رواية اقدار مؤجلة الفصل التاسع عشر 19 بقلم volny_morya
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟗: على طبق من ذهب
by Volny_morya
" تفزعني فكرة أن من أعرفه اليوم قد أجهله غدًا والشخص الذي أشعر برفقته بالألفة قد يصبح غريبًا وتسري بيننا الوحشة. "
سادت المطبخ حرارة لطيفة تناقض برودة الطقس خلف النوافذ الكبيرة.. كان ضوء الصباح الشاحب يتسلل عبر الزجاج، ينعكس فوق الأسطح الرخامية البيضاء، بينما امتزجت رائحة القهوة الطازجة برائحة الخبز المحمص والحلوى التي أعدوها في اليوم السابق..
2
جليندون كانت تجلس إلى الطاولة، وإلى جوارها صوفيا التي وضعت دفترها الموسيقي مفتوحاً أمامها بعناية شديدة، كأنها تحمل بين يديها وثيقة بالغة الأهمية لا مجرد صفحات مليئة بالنوتات..
كانت الصغيرة تمرر إصبعها فوق السطور السوداء الرفيعة وتشرح بحماس طفولي:
"انظري خالتي، هنا يجب أن تكون النغمة أطول... أما هنا فالمعلمة قالت إن عليّ أن أرفع يدي بسرعة قبل الانتقال إلى المقطع التالي..."
1
أومأت جليندون بجدية كاملة..
"أفهم.."
1
رفعت صوفيا رأسها بسرعة..
"حقاً؟"
1
كادت تضحك من نظرة الدهشة الصادقة في عينيها..
"لا.."
2
اتسعت عينا الطفلة..
"إذاً لماذا قلتِ أفهم؟!.."
أجابت جليندون وهي ترتشف قهوتها:
"لأنك تشرحين الأمر وكأنك أستاذة موسيقى في أكاديمية عالمية.."
6
ضحكت صوفيا فوراً، ثم عادت إلى دفترها لتتابع الشرح بحماس أكبر، وكأنها تلقت ترقية رسمية...
راقبتها جليندون بصمت..
ولا تعرف لماذا، لكن شيئاً ما داخلها كان يلين كلما نظرت إلى هذه الطفلة..
2
قبل أشهر قليلة فقط، لو أخبرها أحد بأنها ستجلس صباحاً في مطبخ منزلها تساعد ابنة أختها في مراجعة واجباتها المدرسية بينما تستمع إلى شرح مطول عن النوتات الموسيقية، لظنت أن ذلك نوع من المزاح السيئ..
ومع ذلك...
ها هو يحدث..
وبشكل طبيعي بصورة مقلقة...وهذا ما أخافها أكثر من أي شيء آخر..
الألفة..
1
ذلك الشعور الخطر الذي بدأ يتسلل إليها دون استئذان..كانت تخشى الاعتياد، تخشى أن يعتاد قلبها هذا الدفء..
2
أن يعتاد الأصوات و يعتاد وجود أشخاص ينتظرون صباحها معها.. أن يعتاد سماع ضحكة طفلة في المنزل..
أن يعتاد رؤية كوب قهوة إضافي فوق الطاولة..
أن يعتاد وجود حياة..
لأنها تعرف جيداً كيف تنتهي الأشياء..كل شيء مؤقت دائماً..
3
وكلما كان جميلاً أكثر، كان اختفاؤه أكثر قسوة..
طلاقها أصبح مسألة وقت لا أكثر..
6
إيكاترينا سترحل عاجلاً أم آجلاً..
وصوفيا ستعود إلى حياتها الطبيعية..
وسيعود المنزل كما كان..
صامتا و بارداً..
وهي لا تعرف إن كانت تملك القدرة على تحمل ذلك مرة أخرى بعدما تذوقت شيئاً مختلفاً.. الأمر الأسوأ أن وجودهما شتت انتباهها عن أفكار أخرى كانت ستلتهمها ..
3
مرضها المفاجئ و الخوف من المستقبل بعد طلاقها والمجهول..
كانت تمر ساعات كاملة دون أن تفكر في نتائج الفحوصات أو المواعيد الطبية أو الاحتمالات التي كانت تطاردها ليلاً ونهاراً..
وكأن صوفيا وإيكاترينا أقامتا حاجزاً مؤقتاً بين عقلها وتلك الأفكار..
حاجزاً هشاً...لكنه موجود..
خرجت من أفكارها عندما وضعت إيكاترينا طبقاً جديداً فوق الطاولة..
ثم جلست بكل بساطة وكأن هذا أصبح روتيناً يومياً..
راقبتها جليندون للحظة..في منزل والديهما كان الأمر مختلفاً تماماً.. لم يكن يُسمح لهما بفعل أي شيء تقريباً..
1
من كثرة الخدم و هم يتحركون في كل زاوية..
كل مهمة لها شخص مسؤول عنها.. إعداد الطعام..التنظيف..الترتيب..الغسيل..كل شيء حرفيا..
حتى تحريك مزهرية أحياناً كان يتم بواسطة أحد العاملين..
1
ولهذا لم تتعلم أي منهما معنى الحياة اليومية العادية..
حتى هي نفسها، رغم استقلالها الظاهري، لم تكن مختلفة كثيراً..
1
كانت تستعين بعاملتي تنظيف كل أسبوع..يعتنيان بالمنزل بالكامل..
أما المطبخ...فلم يكن سوى مكان للحلوى..
نادراً جداً ما أعدت فيه وجبة حقيقية..ليس لأنها لا تستطيع بل لأنها لم تكن تحتمل الجلوس وحدها على طاولة الطعام..
لهذا كانت تهرب دائماً..
فطورها في المقهى القريب من الشركة..
غداؤها في المكتب..
وعشاؤها في أي مطعم مزدحم تختاره عمداً.. ليس لأنها تحب الزحام بل لأنها كانت تكره الصمت..
كانت تجلس أحياناً وسط العائلات الغريبة وتسترق السمع دون وعي.. تراقب الأحاديث العابرة و النقاشات السخيفة و المشاحنات الصغيرة.. فضولا لمعرفة كيف تكون النقاشات العائلية العادية...
8
الأطفال الذين يرفضون تناول الطعام.. و لآباء الذين يتظاهرون بالغضب..
وتتساءل بصمت...
هل هكذا تبدو الحياة الطبيعية؟
1
أما الآن...
فهي تجلس داخل منزلها.. وسط عـ...ربما عائـلـ....لا لن تسمح لنفسها أن تقع في الفخ...
3
وتشارك فطوراً عادياً.. وهذا وحده كان كافياً ليبعثر توازنها بالكامل..
بدأت صوفيا تضع المربى فوق قطعة الخبز بينما قالت بحماس:
"عندما أعود إلى المدرسة سأخبر صديقاتي أنني تعلمت صنع الحلوى.."
ابتسمت إيكاترينا..
ساد صمت قصير فوق الطاولة بعد كلمات صوفيا الأخيرة..
صمت لم يكن ثقيلاً أو محرجاً كما اعتادتا طوال سنواتهما السابقة، بل كان مختلفاً... هشاً بطريقة غريبة، وكأن شيئاً قديماً بينهما يتحرك ببطء للمرة الأولى بعد أن ظل متجمداً لسنوات طويلة..
كانت أشعة الصباح الرمادية تتسلل عبر النوافذ الواسعة، تنعكس فوق سطح الرخام الأبيض، بينما تصاعد بخار القهوة بينهما في خيوط رقيقة..
ارتشفت إيكاترينا جرعة صغيرة من قهوتها، ثم أبقت نظرها معلقاً عند حافة الكوب وكأنها ترتب أفكارها قبل أن تتحدث..
"يجب أن أجد منزلاً أولاً... عندها سأتمكن من اختيار المدرسة الأقرب لصوفيا.. أو بالأحرى..."
توقفت لحظة ثم ابتسمت بخفة..
"أفكر في شقة صغيرة فقط تكفينا نحن الاثنتين.. لا أريد منزلاً كبيراً.."
1
حركت جليندون كوبها بين أصابعها.. القهوة السوداء التي أصرت على شربها دون سكر كانت جريمة مكتملة الأركان..
1
ابتلعت الرشفة بصعوبة وهي تقاوم الرغبة في تكشير ملامحها..
كيف يشرب الناس هذا الشيء طوعاً؟..
1
شعرت وكأنها تبتلع المرارة نفسها..
2
ولسوء الحظ، كانت الفكرة التي تدور في رأسها أكثر مرارة من القهوة..
رفعت نظرها نحو أختها،إيكاترينا بدت مختلفة هذه الأيام..
أكثر هدوءاً..أقل دفاعية وأقل شبهاً بالنسخة التي عرفتها طوال حياتها..
لأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت أن هناك مساحة حقيقية بينهما للكلام دون أن يتحول إلى جدال..
لذلك...
ورغم أن جزءاً منها كان يصرخ طالباً منها الصمت...
1
فتحت فمها.. وضعت الكوب فوق الطاولة بصوت أعلى مما أرادت.. التفتت إليها إيكاترينا وصوفيا معاً..
ثم خرجت الكلمات متعثرة بشكل نادر بالنسبة لها..
"ما رأيك... بالعيش هنا؟"
3
رمشت إيكاترينا..بينما أكملت جليندون بسرعة وكأنها تحاول اللحاق بكلماتها قبل أن تهرب..
"أقصد... مؤقتاً فقط.."
توقفت..ثم تابعت بنبرة أقل ثقة..
"حتى تجدي المكان المناسب لك..."
لثانية كاملة...
لم تستوعب إيكاترينا ما سمعته حدقت فيها فقط و كأن عقلها توقف عن العمل ثم اتسعت عيناها ببطء رفعت يدها إلى فمها دون وعي..
كانت تنظر إلى جليندون كما لو أن الأخيرة أخبرتها لتوها بأنها ستسافر إلى القمر..
3
منذ أن وقفت أمام باب هذا المنزل قبل أيام وهي تشعر بشيء غريب..
شعور يشبه الحنين أو ربما الأمل..
كانت تخشى الاقتراب أكثر..تخشى أن ينهار كل شيء إذا خطت خطوة إضافية..
فماضيهما لم يكن بسيطاً.. لم يكن مجرد خلاف بين أختين..
كان سنوات طويلة من الجفاء وسنوات أطول من الصمت وجبالاً من الكلمات التي لم تُقل..
لكن رغم ذلك...كانت تريد إصلاح الأمر ربما منذ فترة أطول مما اعترفت به لنفسها..
الأمومة غيرتها..
صوفيا غيرتها..
حين أصبحت أماً بدأت تنظر إلى طفولتها من زاوية مختلفة..
بدأت ترى أشياء لم تكن تراها سابقاً..
أخطاء ظنت يوماً أنها طبيعية..
قسوة اعتقدت أنها تربية..
تمييزاً اعتبرته أمراً عادياً..
وأدركت متأخرة أن الكثير مما حدث بينهما لم يكن خطأ جليندون وحدها كما أقنعت نفسها لسنوات..
بل كان نتيجة بيت كامل من التوقعات والضغوط والمقارنات..
بيت صنع منهما امرأتين تسيران في اتجاهين متعاكسين..
والآن...
للمرة الأولى..
تمد جليندون يدها نحوها..
كانت هذه فرصة لا تملك الشجاعة لإضاعتها.. لذلك خرجت الكلمات منها بسرعة جعلتها تتعثر فوق بعضها..
"أجل.."
2
ثم اتسعت عيناها.. قائلة:
"أقصد... أوافق.."
ثم أضافت بسرعة أكبر..
"هل أنت متأكدة؟"
توقفت لتلتقط أنفاسها..
"ماذا عن زوجك؟.."
2
ثم أردفت بتوتر..
"لا أريد أن أكون عبئاً عليك... أو أن أجعلك تشعرين بعدم الراحة... أو أن أتدخل في حياتك..."
كانت الكلمات تتدفق بلا توقف.. وكأنها تخشى أن يختفي العرض إذا لم تمسك به فوراً..
حتى شعرت بأن كفيها بدأتا تتعرقان رغم برودة الشتاء..شعور لم تعشه حتى في أول عملية جراحية أجرتها بمفردها..
رفعت جليندون يدها أخيراً لتوقف سيل الكلمات..
"إيكاترينا.."
صمتت الأخرى فوراً..
تنهدت جليندون ثم قالت بهدوء:
"بشأن زوجي...سأخبرك حين أكون مستعدة لذلك.."
توقفت لحظة واتجهت نظرتها نحو صوفيا الجالسة بينهما..
2
كانت الصغيرة تراقب الحديث بفضول طفولي واضح عينان واسعتان مليئتان بالحماس وكأنها تشاهد أهم مشهد في رسوم مشا و دب المفضل..
1
فهمت إيكاترينا التلميح مباشرة.. وأومأت بهدوء..
أما داخلها...فشعرت بدفء غريب.. لأن جليندون لم تقل "ليس من شأنك"..
ولم تغلق الباب في وجهها بل قالت إنها ستخبرها لاحقاً..
ستشاركها أمراً شخصياً..
أمراً يخص حياتها..شيئاً تفعله الأخوات عادة شيء لم تعتداه هما أبداً..
رأت جليندون التردد الذي ما زال عالقاً في عيني أختها..
ذلك التردد الذي يجعلها تتوقع أن يُسحب العرض في أية لحظة وكأنها لا تزال غير مصدقة أن الباب مفتوح لها حقاً..
لذلك وضعت كوبها جانباً وقالت بثبات أكبر هذه المرة:
"إيكاترينا.."
رفعت الأخرى نظرها إليها..
"أنتِ لستِ عبئاً هنا..."
تجمدت أنفاس إيكاترينا أما جليندون فأكملت دون أن تشيح بعينيها..
"ولستِ مضطرة للمشي على أطراف أصابعك داخل منزلي.."
ساد الصمت..ثم أضافت بهدوء جعل الكلمات أكثر وقعاً:
"إذا انتقلتِ إلى هنا... فأنتِ مرحب بك.."
3
انتقلت نظرات إيكاترينا بين عيني أختها للحظات.. ثم شعرت بشيء يضغط داخل صدرها شيء مؤلم...وجميل في الوقت نفسه..
لأنها أدركت فجأة أن ما كانت تحاول إصلاحه طوال هذه السنوات لم يكن مستحيلاً كما ظنت.. ربما كان يحتاج فقط إلى شخص واحد يتخذ الخطوة الأولى أولاً..
انفجرت تلك الفقاعة الدافئة التي أحاطت بهما فجأة عندما دوّى صوت جرس المنزل في الأرجاء..
1
كان الرنين واضحاً وقوياً داخل المنزل الفسيح، حتى بدا وكأنه انتزع كلتيهما من تلك اللحظة الهشة التي تشكلت بينهما دون تخطيط..
استقامت جليندون بسرعة وكأنها ضبطت متلبسة بمشاعر لم تعتد الاعتراف بها، لكن إيكاترينا سبقتها إلى الوقوف، وهي ترتب خصلات شعرها خلف أذنها قائلة:
"سأفتح أنا... أظن أنها أولغا.."
3
توقفت جليندون للحظة..
ثم تذكرت حديث الصباح..
حين سألتها إيكاترينا إن كان بإمكانها دعوة أولغا لتقضي معهن اليوم ويستعددن جميعاً للحفل معاً ..في البداية كانت مترددة..
فالمنزل الذي اعتاد الصمت لسنوات أصبح خلال أيام قليلة يعج بالأشخاص..
عائلة زوجها، عفوا طليقها...
طليقها نفسه..
إيكاترينا..
صوفيا..
والآن أولغا..
لكنها وافقت في النهاية.. ربما لأنها بدأت تعتاد ذلك الضجيج الصغير الذي كان يملأ الفراغات بين أفكارها..
1
عادت إلى جمع أطباق الفطور بينما ذهبت إيكاترينا نحو الباب..
بعد لحظات سمعت أصوات الترحيب ثم وقع خطوات يقترب وأخيراً ظهر وجه أولغا عند مدخل المطبخ..
"مرحباً، جليندون.."
استدارت نحوها..لثانية قصيرة شعرت وكأن السنوات عادت للخلف..
آخر مرة رأتها كانت منذ زمن بعيد.. ربما في المصحة التي كانت جريس تتلقى علاجها فيها حيث كانت تعمل هناك..
أو قبل ذلك بقليل عندما كانت أولغا تزور إيكاترينا في منزل آل فولكوف.. مرت أعوام طويلة منذ ذلك الحين..
ابتسمت جليندون ابتسامة هادئة وقالت:
"مرحباً أولغا... مر وقت طويل.."
أومأت الأخرى بابتسامة دافئة..
"طويل جداً.."
أشارت لها جليندون بالجلوس..لكن أولغا لم تصل إلى الكرسي أصلاً إذ كانت صوفيا قد اندفعت نحوها كإعصار صغير..
"الخالة أولغا!"
انحنت أولغا فوراً لتلتقطها بين ذراعيها..
"لقد اشتقت لك.."
"وأنا أيضاً اشتقت إليك كثيراً.."
ضحكت الصغيرة وهي تتشبث بعنقها.. بينما جلست إيكاترينا بجانبهما..
وبدأ الحديث يتدفق بسرعة.. بينهما عن المستشفى وعن العمل وعن الأيام الأخيرة..
وعن التفاصيل الصغيرة التي لا تبدو مهمة إلا للأصدقاء الذين غابوا طويلاً..
أما جليندون فاكتفت بتحضير فنجان قهوة.. و وضعته أمام أولغا..
فرفعت الأخيرة نظرها إليها مبتسمة..
"شكراً.."
أومأت جليندون فقط..
.. .. ..
انقضت الساعات سريعاً..
ومع اقتراب فترة ما بعد الظهيرة بدأت أجواء الحفل تفرض نفسها..
طلبت أولغا استخدام حمام غرفة الضيوف للاستحمام وتجهيز نفسها..
بينما أخذت إيكاترينا صوفيا إلى الطابق العلوي لتحميمها وتجهيزها..
أما جليندون فبقيت وحدها في الصالة.. الحاسوب فوق ركبتيها وأكوام الملفات أمامها.. تحاول إنهاء ما أمكنها من العمل قبل أن تعود القضايا لتغرق مكتبها بعد العطلة..
2
عندما رفعت عينيها أخيراً نحو الساعة كانت تشير إلى الخامسة مساءً..
بعد دقائق سمعت ضجيجاً قادماً من الطابق العلوي..
أصوات خطوات و ضحكات وصوت صوفيا المتحمس..
ثم ظهرن جميعاً عند أعلى الدرج..
يرتدين بيجامات شتوية دافئة بينما تحمل أولغا حقيبتها الضخمة الخاصة بالتجهيز..
توقفت إيكاترينا عند آخر درجة وقالت باستنكار:
"لا تقولي لي إنك لم تبدئي بعد.."
رفعت جليندون رأسها بالكاد عن شاشة الحاسوب..
"سأبدأ الآن... فقط خمس دقائق.."
لم تكمل جملتها.. لأن إيكاترينا وصلت إليها وأغلقت الحاسوب مباشرة.. نفس الحركة التي تستعملها مع صوفيا عندما ترفض النوم..
"لن تكفينا خمس دقائق.. هيا.."
رفعت جليندون حاجباً..
"إيكاترينا..."
"لا.."
"لكن الملفات..."
"لا.."
"هناك.."
"لا.."
2
ثم أشارت نحو الحقيبة..
"تعالي واختاري معنا.."
أطلقت جليندون تنهيدة مستسلمة...
بينما جلست أولغا على السجادة وبدأت بإخراج محتويات الحقيبة..
بعد لحظات رفعت فستاناً زمردياً طويلاً..
كان محتشماً بشكل يكاد يكون رسمياً أكثر من اللازم..
1
وضعت الفستان أمام جسدها وسألت:
"ما رأيكم؟.."
أومأت إيكاترينا بإعجاب..
لكن جليندون قطبت حاجبيها فوراً..
"لا أصدق.."
نظرت إلى الفستان وكأنه جريمة بصرية..
"ما هذه؟...فستان؟ بل زي راهبة ثرية..."
3
ضحكت أولغا..
لكن جليندون تابعت بجدية:
"من أين أحضرتما هذه الأشياء؟..."
أجابت أولغا:
"دار الأزياء التي تتعامل مع آل فولكوف.."
أغمضت جليندون عينيها..
"أمي فقدت ذوقها منذ سنوات صدقوني.."
3
ضحكت صوفيا بصوت مرتفع..
بينما قالت إيكاترينا:
"ليس لدي رفاهية شراء فستان جديد.. معظم أموالي ذهبت للإستثمار في مختبر و ميزانيتي قليلة جدا حالياً.."
وأضافت أولغا:
"وأنا لم أعمل منذ عام كامل تقريباً.."
3
لوحت جليندون بيدها..
"انتظرا فقط حتى تريا ما في خزانتي.."
نهضت بحماس مفاجئ.. وتقدمت نحو الدرج لكن قبل أن تصل إليه...
1
رن جرس المنزل مجدداً..
1
توقفت و التفتت نحو إيكاترينا..
"هل تنتظرين أحداً؟.."
1
هزت الأخرى رأسها..
"لا.."
تقدمت جليندون بنفسها نحو الباب.. وعندما فتحته...تجمدت..
وقف أمام المنزل أكثر من عشرة رجال ببدلات رسمية سوداء..
يحمل كل واحد منهم صينية مذهبة مغطاة بقماش مخملي أحمر.. بدوا وكأنهم خرجوا للتو من قصر ملكي..
قال الرجل الواقف في المقدمة باحترام:
"مساء الخير، سيدة كوزوسوف..."
ثم أكمل:
"لدينا شحنة مرسلة من السيد كوزوسوف.."
5
اتسعت عيناها..
"ماذا؟.."
لكن الرجل أكمل بهدوء:
"هل تسمحين لنا بالدخول؟.."
من شدة المفاجأة أومأت دون تفكير.. وخلال ثوانٍ بدأ الرجال بالدخول الواحد تلو الآخر..
توقفت أولغا عن الكلام وتجمدت إيكاترينا في مكانها..
أما صوفيا فكانت تقفز حول الصواني وكأن عيد الميلاد وصل مبكراً..
وضعت الصواني في الصالة.. واحدة تلو الأخرى حتى امتلأت المساحة بأكملها..
ثم انحنى الرجل باحترام وقدم لها بطاقة مذهبة مختومة بالشمع..
3
"رسالة من السيد كوزوسوف.."
ابتلعت ريقها وأخذتها.. ثم غادر الجميع بنفس الصمت الذي حضروا به.. وأغلقت الباب خلفهم..
عندما عادت إلى الصالة...
كانت الفوضى قد بدأت بالفعل..
"يا إلهي!.."
"انظري إلى هذا!.."
"مستحيل!..."
"هل هذه ألماس حقيقي؟!.."
2
ترددت أصوات أولغا وإيكاترينا في كل مكان..
اقتربت جليندون ببطء.. ثم أزاحت أحد الأغطية المخملية..
فتجمدت مكانها..أربعة فساتين فاخرة...لا بل ساحرة...
بتصاميم راقية لا يمكن أن تخطئها العين..
أسود ليلي مطرز بخيوط فضية دقيقة..
خمري داكن ينساب كالحرير السائل..
أزرق ملكي عميق يشبه سماء الشتاء..
وزمردي قاتم يليق بالملكات...
وبجانبها أحذية بكعوب مرتفعة..
حقائب من أشهر دور الأزياء..
1
أطقم ألماس كاملة..
وأدوات تجميل احترافية مرتبة بعناية وكأنها معروضة في متجر فاخر..
3
ساد الصمت للحظة.. ثم التفتت أولغا ببطء نحو جليندون..
"هل..."
بلعت ريقها..
"...هل يحتاج السيد كوزوسوف إلى زوجة ثانية؟.."
12
انفجرت صوفيا بالضحك.. واختنقت إيكاترينا بريقها ثم بدأت تضحك بصوت عالي مع أولغا...
أما جليندون...فبقيت تحدق في تلك الفوضى الباذخة بصمت..
ثم نظرت إلى البطاقة الذهبية التي لا تزال بين أصابعها.. قائلا بهمس خافت:
" بلى، هو يحتاج إليها.. "
2
سحقتها بين أصابعها حتى كادت حوافها الحادة تنغرس في جلد كفها...كانت واقفة في منتصف غرفة المعيشة، وعيناها مثبتتان على تلك القطع التي وصلت قبل دقائق فقط، وكأنها تحمل إهانة شخصية مغلفة بورق فاخر..
1
كلما أعادت قراءة اسم المتجر المنقوش بحروف ذهبية، ازداد احتقان صدرها..
ما الذي كان يحاول فعله بالضبط؟...
1
هل ظن أن قبولها لمرافقته إلى تلك الحفلة يمنحه الحق في التدخل حتى في ما سترتديه؟..
6
هل يعتقد أن بإمكانه اختيار فستانها كما يختار جدول تداريب جنوده؟...
2
قبضت على البطاقة بقوة أكبر...
مهووس بالسيطرة...
كان كذلك دائماً....
قائداً يعتقد أن العالم يتحرك وفق أوامره...
ورجلاً لم يتعلم قط أن هناك حدوداً لا يمكنه تجاوزها...
أما هي...فلم تعد زوجته.. ولم تعد تلك المرأة التي تلتزم الصمت أمام محاولاته لفرض إرادته..
رفعت رأسها فجأة واتجهت نحو الأكياس والصناديق المكدسة أمام الأريكة..
"اختارن أي شيء يعجبكن.."
1
قالتها بهدوء ظاهري يناقض تماماً البركان المشتعل داخلها لكن أولغا أسرعت تمسك أحد الأكياس وتنظر إليها بتردد..
"أوه... لا، هذا لا يصح.."
1
ثم ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى محتويات الصناديق الفاخرة..
"يبدو أنها هدية من زوجك... بصراحة هذه لفتة جميلة.."
أما إيكاترينا فكانت أكثر حذراً أصبحت تراقب أختها بصمت شيء ما في الموضوع لم يرق لها.. ولا تزال الشكوك القديمة المتعلقة بزوج جليندون تطفو في ذهنها كلما ذُكر اسمه..
لكنها لم تجد فرصة للسؤال.. و ربما حتى إذ سألت فلن تلقى إجابة..
التفتت نحوهما ببطء، ثم قالت بصوت مرتفع بما يكفي ليجعل الاثنتين تتبادلان النظرات:
"اختارا ما تريدانه.."
وتابعت بابتسامة باردة:
"فساتين... أحذية... مجوهرات... خذا أي شيء أعجبكما.."
ثم أضافت دون أن يتغير تعبير وجهها:
"في النهاية سأحرق كل ما تبقى.."
1
ساد الصمت ..صمت كامل حتى أولغا التي لا تفوت فرصة للتعليق ابتلعت كلماتها..
أما إيكاترينا فحدقت فيها لثوانٍ وكأنها تحاول التأكد إن كانت تمزح.. لكنها لم تكن تمزح.. وكان ذلك واضحاً جداً، بطبيعتها، جليندون هادئة..
متزنة..
نادراً ما ترفع صوتها..
أما ذلك الغضب الذي يلمع الآن خلف عينيها فقد كان شيئاً مختلفاً تماماً.. شيئاً جعل الاثنتين تدركان أن الاعتراض ليس فكرة جيدة..
استدارت جليندون دون أن تنتظر رداً.. التقطت حاسوبها المحمول من فوق الأريكة واتجهت نحو المطبخ بخطوات ثابتة.. وضعت الجهاز فوق الجزيرة الرخامية..
فتحته...وبدأت تتنقل بين الملفات بسرعة اعتادت عليها بحكم عملها..
صفحات..
مجلدات..
أرقام...
وثائق..
إلى أن توقفت فجأة.. وجدت ما كانت تبحث عنه..ابتسامة باردة ارتسمت على شفتيها..
2
أخرجت هاتفها و سجلت الرقم الظاهر أمامها ثم أغلقت الحاسوب بقوة حتى دوى صوت ارتطام الغطاء في المطبخ..
في اللحظة التالية أشعلت الموقد و لهب أزرق صغير ارتفع بهدوء..
مدت يدها وألقت البطاقة فوق النار، راقبتها وهي تبدأ بالاسوداد..ثم الالتواء...ثم الاحتراق ببطء..
ولم تشعر للحظة واحدة بالفضول لمعرفة ما كُتب داخلها..لم ترغب حتى بقراءتها، كل ما أرادته هو رؤيتها تتحول إلى رماد..
كما كانت ترغب تماماً في إحراق كل ما يخصه..
كل هداياه..
كل رسائله..
كل أثر يدل على وجوده..
1
وقفت هناك تراقب النيران تلتهم البطاقة بينما كانت كاميرا هاتفها تسجل كل شيء..
الدخان وصوتها.. صوتها الغاضب الذي خرج أخيراً دون رقابة..
"اللعنة عليك أيها العاهر.."
3
خرجت الكلمات حادة وصريحة..ثم انتهت التسجيل و أرسلته مباشرة إلى الرقم الذي حفظته للتو..
1
وضغطت زر الإرسال دون تردد وفي اللحظة التي اختفى فيها الفيديو من شاشة هاتفها...شعرت بشيء من الراحة..
راحة صغيرة لكنها حقيقية وكأن جزءاً من غضبها احترق مع تلك البطاقة..
أطفأت الموقد و وضعت الهاتف جانباً..
ثم أخذت نفساً عميقاً.. وحين استدارت...
لم يعد على وجهها أي أثر لتلك العاصفة اختفى الغضب و اختفت الرغبة بالقتل.. وعادت تلك المحامية الباردة التي تعرف كيف ترتب مشاعرها داخل صناديق مغلقة..
استقامت وقفتها..وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ثم خرجت تقطع المسافة إلى غرفتها و قالت وكأن شيئاً لم يحدث:
"سأذهب لأستعد في غرفتي.."
في الخارج، كانت أولغا وإيكاترينا تنظران إليها كما لو أنها فقدت عقلها بالكامل..
قبل دقائق فقط كانت تصرخ في المطبخ وتحرق بطاقات وتلعن شخصاً ما بصوت مرتفع..
والآن؟
تمشي بهدوء وكأنها خارجة من جلسة تأمل.. رفعت أولغا حاجباً.. ثم همست لإيكاترينا:
"هل هي بخير؟..."
2
أجابت إيكاترينا بعد لحظة صمت:
"لا أظن..."
1
ثم التفتت نحو جليندون بسرعة وأضافت بصوت متوتر:
"أممم... سنستعير فقط بعض الفساتين والأحذية وربما بعض المجوهرات، وسنعيدها بعد الحفل... لا تقلقي.."
1
توقفت جليندون عند مدخل الممر و التفتت نحوهما.. نظرت إليهما كما لو كانتا هما الغريبتين في المنزل.. ثم هزت رأسها ببساطة..
"افعلا ما تشاءان.."
وكان ذلك كل شيء..بعدها استدارت ومضت نحو غرفتها بخطوات هادئة وثابتة..
.. .. ..
كان الليل قد أحكم قبضته على المدينة..
اختفت آخر خيوط الغروب منذ وقت طويل، وابتلعت السماء الأفق تحت طبقة كثيفة من السواد المخملي.. أما هنا، في الضواحي الراقية البعيدة عن صخب المركز، فكان الظلام أكثر حضوراً، أكثر عمقاً، وكأن الليل يستعيد حقه الطبيعي بعيداً عن الأضواء والضجيج..
وقفت جليندون أمام النافذة الممتدة من الأرض حتى السقف، تراقب الشارع الهادئ أسفل المنزل.. ذراعاها متقاطعتان أسفل صدرها..
ظهرها مستقيم ونظرتها ساكنة...
ارتدت فستاناً ذهبياً انسيابياً يلتف حول جسدها بأناقة راقية دون مبالغة... انسدل القماش الفاخر حتى كاحليها بحركة ناعمة تشبه تدفق الضوء نفسه، بينما كشفت قصة العنق المربعة عن عظام ترقوتها الرقيقة، وأبرزت الحمالات الرفيعة نعومة كتفيها..
5
أما شعرها الذهبي فقد جُمع في كعكة منخفضة أنيقة، أفلتت منها خصلات قليلة تحيط بوجهها كإطار من الحرير الذهبي..
ومع المكياج الداكن الذي أبرز زرقة عينيها وحدّة ملامحها، بدت وكأنها خرجت من لوحة زيتية رسمها فنان مهووس بالتفاصيل..
5
سمعت صوت محركات يقترب فمالت قليلاً نحو الزجاج..ظهرت الليموزين السوداء الطويلة أولاً و خلفها سيارة مصفحة..
وأمامها أخرى،حراسة كاملة كما توقعت تماماً..
ابتسمت بسخرية خفيفة ثم استدارت وغادرت النافذة، نزلت الدرج بخطوات هادئة حتى وصلت إلى الطابق السفلي..
كانت أولغا وإيكاترينا تضعان اللمسات الأخيرة أمام المرآة الكبيرة في الردهة..
ارتدت أولغا الفستان الزمردي داكن زاد من رقي ملامحها الهادئة، بينما تألقت إيكاترينا بالفستان أزرق سماوي ناعم جعلها تبدو كأميرة من سلالة ملكية..
3
انسدل شعر كلتيهما على ظهريهما بأمواج ناعمة و المجوهرات التي تزين أعناقهما ومعاصمهما.. يلمعان..
وفي زاوية الصالة كانت صوفيا تدور حول نفسها بفستانها الصغير، قبل أن ترفع رأسها فجأة نحو السلالم..
توقفت و اتسعت عيناها ثم شهقت بكل براءة:
"واو... خالتي، أنتِ جميلة جداً!"
ابتسمت جليندون دون أن تشعر.. ركضت الصغيرة نحوها وأمسكت طرف فستانها بإعجاب واضح..
عندها فقط التفتت أولغا وإيكاترينا..ولوهلة قصيرة ساد الصمت.. حتى هما لم تستطيعا إخفاء نظرات الإعجاب..
كانت جليندون تملك حضوراً يصعب تجاهله عندما ترغب بذلك..
وقبل أن يعلق أحد...
رن جرس الباب، التقطت حقيبتها الصغيرة ثم قالت وهي تتجه نحو المدخل:
"سأغادر مع أورلوف... نلتقي في الحفل.."
2
أومأت أولغا..بينما قالت إيكاترينا وهي ترتدي معطفها:
"سنغادر نحن أيضاً حالاً.."
فتحت جليندون الباب وكان هناك..
وقف أورلوف عند العتبة وكأنه خرج لتوه من غلاف مجلة فاخرة.. ارتدى بدلة سوداء مصممة بإتقان، مع قميص أبيض ناصع وربطة عنق فراشة سوداء..كان شعره مصففاً بعناية وحضوره الطاغي يسبقه بعدة خطوات..
أما رائحة عطره الرجولية فامتزجت مع هواء المساء البارد فور فتح الباب.. رفع حاجباً واحداً عندما وقعت عيناه عليها..
3
ثم توقفت نظراته لثانية أطول مما ينبغي..تلك النظرة وحدها كانت كافية لتعرف أنه لم يكن يتوقع هذه الإطلالة..
4
ولم يفلت منها أيضاً ذلك الوميض الخافت في عينيه مزيج من الإعجاب...والاستفزاز..
خصوصاً عندما أدرك أنها لم ترتدِ حتى أياً من المجوهرات التي أرسلها إليها..
انتقلت عيناه بعدها إلى الداخل..إلى أولغا ثم إيكاترينا.. و على ما يرتدينه... اللعنة على حياته..
5
ثم توقفتا لحظة عند صوفيا المختبئة خلف ساق والدتها..
قبل أن يعود إليها مجدداً وقال بصوته العميق:
"تبدين رائعة يا زوجتي.."
2
لم تتردد عندما رفعت ذقنها قليلاً وأجابته بثقة كاملة:
"أعلم ذلك.."
4
كادت أولغا تضحك ..أما هو فاكتفى بابتسامة صغيرة اختفت بسرعة ثم التفت إلى الأخريات...
"مساء الخير يا سيداتي.."
2
"مساء الخير.."
أجابته أولغا بلطف في حين اكتفت إيكاترينا بإيماءة مقتضبة.. أما صوفيا فاختبأت أكثر خلف والدتها أكثر بخجل..
وجود أورلوف كان كافياً لجعل معظم البالغين يعيدون حساباتهم قبل الحديث معه.. فكيف بطفلة صغيرة؟
قال بعد لحظة:
"هل تسمحن لي بإيصالكن؟.."
1
وقبل أن تنطق جليندون بحرف، أجابت إيكاترينا فوراً:
"شكراً، لكن لا حاجة لذلك.."
رفض مهذب لكنه حاسم وكان الجميع يعلم السبب..فمن المستحيل أن تصل ابنة عائلة فولكوف إلى الحفل برفقة أورلوف.. عذرا الشقيقة الكبرى و ليس زوجته، أقصد طليقته...
لكن لا أحد يعلم بذلك..
لو رأت ميرا فولكوف ذلك بنفسها، لاحتاجت طبيباً فورياً..
أما سيرجي...
فربما كان سيعتبرها بداية حرب جديدة..
أومأ أورلوف دون تعليق وكأن الرفض لم يفاجئه ثم مد ذراعه نحو جليندون..تطلعت إليه لثانية ثم وضعت يدها على ساعده أخيراً..
و تحركا معاً نحو الليموزين وقف الحراس على الجانبين بصمت مطلق..
أحدهم فتح الباب الخلفي فور اقترابهما فدخلت أولاً ثم تبعها أورلوف...أُغلق الباب خلفهما بهدوء..
وفي اللحظة التي جلست فيها، أدركت لماذا يفضل الكثيرين هذه السيارات..لم تكن مجرد وسيلة نقل..
بل غرفة معيشة فاخرة تتحرك على عجلات..
2
امتدت المقصورة الداخلية بطول السيارة تقريباً، مكسوة بجلد أسود فاخر ناعم الملمس.. أضواء ذهبية خافتة مخفية داخل السقف تنشر وهجاً دافئاً ينعكس على الأسطح اللامعة..مقاعد واسعة تكفي للاستلقاء الكامل..
طاولة صغيرة من الكريستال تتوسط المكان..
ثلاجة مدمجة تضم مشروبات فاخرة..
وشاشة متوسطة مخفية داخل الجدار الجانبي..
أما العزل الصوتي فكان مثالياً إلى درجة أنها لم تعد تسمع شيئاً من العالم الخارجي..
1
أغلق أورلوف الباب المقابل له واسترخى في مقعده.. ثم نظر إليها مطولاً هذه المرة، بهدوء جعلها ترفع حاجباً..
"ماذا؟.."
سألته ابتسم ابتسامة بطيئة.. ثم قال:
"كنت أفكر فقط..."
توقفت عيناه عند الفستان الذهبي مرة أخرى..
"...أن الحفل سيتحول إلى مشكلة كبيرة الليلة.."
2
ضيقت عينيها..
"ولماذا؟"
استرخى أكثر في مقعده.. وكأن الإجابة واضحة للغاية..
"لأن كل رجل هناك سينظر إليك.."
4
ثم مال قليلاً نحوها..
"وأنا لا أملك مزاجاً جيداً بما يكفي لأتسامح مع ذلك.."
2
ابتسمت ابتسامة مستفزة، ثم رفعت إحدى يديها تتفحص أظافرها المطلية بعناية، وكأنها أكثر أهمية من الرجل الجالس إلى جوارها ومن الحديث بأكمله..
قالت بنبرة هادئة زادت استفزازه:
"إذا كانت تلك مشكلتك، فهي تخصك أنت لا أنا.. المشكلة التي ستتخلص منها قريباً بمجرد انتهاء إجراءات الطلاق..أما أنا..."
توقفت لحظة، ثم التفتت إليه بطرف عينها..
"فقد يكون من الجيد أن أتعرف إلى شخص جديد في هذا الحفل.."
8
ساد الصمت بينهما، صمت ثقيل..
ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الهواء داخل السيارة يبدو أكثر كثافة من اللازم..
شعرت بنظراته تستقر على جانب وجهها دون أن تتحرك..كانت تعرف تلك النظرة جيداً.. قبل سنوات زواجهما كانت تحفظ تعابيره أكثر مما تحفظ ملامحها في المرآة..
وحين طال الصمت أكثر مما ينبغي، بدأت تشعر بوخز خفيف في بشرتها..التفتت إليه أخيراً..
2
كان ينظر إليها مباشرة، فكه مشدود وعضلات رقبته متوترة.. أما عيناه فكانتا تحملان ذلك البريق الخطير الذي اعتادت رؤيته كلما فقد أعصابه وحاول إخفاء الأمر..
3
رفعت حاجباً واحداً تنتظر منه أن يتحدث..لكنها لم تتوقع أن تشعر فجأة بكفه الكبيرة تستقر فوق فخذها لم تكن لمسة مؤذية ولا عنيفة..
1
بل أقرب إلى محاولة إيقافها عن الهرب من الحوار..اتسعت عيناها قليلاً متى فعل ذلك أصلاً؟..
1
كانت منشغلة بمراقبة غضبه لدرجة أنها لم تلحظ حركة يده..ثم قال بنبرة منخفضة تحمل قدراً واضحاً من نفاد الصبر:
"لقد جعلتِني أندم حقاً على توقيع أوراق الطلاق.."
5
أطلق زفرة طويلة وهو يهز رأسه..
"اللعنة عليّ.."
2
نظرت إلى يده ثم حاولت إبعادها..لم تتحرك و ضغطت عليها بقوة أكبر و لا شيء وكأنها تحاول إزاحة قطعة من الجرانيت..
رفعت رأسها إليه وقالت ببرود:
"لم ترَ شيئاً من الندم بعد يا كوزوسوف.."
3
ثم أضافت ببطء:
"ارفع يدك.."
1
هز رأسه نافياً..بل ازداد استرخاء في مقعده وكأنه يستمتع بإغاظتها و شعرت به يحرك كفه للأعلى ببوصة..
رفعت هاتفها أمام وجهه وأشارت به نحو عضوه الذكري قائلة بتحذير...
4
"ارفع يدك قبل أن أريك معنى الندم الحقيقي.."
2
خرجت منه ضحكة قصيرة..هادئة و خطيرة..وتلك الضحكة بالتحديد كانت تستفزها أكثر من غضبه.. لأنها تعني أنه يستمتع بالموقف ويعرف تماماً أنها غاضبة.. ويعرف أيضاً أنها لن تتراجع..
قال بهدوء:
"اهدئي فقط.."
ثم أضاف وهو ينظر إليها مباشرة:
"دعينا نتحدث كإنسانين طبيعيين لمرة واحدة..فأنا لازلت على عهدي بمنحك الأطفال الذين ترغبين بهم، لكن ليس الأن فقط إهدئي.."
7
أغمضت عينيها للحظة..كانت تشعر أن بروده وحده قادر على رفع ضغطها بينما هو بدا مرتاحاً بشكل يثير الرغبة في خنقه..
و قد إستفزها حقا هذه المرة بكلماتها لذا لم تتردد حين رفعت الهاتف بسرعة و كانت تنزل على حجره بقوة و بوصتين.. بوصة واحدة كانت كافية بأن تريه الندم الحقيقي.... و لكن سحب يده من فخذها و أمسكها بسرعة..
5
"اللعنة، متى أصبحت عنيفة لهذه الدرجة يا إمرأة.. "
2
عدلت جلستها فوراً وكأنها تستعيد مساحة شخصية سُلبت منها و التفتت نحو النافذة دون أن ترد عليه، تراقب الطريق وتتجاهله عمداً..
أما هو فاستقام في مقعده، ثم أوصل هاتفه بالشاحن الموضوع داخل السيارة..عندها فقط انتبهت إلى شيء..
البطارية.. هاتفه كان شبه فارغ طوال الرحلة..توقفت الفكرة في رأسها فجأة..
إذاً...
لم يشاهد الفيديو بعد..لم تصله الرسالة..شعرت بابتسامة صغيرة تكاد تظهر على شفتيها..
حسناً..سيراه لاحقاً..
4
ولأول مرة منذ بداية الرحلة شعرت بفضول حقيقي لمعرفة رد فعله..لكن ليس الآن..
الآن كانت مرتاحة أكثر مما يجب..وتركت رأسها يستند إلى المقعد وهي تراقب الأشجار التي تمر خلف الزجاج..
1
بعد ساعة ونصف تقريباً بدأت السيارات تتباطأ...ثم انعطفت جميعها نحو طريق خاص تحيط به الأشجار القديمة والمصابيح الذهبية المرتفعة..
ظهرت أمامهم عشرات السيارات الفاخرة المصطفة أمام مدخل منتجع ضخم.. كان المكان أشبه بعقار أرستقراطي قديم أعيد ترميمه بعناية واجهة حجرية فخمة..
أعمدة عالية ونوافذ مضاءة تنعكس عليها ألوان الغروب الأخيرة..
ينتمي المنتجع إلى عائلة آل روسو..واحدة من أقدم العائلات النافذة..نفوذ سياسي و استثمارات هائلة.. وتاريخ طويل في صناعة الخمور الفاخرة التي تُباع بأرقام تكفي لشراء منازل كاملة..
أما عائلة فولكوف، فلم تكن أقل حضوراً في دوائر النفوذ..السياسة والطب كانا يجريان في دم العائلة منذ أجيال..
لذلك لم يكن المكان غريباً عليها..بل أعاد إليها ذكريات بعيدة..
حفلات..
لقاءات عائلية..
وجوهاً رافقتها حتى سنوات المدرسة الإعدادية قبل أن تفرقهم الحياة..
غرقت في أفكارها لدرجة أنها لم تنتبه إلى توقف السيارة..
ولا إلى الرجل الذي خرج أولاً..ولا حتى إلى الباب الذي فُتح بجوارها.. انتبهت فقط عندما امتدت يد أمامها..رفعت بصرها..أورلوف..
تحت الأضواء الذهبية ترأى أكثر..بذلته الداكنة زادت من هيبته المعتادة.. وشعره المرتب بعناية جعله يبدو مختلفاً عن الرجل الذي اعتادت رؤيته وسط القواعد العسكرية والمشاجرات..
للحظة قصيرة فقط...ترددت ثم وضعت كفها في يده.. أغلقت أصابعه حول يدها تلقائياً ليساعدها على النزول..
ومجرد ذلك الاحتكاك البسيط كان كافياً ليتوقف الزمن بينهما لثانية واحدة..ثانية قصيرة جداً لكنها بدت أطول مما ينبغي..
2
وضع كفه على خصرها بخفة ثابتة، موجهاً إياها إلى قلب الحفل..كانت لمسته عملية أكثر من كونها حميمية، لكنها بدت طبيعية إلى درجة تجعل أي مراقب يعتقد أنهما زوجان اعتادا على مرافقة بعضهما منذ سنوات طويلة..
1
سارا معاً وسط القاعة بخطوات متناسقة...كان أورلوف يتحرك بهدوء الواثق الذي اعتاد دخول أماكن أكثر خطورة دون أن يشعر بالحاجة إلى إثبات وجوده، بينما أضفى الكعب العالي الذي ترتديه جليندون على خطواتها ثباتاً وأناقة جعلتها تبدو وكأنها تنتمي إلى هذه الأجواء أكثر من معظم الحاضرين..
مرّا بعدد من الوجوه المعروفة أمام المدخل..رجال أعمال سبق أن تعاملوا مع عائلتيهما، شخصيات سياسية، ومستثمرون كانوا جزءاً من عشرات المناسبات المشابهة..
تبادل أورلوف الإيماءات الرسمية والتحيات المقتضبة، بينما حافظت جليندون على ابتسامتها الهادئة التي أتقنتها خلال سنوات طويلة من المناسبات الاجتماعية التي لم تحبها يوماً..
عند المدخل الرئيسي، أومأ الحراس لهما باحترام قبل أن يفسحوا الطريق..
وما إن دخلا القاعة بالكامل حتى شعرت جليندون بأن عشرات الأنظار قد استدارت نحوهما في اللحظة نفسها..
2
كانت القاعة مثالاً مثالياً لعالم المال القديم..
ثريات كريستالية ضخمة تتدلى من السقف المرتفع، موسيقى كلاسيكية هادئة تنساب بين الحضور دون أن تطغى على أحاديثهم، وأضواء ذهبية خافتة تنعكس فوق الكؤوس والمجوهرات والبدلات المصممة خصيصاً..
لكن أكثر ما لفت انتباهها لم يكن الديكور..
بل الهمسات..
انتشرت بين الطاولات بسرعة مذهلة..نظرات مندهشة و ابتسامات فضولية..
همسات تتناقل خبراً قديماً تأكد أخيراً..
لأعوام طويلة كان الوسط الاجتماعي يتحدث عن زواج أورلوف وجلِيندون كما لو كان إشاعة غير مؤكدة... لم يكن هناك حفل زفاف ضخم، ولا صور منشورة، ولا ظهور علني متكرر..
1
كل ما حدث كان وليمة عائلية صغيرة داخل منزل آل كوزوسوف..
ولهذا، فإن رؤيتهما الآن يدخلان معاً كزوجين أمام الجميع كانت كافية لتضع حداً لعشرات الشائعات.. بعد سنوات..
أما هما فتجاهلا كل ذلك و تابعا السير وكأن شيئاً لم يحدث..في الحقيقة، لم تكن جليندون تعرف حتى إلى أين يقودها..
لم تلمح أي وجه مألوف بعد، لكنها فضلت عدم إثارة أي نقاش أو مقاومة غير ضرورية، فاكتفت باتباع خطواته ويده المستقرة عند خصرها..
ثم رأت وجهة السير.. وفور أن وقع بصرها على والد أورلوف الجالس عند إحدى الطاولات الرئيسية، فهمت..
أو بالأحرى...
شعرت بالمصيبة قبل أن تستوعبها..
زوجها..طليقها قانونياً تقريباً..
لكن بما أن أوراق الطلاق لم تُستكمل بعد، وبما أن أحداً هنا لا يعرف الحقيقة، فسيبقى زوجها لهذه الليلة على الأقل..
رسمت ابتسامة صغيرة متقنة فوق شفتيها..ابتسامة مهنية مصطنعة من النوع الذي تعلمت استخدامه عندما لا ترغب برؤية أحد..
وكلما اقتربا من الطاولة، بدأت ملامح الجالسين تتضح أكثر..حينها فقط تصلب ظهرها..
شعر أورلوف بذلك فوراً ضغط بخفة على ظهرها من الخلف..حركة صغيرة للغاية..
لكنها حملت معنى واضحاً..
' أنا هنا.. '
2
رفعت نظرها إلى الطاولة.. كان والد أورلوف يجلس في المنتصف..
إلى جواره ثلاثة من أعمامه.. منهم غراهام..
1
وعمته الصغرى وزوجها..
ورجل أعمال أمريكي معروف باستثماراته الضخمة داخل روسيا.. وسياسي بارز وزوجته..
لكنها لم تتوتر بسبب أي منهم..أبداً..
الشخص الذي سرق الأكسجين من رئتيها للحظة كان شخصاً واحداً فقط..
غراهام..
6
عم أورلوف..
الرجل الذي كان يوماً زوج غريس فولكوف..
3
عمتها..
الرجل الذي ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الذكريات مرارة في تاريخ عائلتها.. اختفت الابتسامة عن وجهها للحظة قصيرة جداً.. لكنها كانت كافية..
رأى أورلوف التحول بأكمله و رأى الغضب الذي ومض داخل عينيها و النظرة الخطرة التي يعرفها جيداً.. تلك النظرة التي تظهر دائماً عندما يُذكر اسم آل كوزوسوف أمام أحد أفراد آل فولكوف.. خصوصاً غراهام..
أما هو فاختار ألا يغوص في ذلك الماضي.. ليس هنا.. وليس الليلة..
قطع والد أورلوف الصمت بابتسامة دافئة:
"أهلاً... أمسية جميلة حقاً برؤيتكما معاً.. كيف حالك يا ابنتي؟"
وقبل أن تجيب، نهض وعانقها أولاً..تماسكت بصعوبة..ثم ردت بابتسامتها العملية نفسها:
"الشعور متبادل... أنا بخير، شكراً لك.."
راقب أورلوف كيف أجبرت نفسها على المحافظة على تلك الابتسامة وكيف اكتفت بتحية الآخرين بإيماءة قصيرة وكلمة مقتضبة.. لا مصافحة و مجاملات إضافية..
أما هو فتصرف بطريقته المعتادة.. صافح والده وأعمامه باقتضاب.. ثم اضطر للانحناء قليلاً حين اندفعت عمته الصغيرة نحوه لتقبيل وجنتيه كعادتها..
3
مرت الدقائق التالية في أحاديث مملة بالنسبة إليه..مشاريع استثمارية جديدة..خطط والده لما بعد التقاعد..
أعمال أعمامه.. شراكات مستقبلية..
بينما كانت عمته تحاول جر جليندون إلى أحاديث أكثر شخصية..
كيف تسير حياتكما؟..
هل تفكران بإنجاب الأطفال؟..
1
هل الحياة الزوجية كما تخيلتما؟..
1
أسئلة فضولية مزعجة مغلفة باللطف..
واكتفت جليندون بإجابات قصيرة حادة بما يكفي لإنهاء كل سؤال قبل أن يبدأ.. في تلك الأثناء، لمح أورلوف والدته وإخوته موزعين على طاولات أخرى داخل القاعة..
لكن الحقيقة كانت واضحة لم يأتِ إلى هنا من أجل العائلة ولا من أجل المستثمرين ولا من أجل المجاملات..
وجوده الليلة كان استثناءً فرضته أسباب أخرى وأكثر ما كان يرهقه هو هذه الأجواء نفسها.. هذا العالم المليء بالابتسامات المحسوبة والأحاديث المزيفة..
وعلى النقيض منه تماماً، بدت جليندون وكأنها خُلقت لهذه البيئة..تتحرك داخلها بسهولة تعرف قواعدها وتفهم لغتها..وكانت تلك الملاحظة تؤلمه بطريقة لم يعترف بها حتى لنفسه..
لأنها ذكّرته مجدداً بمدى اختلافهما.. وعندما لاحظ أن صبرها بدأ ينفد فعلاً، وأنها على وشك مغادرة الطاولة بأي طريقة ممكنة، اتخذ قراره دون تردد.. أعاد كفه إلى خصرها..
ثم قال ببرود مهذب:
"المعذرة.."
قبل أن يمنح أحداً فرصة للاعتراض، استدار بها مبتعداً عن الطاولة.. ولم يتوقف إلا بعد أن ابتعدا مسافة كافية..
عندها مال قليلاً نحوها وهمس بالقرب من أذنها:
"أنا آسف لأنني لم أخبرك مسبقاً أننا سنتوجه إلى طاولة عائلتي.."
3
ساد الصمت لثانية..ثم أكمل:
"الآن يمكنك أن تقوديني إلى أي مكان تريدين.."
1
توقفت فجأة وتوقف معها..رفعت رأسها نحوه ببطء نظرة حذرة مرتابة وكأنها لا تصدق ما سمعته..
هل اعتذر فعلاً؟..
بل الأهم...
هل لاحظ انزعاجها من الأساس؟..
1
ظلت تراقب ملامحه للحظات قبل أن تقول ببرود واضح:
"في المرة القادمة، سأكون ممتنة لو حذرتني مسبقاً ووفرت علينا الاعتذار.."
1
راقبها بصمت..
ثم، وللمرة الأولى منذ بداية الأمسية، ظهر شيء يشبه الراحة في عينيه..ابتسامة خفيفة مرت على شفتيه وهو يجيب:
"وسأكون أنا الممتن إذا كانت هناك مرة قادمة أساساً.."
4
ثم أضاف بنبرة أكثر هدوءاً:
"وأعدك... لن أضعك في موقف يجبرك على الجلوس مع عائلتي مرة أخرى.."
أوقفها صوت مألوف قبل أن تتحرك..
"جلين، حبيبتي... توقفي للحظة.."
2
شعر أورلوف بجسدها يتجمد بجانبه قبل أن تستدير ببطء نحو مصدر الصوت.. وعندما التفت معها، فهم السبب فوراً..
كانت هناك..
ميرا فولكوف.. والدة جليندون..
4
تتقدم نحوهما بابتسامة واسعة ومثالية أكثر مما ينبغي، مرتدية فستاناً حريرياً بلون زهري بارد، فيما كانت هالة النفاق التي تحيط بها واضحة إلى درجة تكاد تُرى بالعين المجردة..
وإلى جانبها ثلاث سيدات في العمر نفسه تقريباً، بدت آثار الشد التجميلي والبوتوكس واضحة على ملامحهن المصقولة بعناية..
وقبل أن تتمكن جليندون من قول أي شيء، كانت ميرا قد وصلت إليها بالفعل..
بل وكادت تقفز عليها.. احتضنتها بقوة مبالغ بها، قوة جعلت أورلوف يرى بوضوح كيف اقشعر جلد جليندون المكشوف، وكيف تصلب جسدها بالكامل تحت ذلك العناق..
وللحظة قصيرة، رفع بصره نحو وجه زوجته.. رأى الارتجاف الخافت في يديها وهي ترفع ذراعيها لتبادل والدتها العناق..
ارتجافاً لم يكن ليراه أي شخص آخر..لكنه رآه..
استمر العناق لثوانٍ فقط قبل أن تبتعد ميرا وهي ما تزال تبتسم بنفس الحماسة المصطنعة..
"أوه يا حبيبتي، أعلم أنك مشغولة جداً في الآونة الأخيرة، لكن يجب أن تزورينا.. حقاً يجب أن تزورينا.."
1
قالتها وهي تمرر أصابعها فوق الخصلات الذهبية التي أفلتت من كعكة شعر جليندون..وعندها شعر بشيء غريب..
جليندون اقتربت منه..لا... التصقت به تقريباً.. حركة لا إرادية تماماً.. وكأن جسدها يبحث عن شيء تستند إليه أو عن حاجز يحتمي به..
3
كان يعلم أن علاقتها بوالديها سيئة.. يعلم أنهم لم يحضروا حتى حفل زفافهما الصغير... لكنه لم يعرف التفاصيل، ولم تمنحه الحياة العسكرية ولا زواجهما السريع فرصة لفهم ما حدث حقاً بينهما..
1
إلا أن ما رآه الآن كان كافياً..رفع ذراعه فوراً.. وطوق كتفيها ثم جذبها نحوه أكثر ولدهشته، لم ترفض على العكس تماماً..
1
تشبثت بقميصه بأصابعها بينما استمرت والدتها بالكلام..
"هذه السيدة هي والدة ريكاردو، خطيب إيكاترينا.. حسناً... لم تتم الخطوبة رسمياً بعد، لكن ذلك سيحدث قريباً.. أردت أن أعرفكما على بعضكما بما أننا سنصبح عائلة قريباً..."
2
ثم أشارت إلى الأخرى..
"وهذه زوجة عم ريكاردو.. قولي مرحباً.."
مدت جليندون يدها بدا الأمر وكأنها تتحرك تلقائياً وكأن جسدها يؤدي دوراً حفظه منذ سنوات طويلة..ارتسمت على شفتيها ابتسامة مألوفة..
الابتسامة نفسها التي رآها على مائدة عائلته سابقاً لكن هذه المرة كانت مختلفة..أكثر هشاشة..أكثر انكساراً وأكثر ألماً..
"تشرفت بلقائكما.."
قالتها بنبرة مهذبة تماماً..
"حدثتني إيكاترينا كثيراً عن ريكاردو وعنكما..أتمنى أن تسير الأمور على خير ما يرام.."
كانت تمثل بشكل واضح وصريح لكن أحداً من الموجودين لاحظ ذلك..لا أحداً باستثناء أورلوف..وربما ميرا..
لأن والدتها أطلقت زفرة خفيفة من الارتياح، وكأنها كانت تنتظر من ابنتها أن تؤدي هذا الدور بالضبط..
"أهلاً زوجة عمي.. كيف حال عمي والأولاد؟.."
ابتسمت المرأة..
"بخير... إنهم هنا الليلة.. سيكونون سعداء جداً برؤيتك.."
لم يصدقها أورلوف..مثل جليندون تماماً كانت الكلمات مهذبة، لكن الكذب كان واضحاً خلفها وحين لاحظت السيدات وجوده أخيراً، انتقلت النظرات نحوه بفضول ظاهر..
1
فقالت جليندون بسرعة، وكأنها تستمد شيئاً من حرارة جسده القريبة منها:
"هذا زوجي... أورلوف كوزوسوف.."
اتسعت ابتسامة والدة ريكاردو..
"أوه، تشرفت بمعرفتك سيد كوزوسوف. في الحقيقة لاحظت دخولكما بسبب كثرة الهمسات حولكما.. كما أنني تحدثت مع والدتك قبل قليل، لذلك لم يكن من الصعب التعرف عليك... رغم أن حضورك غير مألوف في مثل هذه الأوساط.."
1
مدت يدها نحوه..أما هو فاكتفى بنظرة باردة وإيماءة مقتضبة ولم يصافحها..بقيت يدها معلقة في الهواء للحظة محرجة..
1
إلى أن شعر بشيء مؤلم في جانبه..
قرصة.. التفت قليلاً..فرأى جليندون تنظر إليه بحدة ثم لمح شيئاً آخر..
2
نظرات الهلع التي كانت ميرا ترمق بها ابنتها..وكأنها تتوسل إليها بصمت ألا تفسد المشهد عندها فقط تنهد بصمت ورفع يده ثم صافح المرأة..
1
فور انتهائه شعر بجليندون تنغزه مجدداً..إشارة واضحة.. أرادت المغادرة.. الآن..
1
فقال بهدوء:
"اعذرونا.. سنغادر الآن.. نلتقي لاحقاً.."
ثم أبقى ذراعه حولها وقادها بعيداً..ابتعدا عدة خطوات وسط القاعة المزدحمة وشعر تدريجياً بأن أنفاسها بدأت تنتظم و خطواتها استعادت بعض الثبات..
لكن عندما حاولت الابتعاد عنه قليلاً، جذبها نحوه مجدداً ثم انحنى نحوها وصوته هذه المرة كان مختلفاً..قلقاً بشكل لم يعتد أن يُظهره..
"هل أنت بخير؟.."
تردد للحظة..
"هل تريدين ماء؟.."
ثم أضاف بسرعة:
"أو الخروج قليلاً لاستنشاق الهواء؟.."
1
هزت رأسها..
"لا شيء.."
لم يقتنع.. أدارها نحوه بالكامل ثم مال أكثر حتى أصبحت عيناه بمستوى عينيها..
كان وجهه جامداً كما هو دائماً لكن صوته فضحه..فضح كل شيء..
"حبيبتي..."
15
خرجت الكلمة دون تفكير..
"اللعنة، هل أنت بخير فعلاً؟.."
توقف لثانية..ثم أكمل بنفاد صبر صادق:
"هل تريدين الجلوس قليلاً؟.."
وزفر بعنف..
"تباً لهذا الحفل بأكمله.. لنعد إلى المنزل الأن.."
2
المنزل..قالها وكأنه منزلهما معاً وكأن الأمر بديهي وكأنه ينتمي إلى ذلك المكان معها..ي ظرف آخر كانت ستجادله على ذلك.. و ستعترض أو تسخر منه..لكنها لم تملك الطاقة الكافية الآن..كل ما استطاعت فعله هو هز رأسها ببطء..
"لا، أريد..."
توقفت الكلمات في حلقها للحظة..
شعرت وكأنها خرجت لتوها من معركة طويلة لا تزال آثارها عالقة فوق جلدها، في عظامها، في تلك المساحة الصغيرة خلف أضلاعها حيث كانت تحمل سنوات كاملة من الخيبات والغضب والخذلان..
1
رفعت عينيها إليه أخيراً..كانت المرة الأولى منذ أن التقت والدتها قبل دقائق التي تنظر إليه فعلاً لا إلى ربطة عنقه ولا إلى كتفه ولا إلى يده التي ما تزال مستقرة على ظهرها وكأنها تخشى أن تنهار إذا أفلتها..
بل إليه.. إلى وجهه.. إلى ذلك القلق الواضح خلف الجمود الذي اشتهر به..ذلك القلق الذي لم يحاول حتى إخفاءه هذه المرة..
ابتلعت ريقها بصعوبة..
"أريد فقط... دقيقة.."
1
بدا وكأنه يفكر في الاعتراض..لكنه اكتفى بإيماءة صغيرة..ثم قادها بعيداً عن قلب الحفل بعيداً عن الموسيقى.و عن الأحاديث المتداخلة..
بعيداً عن النساء اللواتي كن يبتسمن بأسنان ناصعة بينما يخفين خلفها سكاكين حادة..خرجا إلى إحدى الشرفات الجانبية الواسعة..
فور أن أغلقت الأبواب الزجاجية خلفهما انخفض الضجيج إلى همهمة بعيدة..نسمة باردة لامست وجهها..
وأخيراً...تنفست.. تنفساً حقيقياً..
وكأنها كانت تحبس الهواء منذ اللحظة التي سمعت فيها صوت والدتها ينادي اسمها..استندت إلى الدرابزين الحجري وأغمضت عينيها..لثوانٍ طويلة لم تتحدث ولم يتحدث هو أيضاً..
ترك لها المساحة وهي ملاحظة صغيرة لم تكن تتوقعها منه..لطالما ظنته رجلاً يقتحم المسافات و يفرض حضوره و قراراته..
يفرض نفسه على العالم كما اعتاد أن يفعل في ساحات القتال..لكن هذه المرة...
كان ينتظر..فقط ينتظر سمعها تزفر ببطء ثم قالت دون أن تنظر إليه:
"هل تعلم ما المضحك؟.."
1
ظل صامتاً فعرفت أنه يستمع..
"أنني تدربت لأشهر وسط رجال يحملون أسلحة ويصرخون في وجهي كل يوم..."
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح..
"وقفت أمام قادة وجنود وسياسيين وصحفيين...و قضاة.."
توقفت ثم أضافت بصوت أخفض:
"لكن خمس دقائق مع أمي تجعلني أشعر أنني في السابعة عشرة مجدداً.."
1
التفت ينظر إليها كانت عيناها مثبتتين على الحديقة المظلمة أسفل الشرفة.. لكنها لم تكن تراها.. كانت تنظر إلى شيء أبعد بكثير..
إلى سنوات مضت إلى طفلة صغيرة كانت تحاول أن تصبح كافية و أن تصبح مثالية..أن تصبح ما يريده الجميع..
دون أن يسألها أحد يوماً ماذا تريد هي..
"جليندون.."
خرج اسمها من فمه منخفضاً و هادئاً على غير عادته..
استدارت نحوه..فأكمل:
"لست مضطرة لرؤية أي شخص الليلة.."
رفعت حاجباً بسخرية متعبة..
"حقاً؟.."
"حقاً.."
1
نظر مباشرة إلى عينيها..
"إذا أردت المغادرة الآن سنغادر.."
"وعائلتك؟"
"لا يهم.."
"والحفلة؟.."
"لا تهم.."
"وكل هؤلاء الأشخاص المهمين؟.."
2
اقترب خطوة واحدة..
"لا أحد منهم يهمني أكثر منك.."
8
تجمدت للحظة ليس بسبب الكلمات..بل بسبب بساطتها لأنه قالها وكأنها حقيقة بديهية وكأن الاختيار لم يكن صعباً أصلاً..
وكأن وجودها أهم بالفعل من كل تلك الطاولات الممتلئة بالأسماء اللامعة والنفوذ والأموال.. شعرت بشيء مؤلم يتحرك داخل صدرها..شيء يشبه الدفء..
وهي كانت تكره ذلك..
تكره حين يكون لطيفاً معها..لأن اللطف يجعل الكراهية أصعب ويجعل الجدران التي بنتها حول نفسها أقل صلابة..
1
لهذا أشاحت بنظرها سريعاً وقالت محاولة استعادة توازنها:
"لا أريد المغادرة.."
راقبها بصمت..
"أريد فقط..."
ترددت ثم ضحكت بخفوت وهي تمرر يدها فوق جبينها..
"أريد خمس دقائق لا أكون فيها ابنة ميرا فولكوف.."
ساد الصمت بينهما ثم سمعت صوته..أخفض من السابق وأكثر صدقاً..
"إذاً لا تكوني.."
التفتت إليه فأكمل وهو ينظر إليها بثبات:
"كوني جليندون فقط.."
للحظة...
للحظة قصيرة جداً...
شعرت بشيء غريب وكأن شخصاً ما أخيراً رأى الفرق بين الاسمين..بين المرأة التي يقابلها الجميع والفتاة التي ضاعت منذ سنوات وهي تحاول إرضاء الجميع..
شعرت بغصة تصعد إلى حلقها فسارعت بالنظر بعيداً قبل أن يلاحظ لكن الأوان كان قد فات لأنه كان يراقبها منذ البداية ورأى تماماً تلك اللمعة التي ظهرت في عينيها قبل أن تختفي..
ورأى أيضاً كيف تشبثت أصابعها بحافة الدرابزين للحظة وكأنها تتمسك بنفسها..
عندها فقط أدرك شيئاً لم يفهمه طوال سنوات زواجهما لأنه لم تسمح له الفرصة..لم تكن جليندون تخاف من الغرباء ولا من السياسة ولا من المجتمع ولا حتى من الفشل..
2
كانت تخاف من العودة إلى تلك النسخة القديمة من نفسها...
النسخة التي جعلها والداها تؤمن أنها لن تكون كافية مهما فعلت..
2
وضعت جليندون يديها على ساعديها، تضمهما بخفة إلى صدرها وكأنها تعانق نفسها.. لم تكن تشعر بالبرد فعلياً، فدفء أجهزة التدفئة المنبعث من القاعة كان يتسلل حتى الشرفة، لكن الحركة كانت تلقائية... عادة قديمة كلما شعرت بالتيه وسط أفكارها..
وقفت هناك للحظات تحدق في أضواء المدينة البعيدة، تاركة الصخب خلفها يتلاشى إلى همهمة مكتومة..
التقط أورلوف تلك الحركة..لاحظ كيف انغلقت على نفسها مجدداً كيف عادت تلك المسافة الخفية التي تضعها دائماً بينها وبين الآخرين..
خطا خطوة واحدة نحوها ثم ثانية..شعر برغبة غريبة تجتاحهزرغبة في جذبها إليه، ولف ذراعيه حولها بقوة، وكأن ذلك سيمنع كل تلك الأفكار التي تلتهمها من الوصول إليها..
3
لكن قبل أن يفعل أي شيء كانت قد أخذت نفساً عميقاً، طويلاً، وكأنها تطرد ما علق داخل صدرها من اختناق، ثم استدارت متجهة نحو باب الشرفة..
لم يسمح لها بالمرور..امتدت يده وأمسكت معصمها برفق توقفت ليس لأنها أُجبرت على ذلك، بل لأن شيئاً في لمسته جعلها تتردد للحظة..
ساد الصمت بينهما.. صمت قصير..لكنه بدا أطول بكثير..
التفتت نحوه ببطء وتشابكت نظراتهما..كان الهواء بارداً خارج الشرفة، إلا أن المسافة القليلة التي تفصل بينهما بدت أكثر دفئاً من القاعة المكتظة خلفهما..
لم يتحدث أحد لم يعرف أي منهما ما الذي يجب قوله...كانت هناك أشياء كثيرة معلقة بينهما، أكثر مما تستطيع الكلمات شرحه..
أشياء لم تُقل وأخرى قيلت متأخرة وأخرى لم يجرؤ أي منهما على الاعتراف بها بعد..
ظل ممسكاً بيدها للحظة إضافية كأنه يحاول حفظ هذه الثانية داخل ذاكرته..
بينما كانت هي تنظر إليه بعينين هادئتين على غير عادتها..لا غضب و لا دفاع.. ولا تلك الجدران العالية التي تبنيها عادة حول نفسها..
فقط هدوء غريب وربما شيء من الحزن..شيء لم يستطع تفسيره سحبت يدها ببطء من بين أصابعه..
وكأنها تخبره أن عليها العودة ثم استدارت وغادرت الشرفة دخلت إلى القاعة مجدداً وفي غضون ثوانٍ ابتلعها بحر الحضور..
فساتين فاخرة..
بدلات رسمية..
ضحكات متداخلة..
أصوات كؤوس تتلامس..
وموسيقى كلاسيكية تنساب بهدوء في الخلفية..
لكن رغم ذلك...
بقيت عيناه تتبعانها يراقبانها وهي تبتعد خطوة بعد أخرى..وكأن وجود عشرات الأشخاص بينهما لم يكن كافياً لإخفائها عنه..
في تلك الأثناء كانت قد لمحَت طاولة مألوفة وسط القاعة.ظطاولة يجلس حولها شركاؤها في مكتب المحاماة وجوه تعرفها ..أشخاص اعتادت التعامل معهم يومياً..
وربما لأول مرة منذ بداية الحفل شعرت بشيء يشبه الراحة..
وقبل أن تصل إليهم بخطوتين فقط...شعرت بيد دافئة تستقر على خصرها.. توقفت للحظة ولم تحتج حتى إلى الالتفات..عرفت فوراً من يكون كان حضوره مميزاً أكثر من أن يُخطئه أحد..خطواته الثقيلة المتزنة..
1
عطره الخافت.. والظل الطويل الذي امتد بجانبها.. اقترب قليلاً حتى أصبح صوته لا يتجاوز أذنها وقال بخشونته المعتادة، بصوت منخفض لا يسمعه سواها:
"سأغادر لبضع دقائق.."
توقفت أنفاسها للحظة وهي تستمع إليه..ثم أكمل:
"إذا احتجتِ إلى أي شيء... سأكون هنا.."
2
كانت جملة بسيطة و عادية..لكنها حملت شيئاً أكثر من معناها المباشر.. وكأنه يخبرها أنه لن يغادر حقاً هذه المرة وأنه، مهما ابتعد، لا يزال يراقب..
ولا يزال موجوداً إذا احتاجته..
رفع يده عن خصرها بهدوء ثم استدار وغادر..راقبته للحظة وهو يشق طريقه بين الحشود..
كان يتحرك بثقة وسط القاعة، حتى اختفى عبر الممر الخلفي المخصص للمنظمين والعاملين في الحفل..
وحين توارى عن الأنظار أخيراً...
أطلقت زفرة لم تكن تعلم أنها كانت تحبسها..ثم استدارت نحو طاولة شركائها ما إن وصلت حتى استقبلها فاليري بابتسامة واسعة:
"ها أنتِ أخيراً، ظننا أنك اختفيت.."
ضحكت بخفة وجلست بينهم..
وبشكل مفاجئ بدأت العقدة المشدودة داخل صدرها ترتخي اندمجت في الحديث سريعاً..مرة حول إحدى القضايا الشهيرة التي ملأت الصحف مؤخراً..
ومرة حول أحد العملاء المزعجين..
ثم حول المزاد الخيري الذي سيبدأ بعد أقل من خمس عشرة دقيقة.. توالت الضحكات وتداخلت الأحاديث..
وشعرت للمرة الأولى منذ وصولها إلى الحفل أن بإمكانها التنفس بعيداً عن النظرات وبعيداً عن الأسئلة وبعيداً عن تلك الفوضى التي يثيرها رجل واحد بمجرد وجوده في المكان..
1
لكن، وعلى الرغم من اندماجها معهم...
كان جزء صغير منها ما يزال واعياً تماماً للممر الخلفي الذي اختفى فيه أورلوف.. وكأن عقلها، مهما حاول الانشغال، لم يتوقف عن مراقبة غيابه..
1
بعد لحظات، نهضت إحدى زوجات شركاء الشركة من مقعدها وهي تلتقط حقيبتها الصغيرة الأنيقة..
"سأذهب لأتفقد مكياجي قبل أن يبدأ المزاد.."
ثم التفتت إلى جليندون بابتسامة ودودة..
"هل تأتين معي؟.."
وافقت دون تفكير كبير..لم يكن لديها ما تفعله على الطاولة سوى الاستماع إلى الأحاديث المكررة عن الاستثمارات والعقود والتبرعات الخيرية، لذا نهضت برفقتها وغادرتا القاعة الرئيسية..
كان الممر المؤدي إلى الحمامات أكثر هدوءاً من الصالة الصاخبة.. خفتت أصوات الموسيقى والضحكات تدريجياً خلفهما حتى أصبحت مجرد همهمة بعيدة..
دخلتا إلى الحمام الفخم الذي غطت المرايا الكبيرة جدرانه، وانعكست عليه الإضاءة الذهبية الناعمة..
1
وقفت المرأة أمام إحدى المرايا وأخرجت أدوات التجميل من حقيبتها بينما اكتفت جليندون بغسل يديها وتمرير الماء البارد فوق معصميها..
كانت الليلة طويلة والوجوه كثيرة والابتسامات الاجتماعية أكثر مما تستطيع احتماله عادة.. رفعت رأسها تنظر إلى انعكاسها في المرآة..
بدت متماسكة كما ينبغي..
هادئة..
أنيقة..
ومختلفة تماماً عما تشعر به في الداخل..
بعد دقائق انتهت الأخرى من تعديل أحمر شفاهها، وغادرتا الحمام معاً عائدتين نحو القاعة..
لكن قبل أن تصلا إلى المدخل الرئيسي، تباطأت خطواتهما تلقائياً.. كان هناك اضطراب خافت بين الحضور.. شيء يشبه الموجة التي تنتشر فجأة بين الناس..همسات و التفاتات..
رؤوس تستدير نحو الباب ثم وصلتها الكلمات..
"فيليب..."
1
"أجل، إنه فيليب.."
"هل تتحدثين عن فيليب نفسه؟.."
"بالطبع.. من غيره؟.."
تبادلت النساء النظرات بإعجاب واضح..
"هو الرجل الذي اشترى شركة الاستثمارات بعد إفلاسها بالكامل.."
"وجعلها من أقوى الشركات في البلاد خلال خمس سنوات فقط.."
"سمعت أنه لم يولد في عائلة ثرية أصلاً.."
"صحيح. يقولون إنه جاء من الطبقة العاملة.."
"لهذا يحترمه المستثمرون أكثر.."
توقفت جليندون دون وعي..اسم واحد فقط كان كافياً ليلفت انتباهها..
فيليب...
انعقد حاجباها قليلاً قبل أن تستدير تلقائياً نحو الباب الذي تتجه إليه جميع الأنظار.. ثم رأته..
وللحظة قصيرة فهمت سبب كل تلك الهمسات..كان أطول من معظم الرجال المحيطين به.. عريض المنكبين..
2
يتحرك بخطوات واثقة لا تحمل أي استعراض، ومع ذلك كانت الأنظار تنجذب إليه كما تنجذب الإبرة إلى المغناطيس..
ارتدى بذلة داكنة مصممة بإتقان أبرزت بنيته القوية دون مبالغة، بينما انعكست أضواء القاعة فوق ساعة فضية عند معصمه..
لم يكن يبتسم ولم يحاول جذب الانتباه.. لكنه كان يمتلك تلك الهالة النادرة التي تجعل المكان يلتفت نحو صاحبه بمجرد دخوله.. كـ أورلوف... اللعنة ليس وقته الأن..
1
تحرك إلى الداخل برفقة خمسة رجال يبدون من أصحاب المناصب الرفيعة.. كانوا يتحدثون معه باستمرار يعرضون عليه شيئاً أو يشرحون أمراً ما..
بينما هو يستمع بهدوء ويجيب أحياناً بكلمات قليلة.. كلمات قليلة فقط.. لكن الجميع ينصت لها..
اتسعت عينا جليندون بدهشة حقيقية.. ثم لعنت في سرها..
اللعنة..
إنه فيليب..فيليب نفسه والد صوفيا..
والرجل الذي ما زالت إيكاترينا تحاول إقناع نفسها بأنها تجاوزته منذ سنوات..شعرت بانقباض خفيف في معدتها..
2
فآخر شيء تحتاجه شقيقتها الآن هو ظهور فيليب فجأة في نفس الدائرة الاجتماعية التي تتحرك فيها العائلة..
أدارت رأسها بسرعة تبحث عن إيكاترينا بين الطاولات..
ربما كانت لا تزال لتصل بعد لكن ذلك قد يبدو غير صحيح لأنها مرت ساعة منذ أن وصلت هي و أورلوف..أو ربما ذهبت إلى الجهة الأخرى من القاعة..
لكنها لم تجدها.. حاولت البحث مرة أخرى بين الوجوه المتحركة و لا شيء..ليست هناك تماماً عن مجال رؤيتها..
"اللعنة..."
تمتمت بها تحت أنفاسها يجب أن تخبرها على الأقل لتكون مستعدة.. لكن قبل أن تتحرك خطوة واحدة، دوى صوت مكبرات القاعة..
فتوقفت جميع الأحاديث تقريباً واستدار الحضور نحو المنصة الرئيسية..
رفع مقدم الحفل ابتسامة احترافية وقال:
"سيداتي وسادتي، نشكركم على حضوركم الكريم.."
هدأت القاعة تدريجياً..
"يسرنا أن نعلن بدء المزاد الخيري السنوي.."
ارتفعت الأضواء فوق المنصة وتحرك الموظفون إلى أماكنهم.. وبدأ الضيوف يعودون إلى مقاعدهم..
زفرت جليندون ببطء وهي تشاهد المشهد..الوقت السيئ دائماً ما يختار اللحظة الأسوأ ليظهر، ألقت نظرة أخيرة نحو الجهة التي يقف فيها فيليب..كان لا يزال محاطاً برجال الأعمال..
هادئاً..
ثابتاً..
وكأن دخوله لم يثر نصف القاعة منذ دقائق فقط..
1
ثم عادت إلى طاولتها على مضض وقد استقر في رأسها شعور مزعج واحد..هذه الليلة لن تمر بهدوء كما كانت تتمنى..
.. .. ..
بعد ساعة كاملة من انتهاء المزاد الخيري، وبعد أن خفتت الضوضاء داخل القاعة وتحولت الأحاديث الصاخبة إلى همسات متفرقة حول موائد العشاء، وجدت إيكاترينا أخيراً مكاناً تختبئ فيه من العالم..
1
كانت تجلس على كرسي حديدي أبيض في الحديقة الخلفية للمنتجع، في جزء يكاد يكون منسياً.. الأشجار العالية المتشابكة حجبت أغلب الضوء، ومرأب السيارات الضخم أخفى هذه الزاوية عن أعين الضيوف، حتى بدا المكان وكأنه عالم منفصل عن الحفل بأكمله..
الهدوء هنا كان نعمة لا موسيقى...لا مجاملات مرهقة و لا وجوه أرستقراطية تبتسم أكثر مما تشعر..
ولا... فيليب...
1
أغمضت عينيها لثانية وأطلقت زفرة طويلة بينما تراقب صوفيا الجالسة فوق العشب الأخضر..كانت الصغيرة تضحك بسعادة خالصة وهي تلعب مع ثلاثة جراء صغيرة تعود لابنة آل روسو الوسطى...
كرات من الفرو الأبيض والبني تتدحرج حولها، بينما كانت هي تركض خلفها ضاحكة، تتعثر أحياناً ثم تنهض وكأن الأرض نفسها تشاركها اللعب..
حين رأت تعلق صوفيا الشديد بالجراء أثناء المزاد، طلبت إيكاترينا أن تسمح لها صاحبتها بالاعتناء بهم لبعض الوقت..في الحقيقة لم يكن الأمر من أجل الجراء بل من أجل ابنتها..
ومن أجل نفسها أيضاً.. كانت تحتاج أي شيء يشتت انتباه صوفيا...ويشتت انتباهها هي عن الرجل الذي كان داخل القاعة..
مجرد رؤيته الليلة كاد يسحب الهواء من رئتيها لم تتوقع وجوده..لم تعتد رؤيته في مثل هذه المناسبات الاجتماعية، وسط الأطباء ورجال الأعمال والعائلات الثرية.. و طبقة القانون..
وحين لمحته للمرة الأولى شعرت بدوار حقيقي.. لذلك اختبأت..
جلست في أكثر زوايا القاعة ظلمة طوال المزاد، متظاهرة بالانشغال مع صوفيا، متجنبة النظر نحوه..
ومع ذلك...كانت تشعر بنظراته بين الحين والآخر ثقيلة و صامتة تجعل معدتها تنقبض دون أن تجرؤ على رفع رأسها..
لكن ما أراحها أنه لم يقترب.. لم يحاول الحديث معها أو يواجهها.. تجاهلها تماماً.. ورغم أن جزءاً منها تألم لذلك...
إلا أن الجزء الأكبر شعر بالارتياح..كانت تريد فقط أن ينتهي العشاء و أن تعيد الجراء إلى أصحابها.. ثم تهرب.د
تأخذ صوفيا وتغادر قبل أن يحدث أي شيء..قبل أن تنهار أعصابها..
"ماما!.."
التفتت نحو صوت ابنتها.. كانت صوفيا تحتضن جرواً صغيراً بين ذراعيها، وعيناها تلمعان بحماس طفولي..
"إنه صغير جداً ولطيف! أريد واحداً مثله أيضاً..."
ابتسمت إيكاترينا رغماً عنها...بابتسامة حقيقية هذه المرة..
"حين يستقر وضعنا سأشتري لك واحداً يا حبيبتي.."
1
اتسعت عينا الصغيرة فوراً..
"حقاً؟!.."
"حقاً..."
قفزت صوفيا من مكانها بسعادة..
"مرحى! جدتي لن توافق أبداً على وجود كلب في المنزل.."
ضحكت إيكاترينا بخفة..
"أعرف ذلك.."
ثم أضافت وهي تنظر إليها بحنان:
"لكن عندما ننتقل للعيش بمفردنا... سيكون الأمر مختلفاً.."
حتى لو لم تكن تعرف كيف ستجد وقتاً للعناية بكلب إلى جانب عملها وصوفيا ومشاكل حياتها التي لا تنتهي لكن رؤية تلك السعادة على وجه ابنتها جعلت الأمر يستحق..
فجأة انتفض أحد الجراء.. رفع أذنيه ثم انطلق راكضاً نحو زاوية الحديقة.. تبعه الثاني مباشرة ثم الثالث..
"هييييه! توقّفوا!.."
صرخت صوفيا وهي تنطلق خلفهم فوراً..
"صوفيا!.."
وقفت إيكاترينا بسرعة..
"مهلاً! لا تركضي!.."
لكن الصغيرة كانت قد اختفت خلف الأشجار.. لعنت بصمت ثم بدأت تركض خلفها بأقصى ما تسمح به حذاؤها ذو الكعب العالي وفستانها الطويل..
كانت خطواتها حذرة ومتعثرة فوق الممر الحجري، وقلبها ينبض بعصبية..
"صوفيا!.."
استدارت حول الزاوية أخيراً..
ثم...
توقفت..
توقف كل شيء..
أنفاسها..
أفكارها..
حتى الزمن نفسه..
هناك...
بجوار المرأب..بين صف السيارات السوداء المصطفة كان يقف هو.. فيليب..
وصوفيا بين ذراعيه.. لم تكن خائفة و لا متوترة. .بل على العكس تماماً كانت تضحك..ذراعاها الصغيرتان ملتفتان حول عنقه بينما تتشبث به كأنها تعرفه منذ سنوات.. وكأنها تنتمي إلى هناك..
إليه..
أما الجراء الثلاثة فكانوا بين أيدي حراسه الواقفين بعيداً بما يكفي لمنحهما الخصوصية..
شعرت إيكاترينا بشيء بارد يجتاح جسدها شيء أقسى من الخوف وأعمق من الذنب..مشهد واحد فقط...لكنه مزقها من الداخل...
فيليب يحمل ابنته ابنته التي لم يكن يعرف بوجودها..الطفلة التي أخفتها عنه سنواتد..الطفلة التي كانت السبب في كل ما بينهما..
3
أصبحت الرؤية ضبابية فجأة.. تراقصت الصور أمام عينيها..
الضوء..
الأشجار..
السيارات..
كل شيء بدأ يدور..
يا إلهي...
لا..ليس الآن حاولت أن تأخذ نفساً لكن الهواء لم يصل..حاولت التمسك بشيء..لكن ساقيها خانتاها..
وفي اللحظة التي بدأت فيها الأرض تميل تحت قدميها...
التقت عيناها بعينيه للحظة .. ورأى فوراً أن شيئاً ليس بخير..
اختفت كل ملامح البرود من وجهه وفي الثانية التالية كان يتحرك نحوها بسرعة..
2
"إيكاترينا.."
وصل إليها قبل أن تسقط أمسك كتفيها بقوة و أسندها إليه..من بعيد...كان المشهد يبدو مثالياً بشكل مؤلم.. رجل يحمل طفلته ويحتضن زوجته..عائلة سعيدة تحت أضواء الحديقة لكن الحقيقة كانت مختلفة تماماً..
1
إيكاترينا بالكاد كانت واعية ورأسها يدور بعنف وجسدها يرتجف من الرعب والصدمة..شعرت بيديه تثبتانها بقوة بينما بدأ الظلام يزحف إلى أطراف رؤيتها..
"ماما؟.."
صوت صوفيا بدا خائفاً..قريباً جداً شعرت بكفين صغيرتين تمسكان وجنتيها..
"ماما! هل أنت بخير؟.."
أرادت أن تجيب أن تطمئنها لكن الكلمات لم تخرج..
"إيكاترينا.."
هذه المرة كان صوته أقرب.. أخفض و أشد صلابة.. شعرت به يجذبها أكثر إلى صدره، وكأنه يحجب وجهها عن صوفيا حتى لا ترى حالتها..
"هي بخير يا حبيبتي.."
وصلها صوته من مكان بعيد بعيد جداً وكأنها تغرق تحت الماء ثم شعرت بانحنائه نحوها..
وقرب أنفاسه من أذنها وكلمة واحدة فقط...همس بها..أم أنها تخيلتها؟.
"حبيبتي..."
1
ارتجف شيء داخلها لكن عقلها لم يعد قادراً على التمييز بين الحقيقة والوهم كل شيء أصبح ضبابياً.. شعرت به يسلم صوفيا لشخص آخر.ثم فجأة...
اختفى ثقل جسدها لأنها لم تعد تلامس الأرض رفعها بين ذراعيه بسهولة أربكتها حتى وهي على حافة الوعي..
1
كانت تشعر بحركة خطواته السريعة بصوته الخشن وهو يعطي أوامر لا تفهمها..بأبواب تُفتح وأخرى تُغلق...
ثم ببرودة الهواء الليلي ثم داخل سيارة..
ثم...بصدر صلب تستند إليه وإلى جوارها صوت صوفيا المرتجف، باكٍ و خائف.. تتحسس وجنتي أمها الصامتة بيديها الصغيرتين.. بينما كانت هي تغرق شيئاً فشيئاً في ظلام عميق...
وآخر ما وصل إلى سمعها قبل أن يبتلعها اللاوعي تماماً...كان ذلك الصوت الخشن نفسه هادئاً على غير عادته..هادئاً بشكل أخافها أكثر من غضبه..
وهو يقول:
"لن يحدث لها شيء.."
1
.. .. ..
في الجانب الآخر من الحفل الخيري، بعيدًا عن الأضواء اللامعة والضحكات المصطنعة وأكواب الشمبانيا التي تتصادم برقة فوق موائد الأثرياء، كان هناك عالم مختلف تمامًا..
عالم لا تُقاس فيه القوة بحجم الثروة المعلنة، بل بعدد الرجال الذين تستطيع دفنهم دون أن يُعثر على جثثهم..
في الطابق الأخير من المبنى، خلف عدة نقاط تفتيش وحراسة مشددة، كان يقع مكتب آل روسو.. مكتب بدا وكأنه صُمم ليصرخ في وجه كل من يدخله:
المال.. النفوذ.. الغرور..
جدران مكسوة بخشب الماهوجني الداكن اللامع، لوحات زيتية أصلية بمبالغ تكفي لإطعام قرية كاملة، تماثيل رخامية مستوردة من أوروبا، وثريات كريستالية تنعكس فوق كل سطح مصقول..
كان المكان فخمًا إلى درجة مبتذلة، فخمًا أكثر مما ينبغي...أما الرجل الجالس خلف المكتب فلم يكن يبالي بأي شيء من ذلك.. جلس أورلوف مستندًا إلى كرسيه الجلدي الضخم، بينما كانت سيجارة تبغ سميكة تستقر بين أصابعه..
مع كل شهيق كان الجمر الأحمر يشتعل في طرفها..ومع كل زفير كان الدخان يتصاعد بكثافة حتى يغطي نصف وجهه.ظ
لكن حتى خلف ذلك الضباب الرمادي، كانت ملامحه واضحة بما يكفي، اختفى الرجل الهادئ الذي كان قبل دقائق فقط يقف بجوار زوجته في الطابق السفلي.. اختفى القلق و اللطف النادر الذي كان يظهر حول عينيه حين ينظر إليها..
1
واختفى ذلك الهدوء الذي لا يراه سوى المقربون منه الآن لم يبقَ سوى أورلوف الآخر..الرجل الذي تخشاه العشائر و العساكر..الرجل الذي تتغير نبرات الأصوات عندما يُذكر اسمه..
ملامحه أصبحت باردة بصورة مخيفة..صامتة و حادة وكان الخطر يتسرب منه كما يتسرب الدخان من سيجارته..
طرقات خافتة صدحت على الباب..
رفع عينيه فقط..دخل الابن الأصغر لآل روسو.. شاب في أوائل الثلاثينات، كانت مهمته الليلة تنفيذ تعليمات أورلوف وتأمين هذا الطابق بالكامل..
وقف باحترام وقال:
"إنه هنا.."
لم يتغير شيء في وجه أورلوف..فقط قال:
"دعه يدخل.."
بصوت منخفض و هادئ..فتح الباب على مصراعيه ثم دخل الرجل... للحظة بدا وكأن الغرفة أصبحت أضيق..أثقل و أبرد..
أغلق الباب خلفه ببطء وبدأ يتقدم عبر المكتب بخطوات ثقيلة ومدروسة..لم يتحدث أو يلقِ التحية أو يبتسم...
وصل إلى الأريكة المنفردة المقابلة للمكتب أمسكها ثم جرّها ببطء متعمد فوق الأرضية الخشبية بصوت الاحتكاك الحاد مزق صمت الغرفة.. صوت مزعج مستفز وكأنه يفعل ذلك عمدًا..
وكأنه يريد أن يقول:
أنا هنا... وسأجلس حيث أريد.. لم تنفصل عيناه عن أورلوف طوال الوقت.. عينان لامعتان في الإضاءة الخافتة..
1
عينان لرجل اعتاد النظر إلى الموت حتى توقف عن إخافته وضع المقعد أخيرًا أمام المكتب مباشرة... ثم ألقى نظرة على المسدس المستقر فوق سطح الطاولة..
مد يده إلى خصره وأخرج سلاحه الخاص ثم وضعه بجوار سلاح أورلوف..
بهدوء تام دون كلمة واحدة..
مجرد رسالة صامتة..رسالة فهمها الاثنان جيدًا..
ثم جلس.. عندها فقط ظهرت ملامحه بوضوح، وجه رجولي قاسٍ بفك قوي..أنف مستقيم ولحية خفيفة تزيد ملامحه خشونة..
لكن أكثر ما كان يلفت الانتباه هو الندبة التي شقت حاجبه الأيمن وامتدت حتى جفنه.. ندبة جعلته يبدو كالرجل الذي تنصحك غريزتك بالابتعاد عنه فور رؤيته..
كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة بلا ربطة عنق.. وشعره الداكن بدا رطبًا قليلًا، تنحدر بعض خصلاته فوق جبينه بلا اكتراث..
أخرج أورلوف علبة السجائر أشعل واحدة جديدة ثم دفع العلبة نحوه..التقطها الرجل بإيماءة امتنان صامتة..
أخرج سيجارة و أشعلها وساد الصمت.. صمت ثقيل الذي يسبق حديث الرجال الخطرين..
وأخيرًا قال أورلوف:
"مر وقت طويل.."
أطلق الآخر دخان سيجارته ببطء..ثم أجاب:
"أطول مما ينبغي.."
ارتسمت ابتسامة خافتة على زاوية فم أورلوف.. ابتسامة لم تحمل دفئًا.. فقط ذكرى..
فقال الرجل الآخر:
"بماذا أدين لك بهذه الدعوة يا كوزوسوف؟"
ظهرت أسنان أورلوف للحظة..
"الكثير.."
للمرة الأولى منذ دخوله، ابتسم الرجل الآخر أيضًا ابتسامة قصيرة وغامضة.. وفي تلك اللحظة، عاد الاثنان بذاكرتهما إلى لقائهما الأول..
قبل سنة وشهر..حين اقتحم هذا الرجل قاعدة عسكرية يُفترض أنها من أكثر المواقع تحصينًا في البلاد.. وتسلل حتى مكتب أورلوف نفسه..
2
يومها لم يبدأ الحوار بالكلمات بل بالرصاص..رصاصة استقرت في ذراع أورلوف.. وأخرى في خاصرة الضيف غير المرغوب فيه.. حينها..
1
قبل أن يجلسا أخيرًا ويتحدثا كرجال متحضرين..ويكتشف أورلوف هوية الرجل..
فيكتور إدواردز..
1
الوريث آنذاك..
والباخان اليوم..
زعيم إمبراطورية البارتفا..
2
الرجل الذي جاء يومها طالبًا المستحيل، حماية والدته و حماية أخته..وتزييف موته بالكامل.. وقد فعل أورلوف ذلك..سنة كاملة بقيت خلالها عائلة إدواردز تحت حمايته..
5
سنة استعاد خلالها فيكتور عرشه قطعة بعد أخرى.. حتى قتل الخائن الذي كان من عائلته واستعاد اسم عائلته الحقيقة..
ثم جاء الخلاف..
حين عاد ليجد أخته حاملًا من حارسها الشخصي وهو أمر اعتبره تقصيرًا من أورلوف.درغم أن الأخير أخبره بوضوح أن لا أحد يستطيع الوقوف في وجه عاشقين مصممين على الوصول لبعضهما..
2
ثم انتهى الخلاف..لكن الحذر بقي ولهذا كان المسدسان فوق الطاولة الآن..
قال فيكتور أخيرًا:
"لابد أنك سمعت ما يحدث داخل عشيرة شيروني.."
نفث أورلوف دخان سيجارته..
"سمعت الكثير.."
"إذًا سأختصر عليك.."
اعتدل فيكتور في جلسته أسند ذراعيه على المسندين..ثم قال:
"لدي خبر جيد... وخبر سيئ.."
"ابدأ بما سيفسد مزاجي.."
ضحك فيكتور ضحكة قصيرة قائلا:
"اختيار جيد.."
أخذ نفسًا من سيجارته.. ثم تابع:
"بعد المجزرة التي تركتها خلفك قبل سنوات ومقتل كابو شيروني... تولى والده العجوز القيادة.."
أومأ أورلوف بصمت..
"مات الشهر الماضي.."
ارتفعت إحدى حاجبي أورلوف..
"هذا هو الخبر الجيد؟.."
"نعم.."
صمت فيكتور لحظة ثم أكمل:
"أما الخبر السيئ..."
انخفض صوته..
"فهو أن العجوز ترك وصية.."
اختفت الابتسامة من وجه أورلوف..
"أي وصية؟.."
نظر فيكتور مباشرة إلى عينيه..
وقال:
"ترك رأسك كجائزة.."
ساد الصمت..صمت مميت..ثم أكمل فيكتور:
"أخبر أبناءه وأحفاده أن من يجلب رأس أورلوف سيحصل على زعامة العشيرة..."
7
لم يتحرك أورلوف لكن عينيه أصبحتا أغمق و أكثر خطورة..
"خمسة مرشحين.."
قال فيكتور..
"خمسة رجال يتنافسون الآن على قتلك.."
6
بقيت النظرات معلقة بينهما ثم سحق أورلوف سيجارته في المنفضة بقوة جعلت الرماد يتناثر.. وزفر ببطء..
"اللعنة..."
ثم أضاف بمرارة ساخرة:
"ويبدو أن خططي لاستعادة زواجي ستصبح أكثر تعقيدًا.."
8
لأول مرة اختفت السخرية من وجه فيكتور وأجاب بجدية كاملة:
"إن كنت ستأخذ نصيحتي..."
1
رفع كأس النبيذ الذي سكب له أورلوف قبل دقائق..
"فابتعد عن كل شخص يهمك أمره.."
4
انقبض فك أورلوف..بينما أكمل فيكتور وهو ينظر إلى السائل الأحمر داخل الكأس:
"في مثل هذه الحروب... لا يقتلون الرجل أولًا..."
رفع عينيه وتقابلت نظراتهما..
"بل يقتلون مم يحبه.."
2
نهض أورلوف أخيرًا من خلف مكتبه أمسك كأسه وتكئ على الحافة الخشبية للمكتب..وبصوت منخفض جعل الغرفة كلها تبدو أكثر ظلمة قال:
"إذًا..."
رفع كأسه قليلًا..
"حان وقت تنفيذ الاتفاق بيننا.."
الإتفاق الذي عقدوه بعد أن قبل أورلوف مد يده هو تبادل المساعدة بينهما طالما هم على قيد الحياة، لم يجب فيكتور مباشرة لكن النظرة التي تبادلاها كانت كافية..
لأن الرجال مثلهما لا يحتاجون دائمًا إلى الكلمات، أحيانًا...تكفي حرب كاملة مختبئة خلف نظرة واحدة..
.. .. ..
بعد ساعة كاملة من الحديث مع أورلوف، خرج فيكتور أخيراً من المكتب... كان رأسه مثقلاً بما سمعه، وبما ينتظره في الأيام القادمة، لكن ملامحه بقيت جامدة كما اعتادت دائماً؛ ذلك الجمود الذي تعلمه عبر سنوات طويلة حتى صار جزءاً من وجهه..
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اتجه نحو المصعد الذي أوصله من الطابق الأخير إلى الطوابق السفلية حيث يزدحم المبنى بالسياسيين والصحفيين وأصحاب النفوذ.. ما إن خرج حتى تبدل المشهد بالكامل..
اختفت العزلة الثقيلة التي تحيط بمكاتب القيادة، وحل محلها ضجيج خافت من الأحاديث المتقاطعة، وقع الأحذية على الأرض الرخامية اللامعة، وهمسات الموظفين المتنقلين بين الممرات..
مد يده داخل جيب سترته وأخرج قبعة سوداء بسيطة، ثم وضعها فوق رأسه بحيث أخفت جزءاً من ملامحه.. لم يكن يرغب في أن يلفت الانتباه..كل ما أراده هو الوصول إلى الباب السري الذي دخل منه والمغادرة دون أن يراه أحد...
1
تحرك بمحاذاة الجدران، عابراً بين الأعمدة الرخامية والتماثيل الضخمة التي تزين الممرات الواسعة..كانت خطواته هادئة ومدروسة، حتى اقترب من المنعطف المؤدي إلى المخرج المخفي..
عندها فقط...سمع صوتاً..
صوتاً ينادي بإسم مألوفاً إلى درجة جعلت الدم يتجمد في عروقه..
"أولغا، انتظري... سأرافقك أنا إلى الحمام.."
8
توقف، ليس مجرد توقف عابر، بل توقف كامل كأن الزمن انتزع منه القدرة على الحركة..انقبضت أصابعه دون وعي وللحظة قصيرة نسي كيف يتنفس..
التفت ببطء نحو مصدر الصوت، ثم تراجع خطوة إلى الخلف واختبأ خلف أحد التماثيل الضخمة والستائر المخملية الثقيلة التي تتدلى من السقف المرتفع..
ومن هناك...
رآها..
كانت تقف على بعد أمتار قليلة فقط..قريبة بما يكفي ليراها بوضوح...و بعيدة بما يكفي ليشعر أنها تنتمي إلى عالم آخر..
ارتدت فستاناً زمردياً ينساب حول جسدها برقة، يلتقط الضوء المنعكس من الثريات الكريستالية فيمنحه لمعاناً خافتاً أشبه بضوء الغابات بعد المطر.. كانت خصلات شعرها تتحرك مع كل التفاتة بسيطة من رأسها، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة وهي تنصت إلى المرأة التي تحدثها..
بدت...كأميرة خرجت من إحدى القصص القديمة.. أو ربما كحلم ظل يطارده طويلاً حتى حفرت ملامحه في دماغه..
2
شعر فيكتور بألم حاد يجتاح صدره، ألماً مألوفاً..ذلك النوع من الألم الذي لا يقتل صاحبه، بل يتركه حياً بما يكفي ليشعر به كل يوم.. شهر تلو الآخر.. سنة بعد أخرى..
ظل يحدق بها بصمت...اكتفى بالمشاهدة.. وكأن مجرد النظر إليها و هي تتحرك أمامه أصبح امتيازاً لا يملكه دائماً..
مرت سنة منذ أن اختفى من حياتها.. سنة منذ أن أجبر نفسه على تزييف موته، سنة وهو يشاهد العالم يصدق أنه رحل..
أما هو...فكان يعيش نسخة أكثر قسوة من الموت.. لأن الموت الحقيقي يحدث مرة واحدة، أما الابتعاد عنها فكان يحدث كل يوم..
4
في كل صباح يستيقظ فيه دون أن يسمع صوتها وفي كل مساء يعود فيه إلى مكان بارد وخالٍ منها.. وفي كل مرة يضطر فيها إلى تذكير نفسه أن الاقتراب منها الآن قد يدمر كل شيء..
1
تحركت أولغا قليلاً، فضحكت على شيء قيل لها وما إن سمع ضحكتها حتى أغمض عينيه للحظة كأن قلبه لم يحتمل الصوت يا إلهي...كم اشتاق إليها..
اشتاق إليها بطريقة جعلت السنوات التي قضاها في الحروب والمعارك تبدو سهلة بالمقارنة..اشتاق إلى حديثها...إلى عنادها.. إلى الطريقة التي كانت تنظر بها إليه وكأن العالم كله لا يهم ما دام أمامها..
اشتاق حتى إلى خلافاتهما الصغيرة..اشتاق إلى كل شيء..
فتح عينيه مجدداً وظل يراقبها بصمت يحفظ ملامحها من جديد..كأنه يخشى أن يختفي هذا المشهد في أي لحظة..
وكأنه يعد الأيام التي تفصله عن اللحظة التي سيتمكن فيها أخيراً من الوقوف أمامها دون أكاذيب... ودون أقنعة... ودون خوف.. اليوم الذي سيستعيدها فيه...
اليوم الذي لن يضطر فيه للاختباء خلف الظلال كي يراها.أما الآن...
فلم يكن يملك سوى الوقوف في صمته القاسي، خلف تمثال بارد وستائر ثقيلة، يراقب المرأة التي أحبها أكثر مما أحب حياته نفسها، بينما قلبه ينزف بصمت لا يسمعه أحد..
العشرين من هنا