رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل الثامن عشر 18 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة... الفصل الثامن عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليست كل الاعترافات نهاية للانتظار... فبعضها يكون بداية لحرب جديدة.
حين نطقت يارا أخيرًا بما أخفته طويلًا داخل قلبها ظنت أن الطريق بينهما أصبح أوضح وأن الخوف الذي كان يقف بينهما بدأ يتلاشى. لكنها لم تكن تعلم أن الحب أحيانًا يأتي في أكثر الأوقات خطورة، حين تكون الأرواح محاصرة بالأسرار والقلوب مهددة بالفقد.
أما فارس، فقد وجد نفسه ممزقًا بين سعادة طالما تمناها وخطر يقترب منه مع كل حقيقة يكتشفها. فكل خطوة يخطوها نحو النور تكشف له ظلامًا أكبر كان يحيط بحياته من كل جانب.
وفي مكان آخر، كانت نيرة تدفع ثمن قراراتها القاسية، بينما يقف يونس أمام اختبار لا يقل صعوبة؛ فالقلب الذي جُرح لا ينسى بسهولة، حتى وإن ظل الحب نابضًا بين أنقاض الكرامة.
لكن الأخطر من ذلك كله... أن الأقنعة بدأت تتساقط واحدًا تلو الآخر، وأن الأيدي التي تحرك الخيوط من خلف الستار لم تعد تكتفي بالمراقبة بل بدأت تتحرك لتنفيذ مخططاتها.
وبين قلب اعترف بالحب وقلب يخشى الفقد وأسرار تستعد للانفجار... كانت العاصفة تقترب أكثر من أي وقت مضى.
أما تلك العاصفة التي جعلت قلبه يتحرك بعنف مطالبًا بأن يترك له العنان كي يعترف بما يؤرقه؛ فكانت شرارة حب بدأ وسط الركام، وسط انقاض حياة فارس، بين أطلال ذكريات محملة بما لا يتحمله أحد.
ترك كل شيء وراء ظهره واقترب منها وتحولت نظراته إلى عاشق متيم مشتاق، رفع كلتا يديه يقبض على وجنتيها بحنان ثم قال: إنتي عارفة إن أكتر حاجة مخلياني مبسوط إني نسيت الذاكرة هو إنتي، أنا لو كنت فضلت فارس بتاع زمان عمري ما كنت هقف قدامك دلوقتي واسمع الكلمة ديه منك... أنا بحبك أوي، ومش عايزك تبعدي عني، خليكي جنبي على طول وإوعديني متبعديش عني مهما حصل.
أدمعت عينيها من السعادة وقالت: مش هبعد، مبقتش قادرة أبعد وأقاوم كل الحب ده، خلاص مش قادرة استحمل إنك تبعد عني وتبقى لغيري.
فارس: وأنا أوعدك إنك مش هتندمي.
قاطع حديثهما سعد الذي اقترب منهما وقال: فارس باشا، الممرضة جات.
فارس: طيب خليها تدخل ويارا توصلها وتعرفها هتعمل إيه بالظبط.
ذهب سعد وعاد فارس نظره إلى يارا التي تتابعه بحب وقال: حبيبتي اطلعي مع الممرضة وأنا وهستنى الدكتور من معمل التحاليل.
يارا: حاضر.
دخلت الممرضة وعرفت عن نفسها، وقالت: إزيك يا دكتورة، أنا مي الممرضة، فكراني؟
يارا: اه طبعًا، تعالي يا مي أوصلك الأوضة.
رمقت فارس بنظرة حب فابتسم لها ثم دخلت المنزل ولحق بها فارس بعد أن تحدث مع سعد قليلًا.
__________
أما في بالشركة.
دخل جلال مكتب روني، ثم تحدث بهمس: فارس جوا؟
روني: لأ مشي من شوية.
جلال بتعجب: هو لحق!
روني: إتخانق مع يارا وشوفتها خرجت من المكتب وهو مشي وراها.
ابتسم جلال وقال: وقعتي بينهم؟
روني: لأ، لسه بدري، ده أنا بشككها بس. المهم فيه حاجة كده عايزاك تسمعها.
جلال: حاجة إيه؟
روني: أنا حطيت جهاز تصنت جوا مكتب فارس ولما مشي سمعت اللي اتقال، وأعتقد أن فيه مكالمة لازم تسمعها.
فتحت هاتفها وقامت بتشغيل التسجيل الصوتي، وسمع صوت فارس وهو يتحدث مع معمل التحاليل ويطلب عمل تحليل DNA سريًا.
فتح جلال عينيه بصدمة ثم قال: يعني إيه! عنده ابن؟
روني: ما أنا قلت المعلومة ديه هتهمكم جدًا، كده فارس بقى ليه وريث.
تحولت نظرات جلال إلى الغضب، ثم غادر المكتب والشركة بالكامل.
أما روني فانتظرت قليلًا ثم حملت أغراضها وغادرت الشركة وذهبت إلى أحد المطاعم لتتناول الغداء، وبعد أن جلست قليلًا وطلبت الطعام ذهبت إلى المرحاض، وقبل أن تدلف إليه غيرت اتجاهها ودخلت إلى أحد الغرف وجدت عدنان يجلس بالداخل فاقتربت وجلست أمامه فقال: إيه الأخبار؟
روني: مي وصلت الفيلا.
عدنان: حلو جدًا، بس واضح إن يارا واثقة في في فارس.
روني: أنا وافقتك وقلت أشوف هتعمل إيه بس أنا قلتلك إن يارا بنحبه ومش هتصدق عنه حاجة.
عدنان: يبقى كده نجهز للضربة الكبيرة. وبالنسبة لمى خليها تعمل اللي قلنا عليه بالظبط، ديه اللي هتبقى الضربة القاضية بينهم.
قوليلي أخبار المعمل إيه... عرفتي هو فين؟
روني: هو أكيد جوا الفيلا.
عدنان: أنا مش هقدر أصبر أكتر من كده، قولي لمي تنفذ النهاردة.
أومأت له روني وخرجت من الغرفة سريعًا تناولت الطعام وغادرت على الفور.
____________
أما كمال فقد تحدث مع نيرة وطلب منها أن تحاول مرة أخرى مع فارس، ربما تجعله يرتجع عن فكرة الزواج ولكن نيرة رفضت بشكل قاطع، وظلت بغرفتها وتركت كمال يستشيط غضبًا.
أما جلال فعاد إلى منزله وتوجه نحو منزل كمال على الفور وحين فتح الباب دخل باندفاع والغضب يتطاير من عينيه قائلًا: فارس عنده ولد! يعني كل حاجة راحت، كل اللي عملناه راح والولد ده هياخد كل حاجة.
كمال بصدمة: واد إيه! وطلع منين ده.
دخلت ناهد المنزل بفزع عندما سمعت أصواتهما المرتفعة وقالت: فيه إيه؟ بتزعقو كده ليه!
كمال: ابنك بيقول إن فارس عنده ولد.
تحولت نظرات ناهد وفقدت زمام الأمور وقالت: ولد! بعد كل اللي عملته طلع عنده ولد! الحمد لله إن الموضوع منفعش.
نظر لها جلال متعجبًا، وخرجت نيرة من غرفتها ووقفت عند الباب تسمع ما يقال، وتفاجأت بجلال يسأل ناهد: موضوع إيه اللي مينفعش؟
لاحظت ناهد ما قالته دون إدراك، فظهر الارتباك عليها فقال جلال: قولي يا ماما من غير ما تحاولي تداري الموضوع.
ناهد: مفيش حاجة... موضوع إيه أصلًا؟
كمال: ناهد، قولي مش ناقصين مصايب، عملتي إيه؟ ومتكدبيش أنا حافظك.
ناهد بضيق: يووووه، مش هخلص منكو، بس بما إن الموضوع منفعش فا أنا هقول وخلاص.
أنا اتفقت مع حضري يقتل فارس.
تجمدت نظراتهم نحوها بصدمة، ثم قال جلال : ده اللي كنت خايف منه، ليه يا ماما؟
ناهد بحدة: ليه! حلو ده ليه! عشان أبوه طلعه بخيل على اللي منه زيه، سايبها هنا في الفقر وعايش حياته في عز، مش حاسس بينا وإحنا بنكمل عشانا نوم، كنت عايزني استنى لحد أما فارس يخلف وياخد مننا كل حاجة وساعتها خلاص مش هيبقى فيه أمل تاني.
كمال بحدة: تقومي تقتليه!
ناهد: عندك حل تاني.
قاطع حديثهم صوت ضحكات نيرة التي ضحكت بقوة حتى أدمعت عينيها، نظرو إليها بدهشة ثم قال كمال: إنتي إتجننتي يا بت؟
نيرة: اه بصراحة.
ثم ضحكت بقوة وأردفت: إنت متخيل إن دلوقتي بس عرفت إن يونس معاه حق؛ إحنا نصابين وكمان بنقتل عاشن الفلوس، عملنا كل حاجة عشان الفلوس، وفي الآخر هنطلع من غير ولا مليم. بجد دلوقتي شايفة إن يونس ربنا نجده مننا، إحنا عيلة بتقتل بعض عشان الفلوس! بنكدب على بعض ونخدع واحد مريض وكل ده وفاكرين إن ده حقنا، بس الحقيقة إن يونس فعلًا معاه حق؛ إحنا نصابين، وفلوس فارس فعلًا ملناش فيها، واحد أبوه قدر يشتغل ويعمل فلوس ويسيبهاله، لكن إحنا معملناش أي حاجة وطمعنا في فلوسه.
اقترب منها كمال بغضب وصفعها على وجهها، نظرت إليه بجمود وكأن الصفعة التي تلقتها عندما تركها يونس جعلتها لا تشعر بأي ألم آخر، فلا يوجد ألم أكبر من فقدان الحبيب.
ثم قال كمال بحدة: إنتي عمرك ما هتطلعي من الحارة ديه، هتفضلي طول عمرك فيها، أنا اللي غلطان إني بحاول ألحقك قبل ما تعيش العيشة ديه.
اقتربت منه ونظرت له بجمود وقالت: العيشة اللي كرهتني فيها أنضف بكتير من العيشة معاك، على الأقل مكنتش هنزل من نظر نفسي ومن نظر الراجل اللي بيحبني وأخليه يكرهني ويبص لغيري.
دفعها كمال بغضب نحو باب المنزل وقال: يبقى غوري من البيت ده، طالما مش شايفة غير حبيب القلب بتاعك الشحات، خليكي عايشة معاه وإحنا هنعيش وهنطلع من الفقر ده وساعتها لو جيتي طلبتي مليم واحد مش هديكي.
نيرة بغضب: في الآخر هتبقى زي أخوك اللي حرمكم من فلوسه واستخسرها فيكو، إنت بس شايف غير نفسك ولما المصلحة من ناحيتي راحت بتطردني من البيت، بتطرد بنتك.
أنا اللي همشي، أنا أنام في الشارع على الرصيف ولا أعيش معاك هنا يوم واحد تاني.
حاولت ناهد أن تقف أمامها لتمنعها ولكنها دفعتها وغادرت المنزل، وسط صيحات كمال الذي يطلب من ناهد أن تتركها تغادر دون عودة.
خرجت من المنزل وهي تبكي بشدة، وحين اقتربت من منفذ بيع يونس وقع نظره عليها، نظر إليها بصدمة من هيئتها. لم تنظر إليه، كانت الدموع تملأ عينيها وشوشت رؤيتها، لم يتحمل يونس أكثر ووقف أمامها، رفعت عينيها الباكية تنظر إلى وجهه وقالت: يونس! إنت معاك حق، أنا كنت غبية والشيطان عماني، وفي الآخر خسرت كل حاجة وإنت أولهم، وأكتر حاجة وجعاني إن زعلي بقى يهون عليك، إنت وعدتني منمش زعلانة وسبتني مقهورة على بعدك عني، وخلاص هتروح لغيري.
تحركت من أمامه لتذهب فقبض على ذراعها وقال: رايحة فين بمنظرك ده؟
نيرة: بابا طردني من البيت عشان واجهته باللي بيعمله، وأنا مبقتش عايزة أعيش معاه، مبقتش عايزة أعيش أصلًا، سيبني يا يونس أرجوك.
حاولت أن تدفع يده عنها ولكن قبض على ذراعها أكثر وجذبها نحوه وقال: إيه اللي إنتي بتقوليه ده! تعالي معايا.
نيرة: هروح فين؟
يونس: اطلعي عندنا لحد ما تهدي وتشوفي هتعملي إيه، مش هتمشي في الشارع بمنظرك ده ولا الهدوم ديه.
وجذبها خلفه وصعد إلى منزله، تحت نظرات سماح التي تابعت ما حدث بضيق.
______________
قام فارس بعمل التحليل مع معتز، وبعد أن غادر الطبيب بدأ يتابع حركات معتز الطفولية، يركض بالأرجاء وصوت ضحكاته تملأ المنزل أعاد الروح والحياة لعالمه.
يتابعه بنظرات تملأها الحب، ولا تقل نظرات يارا عن نظراته، فهو طفل محبوب للغاية وتعلقت به أيضًا، وكذلك منال التي جلست تلعب معه من أن عادت من المشفى، ثم تناولو الطعام معًا وكانت أميرة تتابع ما يحدث بسعادة، فا هو قد وجد معتز عائلته وشعر بدفء منزله وأحضان والده.
حل المساء، ونام معتز بهدوء بعد أن احتضن فارس ونام بجواره، حين تأكد فارس من نومه طبع قبلة على وجنته ونهض من الفراش، التفت نحو الباب فوجد يارا تتابعه بحب، ابتسم لها واقترب منها، ثم جذبها من يدها وغادرا الغرفة، فقالت يارا: إنت بابا حنين أوي.
فارس: حبك علمني حاجات كتير، خلى قلبي يتنفس ويعرف معنى الحياة، يقدر الأوقات الحلوة ويخاف تروح منها قبل ما يشبع منها، زي دلوقتي وأنا واقف شايف عينيكي اللي بتبصلي بحب، كان ممكن أدفع نص عمري ولا إني أخسر النظرة ديه.
يارا: عمرك غالي عليا، يارب تعيش دايمًا مبسوط وتفضل معايا العمر كله.
فارس: ربنا ما يبعدنا عن بعض أبدًا يا حبيبتي.
يارا: بس مش عارفة قلبي مقبوض ليه، خايفة يحصل حاجة.
فارس: متخافيش، مش هيحصل حاجة طول ما إحنا مع بعض متخافيش.
ابتسمت له وصمتت الكلمات وتحدثت العيون، حبهما كان هادئًا، وكأنه سفينة كانت تصارع إمواج وعواصف وأخيرًا وجدت مرسى لتهدأ وتقف بثبات، حب بريء يُحارب من جميع الجهات.
تُرى هل سينتصر.
تحدثا معًا لبعض الوقت، ثم ذهبت يارا لتطمئن على منال ودخلت غرفتها ونامت.
حاول فارس النوم ولكن شعوره بالسعادة منعه، فنزل إلى حديقة المنزل يتجول بها قليلًا، كان يشاهد أنواع الزهور والأشجار، وحين وجد وردة جورية متفتحة ابتسم بسعادة، وقرر أن يعطيها ليارا.
انحنى ليستنشق عطرها ثم تفاجأ بضربة قوية على رأسه جعلته يترنح ويسقط أرضًا مغشيًا عليه، ثم حمله رجلين ووضعوه داخل سيارة تصف خارج أسوار الفيلا، أما الحرس فقد تم ضربهم بعنف وسقطو أرضًا جرحى.