح حديثًا لا علاقة له بجريمة أو تحقيق أو تقرير رسمي.
وكان يكتشف أن المهمة أصعب مما تخيل.
أصعب كثيرًا.
ظل صامتًا للحظات.
ثم قال فجأة:
"هو... سؤال."
التفتت إليه وهج.
"اتفضل."
تردد ثانية.
ثم قال:
"طولك كام؟"
ساد الصمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
رفعت وهج حاجبًا ببطء.
ونظرت إليه وكأنها تحاول التأكد أنها سمعت جيدًا.
أما شريف...
ففي اللحظة نفسها أدرك أنه ارتكب خطأً تاريخيًا.
وقال فورًا:
"لا... استني."
ثم مرر يده فوق وجهه.
"أنا معرفش ليه سألت السؤال ده أصلًا."
ولأول مرة منذ بداية الليلة...
ضحكت وهج.
ضحكة حقيقية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
خرجت دون تخطيط.
ودون مقاومة.
ضحكة جعلت عينيها تلمعان للحظة.
فشعر شريف أنه ربح معركة كاملة.
رغم أنه خسر السؤال.
قالت وهي تحاول التوقف عن الضحك:
"يعني ده أول سؤال جه في دماغك؟"
تنهد شريف.
وقال بجدية مصطنعة:
"كنت ناوي أسأل حاجة أذكى."
"زي إيه؟"
فكر قليلًا.
ثم قال:
"معنديش فكرة."
فضحكت مجددًا.
أما هو...
فاكتشف شيئًا غريبًا.
أنه يستمتع بسماع ضحكتها أكثر مما ينبغي.
وكان هذا الاكتشاف يزعجه.
لأنه رجل يحب فهم الأشياء.
أما هذا الشعور...
فلم يكن مفهومًا إطلاقًا.
في تلك اللحظة ظهر مصطفى.
يحمل طبقين من الحلويات.
وجلس بينهما دون استئذان.
وقال:
"أخيرًا."
نظر إليه شريف.
"أخيرًا إيه؟"
أشار مصطفى نحوه.
"أخيرًا اتكلمت مع بني آدم خارج محضر تحقيق."
ثم التفت إلى وهج.
وأضاف:
"حضرتك متعرفيش كمية التطور اللي إحنا عايشينه دلوقتي."
قالت وهج مبتسمة:
"للدرجة؟"
أجاب مصطفى:
"حضرتك لو شوفتيه أول يوم."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وأشار إلى شريف.
"كان ممكن يبلغ عن الشمس بتهمة الإزعاج."
ضحكت وهج.
بينما هز شريف رأسه بيأس.
وقال:
"أنا غلطان إني مصاحبك."
رد مصطفى فورًا:
"متقلقش."
ثم أخذ قطعة حلوى.
"كل الناس بتقول كده في الأول."
على المنصة الرئيسية...
كانت شيماء تستقبل التهاني.
لكن عينيها كانتا تبحثان عن شخص واحد فقط.
وحين وقع بصرها على قاسم...
شعرت بذلك الهدوء الذي لا تصنعه الكلمات.
كان يقف بين الناس.
يتحدث مع الضيوف.
لكن كل بضع دقائق...
كان ينظر نحوها.
دون أن يشعر.
ودون أن يقصد.
كأن عقله اعتاد وجودها في مجال رؤيته.
وهذا تحديدًا ما لاحظته وهج من بعيد.
لاحظته كما يلاحظ الإنسان الحقيقة التي حاول الهروب منها طويلًا.
في بعض الأحيان...
لا يؤلمنا أن نخسر.
بل يؤلمنا أن نفهم متأخرين.
جلست صامتة للحظات.
تنظر إليهما.
ثم ابتسمت.
ابتسامة هادئة.
ناضجة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مؤلمة.
وكانت تلك إحدى الصفات النادرة في وهج...
أنها لا تسمح لحزنها أن يتحول إلى حقد.
ولا تسمح لخيبتها أن تفسد فرحة غيرها.
لاحظ شريف التغير الخفيف في عينيها.
لاحظه دون أن يفهم سببه بالكامل.
لكنه فهم شيئًا واحدًا فقط.
أنها ليست بخير.
ورغم ذلك...
تصر على الابتسام.
وهذه النوعية من البشر كانت دائمًا تثير احترامه.
بل أكثر من احترامه.
بعد ساعة تقريبًا...
بدأ الضيوف يغادرون تدريجيًا.
وتحولت السرايا إلى حالة من الدفء الهادئ.
الاحتفال لم ينتهِ.
لكنه أصبح أكثر خصوصية.
أكثر عائلية.
وأقل صخبًا.
كان عبد المنعم يجلس بعيدًا يراقب الجميع.
بعيني رجل عاش طويلًا.
وخسر طويلًا.
وربح طويلًا.
وربما فهم أخيرًا أن السلطة لا تحمي الإنسان دائمًا.
وأن أغلى ما يملكه المرء ليس الأرض ولا النفوذ...
بل الأشخاص الذين يخشى فقدانهم.
وفي أثناء ذلك...
كان شريف واقفًا في طرف الحديقة.
ينظر إلى الأضواء المنعكسة فوق النافورة.
فجاء مصطفى ووقف بجواره.
وقال:
"أنا عندي ملاحظة."
تنهد شريف.
"قل."
ابتسم مصطفى.
وأشار ناحية وهج التي كانت تتحدث مع بعض السيدات.
ثم قال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"واضح إن سؤال الطول كان مؤثر جدًا."
التفت شريف إليه ببطء.
فرفع مصطفى يديه فورًا.
"أنا ساكت."
ثم أضاف:
"بس لو الخطوة الجاية هتسألها فصيلة دمها يبقى لازم نتدخل."
لثانية كاملة...
ظل شريف ينظر إليه.
ثم انفجر ضاحكًا.
ضحكة حقيقية.
قوية.
نادرة.
لدرجة أن مصطفى نفسه توقف عن الكلام.
وقال بدهشة:
"يا ساتر."
"إيه؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"أهو الضحك ده."
وأشار إليه.
"البنات بيقعوا فيه بالمناسبة."
هز شريف رأسه.
لكن للمرة الأولى منذ سنوات...
لم يشعر برغبة في العودة إلى عزلته.
ولم يشعر برغبة في الهروب من الناس.
ولم يكن يعرف أن أخطر التغيرات في حياة الإنسان...
هي تلك التي تبدأ بابتسامة صغيرة...
ثم تكبر ببطء.
دون أن ينتبه لها أحد.
حتى صاحبها نفسه.