رواية نسخة من روحي الفصل الثامن عشر 18 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
( الثامن عشر )
" حلا "
جلستُ على طرف السرير بعد أن انتهت مكالمتي مع أدهم وما زال صدى صوته عالقاً في أذني .. حدّقت في الهاتف بين يديّ طويلاً قبل أن أضعه ببطءٍ إلى جانبي ثم أسندت ظهري إلى الوسادة وأطلقت زفرةً ثقيلة خرجت من أعماقي.
الغرفة حولي كانت هادئة على نحوٍ مريب .. هذه الغرفة الواسعة .. السرير الكبير و الستائر الناعمة ورائحة الورد القادمة من الشرفة .. كل شيءٍ فيها جميل أكثر مما اعتدت عليه .. لكن رغم ذلك .. لم أشعر بالأمان كما شعرت به في تلك الشقة الصغيرة مع أدهم.
مررت يدي على صدري أحاول تهدئة خفقان قلبي .. كلما أغمضت عيني عاد وجه مؤيد إلى ذاكرتي.
نظراته القاسية .. صوته الغليظ .. قبضته التي كانت تهوي بلا رحمة .. فتحت عيني بسرعة كأنني أهرب من الذكرى.
و همست لنفسي بصوتٍ خافت:
- ماذا لو وجدني…؟
كان السؤال بسيطاً .. لكنه حمل داخلي ألف خوف .. لو استطاع الوصول إليّ أو عرف أنني هنا .. ماذا سأفعل؟
هل سأهرب مرةً أخرى؟ وإلى أين؟
شدّدت قبضتي على الغطاء دون أن أشعر .. لم أكن أخاف على نفسي فقط .. بل على أدهم أيضاً.
إن علم مؤيد أن أدهم هو من خبأني عنده كل تلك الأشهر .. فلن يتركه وشأنه .. تنهدت ببطء وأنا أحدّق في السقف.
لأول مرة منذ زمنٍ طويل .. أشعر أن لدي شيئاً أخاف أن أخسره رهف وأدهم وهذا الشعور الغريب بالدفء الذي لم أعرفه من قبل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم قلقي .. ثم همست لنفسي:
- لا .. لن أدعه يجدني .. سأرحل قبل أن يؤذي أحداً بسببي.
لكن قلبي لم يكن واثقاً من ذلك أبداً .. فجأة عادت رهف ودخلت الغرفة بهدوءٍ غريب .. لم يكن ذلك الهدوء الذي يسبق النوم .. بل ذاك الصمت الثقيل الذي يشبه العاصفة حين تختبئ خلف السماء كنت أجلس على طرف السرير عندما رفعت رأسي ونظرت إليها .. توقفت عند الباب لحظة وكأنها نسيت لماذا جاءت .. شيءٌ في ملامحها أخافني.
كانت عيناها جامدتين .. شاردتين و كأنهما تنظران إلى مكانٍ بعيد لا أراه .. نهضت فوراً واتجهت نحوها .. وضعت يدي على كتفها بلطف وقلت بقلق:
- رهف… ما بك؟
لم تجب أو تنظر إليّ حتى .. بل تجاوزتني ببطء ومشت نحو السرير ثم جلست عليه وهي ما تزال تحدق في الفراغ أمامها .. انقبض قلبي واقتربت منها وجلست بجانبها .. انحنيت قليلاً لألتقط نظرتها .. قلت برفقٍ حاولت أن أجعله طبيعياً:
- هل قال لكِ أهلك شيئاً أزعجك؟ أخبريني ما بك؟
رفعت عينيها نحوي أخيراً .. كانت نظرتها غريبة و كأنها تحاول أن تستوعب الكلمات قبل أن تنطق بها .. ثم قالت بصوتٍ خافتٍ كأنها تخبرني بحقيقةٍ لا تخصها:
- أنا .. تبيّن أن عندي سرطان.
شعرت أن الأرض انزلقت من تحت قدمي .. لم أفهم ما قالت أو ربما لم أرد أن أفهم .. لكنها فجأة انفجرت بالبكاء.
ارتمت نحوي دون سابق إنذار وألقت بنفسها في حضني وهي تبكي بحرقةٍ جعلت صدري ينقبض ألماً .. تجمدت لثوانٍ من شدة الصدمة .. لكن ذراعي تحركتا تلقائياً واحتضنتها بقوة.
لم أشعر إلا والدموع تسيل من عيني أنا أيضاً .. لا .. لا يمكن ليس رهف .. ليس هذه الفتاة الوحيدة التي اعتبرتها أختاً لي
دفنت وجهها في كتفي وهي تبكي وتقول بين شهقاتها:
- لماذا أنا يا حلا ؟ ماذا فعلتُ ؟ لماذا لم تُكتب لي الراحة؟
ابتلعت غصتي ومسحت دموعي بسرعة .. لا يجوز أن أضعف الآن .. شدّدت احتضاني لها وربتُّ على شعرها بلطف وقلت بصوتٍ حاولت أن أجعله ثابتاً:
- لا يا رهف… لا تبكي.
هزت رأسها وهي تبكي أكثر بينما رفعت وجهها بيدي ونظرت في عينيها مباشرة وقلت بحزمٍ دافئ:
- أنتِ أقوى من هذا المرض هل تسمعينني؟ أنتِ أقوى منه.
نظرت إليّ بعينين دامعتين تابعت وأنا أحاول أن أزرع في قلبها أملاً لا أعرف من أين أتيت به:
- المرض لا يهزم إلا من يستسلم له .. وأنتِ لستِ من النوع الذي يستسلم ..يا رهف .. لطالما استمديت منكِ القوة .. وأعطيتني الثقة التي كنت أفتقر لها
تنهدت بين بكائها .. مسحت دموعها بإبهامي وقلت بخفةٍ متعمدة:
-ثم إنك لو استسلمتِ من سيأكل كل الفطائر التي سأعدها غداً؟ أنا لا أستطيع إنهاءها وحدي.
رمشت بعينيها ثم خرجت منها ضحكة صغيرة رغم دموعها.
ارتحت قليلاً عندما سمعت تلك الضحكة .. وبقيت أحدثها طويلاً بعد ذلك .. أخبرتها قصصاً… ومواقف مضحكة… وحتى أشياء صغيرة لا معنى لها فقط كي لا تترك أفكارها تبتلعها.
شيئاً فشيئاً هدأت ثم تمددت على السرير وما زلت أجلس بجانبها .. كانت تمسك بيدي بقوة وكأنها تخشى أن أختفي إن تركتها .. واصلنا الحديث حتى بدأت كلماتها تتباطأ.
ثم أغمضت عينيها أخيراً وغفت .. بقيت ممسكة بيدي حتى وهي نائمة جلست إلى جانبها بصمت .. أتأمل ملامحها الهادئة .. بدت طفلةً صغيرة في نومها بلا خوفٍ ولا ألم .. تأملت وجهها طويلاً وشعرت بشيءٍ يعتصر صدري .. أرجو من الله أن يحفظها من كل سوء
أحسست بالدموع تملأ عيني من جديد .. غريبٌ كيف يمكن للحياة أن تكون قاسية إلى هذا الحد .. عندما كنت وحدي لم أبالِ كثيراً بما يحدث لي .. كنت أظن أن الخسارة لم تعد تخيفني و لكن الآن حين وجدت أشخاصاً يحبونني و
حين شعرت أخيراً أن لي مكاناً بينهم بدأ الخوف الحقيقي.
خوف أن أفقدهم أو أن يفقدوني.
أخفضت نظري إلى يد رهف التي ما زالت متشبثة بيدي حتى في نومها .. ابتسمت بحزنٍ وأنا أضغط على يدها برفق .. في داخلي كان قلبي يبكي بصمت .. لأنني شعرت وللمرة الأولى أنني إن تعلقت بهم أكثر فقد أخسرهم جميعاً
في الصباح الباكر دخلتُ المطبخ .. الضوء الخافت يتسلل من النوافذ الكبيرة .. ورائحة القهوة بدأت تنتشر في المكان بعدما أشعلت الخادمة الموقد .. لم أعتد على مطابخٍ كهذه.
كل شيءٍ فيه مرتبٌ وهادئ و كأنه لا يعرف الفوضى التي اعتدت عليها في حياتي .. تقدمتُ بخطواتٍ مترددة قليلاً ثم التفتُ إلى الخادمة وسألتها بخجل:
- هل يمكنني استخدام المطبخ قليلاً؟
ابتسمت لي بلطف وهزت رأسها موافقة فشعرت بشيءٍ من الارتياح .. بعد لحظات دخلت رهف أيضاً .. شعرها مبعثر قليلاً من النوم لكنها كانت تبتسم لي تلك الابتسامة التي تخفي خلفها الكثير .. اقتربت مني وهي تفرك عينيها وقالت بنبرةٍ متعبة لكنها مرحة:
- ماذا تفعلين هنا منذ الصباح؟
ضحكت بخفة وقلت:
- خطر في بالي أن نصنع الفطور.
رفعت حاجبيها بدهشة وكأن الفكرة أعجبتها فجأة ثم صفقت بيديها بحماسٍ طفولي:
- إذن أنا سأساعدك
لم أستطع منع نفسي من الضحك .. ناولتها وعاء الخلط وقلت:
- حسناً .. لكن لا تفسدي المطبخ.
ضحكت رهف وبدأت بخلط المكونات بتركيزٍ مبالغٍ فيه بينما كنت أنا أجهز العجين للفطائر .. شيئاً فشيئاً امتلأ المطبخ بروائح الزعتر والجبنة الساخنة واختلطت أصواتنا بالضحك الخفيف الذي كنا نحاول كتمه كي لا نوقظ بقية البيت.
كانت رهف تتعمد أحياناً أن تسكب الدقيق على الطاولة أكثر مما يجب ثم تنظر إليّ ببراءةٍ مصطنعة.
- لم أفعل شيئاً .. هو سقط وحده
كنت أهز رأسي مستسلمة وأضحك .. في تلك اللحظات نسيت كل شيء .. نسيت خوفي من مؤيد و الخوف الذي يسكن قلبي منذ مكالمتي مع أدهم.
كل ما كان موجوداً أمامي هو هذه الفتاة التي تقف إلى جانبي ..تضحك وتحاول أن تبدو قوية رغم ما تعرفه الآن عن مرضها .. نظرت إليها خلسةً وهي منشغلة بخلط العجين وشعرت بوخزةٍ في قلبي .. كيف يمكن لشخصٍ أن يبتسم هكذا بعد ليلةٍ أخبرني فيها أنه قد يخسر حياته؟
تنهدت بصمت ثم عدت للعمل كي لا تلاحظ شرودي .. لم أكن أريد أن ترى خوفي لهذا ابتسمت لها وقلت بمزاح:
- إن احترقت الفطائر فستكون مسؤوليتك.
رفعت رأسها فوراً وقالت بثقة:
- مستحيل .. أنا طباخة ممتازة.
ضحكت بينما في داخلي تمنيت شيئاً واحداً فقط .. أن تبقى هذه اللحظات البسيطة كما هي وأن يظل ضحك رهف يملأ هذا المكان لوقتٍ أطول بكثير مما يخبرنا به القدر.
بعد انتهائنا من تناول الفطور .. طلبت منا السيدة ليلى أن نتجهز لتأخذنا معها .. خضعنا لطلبها وارتدينا ملابسنا وخرجنا سوياً لنصل إلى مقهى جميل وجلسنا فيه .. بصراحة كانت أول مرة لي أدخل لهكذا مكان .. بعد قليل دخل الطبيب وائل وتوجه إلينا .. لقد بدا مرتبكاً وكذلك رهف .. حسناً .. أعرف لماذا .. كم يبدوان لطيفين بخجلهما هذا وهما يتحاشان النظر لبعضهما .. أتساءل لو أخبرت أدهم أنني أحبه هل سأخجل النظر بعينيه كما الآن؟
جلستُ بينهم بصمت أراقب الحديث الذي يدور أمامي دون أن أجد لنفسي مكاناً فيه .. ولكن لم أكن أعرف بأن وجودي هنا ليس مصادفة.
كنت أتابع كلمات السيدة ليلى باهتمامٍ متزايد .. حتى جاءت تلك الجملة التي شقّت الصمت كالسيف .. رهف متبناة .. تجمدت أنفاسي للحظة ونظرت إلى رهف دون أن أشعر وكأنني أحاول قراءة الحقيقة في ملامحها .. كانت جالسة بهدوءٍ غريب تتحاشى النظر إلى وائل بينما شعرت أنا بأن الأرض تهتز قليلاً تحت قدمي رهف ليست ابنة السيدة ليلى والعم راجي ؟ لم أعرف لماذا هزّني هذا الخبر إلى هذا الحد. ربما لأنني كنت أرى بينهما شيئاً يشبه الرابط الذي تمنيت امتلاكه يوماً .. ذلك الدفء الذي يملأ البيت .. تلك النظرات التي لا تحتاج إلى كلمات ولكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.
تابعت ليلى كلامها بصوتٍ مثقل بالحزن تخبره أن لـ رهف أختاً توأماً وأنهم لا يعرفون أين هي الآن .. تسللت الكلمات إلى أذني ببطء و لكن شيئاً ما في صدري بدأ يضيق دون سبب واضح .. لم أفهم لماذا شعرت بذلك القلق المفاجئ وكأن الحديث يقترب مني أكثر مما يجب.
ثم جاءت الجملة التالية .. أن والدها قد زوجها منذ ثلاث سنوات .. رفعت رأسي فجأة .. شعرت ببرودةٍ غريبة تسري في أطرافي بينما أكملت ليلى كلامها عن رجلٍ يكبرها بكثير .. رجل لا يخاف الله.
في تلك اللحظة لم أعد أسمع بقية الكلمات اختفى صوت المقهى من حولي وتداخلت الأصوات في رأسي بطريقةٍ مؤلمة .. أخت رهف التوأم .. زوّجها والدها لرجلٍ يكبرها .. منذ ثلاث سنوات .. ثلاث سنوات !!
ارتجف شيءٌ عميق في داخلي .. لم أكن أعرف لماذا ضرب هذا الرقم قلبي بهذه القوة ولماذا تسللت إلى ذهني ذكرياتٌ حاولت طويلاً دفنها .. زواجٌ لم أختره وبيتٌ لم يكن بيتاً ورجلٌ لم أعرف فيه شيئاً سوى القسوة.
ضغطت أصابعي على الكوب بين يدي دون أن أشعر وكأنني أحاول التشبث بشيءٍ يمنعني من الغرق في تلك الأفكار .. رهف لديها أخت تعيش حياةً قاسية .. أختٌ انتزعها القدر من أمها .. أختٌ ربما لم تجد في حياتها من يحميها.
لماذا شعرت وكأن تلك الكلمات تمسّ جرحاً أعرفه جيداً؟
لم أفهم .. كل ما عرفته في تلك اللحظة… أن قلبي انقبض بقوةٍ مؤلمة وأن فكرة وجود فتاةٍ في مثل عمري تُركت لتواجه حياةً كهذه .. جعلت صدري يضيق بطريقةٍ لم أستطع احتمالها .. أو ربما .. أكون أنا المقصودة في ذلك الحديث .. فجأة انفلت الكوب من يدي .. سمعت صوت ارتطامه بالأرض قبل أن أستوعب ما حدث وتناثر الزجاج تحت قدميّ كأنّه يعكس الفوضى التي انفجرت داخلي .. رفعت رأسي لأجد العيون كلها تتجه نحوي .. تقدمت رهف نحوي بسرعة ويدها تمسك بذراعي بينما سألت بقلق:
- ما الأمر يا حلا؟
حاولت أن أتماسك لكن صوتي خرج مرتجفاً رغم محاولتي إخفاء ذلك.
- لم .. لم يحدث شيء.
خفضت بصري إلى الأرض بسرعة واندفعت أجمع قطع الزجاج وكأنني أبحث عن مهربٍ من تلك اللحظة ..
- لقد أفلتت من يدي فقط رغماً عني.
لكن الحقيقة التي كنت أخفيها عنهم .. أن ما أفلت من يدي لم يكن الكوب وحده بل تماسك قلبي أيضاً .. خرجتُ مع رهف إلى خارج المقهى وأنا أحاول أن أستعيد هدوئي ولكن الهواء البارد الذي لفح وجهي لم ينجح في تهدئة الفوضى التي كانت تضج في صدري .. وقفتُ قرب المدخل أحدق في الشارع دون أن أراه حقاً .. كانت الأفكار تتصادم في رأسي بعنف وكأن الكلمات التي سمعتها قبل قليل ما زالت تتردد حولي .. شعرتُ بقبضةٍ خفية تضيق حول قلبي و لكنني لم أرد أن أظهر شيئاً من ذلك .. فجأة شعرت بيدٍ تمسك بذراعي برفق .. التفتُّ لأجد رهف تقف أمامي وعيناها تراقبان وجهي بقلقٍ واضح .. قالت بنبرةٍ حائرة:
- حلا .. ما بكِ؟
هززت رأسي سريعاً وأنا أحاول الابتسام
- لا شيء… حقاً.
لم تبدُ مقتنعة أبداً .. اقتربت خطوة أخرى وحدقت في عيني مباشرة وقالت:
- لا تقولي لا شيء .. لقد رأيتكِ في الداخل .. لقد كنتِ شاحبة وكأنكِ رأيتِ شبحاً.
أخفضت نظري إلى الأرض وأنا أشعر بالعجز .. ماذا يمكنني أن أقول لها؟ هل أخبرها أن كلماتهم فتحت جروحاً في داخلي؟ أن الحديث عن تلك الفتاة المجهولة جعلني أرتجف بطريقةٍ لا أفهمها؟ أو ربما فهمتها ولكنني لست متأكدة
تمتمت بتردد:
- ربما فقط صُدمت من الكلام.
عقدت رهف حاجبيها قليلاً وقالت:
- أي كلام؟
تلعثمت للحظة وقلت:
- عن .. قصة تبنيكِ و أختك
ساد صمت قصير بيننا .. لاحظت أن ملامحها لانت قليلاً،ط وكأن الحزن عاد يمر فوق وجهها .. قالت بهدوءٍ :
- آه ذلك.
ثم أطلقت تنهدة بينما سألتها:
- هل كان ذلك ما جعلك تهربين من المنزل؟
- بالضبط
رفعت عيني إليها وشعرت بوخزةٍ غريبة في صدري .. قالتها ببساطة و لكن خلف كلماتها حزنٌ عميق .. تابعت بصوتٍ أهدأ:
- لا تشغلي بالكِ بتلك القصص .. فهي لا تعنيكِ على كل حال
لم أجد ما أقوله .. اكتفيت بالنظر إليها بصمت بينما كانت أفكاري تزداد اضطراباً .. اكتشافها لشيئين كبيرين كقصة تبنيها وإصابتها بالسرطان في فترةٍ قصيرة شيء حقاً ثقيل ومؤلم .. اقتربت مني أكثر ووضعت يدها على كتفي.
- و لكن هذا لا يفسر حالتكِ يا حلا .. ما الذي أخافكِ هكذا؟
ارتبكت و تحركت عيناي في الشارع أمامنا وكأنني أبحث عن إجابةٍ هناك .. قلت أخيراً بصوتٍ منخفض:
- لا شيء .. ربما فقط .. تخيلت نفسي مكانها.
سكتُّ قليلاً ثم أضفت:
- فكرة أن تُجبر فتاة على الزواج من رجل لا تريده .. فكرة مخيفة حقاً
نظرت إليّ رهف مطولاً وكأنها تحاول قراءة ما أخفيه خلف كلماتي .. شعرت للحظة أنها قد تكتشف كل شيء .. لكنني حافظت على هدوء ملامحي قدر ما استطعت .. ابتسمت لها ابتسامة صغيرة.
- أنا بخير .. لا تقلقي .. فقط اشتقت لـ أدهم .. هذا كلّ شيء
لم تبدُ مقتنعة تماماً ولكنها لم تضغط عليّ أكثر .. تنهدت وقالت:
- حسناً .. لكن إن كان هناك شيء يزعجكِ .. أخبريني.
أومأت برأسي بصمت .. بعد قلبيل خرجت السيدة ليلى من المقهى برفقة الطبيب وائل .. كانت ملامحها متجهمة قليلاً بينما كان يتحدث معها بصوتٍ منخفض .. توقفا قربنا لحظة ثم التفتت ليلى إلى السائق الذي كان ينتظر بجانب السيارة.
قالت له بهدوء:
- أوصل الفتاتين إلى المنزل.
ثم نظرت إلينا وأضافت بلطف:
- سنلحق بكما لاحقاً.
أومأنا أنا ورهف بينما فتح السائق الباب الخلفي للسيارة.
جلست بجانب رهف بصمت وعندما تحركت السيارة مبتعدة عن المقهى ألقيت نظرة أخيرة من النافذة.
كنت أحاول أن أقنع نفسي أن كل ما سمعته هناك لا علاقة له بي و لكن قلبي لم يكن يصدق ذلك.
فجأة نطقت رهف موجهةً كلامها للسائق وقالت:
- نحن لن نذهب إلى المنزل .. خذنا إلى هذا العنوان.
وأعطته هاتفها بعد أن وضعت له الموقع .. نظرتُ إليها بدهشة وسألتها:
- إلى أين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت وهي تتكئ إلى المقعد:
- لا تشغلي بالكِ يا حلا.
عقدتُ حاجبيّ وأنا أنظر إليها وقلت:
- كيف لا أشغل بالي؟ لقد طلبتِ منه تغيير الطريق فجأة.
لم تجب فوراً بل اكتفت بالنظر من النافذة للحظة .. ثم التفتت إليّ وقالت بنبرةٍ هادئة:
- لأنني لا أحب أن أراكِ حزينة.
تفاجأت بكلامها
- ماذا تقصدين؟
قالت ببساطة:
- منذ خرجنا من المقهى وأنتِ لستِ بخير .. تحاولين إخفاء ذلك لكنني أعرفكِ.
أخفضت بصري قليلاً ولم أعرف ماذا أقول .. ثم أضافت بنبرةٍ أخف:
- لذلك فكرت أن آخذكِ إلى مكان قد يغير مزاجك.
رفعت رأسي إليها بفضول وسألتها:
- أي مكان؟
ابتسمت هذه المرة ابتسامة أوسع قليلاً وقالت:
- ستعرفين حالما نصل.
سكتّ لحظات وأنا أنظر إليها .. أدقق في ملامحها الجميلة .. وأتأمل نظراتها الهادئة .. ذهبت بذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي التقينا فيه أول مرة .. كم تمنيت أن أكون بجمالها .. هل يعقل أنها شقيقتي؟ لا ربما الأمر مجرد محض صدفة لا أكثر .. هناك الكثيرات من أمثالي يتزوجنّ بعمرٍ صغير ويعشن في معاناة مع زوجٍ لا يرحم .. ولكنني أيضاً لا أنكر أنني تمنيت أن تكون رهف أختي الحقيقية
لم تمضِ دقائق كثيرة حتى بدأت الشوارع تبدو مألوفة لي .. شعرت بشيءٍ يتحرك في صدري وبدأ قلبي يخفق بسرعة دون أن أفهم السبب .. راقبت الطريق من النافذة بتركيزٍ متزايد .. ثم فجأة أدركت .. اتسعت عيناي.
- رهف…!
نظرت إليّ ببراءة
- ماذا؟
همست بدهشة:
- هذا .. هذا طريق منزل أدهم.
ضحكت بخفة وقالت:
- صحيح.
حدقت فيها غير مصدقة.
- لماذا جلبتِني إلى هنا؟
رفعت كتفيها ببساطة.
- لأنكِ ستصعدين لتريه وتسلمي عليه .. ثم نعود مباشرة.
ترددت الكلمات في أذني لحظة قبل أن أشعر بدفءٍ مفاجئ ينتشر في صدري.
- حقاً…؟
أومأت وهي تبتسم.
- نعم .. لن نبقى طويلاً .. فقط زيارة سريعة.
لم أستطع منع الابتسامة التي ارتسمت على وجهي .. لم أكن أتوقع ذلك ولم أكن أعلم كم كنت بحاجة لرؤيته حتى أدركت ذلك الآن .. توقفت السيارة أمام البناء وما إن فتح السائق الباب حتى نزلت بسرعةٍ كأن قدمي تحملانني وحدهما.
سمعت رهف تناديني خلفي:
- حلا .. انتظري
لكنني كنت قد بدأت أصعد الدرج بالفعل بخطواتٍ سريعة تكاد تتحول إلى ركض .. كان قلبي يخفق بقوة .. مزيجٌ من التوتر والفرح .. خطوة ثم أخرى .. حتى وصلت إلى الطابق الذي تقع فيه شقته رفعت رأسي وأنا ألتقط أنفاسي وفجأة تجمدتُ في مكاني وكأن جسدي كله تحول إلى حجر .. رأيت شخصاً كان يقف أمام الشقة مباشرة وحده .. عيناه غاضبتين وعروقه بارزة بسبب الغضب
وقف هناك على بعد خطواتٍ قليلة مني .. ينظر إليّ بعينين باردتين أعرفهما جيداً .. تجمد الدم في عروقي .. لم أستطع الحركة ولم أستطع حتى أن أتنفس .. وقفت رهف خلفي وسألتني باستغراب:
- ما الأمر يا حلا .. ما بك ِ
" حلا "
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
الغرفة حولي كانت هادئة على نحوٍ مريب .. هذه الغرفة الواسعة .. السرير الكبير و الستائر الناعمة ورائحة الورد القادمة من الشرفة .. كل شيءٍ فيها جميل أكثر مما اعتدت عليه .. لكن رغم ذلك .. لم أشعر بالأمان كما شعرت به في تلك الشقة الصغيرة مع أدهم.
مررت يدي على صدري أحاول تهدئة خفقان قلبي .. كلما أغمضت عيني عاد وجه مؤيد إلى ذاكرتي.
نظراته القاسية .. صوته الغليظ .. قبضته التي كانت تهوي بلا رحمة .. فتحت عيني بسرعة كأنني أهرب من الذكرى.
و همست لنفسي بصوتٍ خافت:
- ماذا لو وجدني…؟
كان السؤال بسيطاً .. لكنه حمل داخلي ألف خوف .. لو استطاع الوصول إليّ أو عرف أنني هنا .. ماذا سأفعل؟
هل سأهرب مرةً أخرى؟ وإلى أين؟
شدّدت قبضتي على الغطاء دون أن أشعر .. لم أكن أخاف على نفسي فقط .. بل على أدهم أيضاً.
إن علم مؤيد أن أدهم هو من خبأني عنده كل تلك الأشهر .. فلن يتركه وشأنه .. تنهدت ببطء وأنا أحدّق في السقف.
لأول مرة منذ زمنٍ طويل .. أشعر أن لدي شيئاً أخاف أن أخسره رهف وأدهم وهذا الشعور الغريب بالدفء الذي لم أعرفه من قبل.
ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم قلقي .. ثم همست لنفسي:
- لا .. لن أدعه يجدني .. سأرحل قبل أن يؤذي أحداً بسببي.
لكن قلبي لم يكن واثقاً من ذلك أبداً .. فجأة عادت رهف ودخلت الغرفة بهدوءٍ غريب .. لم يكن ذلك الهدوء الذي يسبق النوم .. بل ذاك الصمت الثقيل الذي يشبه العاصفة حين تختبئ خلف السماء كنت أجلس على طرف السرير عندما رفعت رأسي ونظرت إليها .. توقفت عند الباب لحظة وكأنها نسيت لماذا جاءت .. شيءٌ في ملامحها أخافني.
كانت عيناها جامدتين .. شاردتين و كأنهما تنظران إلى مكانٍ بعيد لا أراه .. نهضت فوراً واتجهت نحوها .. وضعت يدي على كتفها بلطف وقلت بقلق:
- رهف… ما بك؟
لم تجب أو تنظر إليّ حتى .. بل تجاوزتني ببطء ومشت نحو السرير ثم جلست عليه وهي ما تزال تحدق في الفراغ أمامها .. انقبض قلبي واقتربت منها وجلست بجانبها .. انحنيت قليلاً لألتقط نظرتها .. قلت برفقٍ حاولت أن أجعله طبيعياً:
- هل قال لكِ أهلك شيئاً أزعجك؟ أخبريني ما بك؟
رفعت عينيها نحوي أخيراً .. كانت نظرتها غريبة و كأنها تحاول أن تستوعب الكلمات قبل أن تنطق بها .. ثم قالت بصوتٍ خافتٍ كأنها تخبرني بحقيقةٍ لا تخصها:
- أنا .. تبيّن أن عندي سرطان.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ارتمت نحوي دون سابق إنذار وألقت بنفسها في حضني وهي تبكي بحرقةٍ جعلت صدري ينقبض ألماً .. تجمدت لثوانٍ من شدة الصدمة .. لكن ذراعي تحركتا تلقائياً واحتضنتها بقوة.
لم أشعر إلا والدموع تسيل من عيني أنا أيضاً .. لا .. لا يمكن ليس رهف .. ليس هذه الفتاة الوحيدة التي اعتبرتها أختاً لي
دفنت وجهها في كتفي وهي تبكي وتقول بين شهقاتها:
- لماذا أنا يا حلا ؟ ماذا فعلتُ ؟ لماذا لم تُكتب لي الراحة؟
ابتلعت غصتي ومسحت دموعي بسرعة .. لا يجوز أن أضعف الآن .. شدّدت احتضاني لها وربتُّ على شعرها بلطف وقلت بصوتٍ حاولت أن أجعله ثابتاً:
- لا يا رهف… لا تبكي.
هزت رأسها وهي تبكي أكثر بينما رفعت وجهها بيدي ونظرت في عينيها مباشرة وقلت بحزمٍ دافئ:
- أنتِ أقوى من هذا المرض هل تسمعينني؟ أنتِ أقوى منه.
نظرت إليّ بعينين دامعتين تابعت وأنا أحاول أن أزرع في قلبها أملاً لا أعرف من أين أتيت به:
- المرض لا يهزم إلا من يستسلم له .. وأنتِ لستِ من النوع الذي يستسلم ..يا رهف .. لطالما استمديت منكِ القوة .. وأعطيتني الثقة التي كنت أفتقر لها
تنهدت بين بكائها .. مسحت دموعها بإبهامي وقلت بخفةٍ متعمدة:
-ثم إنك لو استسلمتِ من سيأكل كل الفطائر التي سأعدها غداً؟ أنا لا أستطيع إنهاءها وحدي.
رمشت بعينيها ثم خرجت منها ضحكة صغيرة رغم دموعها.
ارتحت قليلاً عندما سمعت تلك الضحكة .. وبقيت أحدثها طويلاً بعد ذلك .. أخبرتها قصصاً… ومواقف مضحكة… وحتى أشياء صغيرة لا معنى لها فقط كي لا تترك أفكارها تبتلعها.
شيئاً فشيئاً هدأت ثم تمددت على السرير وما زلت أجلس بجانبها .. كانت تمسك بيدي بقوة وكأنها تخشى أن أختفي إن تركتها .. واصلنا الحديث حتى بدأت كلماتها تتباطأ.
ثم أغمضت عينيها أخيراً وغفت .. بقيت ممسكة بيدي حتى وهي نائمة جلست إلى جانبها بصمت .. أتأمل ملامحها الهادئة .. بدت طفلةً صغيرة في نومها بلا خوفٍ ولا ألم .. تأملت وجهها طويلاً وشعرت بشيءٍ يعتصر صدري .. أرجو من الله أن يحفظها من كل سوء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حين شعرت أخيراً أن لي مكاناً بينهم بدأ الخوف الحقيقي.
خوف أن أفقدهم أو أن يفقدوني.
أخفضت نظري إلى يد رهف التي ما زالت متشبثة بيدي حتى في نومها .. ابتسمت بحزنٍ وأنا أضغط على يدها برفق .. في داخلي كان قلبي يبكي بصمت .. لأنني شعرت وللمرة الأولى أنني إن تعلقت بهم أكثر فقد أخسرهم جميعاً
في الصباح الباكر دخلتُ المطبخ .. الضوء الخافت يتسلل من النوافذ الكبيرة .. ورائحة القهوة بدأت تنتشر في المكان بعدما أشعلت الخادمة الموقد .. لم أعتد على مطابخٍ كهذه.
كل شيءٍ فيه مرتبٌ وهادئ و كأنه لا يعرف الفوضى التي اعتدت عليها في حياتي .. تقدمتُ بخطواتٍ مترددة قليلاً ثم التفتُ إلى الخادمة وسألتها بخجل:
- هل يمكنني استخدام المطبخ قليلاً؟
ابتسمت لي بلطف وهزت رأسها موافقة فشعرت بشيءٍ من الارتياح .. بعد لحظات دخلت رهف أيضاً .. شعرها مبعثر قليلاً من النوم لكنها كانت تبتسم لي تلك الابتسامة التي تخفي خلفها الكثير .. اقتربت مني وهي تفرك عينيها وقالت بنبرةٍ متعبة لكنها مرحة:
- ماذا تفعلين هنا منذ الصباح؟
ضحكت بخفة وقلت:
- خطر في بالي أن نصنع الفطور.
رفعت حاجبيها بدهشة وكأن الفكرة أعجبتها فجأة ثم صفقت بيديها بحماسٍ طفولي:
- إذن أنا سأساعدك
لم أستطع منع نفسي من الضحك .. ناولتها وعاء الخلط وقلت:
- حسناً .. لكن لا تفسدي المطبخ.
ضحكت رهف وبدأت بخلط المكونات بتركيزٍ مبالغٍ فيه بينما كنت أنا أجهز العجين للفطائر .. شيئاً فشيئاً امتلأ المطبخ بروائح الزعتر والجبنة الساخنة واختلطت أصواتنا بالضحك الخفيف الذي كنا نحاول كتمه كي لا نوقظ بقية البيت.
كانت رهف تتعمد أحياناً أن تسكب الدقيق على الطاولة أكثر مما يجب ثم تنظر إليّ ببراءةٍ مصطنعة.
- لم أفعل شيئاً .. هو سقط وحده
كنت أهز رأسي مستسلمة وأضحك .. في تلك اللحظات نسيت كل شيء .. نسيت خوفي من مؤيد و الخوف الذي يسكن قلبي منذ مكالمتي مع أدهم.
كل ما كان موجوداً أمامي هو هذه الفتاة التي تقف إلى جانبي ..تضحك وتحاول أن تبدو قوية رغم ما تعرفه الآن عن مرضها .. نظرت إليها خلسةً وهي منشغلة بخلط العجين وشعرت بوخزةٍ في قلبي .. كيف يمكن لشخصٍ أن يبتسم هكذا بعد ليلةٍ أخبرني فيها أنه قد يخسر حياته؟
تنهدت بصمت ثم عدت للعمل كي لا تلاحظ شرودي .. لم أكن أريد أن ترى خوفي لهذا ابتسمت لها وقلت بمزاح:
- إن احترقت الفطائر فستكون مسؤوليتك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- مستحيل .. أنا طباخة ممتازة.
ضحكت بينما في داخلي تمنيت شيئاً واحداً فقط .. أن تبقى هذه اللحظات البسيطة كما هي وأن يظل ضحك رهف يملأ هذا المكان لوقتٍ أطول بكثير مما يخبرنا به القدر.
بعد انتهائنا من تناول الفطور .. طلبت منا السيدة ليلى أن نتجهز لتأخذنا معها .. خضعنا لطلبها وارتدينا ملابسنا وخرجنا سوياً لنصل إلى مقهى جميل وجلسنا فيه .. بصراحة كانت أول مرة لي أدخل لهكذا مكان .. بعد قليل دخل الطبيب وائل وتوجه إلينا .. لقد بدا مرتبكاً وكذلك رهف .. حسناً .. أعرف لماذا .. كم يبدوان لطيفين بخجلهما هذا وهما يتحاشان النظر لبعضهما .. أتساءل لو أخبرت أدهم أنني أحبه هل سأخجل النظر بعينيه كما الآن؟
جلستُ بينهم بصمت أراقب الحديث الذي يدور أمامي دون أن أجد لنفسي مكاناً فيه .. ولكن لم أكن أعرف بأن وجودي هنا ليس مصادفة.
كنت أتابع كلمات السيدة ليلى باهتمامٍ متزايد .. حتى جاءت تلك الجملة التي شقّت الصمت كالسيف .. رهف متبناة .. تجمدت أنفاسي للحظة ونظرت إلى رهف دون أن أشعر وكأنني أحاول قراءة الحقيقة في ملامحها .. كانت جالسة بهدوءٍ غريب تتحاشى النظر إلى وائل بينما شعرت أنا بأن الأرض تهتز قليلاً تحت قدمي رهف ليست ابنة السيدة ليلى والعم راجي ؟ لم أعرف لماذا هزّني هذا الخبر إلى هذا الحد. ربما لأنني كنت أرى بينهما شيئاً يشبه الرابط الذي تمنيت امتلاكه يوماً .. ذلك الدفء الذي يملأ البيت .. تلك النظرات التي لا تحتاج إلى كلمات ولكن الصدمة الحقيقية لم تأتِ بعد.
تابعت ليلى كلامها بصوتٍ مثقل بالحزن تخبره أن لـ رهف أختاً توأماً وأنهم لا يعرفون أين هي الآن .. تسللت الكلمات إلى أذني ببطء و لكن شيئاً ما في صدري بدأ يضيق دون سبب واضح .. لم أفهم لماذا شعرت بذلك القلق المفاجئ وكأن الحديث يقترب مني أكثر مما يجب.
ثم جاءت الجملة التالية .. أن والدها قد زوجها منذ ثلاث سنوات .. رفعت رأسي فجأة .. شعرت ببرودةٍ غريبة تسري في أطرافي بينما أكملت ليلى كلامها عن رجلٍ يكبرها بكثير .. رجل لا يخاف الله.
في تلك اللحظة لم أعد أسمع بقية الكلمات اختفى صوت المقهى من حولي وتداخلت الأصوات في رأسي بطريقةٍ مؤلمة .. أخت رهف التوأم .. زوّجها والدها لرجلٍ يكبرها .. منذ ثلاث سنوات .. ثلاث سنوات !!
ارتجف شيءٌ عميق في داخلي .. لم أكن أعرف لماذا ضرب هذا الرقم قلبي بهذه القوة ولماذا تسللت إلى ذهني ذكرياتٌ حاولت طويلاً دفنها .. زواجٌ لم أختره وبيتٌ لم يكن بيتاً ورجلٌ لم أعرف فيه شيئاً سوى القسوة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لماذا شعرت وكأن تلك الكلمات تمسّ جرحاً أعرفه جيداً؟
لم أفهم .. كل ما عرفته في تلك اللحظة… أن قلبي انقبض بقوةٍ مؤلمة وأن فكرة وجود فتاةٍ في مثل عمري تُركت لتواجه حياةً كهذه .. جعلت صدري يضيق بطريقةٍ لم أستطع احتمالها .. أو ربما .. أكون أنا المقصودة في ذلك الحديث .. فجأة انفلت الكوب من يدي .. سمعت صوت ارتطامه بالأرض قبل أن أستوعب ما حدث وتناثر الزجاج تحت قدميّ كأنّه يعكس الفوضى التي انفجرت داخلي .. رفعت رأسي لأجد العيون كلها تتجه نحوي .. تقدمت رهف نحوي بسرعة ويدها تمسك بذراعي بينما سألت بقلق:
- ما الأمر يا حلا؟
حاولت أن أتماسك لكن صوتي خرج مرتجفاً رغم محاولتي إخفاء ذلك.
- لم .. لم يحدث شيء.
خفضت بصري إلى الأرض بسرعة واندفعت أجمع قطع الزجاج وكأنني أبحث عن مهربٍ من تلك اللحظة ..
- لقد أفلتت من يدي فقط رغماً عني.
لكن الحقيقة التي كنت أخفيها عنهم .. أن ما أفلت من يدي لم يكن الكوب وحده بل تماسك قلبي أيضاً .. خرجتُ مع رهف إلى خارج المقهى وأنا أحاول أن أستعيد هدوئي ولكن الهواء البارد الذي لفح وجهي لم ينجح في تهدئة الفوضى التي كانت تضج في صدري .. وقفتُ قرب المدخل أحدق في الشارع دون أن أراه حقاً .. كانت الأفكار تتصادم في رأسي بعنف وكأن الكلمات التي سمعتها قبل قليل ما زالت تتردد حولي .. شعرتُ بقبضةٍ خفية تضيق حول قلبي و لكنني لم أرد أن أظهر شيئاً من ذلك .. فجأة شعرت بيدٍ تمسك بذراعي برفق .. التفتُّ لأجد رهف تقف أمامي وعيناها تراقبان وجهي بقلقٍ واضح .. قالت بنبرةٍ حائرة:
- حلا .. ما بكِ؟
هززت رأسي سريعاً وأنا أحاول الابتسام
- لا شيء… حقاً.
لم تبدُ مقتنعة أبداً .. اقتربت خطوة أخرى وحدقت في عيني مباشرة وقالت:
- لا تقولي لا شيء .. لقد رأيتكِ في الداخل .. لقد كنتِ شاحبة وكأنكِ رأيتِ شبحاً.
أخفضت نظري إلى الأرض وأنا أشعر بالعجز .. ماذا يمكنني أن أقول لها؟ هل أخبرها أن كلماتهم فتحت جروحاً في داخلي؟ أن الحديث عن تلك الفتاة المجهولة جعلني أرتجف بطريقةٍ لا أفهمها؟ أو ربما فهمتها ولكنني لست متأكدة
تمتمت بتردد:
- ربما فقط صُدمت من الكلام.
عقدت رهف حاجبيها قليلاً وقالت:
- أي كلام؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- عن .. قصة تبنيكِ و أختك
ساد صمت قصير بيننا .. لاحظت أن ملامحها لانت قليلاً،ط وكأن الحزن عاد يمر فوق وجهها .. قالت بهدوءٍ :
- آه ذلك.
ثم أطلقت تنهدة بينما سألتها:
- هل كان ذلك ما جعلك تهربين من المنزل؟
- بالضبط
رفعت عيني إليها وشعرت بوخزةٍ غريبة في صدري .. قالتها ببساطة و لكن خلف كلماتها حزنٌ عميق .. تابعت بصوتٍ أهدأ:
- لا تشغلي بالكِ بتلك القصص .. فهي لا تعنيكِ على كل حال
لم أجد ما أقوله .. اكتفيت بالنظر إليها بصمت بينما كانت أفكاري تزداد اضطراباً .. اكتشافها لشيئين كبيرين كقصة تبنيها وإصابتها بالسرطان في فترةٍ قصيرة شيء حقاً ثقيل ومؤلم .. اقتربت مني أكثر ووضعت يدها على كتفي.
- و لكن هذا لا يفسر حالتكِ يا حلا .. ما الذي أخافكِ هكذا؟
ارتبكت و تحركت عيناي في الشارع أمامنا وكأنني أبحث عن إجابةٍ هناك .. قلت أخيراً بصوتٍ منخفض:
- لا شيء .. ربما فقط .. تخيلت نفسي مكانها.
سكتُّ قليلاً ثم أضفت:
- فكرة أن تُجبر فتاة على الزواج من رجل لا تريده .. فكرة مخيفة حقاً
نظرت إليّ رهف مطولاً وكأنها تحاول قراءة ما أخفيه خلف كلماتي .. شعرت للحظة أنها قد تكتشف كل شيء .. لكنني حافظت على هدوء ملامحي قدر ما استطعت .. ابتسمت لها ابتسامة صغيرة.
- أنا بخير .. لا تقلقي .. فقط اشتقت لـ أدهم .. هذا كلّ شيء
لم تبدُ مقتنعة تماماً ولكنها لم تضغط عليّ أكثر .. تنهدت وقالت:
- حسناً .. لكن إن كان هناك شيء يزعجكِ .. أخبريني.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قالت له بهدوء:
- أوصل الفتاتين إلى المنزل.
ثم نظرت إلينا وأضافت بلطف:
- سنلحق بكما لاحقاً.
أومأنا أنا ورهف بينما فتح السائق الباب الخلفي للسيارة.
جلست بجانب رهف بصمت وعندما تحركت السيارة مبتعدة عن المقهى ألقيت نظرة أخيرة من النافذة.
كنت أحاول أن أقنع نفسي أن كل ما سمعته هناك لا علاقة له بي و لكن قلبي لم يكن يصدق ذلك.
فجأة نطقت رهف موجهةً كلامها للسائق وقالت:
- نحن لن نذهب إلى المنزل .. خذنا إلى هذا العنوان.
وأعطته هاتفها بعد أن وضعت له الموقع .. نظرتُ إليها بدهشة وسألتها:
- إلى أين؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت وهي تتكئ إلى المقعد:
- لا تشغلي بالكِ يا حلا.
عقدتُ حاجبيّ وأنا أنظر إليها وقلت:
- كيف لا أشغل بالي؟ لقد طلبتِ منه تغيير الطريق فجأة.
لم تجب فوراً بل اكتفت بالنظر من النافذة للحظة .. ثم التفتت إليّ وقالت بنبرةٍ هادئة:
- لأنني لا أحب أن أراكِ حزينة.
تفاجأت بكلامها
- ماذا تقصدين؟
قالت ببساطة:
- منذ خرجنا من المقهى وأنتِ لستِ بخير .. تحاولين إخفاء ذلك لكنني أعرفكِ.
أخفضت بصري قليلاً ولم أعرف ماذا أقول .. ثم أضافت بنبرةٍ أخف:
- لذلك فكرت أن آخذكِ إلى مكان قد يغير مزاجك.
رفعت رأسي إليها بفضول وسألتها:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسمت هذه المرة ابتسامة أوسع قليلاً وقالت:
- ستعرفين حالما نصل.
سكتّ لحظات وأنا أنظر إليها .. أدقق في ملامحها الجميلة .. وأتأمل نظراتها الهادئة .. ذهبت بذاكرتي إلى ذلك اليوم الذي التقينا فيه أول مرة .. كم تمنيت أن أكون بجمالها .. هل يعقل أنها شقيقتي؟ لا ربما الأمر مجرد محض صدفة لا أكثر .. هناك الكثيرات من أمثالي يتزوجنّ بعمرٍ صغير ويعشن في معاناة مع زوجٍ لا يرحم .. ولكنني أيضاً لا أنكر أنني تمنيت أن تكون رهف أختي الحقيقية
لم تمضِ دقائق كثيرة حتى بدأت الشوارع تبدو مألوفة لي .. شعرت بشيءٍ يتحرك في صدري وبدأ قلبي يخفق بسرعة دون أن أفهم السبب .. راقبت الطريق من النافذة بتركيزٍ متزايد .. ثم فجأة أدركت .. اتسعت عيناي.
- رهف…!
نظرت إليّ ببراءة
- ماذا؟
همست بدهشة:
- هذا .. هذا طريق منزل أدهم.
ضحكت بخفة وقالت:
- صحيح.
حدقت فيها غير مصدقة.
- لماذا جلبتِني إلى هنا؟
رفعت كتفيها ببساطة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ترددت الكلمات في أذني لحظة قبل أن أشعر بدفءٍ مفاجئ ينتشر في صدري.
- حقاً…؟
أومأت وهي تبتسم.
- نعم .. لن نبقى طويلاً .. فقط زيارة سريعة.
لم أستطع منع الابتسامة التي ارتسمت على وجهي .. لم أكن أتوقع ذلك ولم أكن أعلم كم كنت بحاجة لرؤيته حتى أدركت ذلك الآن .. توقفت السيارة أمام البناء وما إن فتح السائق الباب حتى نزلت بسرعةٍ كأن قدمي تحملانني وحدهما.
سمعت رهف تناديني خلفي:
- حلا .. انتظري
لكنني كنت قد بدأت أصعد الدرج بالفعل بخطواتٍ سريعة تكاد تتحول إلى ركض .. كان قلبي يخفق بقوة .. مزيجٌ من التوتر والفرح .. خطوة ثم أخرى .. حتى وصلت إلى الطابق الذي تقع فيه شقته رفعت رأسي وأنا ألتقط أنفاسي وفجأة تجمدتُ في مكاني وكأن جسدي كله تحول إلى حجر .. رأيت شخصاً كان يقف أمام الشقة مباشرة وحده .. عيناه غاضبتين وعروقه بارزة بسبب الغضب
وقف هناك على بعد خطواتٍ قليلة مني .. ينظر إليّ بعينين باردتين أعرفهما جيداً .. تجمد الدم في عروقي .. لم أستطع الحركة ولم أستطع حتى أن أتنفس .. وقفت رهف خلفي وسألتني باستغراب:
- ما الأمر يا حلا .. ما بك ِ
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- مـ مؤيد ..
- من مؤيد؟
في تلك اللحظة سمعت صوتاً ساخراً يأتي من الأعلى رفعت رأسي ببطء ورأيت رولا تقف على الدرجة العليا من السلم تنظر إليّ بابتسامةٍ مليئة بالشماتة .. ثم قالت بصوتٍ واضح:
- ها قد عادت .. التي كانت تدّعي أنها أخت السيد أدهم سيد مؤيد
شعرت بأن الأرض تميد تحت قدمي وبينما بقيت واقفةً هناك متسمرة في مكاني كان مؤيد يحدق بي و كأنه أخيراً وجد ما كان يبحث عنه