رواية اقدار مؤجلة الفصل الثامن عشر 18 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟖: الأدرينالين
by Volny_morya
.
"لا تقف في بداية الطريق إن وجدت صخرة، فهذه جزء من جسر ستبنيه يومًا لمستقبلك."
.
𝐅𝐥𝐚𝐬𝐡𝐛𝐚𝐜𝐤.
❀•°❀°•❀
بعد شهرين..
مرّ شهران...فكرة بقائها حتى الآن كانت، بحد ذاتها، إنجازًا لم تتوقعه..
2
لم تعد تلك الفتاة التي دخلت القاعدة بخطوات مترددة ونظرات حذرة، شيئًا فشيئًا، بدأت تتشكل من جديد... أقسى، أصلب، وأكثر وضوحًا..
1
الأيام الأولى كانت عاصفة..
1
صراخ لا ينقطع، أوامر تُقذف كالرصاص، أوراق تُملأ دون توقف، فحوص طبية دقيقة، وإبر تُغرس في ذراعيها ووركها حتى أصبحت بشرتها تحفظ الألم كما تحفظ الذاكرة الأسماء..
3
ومع ذلك...
لم تشعر يومًا بثقة كهذه..
ولا بانتماء يشبه هذا الثقل الذي استقر في صدرها..
1
لكن ما إن انتهى الأسبوع الأول... حتى انقلب كل شيء..
بدأت صرامة التدريب الكشف عن الوجه الحقيقي..
لم يعد الأمر مجرد اختبارات... بل صراع يومي مع الجسد..
قبل ذلك، كانت تمارس الرياضة بشكل عادي، كأي طالبة جامعية تحاول الموازنة بين المحاضرات والامتحانات، تسرق وقتًا للركض أو تمارين خفيفة، ثم تعود إلى كتبها..
2
أما هنا...
فالجسد لم يعد ملكها...
كل يوم نوع جديد من الإجهاد، كل صباح اختبار مختلف..
ركض لمسافات طويلة، زحف فوق أرض قاسية، حمل معدات أثقل من قدرتها، ثم إعادة الكرّة دون رحمة..
3
بعد شهرين...
بدأت ترى التغيير..
كتفاها ازدادا صلابة، ساقاها تحملانها بثبات رغم الارتجاف، ويداها... لم تعودا ناعمتين كما كانتا..
3
لكن الثمن...كان فادحًا..
ألم مستمر في العظام، نوم متقطع، وإرهاق يتسلل إلى أعماقها حتى في لحظات السكون..
3
الساعة الأن تقترب من الخامسة فجراً..
الظلام لا يزال يخيّم، والبرد يعضّ أطرافها، بينما حقيبتها الثقيلة تستقر على كتفيها، تضغط بثقلها وكأنها تذكرها بكل ما حملته خلال هذه الفترة..
حين دخلت إلى الحافلة العسكرية...كان جلس الجميع في صمت شبه تام..
بعضهم غارق في النوم، آخرون يحدقون في الفراغ، وأصوات المحرك تهدر بثبات، كأنها لحن متكررلا ينتهي..
كانت المهمة الجديدة: تدريب ملاحة برية... يومان كاملان..
يومان في العراء و الاختبار..
جلست بجانب باڤل..
رأسه كان يتمايل مع حركة الطريق، يوشك على السقوط في النوم كل ثانية..
دفعته بكتفها بخفة..
"إستيقظ لا تنم هنا.."
تمتمت، بصوتها المثقل بالتعب:
"دعيني أنام..."
ترددت، ثم قالت:
"ماذا لو.."
قاطعها بنبرة نصف نائمة:
"المدربون لن يكونوا هنا ليعاقبونا... ولو كنت مكانك، لاتخذت كتفي وسادة للنوم.."
3
فتح عينه نصف فتحة و أضاف بكسل:
"أسرعي... قبل أن أغير رأيي.."
نظرت إليه لحظة.. ثم زفرت بهدوء..
"حسنًا..."
استسلمت و مال رأسها قليلًا... حتى استقر على كتفه..
4
في البداية قاومت قليلا لكن التعب... كان أقوى..
و انزلقت إلى النوم دون صعوبة..
اهتز جسدها فجأة.. وتوقفت الحافلة..
استيقظت بعنف، أنفاسها متقطعة، وكأنها سقطت من مكان مرتفع..
نظرت حولها..الرحلة ما زالت في أولها و قد مرت ساعة، لكنها شعرت وكأنها أغمضت عينيها لثوانٍ فقط..
لم يكن كافيًا، لم يكن قريبًا حتى من الكفاية..
لكنها... اعتادت و القليل أصبح كافيًا.. والأقل ضرورة..
مال رأسها مرة أخرى دون وعي، وجنتها لامست كتف باڤل مجددًا... وغرقت في غفوة ثانية، أعمق هذه المرة، أقرب إلى فقدان الوعي من النوم..
استيقظت على حركة بجانبها.. باڤل يتململ، يحاول الجلوس.. وفي نفس اللحظة ضُرب جانب الحافلة من الخارج..
1
قبضة قوية... معدنية..
2
الصوت اخترق الصمت..
"إخرجوا !"
3
بدأ الجنود يتحركون بسرعة، الفوضى تعود فجأة، أصوات الحقائب، الأحذية، و الأوامر..
رفعت رأسها ببطء، عقلها لا يزال عالقًا بين النوم واليقظة، لكن جسدها... استجاب فورًا..
هذا ما تعلمته..حتى لو لم تفهم...يجب عليها أن تتحرك..
حتى لو كانت منهكة... تقف..
قفز باڤل أولًا من الشاحنة، حذاؤه العسكري ارتطم بالأرض الطينية بقوة، بينما حقيبته الضخمة كانت ملتصقة بظهره حتى بدا كأنه يحمل نصف وزنه فوق كتفيه..
استدار مباشرة، مد يده نحو جليندون ليساعدها على النزول، لكن قبل أن تضع كفها في يده، شقّ الهواء ذلك الصوت الحاد... الصوت الذي تعرّفوا عليه جميعًا خلال شهرين من الجحيم..
1
"ليصطف الجميع!"
1
تجمدت للحظة..
نظرت إلى باڤل، وبادلها النظرة نفسها... دهشة صافية أزالت آخر بقايا النوم من عينيهما..
القائد، اللعنة..
3
أنزلها بسرعة من الشاحنة، وبمجرد أن لامست قدماها الأرض، تحركا تلقائيًا مع بقية الجنود، يصطفون في خط مستقيم بآلية حفظتها أجسادهم قبل عقولهم. . الأكتاف مشدودة، الذقون مرفوعة، والأنظار ثابتة للأمام..
لكن داخل الصف...
كان التوتر ينتشر كشرارة بين الجميع..
ليس هي وباڤل فقط.. الجميع أدرك الأمر في اللحظة نفسها..
لقد وقعوا في الفخ..
1
ما ظنوه تدريب ملاحة عاديًا... لم يكن عاديًا أبدًا..
2
وجوده وحده كان كافيًا لنسف أي أمل بالراحة..
4
طوال الشهرين الماضيين، حضوره كان نادرًا، يظهر كظل ثقيل ثم يختفي مجددًا في المهمات التي يتداول الجنود عنها همسًا... مهمات يعود منها البعض محمولين بأكياس سوداء أو لا يعودون أصلًا... لذلك كان الملازم الأول غريغوري هو من يتولى أغلب التدريبات اليومية..
أما حين يظهر القائد بنفسه...
فهذا يعني شيئًا واحدًا فقط:
التدريب سيكون أقرب إلى محاولة قتل قانونية..
4
شعرت جليندون بشدّ خفيف في معدتها وهي تراقبه من طرف عينها دون أن تحرك رأسها... في حسابها... هذه رابع مرة تراه عن قرب منذ دخولها القاعدة..
وفي كل مرة... كان يترك الأثر نفسه..
4
ذلك الرجل لم يكن فقط طويلًا أو ضخم البنية... بل كان يبدو كأنه صُنع ليحتل المكان وحده.. معطفه العسكري الداكن زاد من عرض كتفيه، والخريطة المفتوحة بين يديه الكبيرتين بدت صغيرة بشكل غير منطقي. . حتى وقفته كانت تحمل شيئًا خانقًا... ثباتًا باردًا يجعل الجميع ينتبه دون أن يرفع صوته..
3
الأغرب...
أنه لم يعاملها يومًا كامرأة، لا شفقة و لا تساهل و لا حتى نظرة مختلفة..
1
كان قاسيًا معها كما هو مع الجميع... بل أكثر أحيانًا..
لأنها دائمًا الأبطأ بين خمسة عشر رجلًا..
1
ولأنها كانت تعرف ذلك... تقبلته..
5
كانت تنتظر الضغط أصلًا، تنتظر أن تُدفع حتى حدودها القصوى كي تثبت أنها تستحق مكانها هنا.. لكن الغريب هذه المرة... أنه لم ينظر نحوها حتى..
ولا كلمة..ولا تعليق على تأخرها بالنزول..
فقط كان واقفًا مع غريغوري، يتحدثان بصوت منخفض بينما إصبع القائد يتحرك فوق الخريطة المطوية، يشرح شيئًا ما بتركيز جعل الخط بين حاجبيه يبدو أعمق..
الهواء كان قارصًا، يلسع وجوههم مع رائحة الطين الرطب و الثلج الكثيف والصنوبر المبلل.. خلفهم امتدت الغابة الكثيفة كجدار مظلم، صامت ومخيف، بينما الضباب الخفيف كان يزحف بين الأشجار ببطء..
شعرت جليندون بثقل حقيبتها يضغط على كتفيها أكثر مع كل ثانية انتظار..
ثم أخيرًا...
رفع القائد رأسه..
اجتاحت عيناه الصف كاملًا..نظرة واحدة فقط...
لكنها كانت كافية لتجعل الجميع يشد ظهره أكثر..
عيناه توقفتا لثانية قصيرة عليها..ثانية واحدة باردة... حادة... تقرأها بالكامل..
2
ثم انتقلتا إلى الجندي الذي بجانبها وكأن شيئًا لم يكن..
لكن تلك الثانية وحدها جعلت نبضها يتغير..
"من هذه اللحظة..."
بدأ صوته منخفضًا، لكنه وصل إليهم بوضوح مخيف.
"أي شخص يبطئ الفريق... سيُترك خلفهم.."
2
ساد الصمت فورًا..
حتى الهواء بدا وكأنه توقف..
2
أغلق الخريطة بيده القوية دفعة واحدة، الصوت الحاد لاحتكاك الورق اخترق التوتر، ثم أكمل وهو ينظر نحو الغابة الممتدة أمامهم:
"أمامكم ساعتان.. لا طرق ممهدة، لا نقاط راحة، ولا مساعدات.. ستتحركون وفق الإحداثيات التي تُعطى لكم... ومن يضيع، فليصلِّ أن نعثر عليه قبل الذئاب.."
2
سمعت أحد الجنود يبتلع ريقه بصعوبة..أما باڤل...
فتمتم من زاوية فمه دون أن يحرك رأسه:
"أخبرتكِ... كان يجب أن أنام أكثر.."
كادت تضحك..كادت فعلًا، لكنها كانت منشغلة بشيء آخر...
1
ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى صدرها كلما وقع نظرها على القائد..
شعور غريب... بين الحذر والانجذاب والخوف..
3
وكأن وجوده وحده... يعني أن الجحيم الحقيقي بدأ الآن..
ابتلعت جليندون ضحكتها في اللحظة الأخيرة عندما اجتاحت عينا القائد الصف كاملاً..
كانت نظرة باردة، دقيقة، لا تتوقف طويلًا عند أحد، لكنها تمر على الجميع كما يمر نصل حاد على سطح الجلد..
ثم أكمل بصوته الجهوري الذي لا يحتاج إلى رفعه ليُسمع:
"الآن سيبدأ الاختبار الأولي..لديكم ساعتان فقط، لا أكثر ولا أقل، للوصول إلى قاعدة التدريب المهجورة باستخدام خريطة ورقية، وبوصلة عسكرية، وهاتف ميداني واحد سيكون بحوزة قائد الفريق الذي سأختاره الآن.."
ساد الصمت و لم يتكلم أحد أو يعترض أحد..فأكمل مباشرة:
"الحمولة تتكون من حقيبة وزنها ثمانية عشر كيلوغرامًا، وبندقية مع ذخيرتها، ومياه، وحصص غذائية خفيفة، ومعطف صوفي بسبب انخفاض درجات الحرارة.."
4
وفي تلك اللحظة تحديدًا...تنفست جليندون الصعداء، أخيرًا..
سيكون لديهم معاطف، كادت تبتسم فعلًا..
فمنذ نزولها من الحافلة وأسنانها تصطك خفية من البرد..
ربما...
وربما فقط...
كان الرجل أقل وحشية مما تصفه الشائعات..
2
لكن باڤل، الذي كان يقف بجوارها، نظر إليها بنظرة جعلتها تشعر وكأنها مخلوق فضائي هبط للتو من كوكب آخر..
هز رأسه بيأس..
واضح أنها لم تسمع شيئًا مما سبق كلمة "معطف"..
ثمانية عشر كيلوغرامًا..
1
بندقية..
ذخيرة..
ساعتان فقط..
غابة مجهولة..
ضباب كثيف..
ثلوج متراكمة..
ولا أحد حتى تجرأ على السؤال عن المسافة المطلوبة..
أما هي...
فكانت سعيدة بالمعطف..
9
تنهد باڤل داخليًا يا للمسكينة..لا تعرف بعد نوع الجحيم الذي ينتظرها..
بل إنه أحيانًا يتساءل كيف انتهى بها المطاف أصلًا في قاعدة أورلوف بالذات..
3
فهذا الرجل كان أسطورة سيئة السمعة حتى بين القواعد الأخرى..
بعد انتهاء التعليمات، استدار القائد وغادر بسيارته العسكرية دون كلمة إضافية..
وكعادته...
ترك خلفه شعورًا غريبًا بالضغط حتى بعد رحيله..
بعد دقائق وزعت المعدات..
وعندما حاولت جليندون حمل الحقيبة على ظهرها...كادت تسقط مباشرة على الأرض لولا يد باڤل التي أمسكت بذراعها في اللحظة المناسبة...
2
"اللعنة..."
4
تمتمت وهي تستعيد توازنها..
ضحك باڤل..
"بدأتِ تدركين صعوبة الأمر الآن.."
كانت الحقيبة أشبه بكتلة إسمنت مربوطة إلى ظهرها..والمعطف الصوفي الذي فرحت به قبل دقائق؟ اتضح أنه أثقل من نصف ملابسها المدنية مجتمعة..
أما قائد الفريق الذي اختاره أورلوف...
فكان كريستوفر..
الخيار المنطقي..لأكثر استقرارًا بينهم و الأهدأ تحت الضغط.د
والأقل ميلًا لارتكاب الحماقات..لذلك لم يعترض أحد ليس لأنهم مقتنعون تمامًا.. بل لأن التشكيك في اختيار القائد لم يكن شيئًا يفكر به شخص يريد البقاء حيًا..
1
بدأت المجموعة بالتوغل داخل الغابة.. في البداية كانت الأشجار متباعدة نسبيًا..
لكن كلما تقدموا...بدأ الضوء يختفي تدريجيًا..
الأغصان السوداء تشابكت فوق رؤوسهم.. والثلوج القديمة غطت أجزاء واسعة من الأرض..
أما الضباب فكان ينساب بين الجذوع بصمت أشبه بالأشباح..
بعد عدة دقائق رفع كريستوفر يده، فتوقفت المجموعة كاملة استدار نحوهم وأخذ يوزع المهام بسرعة قائد يعرف أن الوقت ليس حليفهم..
"ساشا وباڤل، الخريطة.."
2
أشار إلى الاثنين..
"ستورف وكاميل، البوصلة.."
ثم أكمل:
"أنتم الثلاثة ستراقبون محيطنا.."
"أنتم الأربعة ستتولون حساب المسافات والخطوات والوقت.."
"أنتم الاثنان مسؤولان عن المعدات الطبية.."
1
بدأ الجميع يومئون ثم توقف للحظة و نظر نحو جليندون..
ثم قال بجدية كاملة:
"وأنتِ يا ألبا... ستتولين مهمة البقاء على قيد الحياة.."
ساد صمت قصير ثانية واحدة فقط ثم انفجرت المجموعة بالضحك.. قهقهات عالية ارتدت بين الأشجار..
2
حتى ساشا اضطر إلى الانحناء وهو يضحك..
2
شعرت بـالحرارة تصعد إلى وجنتيها فورًا..
في البداية ظنت أنها ستتجاهل الأمر..
لكن شيئًا قديمًا تحرك داخلها..شيء كانت تعرفه جيدًا..ذلك الإحساس المزعج عندما يُفترض تلقائيًا أنك الحلقة الأضعف..
5
أنك العنصر الإضافي أو أن وجودك رمزي فقط.. سنوات طويلة من سماع أشياء مشابهة..في المنزل و في الجامعة في الحياة بأكملها..
1
ولهذا...
خرجت الكلمات من فمها قبل أن تفكر.. بهدوء كامل..وبابتسامة مهذبة للغاية..
وهي أخطر أنواع الابتسامات..
2
"شكرًا أيها القائد كريستوفر على هذه المهمة القيّمة.."
اختفت الضحكات تدريجيًا...ثم أكملت:
"وبما أن الجميع أصبح يعرف مهمته... هل تتكرم علينا بإخبارنا ما الذي ستفعله أنت؟"
4
ساد الصمت..
هذه المرة الصمت كان حقيقيًا..
2
التفتت جميع الرؤوس نحو كريستوفر..
حتى باڤل اختنق بضحكته..أما كريستوفر...
فبدا وكأنه تلقى رصاصة غير متوقعة..
رمش مرة..ثم مرتين..
وقال:
"أمم..."
1
وكأنه يبحث عن جواب..
"مهمتي... مراقبة نجاحكم في تنفيذ مهامكم.."
1
ارتفعت عدة حواجب في آن واحد.. حتى أصحاب المهام أنفسهم لم يبدوا مقتنعين..أما جليندون...فاكتفت بإيماءة صغيرة جدًا..
الإيماءة التي تعني:
كما توقعت..
3
ظهر التوتر على وجه كريستوفر بسرعة..
فاستدار فورًا وأشار للأمام..
"تحركوا.."
3
بعد ذلك بنصف ساعة...
بدأ الحماس الأولي يتلاشى.. أصبح كل شيء أصعب، أثقل و أبطأ..
صوت الثلوج المتكسرة تحت الأحذية،أنفاس الجنود و صوت الأوراق وهي تُقلّب فوق الخريطة..
حساب الخطوات الذي بدأ يتحول إلى صداع جماعي..
وبدأت جليندون تفهم أخيرًا لماذا لم يسأل أحد عن المسافة..
لأن السؤال الحقيقي لم يكن كم سيقطعون...
بل كيف سيصلون أصلًا..
1
ورغم التعب الذي بدأ يتسلل إلى عضلاتها...ورغم الحقيبة التي كانت تحفر أخاديد مؤلمة في كتفيها...ورغم البرد الذي يتسلل إلى أطراف أصابعها...
شعرت بشيء يشبه الابتسامة يرتسم داخلها..
للمرة الأولى منذ دخول القاعدة..لم تكن تحاول اللحاق بالآخرين فقط..بل كانت جزءًا من الفريق جزءًا من الفوضى.. وجزءًا من المعركة نفسها..
2
حتى لو كانت مهمتها الرسمية...البقاء على قيد الحياة..
تسلل الإرهاق إلى أجسادهم تدريجيًا حتى لم يعد أحد منهم يتذكر متى بدأت ساقاه تؤلمانه..
في البداية كان البرد هو المشكلة..
ثم أصبح الوزن..
ثم اختلط الاثنان معًا حتى تحولا إلى شيء واحد يضغط على الكتفين والرئتين والمفاصل في آن واحد..
1
كانت الثلوج تعيق كل خطوة، والأرض غير مستقرة، والضباب يبتلع الرؤية لمسافات قصيرة.. حتى الحديث بينهم تراجع شيئًا فشيئًا، لأن كل نفس أصبح ثمينًا..
بعد ساعة ونصف، لم يعد أحد يحاول إخفاء تعبه..
بعد ساعة وخمسين دقيقة، أصبحت الخطوات أثقل..
وبعد ساعة وسبع وخمسين دقيقة...ظهرت القاعدة المهجورة أخيرًا بين الأشجار..
2
لم تكن أكثر من مجموعة مبانٍ عسكرية قديمة فقدت ألوانها منذ زمن طويل..أسوار صدئة، أبراج مراقبة مهجورة، وساحة واسعة غطتها الثلوج المتراكمة..
شعر بعض الجنود برغبة في الضحك من شدة الارتياح..
أما جليندون...
فكانت تجر قدميها حرفيًا.ظالحقيبة بدت وكأن وزنها تضاعف عدة مرات..
1
كتفاها يحترقان.وأصابعها فقدت الإحساس منذ وقت طويل ومع ذلك...واصلت السير..
1
خطوة...ثم أخرى...ثم أخرى..
حتى وصلت إلى الساحة وهناك فقط أدركت المصيبة، لم يكن لديهم وقت للراحة أصلًا..
كان القائد واقفًا بالفعل كما لو أنه ظهر من العدم وقف في منتصف الساحة بينما ساعة معدنية سوداء تستقر في كفه..
يحسب المسافة المتبقية لكل واحد منهم و يراقب المدة ويسجل توقيت الوصول..
وصل أول الجنود...ثم الثاني...ثم الثالث..
وكان غريغوري يقف بجانبه يدون الملاحظات على لوحة صغيرة..
اصطف الجنود واحدًا تلو الآخر...الأنفاس متقطعة و الوجوه شاحبة من البرد..
لكن التحية خرجت رغم ذلك قوية ومنضبطة..
وعندما اكتملت الساعتان تمامًا...
كانت جليندون لا تزال تخطو آخر الأمتار..
شعرت باللعنة تهمس داخل رأسها..دقيقة إضافية...دقيقة واحدة فقط...
وكعادتها...وصلت هي الأخيرة..
وصلت إلى الصف عندما تحركت عقارب الساعة فوق الساعتين بدقيقة كاملة..
3
أدت التحية فورًا..وحاولت أن تخفي ارتجاف عضلاتها بينما كانت حقيبتها لا تزال معلقة على ظهرها لأن الوقت لم يسمح لها بإلقائها أرضًا مثل البقية..
رفع أورلوف رأسه نحوها وثبتت عيناه عليها انتظرت كما في كل مرة انتظرت التوبيخ و الملاحظة الجافة.. و تلك النبرة القاسية التي اعتادت سماعها..
لكن...لم يأتِ شيء من ذلك..قال فقط:
"استرخي.. ضعي حقيبتك.."
6
رمشت مرتين وكأنها لم تسمع جيدًا ثم أنزلت الحقيبة أخيرًا..
وفي اللحظة التي لامست الأرض...
كادت تتنهد من شدة الراحة..
حتى المعطف الصوفي خلعته رغم البرد القارس..
كانت تشعر أن كتفيها سيصرخان لو بقي ثانية إضافية فوقهما.. لكنها شعرت بنظراته عليها.. ليست طويلة ولا واضحة إنما دقيقة تراقب شيئًا ما أوتقيس شيئًا ما وكأنها جزء من تقرير داخلي لا تعرف عنه شيئًا..
ثم قال أخيرًا:
"أداء لا بأس به.."
5
لا بأس به؟
ضيقت عينيها فورًا..
أداء لا بأس به؟
1
لقد تأخرت دقيقة كاملة وكان هذا الرجل معروفًا بأنه يحاسب على الثواني.. بل إنه سبق أن جعل أحد الجنود يعيد جولة كاملة بسبب خطأ أصغر من هذا..
أما الآن...
فأداءها لا بأس به؟
2
كادت تشعر بالإهانة أكثر من لو أنه وبخها..
من أي جهة كان هذا تقييمًا أصلًا؟
لكن قبل أن تتمكن من التفكير أكثر، كان قد استدار بالفعل..
وكأن الأمر انتهى بالنسبة له..
أما هي...
فبقيت تحدق في ظهره بنظرة حارقة كانت كافية لإشعال الغابة بأكملها..
3
وقف أمام المجموعة يداه خلف ظهره ونظر إلى قائد الفريق..
"تحدث يا كريستوفر.."
استقام كريستوفر فورًا رغم تعبه رغم أن البخار كان يخرج من فمه مع كل نفس.. إلا أن صوته خرج ثابتًا..
"المسافة الإجمالية كانت تقارب أربعة عشر كيلومترًا عبر الغابة.."
أومأ أورلوف مرة واحدة..
فأكمل:
"واجهنا ثلاثة عوائق رئيسية... الأول كان الضباب الذي خفض الرؤية إلى أقل من خمسين مترًا في بعض المناطق.."
1
وأشار إلى الخريطة التي كان يحملها..
"العائق الثاني كان تراكم الثلوج على المنحدرات الشرقية...اضطررنا لتغيير المسار مرتين لتجنب فقدان الوقت والطاقة.."
رفع أحد الجنود رأسه قليلًا عند سماع ذلك..
فهذا القرار وحده وفر عليهم عشرين دقيقة تقريبًا..
أما كريستوفر فتابع:
"العائق الثالث كان اختلاف تقدير المسافات بين فريق الملاحة وفريق حساب الخطوات.."
وأشار إلى ساشا وبافل..
"لكن تمت مراجعة الإحداثيات ثلاث مرات وتأكيد الاتجاه بواسطة البوصلة.."
صمت لحظة ثم أكمل:
"استهلاك المياه كان ضمن المعدل الطبيعي.. لم نسجل إصابات..ولم نفقد أي عنصر من المجموعة.."
أخذ نفسًا عميقًا..
"الوقت النهائي للوصول... ساعتان ودقيقة واحدة.."
1
ساد الصمت.. نظر الجميع إلى أورلوف...ينتظرون الحكم..
1
أما هو...فبقي ثابتًا للحظات عيناه انتقلتا بين الوجوه المتعبة...الملابس المبتلة...الأكتاف المنهكة والوحل العالق بالأحذية..
ثم قال بهدوء جعل الجميع يتوتر أكثر:
"لو كانت هذه مهمة حقيقية..."
1
تجمدت الأنفاسهم..
"لكان الفريق بأكمله مات.."
7
هبطت الجملة فوقهم كضربة مطرقة حتى جليندون رفعت رأسها نحوه..أما أورلوف فأكمل دون أن تتغير نبرته:
"الدقيقة الواحدة كافية لقتل فريق استطلاع.."
ثم نظر مباشرة إلى كريستوفر..
"وتغيير المسار مرتين يعني أنك فقدت السيطرة على الخطة الأصلية.."
تحركت عضلة في فك كريستوفر.. لكنه لم يعترض لأنه يعلم أنه محق أما أورلوف فأشار نحو الغابة خلفهم..
"العدو لا يهتم أنكم تعبتم.."
ثم نحو الثلوج..
"ولا يهتم بالطقس.."
ثم نحوهم جميعًا..
"ولا يهتم إن كنتم جائعين أو مرهقين.."
سكت لحظة ثم قال بصوت أخفض:
"لكن..."
توقفت الأنفاس مرة أخرى.. و زفرو عند كلماته الأخرى..
"لم تفقدوا أحدًا.."
ساد الصمت.. هذه المرة صمت مختلف..
وأكمل قائلا :
"وذلك هو السبب الوحيد الذي يجعلني أعتبر هذا الأداء... مقبولًا.."
2
لأول مرة منذ وصولهم...شعرت المجموعة كلها أن تلك الكلمة كانت أقرب ما يكون إلى المديح القادم من القائد..
2
" و شيء أخر، لديكم فترة ما بعد الظهر بأكملها لراحة حتى بداية غروب الشمس حوالي السادسة مساء، أريدكم حينها جميعا أمامي، و ممنوع دخول المبنى.. "
2
تراجعت موجة الارتياح عبر الصف كله فور أن اختفى أورلوف خلف باب المبنى المهجور.. لم يكن الأمر يحتاج إلى كلمات؛ الأنفاس التي خرجت دفعة واحدة من عشرات الصدور كانت كافية لتشرح حجم الضغط الذي فرضه وجوده عليهم منذ لحظة وصولهم..
1
بدأ الجنود يتفرقون ببطء.. بعضهم جلس مباشرة على الأرض المكسوة بالثلج المتسخ غير مكترث لبرودة الرطوبة التي ستتسلل إلى عظامه، وبعضهم اتجه نحو الشاحنات العسكرية المتوقفة عند أطراف الساحة االترابية...
أما جليندون فاكتفت بالنظر إلى المبنى للحظة طويلة.. كان المكان أشبه بشبح قاعدة عسكرية أكثر منه قاعدة حقيقية..
جدران إسمنتية باهتة أكل الزمن أطرافها... نوافذ مكسورة تتدلى منها بقايا زجاج حاد..وسارية علم صدئة تقف في المنتصف كجندي عجوز رفض السقوط..
لو لم يمنعهم القائد من دخولها، لما فكرت حتى بالاقتراب منها.. شيء في ذلك المكان كان يبعث على القشعريرة..
1
تقدمت خلف المجموعة بخطوات ثقيلة، بينما كانت ساقاها تحتجان مع كل حركة.. عضلات ظهرها تحولت إلى كتلة من الألم... كتفاها يحترقان تحت أثر الحقيبة التي حملتها طوال الساعتين السابقتين، وكأن الوزن ما زال معلقًا فوقهما رغم أنها خلعته منذ دقائق..
في المقدمة كان بافل يسير بجوار كريستوفر، يتبادلان حديثًا منخفضًا لم تستطع تمييز كلماته..
أما هي فكانت تجر قدميها حرفيًا..
وتفكر..
كيف ستنجو من الأشهر الأربعة القادمة؟!....في البداية كانت تتصور أن أصعب ما في الجيش هو الانضباط..
2
الاستيقاظ قبل الفجر..
الركض..
التدريب البدني..
الأسلحة..
الأوامر..
لكنها بدأت تدرك الآن أن كل ذلك كان مجرد تمهيد..
المرحلة الحقيقية بدأت اليوم..
1
حين ألقوا بهم وسط غابة متجمدة، وأعطوهم خريطة ورقية وبوصلة وساعة، ثم تركوهم يواجهون الطبيعة والوقت والإنهاك دفعة واحدة..
هذا النوع من الاختبارات لا يقيس القوة الجسدية فقط.. بل يكشف ما تبقى من الإنسان عندما يبدأ جسده بالانهيار..
صعدت إلى مؤخرة الشاحنة العسكرية وألقت بنفسها على أحد المقاعد المعدنية الطويلة.. حتى الجلوس كان مؤلمًا..
نزعت معطفها الصوفي الثقيل ووضعته تحت رأسها كوسادة مرتجلة، ثم مدت ساقيها ببطء..
جلس بافل عند الطرف المقابل مستندًا إلى حقيبته..
بعد أقل من دقيقة كان رأسه قد مال إلى الخلف وبدأ يغفو..
ابتسمت رغم تعبها..
ذلك الرجل يستطيع النوم في أي مكان.. وفي أي ظرف..بل وربما أثناء سقوط قذيفة أيضًا..
3
أغمضت عينيها أخيرًا..لأول مرة منذ ساعات وتسللت الأفكار فورًا كما تفعل دائمًا..
ظهرت صورة جريس داخل ذهنها...واضحة إلى درجة مؤلمة..شعرها الفاتح ابتسامتها الصغيرة الطريقة التي كانت تلتف بها حول بطانيتها أثناء قراءة هي الرسائل..
تساءلت فجأة...
ماذا تفعل الآن؟
1
هل مرت عليها نوبة هلع خلال الشهرين الماضيين؟
هل استطاعت النوم جيدًا؟
هل زارها أحد؟
أم بقيت وحيدة كما كانت دائمًا؟
شعرت بانقباض مؤلم داخل صدرها.. جريس كانت أكثر شخص فهمها يومًا.. الشخص الوحيد تقريبًا الذي لم يحاول تغييرها.. أو يحاول إصلاحها..
1
لم يحاول تشكيلها وفق صورة مثالية..
اكتفى بوجودها كما هي..
اشتاقت إليها..
اشتاقت إليها بطريقة جعلت حلقها يؤلمها.. اشتاقت إلى الجلوس بجانبها لساعات طويلة دون حاجة إلى الكلام..
إلى قراءة الرسائل القديمة..
إلى مشاركة قطعة حلوى...
الحلوى...
فتحت عينيها للحظة ثم أغلقتها مجددًا..
يا إلهي..منذ متى لم تأكل شيئًا حلوًا؟
1
شهران؟ تقريبًا، شهران كاملان..
ضحكت داخلها بسخرية..
لو أخبرها أحد قبل عام أنها ستقضي شهرين بلا شوكولاتة أو فانيلا أو قطعة كعك واحدة لظنته مجنونًا..
لكنها هنا في قاعدة عسكرية وسط الغابات الروسية..
تعيش على القهوة والطعام العسكري والحرمان من النوم..
استمعت إلى أصوات بعيدة حولها ضحكات الجنود، احتكاك الأحذية بالثلج.. صوت الريح وهي تصفر بين الأشجار.. ثم تذكرت شيئًا آخر..
كل يوم جمعة.. كان بافل يذهب إلى مركز البريد..
ويعود برسائل.. صور..
أحيانًا يظل يحدق في صورة زوجته وطفله لعشر دقائق كاملة وكأنه يستمد منها القوة للأسبوع التالي..
3
ثم يذهب إلى غرفة الاتصالات..
عشرون دقيقة، إتصال فيديو عشرون دقيقة مع عائلته..
وكان يخرج بعدها بابتسامة تكفي لإنارة ثكنة كاملة..
1
أما هي...فلم تتلق شيئًا.. ولا مرة، لا رسالة أو اتصال.ٱو بطاقة.. لا حتى سؤالًا عابرًا..
5
في البداية أقنعت نفسها أنهم مشغولون..
ثم أقنعت نفسها أن البريد بطيء..
ثم أقنعت نفسها أن الأمر لا يهم..
لكن الحقيقة بقيت كما هي..
وكأن اختفاءها لم يترك فراغًا في حياة أحد.. شعرت بشيء حاد يغرز نفسه بين أضلاعها..
3
شيء مألوف..شيء قديم ذلك الإحساس الذي كانت تعرفه منذ طفولتها..
أن تكون موجودة...لكن دون أن يلاحظ أحد وجودها.. أن تبذل جهدًا هائلًا لتصبح شخصًا يستحق الالتفات...ثم تكتشف أن الجميع كانوا ينظرون إلى مكان آخر..
1
ابتلعت بصعوبة لكن التعب كان أقوى من الحزن و أقوى من الذكريات وأقوى من الوحدة.. شعرت بحرارة دمعة تنساب ببطء فوق بشرتها الباردة..
1
تركتها تنزلق بصمت لم تمسحها لم تعد تملك الطاقة لذلك..كان جسدها يهبط تدريجيًا داخل نعاس عميق..
الأصوات من حولها بدأت تبتعد والريح خفتت.. والغابة أصبحت مجرد ظلال باهتة خلف جفنيها المغلقين..
كنوم شخص استنزف كل ما يملكه... ولم يعد لديه شيء آخر ليقدمه..
. . . . .
بعد ساعات قليلة من النوم الذي كانت بحاجة إليه أكثر مما اعترفت لنفسها، شعرت بصوت مألوف يتسلل إلى وعيها ببطء..
"ألبا... استيقظي.."
تحركت بتثاقل فوق المقعد الطويل داخل الشاحنة العسكرية، وأخذت لحظة كاملة لتتذكر أين هي.. كانت عضلاتها تؤلمها من التدريب، وعنقها متيبساً من وضعية النوم غير المريحة، أما الهواء البارد الذي تسلل إلى داخل الشاحنة فقد كان كفيلاً بإعادتها إلى الواقع..
فتحت عينيها ببطء لتجد بافل أمامها، جالساً على طرف المقعد المقابل، يربط جواربه السميكة ويشد رباط حذائه العسكري..
تمتمت بصوت أجش ما زالت آثار النوم عالقة فيه:
"هل حان الوقت؟"
رفع رأسه نحوها وهز كتفيه..
"ليس تماماً.. بقي حوالي نصف ساعة... أيقظتك لتستعدي... لا أحد يعرف ما الذي يخطط له القائد عندما يجمعنا مجدداً.."
أومأت ببطء وهي تجلس معتدلة، ثم أسندت ظهرها إلى جدار الشاحنة..
خارجها كان النهار باهتاً.. الغيوم الرمادية الثقيلة تغطي السماء بالكامل، والضوء المنتشر فوق الغابة بدا ضبابياً وكأنه عاجز عن اختراق ذلك السقف الكثيف من السحب..كان كل شيء يوحي بأن الثلج سيبدأ بالهطول في أية لحظة..
أنزلت بصرها إلى قدميها..
خطأ فادح لقد نامت بالحذاء العسكري وفور أن انتبهت لذلك شعرت بكل الألم دفعة واحدة.. قدماها كانتا تصرخان من الضغط المستمر داخل الحذاء الثقيل، وأصابعها تكاد تتجمد من البرد..
زفرت بضيق ثم وقفت..
كانت بحاجة ماسة إلى الحمام، وإلى غسل وجهها، وربط شعرها مجدداً قبل أن يبدأ أي تدريب جديد..
قفزت من الشاحنة ونظرت حولها..
أشجار و ثلج يغطي الأرض، شاحنات عسكرية و جنود متفرقون..
ولا أثر لحمام..
أدخلت رأسها مجدداً من باب الشاحنة وقالت:
"بافل... هل تعرف أين أجد الحمام في هذا المكان المرعب؟"
رفع رأسه ببطء، وكأنه يعرف مسبقاً أنها لن تحب الإجابة..
"للأسف... لا يوجد حمام هنا.."
9
تجمدت في مكانها..
"ماذا؟"
أشار بإصبعه نحو المبنى المهجور البعيد..
"الحمامات الوحيدة موجودة داخل المبنى.."
5
أغمضت عينيها لثانية..
هذا سيئ سيئ جداً..
كانت بحاجة إلى الحمام فوراً..
3
ولم تكن مستعدة بأي شكل من الأشكال للدخول بين الأشجار وقضاء حاجتها وسط غابة تبدو وكأنها المكان المثالي لاختفاء الناس..
1
أعادت رأسها داخل الشاحنة..
"إذاً ماذا أفعل؟"
تنهد بافل ونهض..
"هل الوضع عاجل إلى هذه الدرجة؟"
حدقت فيه وكأنه فقد عقله..
"أيها الأحمق... أنا على وشك التبول في سروالي.."
7
انفجرت منه ضحكة قصيرة..
"حسناً... ماذا لو دخلنا قليلاً بين الأشجار؟ سأقف للحراسة وأنت...."
قاطعته فوراً..
"يا لها من فكرة عبقرية.."
ثم أشارت إلى الغابة..
"هل تعلم كم دعاءً قرأته طوال الطريق كي لا نصادف دببة هناك؟"
1
ضحك أكثر..
"إذاً ما هو الحل يا صاحبة الذكاء العظيم؟"
رفعت ذقنها بثقة وقالت:
"سأتسلل.."
1
اختفت الابتسامة عن وجهه..
"ماذا؟!"
1
كاد صوته يعلو إلى أن أكمل شبه خامسا و أسرع بوضع يده فوق فمها..
"هل جننتِ؟"
خفض صوته إلى همس مذعور..
"أفضل أن تموتي على يد دب في الغابة ولا أموت على يد القائد إذا أمسك بك داخل المبنى.."
4
حاولت الكلام لكنه لم يرفع يده..
فنظرت إليه بغضب وأبعدتها بنفسها..
"بافل.."
"لا.."
"بافل.."
"لا.."
"أنا على وشك الانفجار.."
2
ساد الصمت لثانية..
ثم استدار هو يمرر يده فوق وجهه باستسلام..
"يا إلهي..."
لكن الوقت كان قد فات..
فقد كانت قد بدأت بالفعل بالتحرك نحو الجهة الخلفية للمبنى..
"اللعنة!"
أسرع خلفها..إلا أن صوت كريستوفر الذي نادى باسمه أوقفه في منتصف الطريق..
التفت بافل بحذر بينما أشارت له جليندون بعصبية:
"اذهب!"
ثم أضافت همساً:
"اشغله عني قليلاً وسأعود فوراً.."
ولم تمنحه فرصة للاعتراض.. تابعت طريقها وحدها..
وصلت إلى الجهة الخلفية من المبنى.. الهدوء هناك كان مخيفاً، الجدران القديمة مغطاة بالرطوبة، والنوافذ المتآكلة بدت كعيون فارغة تحدق في الغابة..
دفعت النافذة الأولى.. مغلقة..
الثانية أيضا مغلقة...
أما الثالثة...فتحركت قليلاً تحت يدها..
1
شعرت بانتصار صغير..تنفست بعمق..ثم دفعتها أكثر وتسلقّت إلى الداخل هبطت بخفة فوق الأرضية المغبرة..
واستدارت مباشرة لتغلق النافذة خلفها..
في البداية كانت الشجاعة تعمي بصرها كما يحدث دائماً..تلك الدفعة الأولى من الأدرينالين التي تجعلها تقتحم الأماكن الممنوعة دون تفكير..
لكن ما إن وجدت نفسها داخل المبنى فعلاً حتى بدأت الشجاعة تتبخر.. وأخذ القلق يحل مكانها تدريجياً..
كان المكان شبه مظلم و بارداً وخاوياً إلى درجة مرعبة..تسللت عبر الممرات بحذر حتى وجدت سلماً يقود إلى الطابق العلوي..
صعدته بخطوات حذرة.. ثم لمحَت أخيراً لوحة قديمة تشير إلى الحمامات..
كادت تبكي من الفرح..أسرعت نحوها دون تفكير..
فتحت الباب بسرعة و خطت خطوة.. ثم ثانية.. وفي اللحظة التالية...
اختفى كل شيء..يد قوية التفّت حولها من الخلف.. وذراع صلبة جذبتها بعنف حتى ارتطم ظهرها بجسد ضخم..تجمد الدم في عروقها..
14
اختفى الهواء من رئتيها وارتفع نبضها بعنف داخل صدرها..
"أممم.. "
خرج منها صوت مختنق فخف الضغط قليلاً..
ثم جاءها الصوت.. صوت خشن تعرفت عليه جيداً..
"ما الذي تفعلينه داخل المبنى؟ بحق الجحيم.."
تجمدت أكثر.. القائد..
القائد أورلوف نفسه..
استوعبت الأمر متأخرة..
2
واستوعبت أيضاً أنها اقتحمت الحمام في أسوأ توقيت ممكن..
كان يستحم و سمع شيء غريب خارجاً..
10
شعره لا يزال مبللاً والماء ينساب من خصلاته إلى عنقها..
2
أما هي فكانت محاصرة بين ذراعيه دون أن تتمكن من التفكير بشكل سليم..
1
شعور بجسمه الضخم خلفها شل حركتها... عضلات صدره العارية تضغط على ضهرها كالحجارة و وركيه يضغطان عليها ثم هناك من يضغط على مؤخرتها عضـ...
2
عضوه الذكري؟!... يا للهول...
20
ومن شدة الصدمة تصرفت بغريزة خالصة.. أغمضت عينيها بقوة و دفعت نفسها مبتعدة عنه بكل قوتها ثم دفعته خارج الحمام.. أغلقت الباب خلفها بقوة.. وأدارت القفل..
6
مرة..
ثم مرة ثانية..
ثم ثالثة..
وقفت في مكانها تلهث.. قلبها يضرب أضلاعها بعنف..
1
ووجهها يحترق..
هل بسبب الخوف؟
أم الصدمة؟
أم بسبب شعور جسدها الضخم عليها؟!
أم لأن القائد نفسه أمسك بها وكادت تختنق من الرعب؟
3
لم تكن تعرف.. كل ما كانت تعرفه أنها لن تنسى هذه اللحظة أبداً..
بعد دقائق، وحين هدأت قليلاً، سمعت طرقاً خفيفاً على الباب.. إلتفتت بسرعة و أوقفت تسريب ماء الدش ثم تبولت و غسلت وجهها.. مشطت شعرها بأصابعها المرتجفة..
و فتحت القفل... المرة الأولى، الثانية، الثالثة و قبل أن تدير مقبض الباب جاء صوته من الخارج:
"إذا كنتِ لا تريدين المرور بصدمة أخرى... فأغلقي عينيك.."
9
أغلقت عينيها فوراً بسرعة جعلتها تشعر بالغباء..سمعت الباب يُفتح.. خطوات ثقيلة تدخل و شعرت به يحمل ملابسه ثم شعرت به مرة أخرى يتوقف أمامها و تخيله عاري تماما و متوقف أمامها جعلت وجهها يحترق و أنفاسها تقف في حلقها..
4
ثم صمتاً وبعد لحظات أخرى سمعت الباب يغلق مجدداً..
فتحت عينيها.. وتأكدت أنه غادر.. عندها فقط خرجت..
1
ركضت عبر الممر ونزلت السلالم دون أي محاولة لإخفاء صوت خطواتها..
لم تنظر خلفها، لم تتأكد إن كان أحد يراقبها أو إن كان القائد ما يزال يقف هناك في خارج ذلك الحمام اللعين..كل ما كانت تعرفه أن قلبها يضرب أضلاعها بعنف حتى شعرت أن الجنود في الخارج قادرون على سماعه..
1
قفزت من النافذة التي دخلت منها قبل دقائق، وهبطت فوق الثلج الرطب بانزلاق خفيف كاد يفقدها توازنها..إستندت بكفها على الجدار البارد، وأخذت نفساً عميقاً مرتجفاً..
يا إلهي...
يا إلهي...
ماذا حدث للتو؟!
1
شعرت بحرارة حارقة تزحف إلى وجهها رغم البرد القارس الذي يعض أطرافها..كانت أذناها تطنان بقوة، وصور الدقائق الماضية تتكرر داخل رأسها بشكل عبثي ومزعج..
يد ضخمة تطبق على عنقها..
ذراع أخرى تسحبها إلى الخلف..
صوته الخشن بالقرب من أذنها..
ثم...
أغلقت عينيها بقوة...
لا...
لن تفكر بالأمر..
لن تفكر أبداً بالأمر..
2
لكن عقلها الخائن كان يعيد التفاصيل رغماً عنها..
4
حين جذبها إليه في تلك الثانية لم تدرك شيئاً سوى الخوف..الخوف الخام الذي يجمد الدم في العروق..ظنت للحظة أن أحدهم أمسك بها من الخلف وأن نهايتها قد حانت..
ثم عرفت الصوت..
القائد أورلوف..
ومن بين كل الأماكن في العالم...
ومن بين كل اللحظات السيئة الممكنة...
كان يستحم..
يا للهول..
شعرت برغبة حقيقية في رمي نفسها من أقرب جرف ثلجي..
4
دفنت وجهها بين كفيها للحظة وهي تواصل السير بسرعة نحو الشاحنات العسكرية..
لو كان الأمر مجرد اقتحامها للمبنى المحظور لكان ذلك سيئاً بما يكفي..
لكن لا.. حظها اللعين قرر أن يمنحها مستوى جديداً من الكوارث..
اقتحمت المبنى، تسللت داخله و دخلت الحمام الخطأ..
ثم انتهى بها الأمر محاصرة بين ذراعي القائد نفسه.. كال مرة الماضية و الأولى، لكن هذه المرة أسوء بمئة درجة..
1
تعثرت قدماها فوق جذع شجرة مدفون تحت الثلج وكادت تسقط..
" اللعنة..."
1
تمتمت من بين أسنانها وهي تتابع المشي..كانت تود لو تستطيع اقتلاع هذه الذكرى من رأسها..
لكن المشكلة أن جسدها نفسه رفض نسيانها.. كانت لا تزال تتذكر قوة قبضته، الصلابة التي شعرت بها لحظة جذبها..
الرائحة الحادة للماء البارد والصابون العسكري.. والحرارة التي تناقض تماماً برودة الجو المحيط به..
توقفت فجأة في منتصف الطريق..
لا..
كفى..
كفى تفكيراً..
صفعت وجنتها بخفة..
مرة..
ثم مرة ثانية..
لتجبر عقلها على الصمت..
لحسن الحظ أن الجنود كانوا منشغلين بأنفسهم عندما وصلت إلى الشاحنات..
بعضهم كان يربط أحذيته.. آخرون يجلسون فوق الصناديق المعدنية.. وبعضهم يتجادلون حول الطريق الذي سلكوه للوصول إلى هنا..
لم يلاحظ أحد حالتها سوى شخص واحد..
بافل.. وما إن وقعت عيناه عليها حتى نهض فوراً..
" أين كنتِ بضبط ؟ "
1
توقف فجأة.. ثم ضيق عينيه..
" ما الذي حدث لك؟.."
1
وقفت أمامه تحاول استعادة أنفاسها..
" لا شيء.."
1
رفع حاجبه..
" لا شيء؟ "
أشار إلى وجهها..
" إذاً لماذا تبدين وكأنك هربتِ من دب؟ .."
3
ابتلعت ريقها..
دب؟
ليت الوحش كان دباً.. كان ليكون ذلك أسهل بكثير..
جلست فوق المقعد المعدني داخل الشاحنة وأبعدت نظرها عنه..
" وجدت الحمام.."
قالت الجملة بسرعة.. انتظر بافل.. ثانية..ثانيتين..
ثم قال:
" وهذا كل شيء؟..."
" أجل.."
" لا أصدقك..."
" لا يهم.."
ظل يحدق بها للحظات طويلة..
ثم فجأة اتسعت عيناه..
" أوه..."
شعرت بالخطر فوراً..
ذلك التعبير تحديداً كانت تعرفه جيداً..
التعبير الذي يظهر على وجه بافل عندما يربط خيطين لا علاقة لهما ببعضهما ويخرج بنظرية مجنونة..
اقترب منها هامساً:
" هل أمسك بك القائد؟.."
5
كادت تختنق.. سعلت بعنف..
" ماذا؟!.."
اتسعت ابتسامته..
" لقد أمسك بك!.."
" اخرس.."
" إذاً أمسك بك فعلاً!.."
" بافل..."
" يا إلهي لقد أمسك بك!.."
4
كانت نظراته تزداد حماساً كلما ازداد وجهها احمراراً..
4
فأمسكت القفاز الصوفي الموجود بجانبها وضربته به مباشرة على رأسه..
" اخرس وإلا دفنتك تحت الثلج.."
قهقه بصوت عالٍ..
ثم رفع يديه مستسلماً..
" حسناً... حسناً..."
لكنه لم يتوقف عن الابتسام..
وذلك وحده كان كافياً ليجعلها ترغب في خنقه بيديها...
أما في الجهة الأخرى من المعسكر...
ففي الطابق العلوي للمبنى المهجور...
كان القائد أورلوف يقف أمام المغسلة في حمام أخر.. شعره لا يزال رطباً.. وقميصه العسكري نصف مفتوح..
2
حدق طويلاً في المرآة دون أن يرى انعكاسه فعلياً.. ثم أطلق زفرة ثقيلة.. وأغلق عينيه لثانية واحدة..
ثانية واحدة فقط..
لكنها كانت كافية ليعود إليه مشهد المتدربة المجنونة وهي تقف مضغوطة على جسده العاري داخل الحمام..
1
وكأنها رأت شبحاً.. فتح عينيه ببطء.. ثم تمتم بصوت منخفض وخشن:
" هذه المرأة ستكون سبباً في إصابتي بالجنون..."
4
أغلق أورلوف سحاب بدلته العسكرية حتى أعلى عنقه، ثم سحب القفازات الجلدية السوداء فوق كفيه بإحكام.. كانت ملامحه جامدة، لكن خلف ذلك الجمود كانت أفكاره أقل هدوءاً بكثير..
فتح باب الحمام وخرج إلى الممر..
خطواته الثقيلة ترددت في أرجاء المبنى المهجور بينما كانت عيناه تمسحان المكان كاملاً بنظرات حادة اعتادت التقاط أصغر التفاصيل..
لا بد أنها دخلت من إحدى النوافذ.. توقف عند نهاية الممر ونظر نحو الطابق السفلي..
النوافذ الخلفية قديمة، مهترئة، وبعض أقفالها لم تعد تعمل منذ سنوات... كان ذلك التفسير الأكثر منطقية..
1
زفر ببطء وهو يتابع نزوله...لم يكن يتوقع منها هذه الدرجة من الجرأة..
2
لكن مجدداً...
على من كان يضحك؟
هذه هي المرأة نفسها التي تسللت إلى مكتبه خلال ساعاتها الأولى داخل القاعدة..
1
في أول ثماني ساعات فقط..
حتى الآن كان يتذكر ذلك المشهد بوضوح..
2
معظم المتدربين الجدد يقضون أيامهم الأولى مرعوبين من ارتكاب أي خطأ.. أما هي فقد اقتحمت مكتبه وكأنها تزور مكتبة عامة..
شد فكه بقوة....سيحاسبها لاحقاً...
3
بالتأكيد سيفعل....المشكلة لم تكن في دخولها المبنى.. ولا حتى في مخالفة الأوامر..
1
المشكلة أنها لا تبدو مقتنعة أصلاً بوجود حدود لا يجب تجاوزها..
1
حين يصدر أمراً ينتظر التنفيذ هذا ما تعلمه طوال حياته العسكرية، الأوامر ليست اقتراحات وليست مواضيع للنقاش..
إنها أوامر..الطاعة ثم الطاعة..
لكن هذه المرأة كانت تتعامل مع كل قاعدة وكأنها تحد شخصي موجه إليها... وتتسلل عندما لا يعجبها القرار..
2
والأسوأ من ذلك أنها لا تبدو مدركة لحجم الخطر الذي تضع نفسها فيه.. شد القفاز فوق معصمه بقوة أكبر..
لقد بدأت تثير أعصابه فعلاً، وذلك أمر نادر..
نادر جداً لأنه رجل اعتاد السيطرة...اعتاد أن تتحرك الأمور وفق أوامره..
1
أما هي فكانت فوضى متنقلة ترتدي زياً عسكرياً...تابع سيره حتى وصل إلى أسفل السلالم الرئيسية..
3
هناك، خلف مجموعة من الدعامات المعدنية الصدئة، اختبأ باب صغير مثلث الشكل يكاد يندمج مع الجدار الحجري..
مد يده وأدار المقبض صدر صرير معدني خافت ثم فتح الباب ودخل ..في البداية لم يكن هناك سوى الظلام..
درجات حجرية ضيقة تهبط إلى عمق الأرض.. ومع كل خطوة كان الهواء يزداد برودة...
رائحة الرطوبة القديمة ملأت المكان.. رائحة حجارة حبست الأسرار لعقود طويلة..
بعد عدة درجات بدأ ضوء خافت يظهر في الأسفل..
صفوف من الشموع المثبتة على الجدران الحجرية كانت ترسم ظلالاً طويلة ومشوهة فوق السقف المقوس..
المكان بأكمله بدا وكأنه خرج من قرن آخر..
توقف أمام أول غرفة أو بالأحرى...أمام أول زنزانة..
بابها الحديدي السميك ما زال يحمل آثار الزمن، أما الداخل فكان أكثر قتامة..
نافذة صغيرة جداً في أعلى الجدار، لا يتجاوز حجمها فتحة مراقبة.. طلاء قديم متشقق يغطي الجدران، بقع داكنة جافة التصقت بالحجارة حتى بدا بعضها وكأنه آثار دماء تعود لمعركة حدثت هنا منذ زمن بعيد..
في منتصف الغرفة وُضع كرسي حديدي ثقيل.. وحوله التفّت أحبال سميكة وخشنة..
بقايا تجهيزات التدريب.. أو بقايا شيء أكثر قسوة..
3
في الزوايا العلوية كانت الكاميرات مثبتة بوضوح لا شيء هنا يحدث بعيداً عن المراقبة، اقترب أورلوف من الطاولة المعدنية الموضوعة أسفل النافذة الصغيرة..
فوقها استقرت حقيبة سوداء تشبه حقائب موظفي الشركات مفتوحة ومنظمة بدقة، أخرج أول قطعة..
نظارات الرؤية الليلية تفحص العدسات ثم شغّلها عملت فوراً..
أعادها إلى مكانها..
ثم التقط البوصلة العسكرية و هو يراقب الإبرة وهي تستقر..
ممتاز..
بعدها مد يده نحو الخريطة المطوية.. فتحها جزئياً...ورقة ضخمة مليئة بالممرات والرموز والإحداثيات..
لكنها لم تكن مجرد خريطة...بل جزء من الاختبار..
أخطر جزء فيه..
رفع نظره نحو الممر الممتد في عمق القبو،هذا المكان لم يُبنَ أصلاً كقاعدة تدريب في القرن الثامن عشر كان سجناً حقيقياً...
1
وخلال فترات الحرب استخدم لاحتجاز أسرى وضباط وأشخاص اعتُبروا شديدي الخطورة..
أما المباني الموجودة فوق الأرض فلم تعد سوى واجهة حديثة..
القلب الحقيقي للمنشأة كان هنا...في الأعماق بين هذه الجدران الباردة..
في هذه المتاهة الحجرية التي تمتد كالعروق تحت الأرض..
ومع دخول القرن الحادي والعشرين تحوّل المكان إلى أحد أكثر مواقع التدريب النفسي والجسدي قسوة في الجيش..
1
متاهة مصممة لدفع الإنسان إلى حافة الانهيار.. نظر مجدداً إلى محتويات الحقيبة..
قارورة ماء واحدة..
بوصلة..
نظارات رؤية ليلية..
وخريطة..
لا شيء أكثر..
لا أسلحة..
لا أجهزة اتصال..
لا مساعدة..
ثم ارتفعت عيناه نحو الكاميرات المنتشرة في كل زاوية..الاختبار الحقيقي لم يكن في الخروج من السجن..
بل في ما سيحدث قبل ذلك، سيُربط كل متدرب على كرسي داخل زنزانة منفصلة..
5
كل واحد في ممر مختلف.. معزول تماماً عن الآخرين وسيُترك وحده..
أول مهمة ستكون التحرر.. فقط التحرر لا أحد سيأتي للمساعدة..لا أحد سيشرح الطريقة..
سيعتمد الأمر على ذكائهم وصبرهم وقدرتهم على التحكم بالذعر..
2
وبمجرد خروجهم...
ستبدأ المرحلة الثانية.. الأصعب.د
الخريطة نفسها ستكون عدواً..
بعض الإرشادات صحيحة.. وبعضها مزيف..
وبعض المسارات ستقودهم عمداً إلى طرق مغلقة أو دوائر تعيدهم إلى نقطة البداية..
اختبار للمنطق و للتركيز وللقدرة على اتخاذ القرار تحت الضغط..
أربع ساعات فقط..
إما أن يخرجوا خلالها...
أو يفشلوا..
4
رفع أورلوف الخريطة وأعاد طيها ببطء.. ثم نظر عبر الممر الحجري الطويل الممتد أمامه..
كان هادئاً الآن هادئاً بصورة مخيفة... لكن بعد ساعات قليلة فقط...سيمتلئ هذا المكان بالأصوات..
بالتوتر و بالارتباك..
وبالمتدربين الذين سيكتشفون أن أسوأ عدو يمكن أن يواجهوه هنا...ليس الظلام ولا المتاهة..ولا حتى السجن نفسه..
بل عقولهم...
6
. . .