رواية سحر الراوي الفصل التاسع عشر 19 بقلم الثناء ضاحي
البارت 19
قبل الفجر بقليل
البارت التاسع عشر
هناك حقيقة غريبة لا يعرفها أغلب البشر...
أن الأفراح الكبيرة لا تُخفي المصائب.
بل تؤجل ظهورها فقط.
وكانت سرايا الراوي في تلك الليلة تشبه إنسانًا يبتسم في صورة تذكارية...
بينما قلبه ينزف في مكان لا تراه الكاميرا.
انتهت الخطوبة.
غادر أغلب الضيوف.
وسكنت الأصوات شيئًا فشيئًا.
لكن آثار الاحتفال بقيت معلقة في كل مكان.
أكواب قهوة نصف ممتلئة.
ورود متناثرة فوق الطاولات.
فوانيس صغيرة ما زالت تضيء الممرات.
وضوء ذهبي خافت ينساب فوق الجدران الحجرية القديمة.
كانت السرايا تبدو جميلة بصورة مؤلمة.
كأنها تعرف أن السعادة لا تبقى طويلًا.
في الحديقة الخلفية...
كان قاسم يسير وحده.
لأول مرة منذ سنوات شعر أن الحياة توقفت عن مطاردته.
كأن الرجل الذي ظل يجري طوال عمره...
وجد أخيرًا مكانًا يجلس فيه دون خوف.
وقف أمام النافورة القديمة.
المكان الذي بدأت فيه حكايته مع شيماء.
مد يده فوق الماء الساكن.
فتكسرت صورته إلى دوائر صغيرة.
ابتسم.
ثم قال بصوت خافت:
"أخيرًا..."
لكن الإنسان حين يقول "أخيرًا"...
يكون القدر غالبًا قد جهز له مفاجأة جديدة.
في الجناح الآخر...
كانت وهج تقف وحدها أمام المرآة.
نزعت أقراطها ببطء.
ثم جلست على طرف السرير.
الصمت يملأ الغرفة.
والحزن يملأ ما هو أعمق من الغرفة.
كانت تعرف أنها فعلت الشيء الصحيح.
باركت.
ابتسمت.
حضنت شيماء.
تمنت لها السعادة.
لكن القلب لا يكافئ صاحبه دائمًا على نُبله.
أحيانًا...
يعاقبه.
أغمضت عينيها.
فتذكرت كل نظرة من قاسم.
كل ضحكة.
كل لحظة مرت دون أن تفهم معناها.
ثم فهمتها متأخرة.
ومتأخرًا جدًا.
انحدرت دمعة واحدة فقط.
لا أكثر.
الدموع الكثيرة تخص الأطفال.
أما بعض الأحزان...
فتنزل في دمعة واحدة.
وتبقى بعدها سنوات كاملة.
وفي الممر الطويل خارج غرفتها...
كان شريف يمر بالصدفة.
أو هكذا أقنع نفسه.
توقف حين لمح الضوء أسفل بابها.
نظر للحظة.
ثم أكمل طريقه.
لكنه لم يكمل فعلًا.
بعد عدة خطوات...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
توقف.
استدار.
نظر للباب مرة أخرى.
ثم هز رأسه بضيق.
كأنه غاضب من نفسه.
وغادر.
من بعيد...
كان قاسم يراه.
لاحظ التوقف.
والالتفاتة.
والتردد.
ولاحظ شيئًا آخر.
ذلك الشيء الذي لا يراه إلا الرجال في بعضهم.
الاهتمام.
ليس الحب بعد.
لكن الطريق المؤدي إليه.
ضاقت عينا قاسم قليلًا.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة.
وقال لنفسه:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"آه يا حضرة الظابط..."
في صباح اليوم التالي...
استيقظت السرايا على كارثة اسمها مصطفى.
كان يقف فوق سلم خشبي في الحديقة.
ويرتدي قبعة عامل بناء وجدها في مكان ما.
ويعطي أوامر للخدم وكأنه رئيس الوزراء.
"الورد ده هنا."
"لا لا لا... الورد ده شكله مكتئب."
"هاتوا الورد المتفائل."
نظر إليه أحد العمال بحيرة.
وقال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"هو فيه ورد متفائل؟"
رد مصطفى فورًا:
"طبعًا."
ثم أشار إلى وردة حمراء.
"شايف دي؟"
"أيوة."
"دي مخطوبة."
وأشار إلى وردة ذابلة.
"ودي فسخت الخطوبة."
بعد دقائق...
وصل شريف.
فوجد مصطفى واقفًا فوق السلم.
يحمل دفترًا.
ويكتب شيئًا.
قال:
"بتعمل إيه؟"
رد مصطفى بثقة:
"بعمل إحصائية."
"إحصائية إيه؟"
أغلق الدفتر.
وقال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"عدد المرات اللي بصيت فيها ناحية وهج من امبارح."
ساد الصمت.
نظر إليه شريف.
نظرته الشهيرة.
النظرة التي تجعل أغلب الناس يتراجعون.
لكن مصطفى لم يكن من أغلب الناس.
بل كان مصطفى.
فقال بابتسامة واسعة:
"وصلنا سبعتاشر مرة."
"إنت مجنون."
"تسعتاشر."
"إيه؟"
"بقيوا تسعتاشر."
ثم أشار خلفه.
"بصيت دلوقتي كمان."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ولأول مرة منذ زمن...
عجز شريف عن الرد.
فاختنق مصطفى من الضحك.
حتى اضطر أن يمسك السلم كي لا يسقط.
لكن خلف الكوميديا...
كان هناك شيء آخر يتحرك.
شيء أخطر.
داخل مكتب عبد المنعم...
دخل فؤاد بسرعة.
ملامحه متوترة.
وعيناه تحملان خبرًا سيئًا.
والأخبار السيئة دائمًا تعرف الطريق إلى هذا المكتب.
قال:
"فيه مشكلة."
رفع عبد المنعم رأسه.
"إيه؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وضع فؤاد ملفًا فوق المكتب.
وقال:
"واحد من رجالة عامر اتقبض عليه امبارح."
انعقد حاجبا عبد المنعم.
"وبعدين؟"
فتح فؤاد الملف.
وأخرج صورة.
ثم دفعها نحوه.
نظر عبد المنعم.
فتغير وجهه بالكامل.
لأول مرة.
لأول مرة منذ سنوات طويلة...
اختفى ثباته.
همس:
"مستحيل..."
قال فؤاد:
"للأسف حقيقي."
ظل عبد المنعم ينظر إلى الصورة.
كأنها شبح خرج من الماضي.
ثم جلس ببطء.
وقال جملة واحدة فقط:
"لو قاسم شاف الصورة دي..."
صمت.
وأكمل بصوت متعب:
"كل حاجة هتتحرق."
في الوقت نفسه...
كان عامر الراوي يقف فوق الجبل.
والرياح تعصف بثوبه الأسود.
اقترب أحد رجاله.
وقال:
"وصلت."
ابتسم عامر.
"مين؟"
"الصورة."
اتسعت ابتسامته قليلًا.
تلك الابتسامة التي تشبه فتح باب جهنم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وقال:
"كويس."
"نبدأ؟"
نظر نحو السرايا البعيدة.
نحو المكان الذي يحتفل أهله بالحب.
ويبنون الأحلام.
ويصدقون الأمان.
ثم قال بهدوء مرعب:
"لا."
"ليه؟"
أجاب:
"لسه."
وسكت لحظة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم أضاف:
"خليهم يفرحوا يومين كمان."
رفع الرجل رأسه باستغراب.
أما عامر...
فابتسم ابتسامة باردة جدًا.
وقال:
"مفيش حاجة أجمل من السقوط..."
ثم نظر نحو الأفق البعيد.
"...لما يكون من مكان عالي."
وفي تلك اللحظة...
كان قاسم يضحك مع شيماء.
وكانت وهج تحاول ترميم قلبها بصمت.
وكان شريف يراقبها من بعيد دون أن يعترف لنفسه بسبب ذلك.
وكان مصطفى يوزع النكات على البشر والأشجار والقطط بالتساوي.
أما القدر...
فكان قد وضع يده بالفعل على أول قطعة دومينو.
ولم يبقَ سوى دفعة صغيرة واحدة...
حتى يسقط كل شيء
ثمة مشاعر لا تدخل القلب كالعواصف...
بل تتسلل إليه كما يتسلل الضوء من شق صغير في جدار قديم.
في البداية لا يلاحظه الإنسان.
ثم يكتشف متأخرًا أن الغرفة كلها امتلأت به.
--
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم بعد منتصف الليل...
كانت السرايا قد غرقت في هدوئها المعتاد.
ذلك الهدوء الذي يأتي بعد الأفراح.
هدوء يشبه التعب.
ويشبه الحنين.
ويشبه أيضًا نهاية شيء وبداية شيء آخر.
كان شريف يقف في الشرفة الغربية.
السيجارة بين أصابعه تحترق ببطء.
والحدائق الممتدة أسفل السرايا تبدو مثل بحر أسود من الأشجار.
لم يكن يفكر في القضية.
ولا في عامر.
ولا في الملفات التي تملأ غرفته.
وكان هذا وحده أمرًا غريبًا.
لأن شريف العامري اعتاد أن يفكر دائمًا.
في كل شيء.
إلا نفسه.
لكن الليلة...
كان عقله يرفض العودة للعمل.
وفي كل مرة يحاول فيها التركيز...
كانت صورة واحدة تتسلل إلى أفكاره.
وهج.
تنهد بضيق.
وألقى السيجارة بعيدًا.
كأنه يعاقبها هي.
أو يعاقب نفسه.
لم يكن يعرف.
---
في الجهة الأخرى من السرايا...
كانت وهج جالسة فوق المقعد الحجري قرب النافورة.
وحدها.
كعادتها مؤخرًا.
كانت تنظر إلى المياه المتحركة.
وقد اكتشفت منذ أيام شيئًا مؤلمًا.
أن الإنسان يستطيع أن يتجاوز الصدمة.
لكنه لا يستطيع أن يأمر قلبه أن يتوقف فورًا.
هناك فترة انتقالية قاسية.
فترة يموت فيها الحب ببطء.
ويظل القلب خلالها يتصرف وكأن شيئًا لم ينتهِ.
وكانت تعيش تلك الفترة.
كل يوم.
وكل ساعة.
---
وفي تلك اللحظة...
ظهر مصطفى.
جلس بجوارها دون استئذان.
حاملًا كوبين من الشاي.
ناولها أحدهما.
ثم قال:
"أنا جاي أنقذك."
نظرت إليه باستغراب.
"من إيه؟"
تنهد بحزن مصطنع.
"من نفسك."
ابتسمت رغماً عنها.
فأشار إليها منتصرًا.
"أهو."
"أهو إيه؟"
"ابتسمتي."
ثم أضاف:
"مهمتي نجحت."
ضحكت بخفوت.
أما مصطفى...
فنظر إليها للحظة طويلة.
ومن خلف ضحكاته المعتادة...
كان يراها جيدًا.
أكثر مما يظن الناس.
قال بهدوء نادر:
"إنتِ قوية جدًا على فكرة."
اختفت ابتسامتها قليلًا.
وقالت:
"مش دايمًا."
هز رأسه.
"أقوى الناس هما اللي بيقولوا الجملة دي."
---
في صباح اليوم التالي...
استيقظت السرايا على حركة غير عادية.
كان قاسم قد قرر إنهاء تجهيز الجناح الشرقي بالكامل.
وأصبح المكان ينبض بالحياة.
العمال يدخلون ويخرجون.
والأثاث الجديد يُنقل.
والزهور تُرتب.
والستائر البيضاء تتحرك مع النسيم القادم من البساتين.
أما شيماء...
فكانت تتجول داخل الجناح ببطء.
وتلمس الأشياء الجديدة وكأنها لا تصدق أنها تخصها.
في إحدى الشرفات...
وقفت تنظر إلى الحقول الممتدة بعيدًا.
ثم شعرت بوجود شخص خلفها.
التفتت.
فوجدت قاسم.
اقترب.
ثم وقف بجوارها.
دون كلام.
بعض العلاقات لا تحتاج للكلام كثيرًا.
يكفي وجود الشخص.
قالت بعد صمت:
"كل ده عشاني؟"
ابتسم.
ونظر إلى الأفق.
ثم قال:
"لا."
نظرت إليه باستغراب.
فأكمل:
"عشان البيت اللي هنعيشه."
كانت جملة بسيطة.
لكنها جعلت قلبها يرتجف بطريقة غريبة.
لأن الرجال أحيانًا يعلنون حبهم دون كلمة حب واحدة.
---
في الأسفل...
كان شريف يعبر الممر الرئيسي.
فتوقفت عيناه تلقائيًا.
وهج كانت تقف قرب شجرة الياسمين.
تتحدث مع إحدى العاملات.
لا شيء مهم.
ولا شيء يستحق الانتباه.
ومع ذلك...
توقف.
دون أن يشعر.
يراقبها لثوانٍ.
ثم أكمل طريقه.
لكن قاسم رآه.
ورآه جيدًا.
كان يقف في الشرفة العلوية.
وبحكم خبرته الطويلة في قراءة البشر...
التقط التفصيلة فورًا.
ليس لأن شريف ينظر إليها.
بل بسبب الطريقة التي ينظر بها.
الطريقة التي يحاول إخفاءها.
والتي تجعل الإنسان يشيح بعينيه فور اكتشافه لنفسه.
بعد الظهر...
كان شريف جالسًا في المكتبة.
وأمامه ملف مفتوح.
لكن عينيه لم تتحركا فوق السطور منذ عشر دقائق.
دخل مصطفى.
وحمل الملف.
وقلب صفحاته.
ثم قال:
"مثير جدًا."
رفع شريف رأسه.
"إيه؟"
أغلق مصطفى الملف.
وقال:
"إنك قاعد باصص للصفحة نفسها من ربع ساعة."
ساد الصمت.
ثم قال شريف:
"عايز إيه يا مصطفى؟"
جلس مصطفى أمامه.
وابتسم تلك الابتسامة التي تعني المصائب.
"عايز أعرف حاجة."
"قول."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"هي وهج بتحب القهوة ولا الشاي؟"
انعقد حاجبا شريف.
"وأنا أعرف منين؟"
ابتسم مصطفى باتساع.
"إنت زعلت ليه؟"
"مزعلتش."
"زعلت."
"لا."
"آه."
تنهد شريف.
أما مصطفى...
فانفجر ضاحكًا.
وقال:
"والله العظيم دي أول مرة أشوفك مرتبك."
---
لكن بعيدًا عن الضحكات...
كانت العاصفة تتحرك بالفعل.
داخل أحد المخازن القديمة خارج السرايا...
وقف رجل مجهول يسلّم ظرفًا بنيًا لأحد رجال عامر.
قال بصوت منخفض:
"الصورة جوه."
أخذ الرجل الظرف.
وسأل:
"ومتأكد؟"
رد الآخر:
"مليون في المية."
ابتسم رجل عامر.
وأخفى الظرف داخل معطفه.
ثم غادر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب.
دون أن يعرف أحد...
أن ذلك الظرف الصغير...
يحمل سرًا قديمًا.
سرًا لو خرج للنور...
فلن يهدد زواج قاسم وشيماء فقط.
بل سيقلب السرايا كلها رأسًا على عقب.
وكان القدر...
كالعادة...
ينتظر اللحظة المناسبة فقط
العشرين من هنا