رواية دروب قرية جابر الفصل السابع عشر 17 بقلم الماس ال حمد
قفل الرسالة وطلع من تحت السرير صندوق حديد قديم، فتحه ولقى داخله مجموعة رسائل قديمة، حط الرسالة الجديدة بينهن وقفل الصندوق، وسند رأسه على الجدار ويده تلعب في شعره بضيق وهم.
وفجأة وهو جالس، دخل يده في جيبه يحس بشيء غريب، طلعه والا هي سوارة لمحت عينه بريقها، وتذكر ذيك اللحظة يوم رتيل هربت من الغبار في العزبة وطاحت منها، أخذ السوارة وحطها داخل الصندوق مع الرسائل وقفل عليها.
وفي هالأثناء، انفتح باب الغرفة ودخلت أم كايد، طالعت في ولدها وقالت بحنان: "يا ولدي قم تعال تعشى معي، أبوك مسافر مثل ما أنت عارف، وأنا ما أحب آكل لحالي والدنيا فضا علي."
وقف كايد على حيله وابتسم يبي يطيّب خاطرها، قرب منها وباس رأسها وقال: "أبشري بسعدك يا يمه، ما عاش من يخليك تاكلين لحالك."
في مستشفى بغرفة نوير..
كانت نوير تطالع في السقف وتتذكر كلام الدكتور إنها ما راح تقدر تجيب عيال، وكان أحلامها تبخرت كلها وبدت تدمع. فجأة اندق الباب وكانت الممرضة قالت: "الدكتور بيدخل."
أخذت طرحتها تغطي وقالت: "خليه يدخل."
دخل الدكتور ووقف قال: "أنا الدكتور الجديد لقسم النساء والولادة، وبكون مشرف على حالتك."
نوير هزت رأسها، وفجأة قال: "سبحان الله، الدنيا قصيرة يا نوير."
نوير قالت: "في شيء يا دكتور؟"
الدكتور صقر قال: "أنا صقر ولد مزنة."
نوير بصدمة قالت: "أنت صقر اللي كنت ألعب معه زمان؟ ولد خالتي مزنة؟"
صقر ابتسم: "إي، شوفي الصدف."
نوير ابتسمت قالت: "كيف خالتي مزنة؟ ومتى رجعتوا؟"
صقر: "بخير إن شاء الله تزوركم قريب، تونا وصلنا القرية، طلعت من القرية صغير ورجعت دكتور."
نوير تذكرت الأيام اللي بينهم وقالت: "ما شاء الله."
انفتح الباب والممرضة قالت: "دكتور صقر، قسم العمليات يحتاجك."
صقر أخذ الأوراق وقال: "عن إذنك."
طلع وتارك نوير تتذكر الأيام اللي بينهم، وتذكرت إنها متزوجة ومحت كل شيء.
قبل خمس سنوات - تحديدًا أمام بيت أهل عيسى
صقر معه رسالة قال: "نوير، اقري الرسالة وأوعدك أرجع."
نوير بدموع قالت: "صقر، ليش تروح وتتركني؟ أنت وعدتني ما يفرقنا غير الموت!"
صقر بضيق قال: "الدنيا تبي كذا، تعرفين حالتي أنا وأهلي."
نوير أخذت الرسالة قالت: "أوعدني ترجع."
صقر ابتسم قال: "أوعدك."
سمع أمه تناديه، ودعها ومشى وهو يقول بينه وبين نفسه: (الوعد أرجع وأتزوجك يا نوير).
في بيت غازي..
دخل وشاف رتيل مع غادة، فزت رتيل وأخذت أغراضها وقالت: "يلا.. أنا بروح."
غازي أشر لها بيده تقعد وقال: "غادة.. تراي أحتاجك، ولا تزعلين إذاني رفعت صوتي عليك هداك الوقت."
رتيل مسحت دموعها بطرف كمها وقالت: "عادي.. ما حصل إلا الخير."
فتح يدينه لها وقال: "تعالي يلا.. لا تطالعيني كذا."
تقربت منه وحضنته، وباس رأسها وبدأ يمسح عليه بحنان وهو يقول: "أحدٍ بالدنيا يقدر على زعلك؟"
رتيل قالت بصوت هادي وعتب: "طيب ليش تصرخ علي؟"
غازي قال: "لأني سألتك ورفضتي تجاوبيني وتريحيني."
رتيل بفهواة واستغراب: "أنا؟"
غازي ضرب جبهته بخفة وضحك: "لا.. أنا!"
غادة ركضت له وتمسكت بثوبه وقالت: "بابا.. وين خالتي نوير؟"
غازي شالها ورفعها لحضنه وقال: "الحين عمتك رتيل بتقعد معاك، وخالتك نوير بكرة إن شاء الله نروح لها ونزورها."
غادة ببكاء وضيق: "خالتي فيها شيء؟"
رتيل خذتها من حضن أبوها وقالت: "ما فيها إلا العافية، مير لازم تنامين الحين لجل بكرة وراك مدرسة."
غادة ضمت يدينها لبعض وصدت بزعل وقالت: "ماراح أداوم.. خالتي نوير مو معي!"
غازي وهو يفر مسبحته بيده ولاهو يم العلم قال بركادة: "غيبي.. ما جرى إلا العافية."
رتيل لفت عليه وأعطته نظرة قوية وقالت بعتب: "لا تشجعها على الغياب وتخربها!"
غادة أول ما سمعت كلام أبوها ركضت وضحكت وقالت: "بابا واقف معي!"
غازي بضحكة وسيعة قال: "أقول.. سوي لي شاهي من تحت يديك الحلوة هذي."
وفجأة رن التليفون، ركضت رتيل بنعومة وأخذت السماعة وقالت: "ألو.. هلا بابا."
أبو غازي: "امسيتوا بالخير، أمك تقول تعالوا ناموا عندنا الليلة."
رتيل لوت بوزها بدلع وقالت: "إيوه.. قول إن البيت بدوني مو حلو، صح بابا؟"
أبو غازي ضحك وقال: "والله الصدق إن البيت بدونك ولا شيء، يلا تعالوا وخلصونا."
قفلت الخط ولفت على غازي وهي تبتسم بدلع: "أبوي يقول تعالوا."
وعلى طول سحبت عبايتها وحطتها على رأسها بطرف أصابعها، ولمت أغراض غادة وطلعوا كلهم.
في بيت طلال (أبو غازي)
أول ما دخلوا، ركضت غادة ولفت يدينها حول جدها وحضنته وقالت: "اشتقت لك جدو!"
أبو غازي شالها وباسها وقال يمازحها: "أثرك ما نسيتي جدك عقب ما شغلتك نوير؟"
وبدأ يدغدغها وهي تقرص وتضحك بأعلى صوتها وتترجاه يوقف.
في هالوقت دخلت أم غازي وهي شايلة صينية الشاهي، وطالعت في غازي وقالت بابتسامة: "يا حي الله ولدي المتزوج، أسفرت وأنورت الديرة."
غازي قرب منها وباس رأسها وقال وهو يغمز لرتيل: "يا حليلكم، يوم إني توني طالب من رتيل تسوي لي شاهي، جيت ولقيت شاهيك جاهز."
أم غازي ضحكت وقالت: "أجل وش تحسب؟ الأم تحس بولدها وتعرف وش يبي قبل لا ينطق."
رتيل راحت صوب أبوها وحضنته من ورا وهي تدلع وتقول: "بابا شوفهم.. خلاص حفيدتك أخذت مكاني ونسيتوني!"
اشتغلت أغنية فنان العرب محمد عبده في المسجل، تمايلت معها النغمات، وعلى طول فزت رتيل بخصرها وبدت ترقص وتثنى بنعومة ودلع، وعيونها تلمع وهي تشوف تشجيع أخوها غازي وأبوها اللي يصفقون لها ويبتسمون.
غادة ما تحملت الشوف، وفزت تبي تقلد عمتها وبدت ترقص وتلف شعرها يمين ويسار بكل حماس وقبلها، ضحك أبو غازي من قلب وشال غادة وبدأ يرقص بها ويدور في وسط الصالة، وغادة ميتة ضحك وصوت ضحكتها تارس البيت فرح وسرور.
مع بدايه يوم جديد ونور الفجر..
قام الجد جابر، شق سكون الصبح بشغلة الشاص، ودعس له متوجهٍ وراء القرية يبي يشوف وش تالي العلم. أول ما وصل، لمح شعلان واقفٍ يحتريه، ضرب فرامل ووقف الموتر، ونزل بخطواتٍ ثقيلة ووثوق، وقال: "والله وطلعت رجل وجيت في ميعادك."
شعلان وقف وصرّ سنونه وقال بنبرة تحدي: "أنا جاي في كلمتين وعلمٍ جيتك به.. أبي أفنان، ولا والله لتشوفون شيٍ عمركم ما شفتوه في ذي الديرة!"
الجد جابر وقف بركادة وبدأ يفر مسبحته بيده، وقال بعينٍ حمراء وصوتٍ جهوري: "اللي يدخل قريتي يصير من حمايتي وتحت ذريتي.. تفهم وإلا ما تفهم؟"
وفجأة.. التفتوا إلا الجدة شريفة واصلةٍ وراهم، وقفت وقالت بنبرةٍ تهز القاع: "إن كانك رجل وولد أبوك.. قرب من أفنان حفيدتي، ووالله لتشوفني أمامك سدٍ منيع، تفهم يا نذل؟"
شعلان طالع فيها باستهزاء وقال: "عجائز.. ما بينكم وبين القبر إلا خطوة رجل، وجايين تهددون؟"
الجدة شريفة ردت عليه بقوة وعزم: "ما رحت أموت لين أخذ روحك بيدي هذي.. تفهم؟"
الجد جابر ما كثر هرج، مد يده داخل الشاص وسحب سلاحه ووجهه يم شعلان وقال بصوتٍ صارم: "يلا.. تحرك من هنا واقلع ورعك، ولا أعلمك الحين العجائز والشايب وش يسون فيك!"
شعلان تراجع ورا وهو يطالع في السلاح، وقال بنبرة تهديد ووعيد: "هين.. الأيام بيننا."
ركب موتره وتحرك مسرعٍ، مبتعد عن ديار القرية.