📁 آخر الروايات

رواية هوية منسية الفصل السابع عشر 17 بقلم بسملة محمد

رواية هوية منسية الفصل السابع عشر 17 بقلم بسملة محمد


|هويَّة منسيَّة|
"الحلقة السابعة عشر_سيؤذي الأخ أخته!"

"_______"
تنهد بحزنٍ مع كلماته"ادعي ليها، الهانم في أشد الحاجة للدعاء، دي كانت روحها فيه، بس منه لله بقا سرقها في 30مليون بيقولوا".
2

فتح فمه بصدمة، وتحدث باستنكار لم يخفيه"يابويا! دول يسدوا ديون مصر كلها! هي الأبلة دي غنية أوي كدا!"

_طبعًا يابني هي من أي عيلة! دي من عيلة بدر بيه الشرقاوي.
قالها السائق وهو يحرك يديه بطريقة مبالغ فيها، والثاني رمش بأهدابه يحاول يستوعب الاسم، وقع الاسم على مسامعه كالرصاصة القاتلة! شعر بالدوار يجتاحه، واضطرب تنفسه، وردد خلفه باندهاش"بدر الشرقاوي؟ هي دي بنته؟"

أي ابنة يتحدث عنها! روحه انسحبت، ويديه بدأت ترتجف بشكلٍ ملحوظ، كانت أمس معه شقيقته وهي منهارة وهو لم يستطع أن يضمها إلى قلبه! كم صدمة ستأتيه من بدر هذا! الفتاة المسكينة تلك ابنة أقسى قلبان على وجه الأرض! كيف؟؟؟
1

_أيوة بنته الصغيرة، هانم غلبانة أوي يابني، طيبة الدنيا فيها، منه لله يونس دا دخلها من نقط ضعفها وسرقها، بس البيه هيجيبه ومش هيرحمه.

شقيقته! كانت معه في سيارته شقيقته ولم يتعرف عليها! يا الله! يريد البكاء الآن، وهو بالفعل صعد سيارته ولم ينطلق بها ودموعه بدأت تهبط بصمتٍ، تلك شقيقته! تلك الرقيقة منكسرة الجناح؟ الجميلة الهشة؟ لهذا شعر تجاهها بأغرب شعور يمكن أن يشعر به أمام فتاة جميلة! أن يتفرس ملامحها باشتياق! وكإنه يعلم إنها هي شقيقته! لكن لماذا تلك بريئة؟ كيف بريئة في منزل وحوش؟ بريئة انتهك قلبها وروحها، كان يريد أن يضمها ويخبرها إنه معها ولن يتركها، ولكن مهما يكون سما بدر الشرقاوي سيدة من سيدات المجتمع المخملي، سيدات النفوذ، وهو العبد الفقير، أوصلها إلى منزل يونس هذا ليأخذ منها بضع جنيهات! يا الله كم هو يحتاج إلى القروش! حتى هي سُرقت في مال هي معها ضعفه!
1

ما ألم قلبه بعيدًا عن رابطة الدم إن تلك الصغيرة معها ثلاثين مليون جنيه! وهو دخل جمعيات عديدة وهو في مرحلته الثانوية وللآن يضع القرش على القرش، والجمعية على الجمعية ليكوَّن منهم بعد إثنى عشر سنة شقى وتعب مليون جنيه!  اللعنة وفي هذا الزمن لا يفعلون أي شيء! ضيَّع نصفهم في منزل بحارة شعبية جار عليها الزمن! منزل لم يُوضَّب حتى! وبدون عفش! ضاعت تحويشة العمر، وهو الآن يجزم إن تلك الصغيرة ستمتلك أضعافهم مضاعفة، أبوها يستطيع في صفقة واحدة أن يمتلك ضعفهم، تبَّا للتفرقة بين الأبناء، ليته كان ابن قاسية القلب حتى يطول من الحب والأموال التي تغرق بها أولادها!

عائلته جميعها ظهرت في الصورة، وهو لا يشعر بالارتياح، رجوع عائلة الشياطين تلك على حياته سيسبب له مشاكل بعدد شعر رأسه قريبًا، وزينب إذا علمت كذبه عليها ستنهي كل شيء قبل أن يبدأ!



أمسك هاتفه وهو ينوي أن يسرَّع في زواجهم، وتحدث مع والدتها بهدوءٍ ونبرة متزنة"إزيك يا خالتي؟ يارب تبقي بخير، إيه رأيك ننزل نجيب الشبكة بكرة؟ معلش أصلي فاضي بكرة بس وكدا، دا بعد رأيك إنتِ والهندسة طبعًا".
2

"______"

سمعت دق على باب غرفتها، لم تتحدث وصمتت حتى يرحل مَن يدق، ولكن كان مصمم ولا يرحل! نطقت بنبرة مرتجفة حاولت جعلها مسموعة خارج غرفتها"مش عايزة أشوف حد".

ولكن بعد جملتها دخل بدون إذن! وهي وضعت يديها على عيونها مع جملتها المتعبة بصراخٍ"برا مش عايزة أشوف حد".

_دا أنا"يونس" ياسما، أنا حبيبك.
سمعت جملته لتبعد يدها عن عيونها سريعًا بعدما تأكدت من صوته، انتفض قلبها من مكانه، نهضت في ثانية تفتح له الباب بشوقٍ، وتفرست عيونها بملامحه، هو! يقف بنفس هدوئه لكن تلك المرة نظراته حزينة، وهي لم تمهله الفرصة وارتمت في أحضانه تشهق شهقات عالية غير مصدقة، وظلت تهزي بدون وعي منها_:
_أنت مسبتنيش صح؟؟ مغدرتش بيا وطلعت بتحبني حقيقي صح؟ يعني أنت مش وحش زي ما الكل بيقول؟
10

ضمها إلى فؤاده، وهي بدورها أجهشت في البكاء دافنة وجهها داخل صدره، كورت قبضتيها تضربه بوهنٍ على ظهره وهي تعنفه بحديثها"أنا كنت هموت من غيرك، ليه عملت معايا كدا؟ خليت الكل يشمت فيا، خلتني بعد ما نزلت مليون صورة ليا وأنا في الكوافيرة أنزل الفرح وأنت مش موجود، ضيعت مني الأمان بعد ما كنت واثقة فيك، أنت وحش..وحش بس مش مهم أنا بحبك."
2

نهت كلماتها وهي تتشبت به بقوة خائفة من فقده للمرة الثانية، وهو ربت على ذراعها بقهرٍ، وردد بدفاعٍ عن نفسه"أنا مظلوم، إنتِ إزاي تصدقي إني أعمل كدا؟ كل دول بيكدبوا، أنا جنبك وعمري ما أسيبك، ورجعت أهو وهنتجوز، امسحي دموعك".
1

_أنا بحبك أوي، ومصدقتش أي حاجة اتقالت عليك، وحتى لو أنت زي ما بيقولوا مش مهم أنا عيزاك كدا.
قالتها بخوفٍ، تخاف أن يضيع من بين يديها، وهو ضمها أكثر، وردد بكلماتٍ صادقة"وأنا عمري ما حبيت ولا هحب غيرك".
3

انهمرت عباراتها، وكـُهرب جسدها، أخذت تشهق بصوتٍ عالي خرج إلى خارج غرفتها، دخلت عليها الخادمة بخوفٍ وهي تسألها بصدمة بعدما رأتها هكذا"مالك يا هانم! لا إله إلا الله! اصحي يا هانم، اصحي".
8

فتحت سما عيونها باندهاش، وسألتها بعدم تصديق بعدما نهضت تبحث بعيونها عن سراب الأمان الخاص بها"هو يونس مش هنا؟"

صمتت ولم تجيبها، والثاني أطبقت شفتيها بخذلان ارتسم على ملامحها، ونامت مرة آخرى على الفراش، لم يكن حلم جميل بل كانت تتخيل وهي مستيقظة، مغمضة الأجفان فقط، منذ أمس تتخيل رجوعه لها بطريقة مختلفة يعتذر لها ويبرر خطأه في حقها، وهي ستكون رحيمة به وستسامحه، وتأخذه وتبتعد عن كل هذا، لكن هذا كله ينسجه عقلها عن قصد، أغمضت عيونها وأكملت تخيل، وسبحت بخيالها إلى بطولة لن يأخذها بحياته، بطولة هو نجمها الأول ولكن للأسف يونس هرب وفضَّل أن يظل ممثل درجة عاشرة صامت لا يجرؤ على التحدث!


سمعت جملة الخادمة"تليفونك السواق جابه، أهو جنبك، صحابك من إمبارح بيجوا يشوفوكي وبدر بيه مانع، ودلوقتي في أكتر من عشر بنات تحت ومصممين يشوفوكي".

_مش عايزة حد يشوفني، انزلي اطرديهم كلهم، وقولي ليهم سما بتقولكم محدش يتكلم عنها أبدًا ولا يستغلها، ومتدخليش أي حد عليا من الخدامين ولا من أهلي، محدش يدخل أوضتي غيرك، اقفلي بالمفتاح زي ما قولتلك.
2

احتدت نظراتها ببغضٍ وهي تقول جملتها، ونفذت ما أمرتها به وهبطت، واعتدلت سما تتألم من جسدها المهشم، أخذت هاتفها وفتحته لتقع عيونها على صورتها مع يونس، ابتسمت بحنينٍ، وقربته من فمها تقبل الشاشة بعاطفة كبيرة، ودخلت متلهفة على تطبيق الرسائل لعله رأف بحالها وأرسل بها شيء، ولكن لا شيء! بحثت عن رسالة له في جميع المواقع، ولكن حتى حسابه على تطبيق_الانستجرام_الذي كان خاص به ولا أحد يعلمه إلا هي حظرها منه، ولكن هي قوية، وسيرجع لها، سيرجع لها لإنه حبيبها، قال إنه يحبها، وهي صدقته!
2

أرسلت لهُ رسالة صوتية على جهة إتصاله وهي تبكي بقوة، وتوسلته بحديثها المتألم_:
_ارجع يا يونس، ارجع وأنا واللهِ العظيم هديلك أي حاجة عايزها، فلوس ومستعدة أديلك ضعف إللي خدتهم، وأملاك وبكل رضا هكتبهم ليك، هكتبلك كل حاجة باسمك واللهِ، ارجع بس وأنا وربي مستعدة أكتب ليك كل حاجة بس نتجوز، يعني أنا مأمناك على نفسي مش هأمنك على فلوسي ؟ طب واللهِ العظيم ما عايزة أي حاجة من الدنيا دي غيرك، إنت إللي حسستني يعني إيه حب، يعني إيه كلمة حلوة، واللهِ لو عايز مقابل لإهتمامك دا هديلك، بس أنا بحبك، بحبك أوي يا يونس، إنت حبيبي وأنا سمكة حبيبتك صح؟ يعني الله يخليك ارجع وأنا وربنا هقف قصاد عيلتي كلها وهكتبلك كل حاجة، كل حاجة، أنا بحبك أوي، ارجع وقول إنه مقلب وإنت بتعمل فيا مقلب بايخ زي مقالبي الرخمة، قول كدا وأنا هصدقك، واللهِ العظيم مستعدة أسيب العالم كله وأجي معاك، طب قول مكانك وأنا أقسم بالله ههرب منهم ليك وهحميك لو خايف تظهر من تاني، أنا بحبك يا أخي! يعني مش حرام عليك تعلقني بيك وتخلي يومي ميعديش غير بيك وفي الآخر تسيبني؟ واللهِ متخافش من بابا هو مش هيقدر يعملك حاجة طول ما أنا معاك، ياربي يخليك يا يونس خد إللي عايزه بس بلاش تبعد عني، أنا مش عايزة أبقا وحيدة تاني، إنت كنت صحبي، وحبيبي، وسري، وكل ماليا، إنت كنت غالي عندي أوي، بلاش بعد ما أدتني كل حاجة تاخدها مني، يعني الله يخليك حتى قولي مكانك وأنا أقسم بالله هسيب العالم كله وأجي ليك.
3

كانت صادقة في كل كلمة تقولها له لكن هو بحياته لم يكن صادق معها،
فتحت هاتفها لتجد مقطع لها وهي تردد بحبٍ واضح ليونس ونظراتها العاشقة تفضحها"أنت الأمان، يونس هو أمان سمكة".
ومن بعدها عُرض مقطع لها وهي يُغشى عليها في زفافها مع أغنية"وفي عز الأمان ضاع مني الأمان"!
1

جمهورها يتفنن في تعذيبها وتعذيب روحها، هم مؤذيين للغاية! لا تريدهم، لا تريد شهرتها، ستنهي كل شيء، دخلت على صفحتها لتأشفر كل شيء يخصها ويخص يونس، مسحت كل شيء يخصها مع يونس، هو حتى يونس صفحته السرية التي كانت تعلمها هي فقط حظرها منها، كانت مغفلة! تركت شهرتها وتركت كل شيء، لا تريد أي شيء، شهرتها سبب رئيسي في دمار نفسيتها! ارشفت صفحتها الرسمية وانتهت مزيلة جميع تطبيقات التواصل من هاتفها، كل شيء يأتي ضدها!
1

المقطع أثر بها، جعلها في عالم ثاني، رجعت بذاكرتها إلى أول لقاء لهم وأجمل لقاء!

الهواء، والبحر، وغروب الشمس من أجمل الأوقات وأفضلهم، استغلال فرص الوحدة لتفعل كل ما تريده كانت أمنيتها، وهي هربت من العالم الخاص بها مع والدها في رحلة لمدة أسبوع ونصف، هروب من العالم، تلقفتها أمواج البحر، وهي استقبلت ذلك العناق بصدر رحب وسعادة، واستنشقت الهواء النقي باستمتاع،  خرجت بعد وقتٍ من ماحي الهموم وخُصُلات شعرها الحريري العسلي تطايرت، مع منظر خلاب، الموج من خلفها، وهي تفرك عيونها بتذمر بعدما غدرت بها حبات الرمل، وتطاير شعرها حولها، وغروب الشمس، وارتدت شال خفيف صيفي يُلائم ملابس السباحة الخاصة بها ربطته على خصرها ليكون تنورة طويلة، والهواء أقسم ألا يتركها بحالها، وأخذت تفرك بعيونها برقة طاغية، ويديها العاريتان مرفوعتان بلطافة، وسترة السباحة تربطها من الخلف برباط ضيف يُمكن أن تنفك عقدته بسهولة!، ويجسم جسدها من الأمام حتى أسفل سُرتها بأشياء بسيطة، وظهرها كله عاري، وتنورتها تطايرت مع نسمات الهواء الباردة، وقطرات المياه أثر السباحة زينت وجهها.
2

والصورة اكتملت، التقط صورة لها سريعًا وهي بتلك الوضعية المبهرة، والأنوثة الطاغية، وصورة آخرى وهي تحاول أن تهندم شعرها المتطاير بحرية كطير أسير فُتح له قفصه أخيرًا! وهي رأته، تحدثت بانفعالٍ وهي تقترب منه"إنت إزاي تصورني من غير إذني!"

حمحم بحرجٍ وهو يخبرها بصدق"أنا آسف بس غصب عني لما بشوف حاجة بتشد انتباهي لازم أصورها".

انفعلت ملامحها وأمرته بحدة"امسحها حالًا."

_طب ممكن تشوفيهم؟ لو معجبوكيش همسحهم.
عرض عليها ببسمة وهو يعرض لها الصور، أدارت وجهها للجهة الأخرى بغيظٍ واضح مع حديثها"مش هشوفهم؛ عشان عيب كدا، إنت حتى مقولتش إنك هتصورني!"

برر بجدية"لإن لو قولت الصورة هتبقا مصطنعة، إنتِ كنتي في الصورة والوقت دا عفوية لأقصى درجة، أنا مش بحب الصور المصطنعة؛ مش بيبقا فيها روح".

اقتنعت برأيه، ولكن أشهرت سبابتها أمام وجهه باحتداد"تمام، بس حتى لو الصور عجبتني مش هعملك أي دعاية، ولا هدفعلك جنيه".

ضحك عليها، وردد بخوفٍ مصطنع"اصبري بس عشان أنا بخاف، براحة عليا طب، دعايا إيه وفلوس إيه؟"
1

_أنت عايزني أعملك دعايا عندي على الإنستا.
قالتها باستغراب، وهو استغرب أكثر بجملته"هو إنتِ ممثلة ولا إيه؟"

ضيقت نظراتها بتعجب، وسألته بحذر"أنت متعرفنيش؟ أنا بلوجر مشهورة، عندي سبعة مليون متابع على الإنستا".

_آآآآه فهمت، أنا معرفكيش صراحة، وولا حتى عندي إنستا، والتصوير دا مش شغلانتي أصلًا، أنا جي مع صحابي نقضي أسبوعين في الساحل وأنا عشان بعرف أصور فبصورهم، وصراحة مش متعود إني أصور حد نهائي معرفوش، وآسف مني على دا وهمسحهم حالًا بس بجد إنتِ كنتي تستاهلي تتصوري مع المنظر الطبيعي دا، حقك عليا واللهِ مكنش قصدي اتطفل عليكي بالطريقة دي، خدي امسحيهم.
1

كان محروج للغاية، ندم على فعلته، ومد يديه بآلة التصوير الخاصة به، وهي رأت الصور وانبهرت بها، بحياتها لم تتصور صورة جميلة كتلك! حمحمت بلطافة"بُص هي حلوة، يعني جميلة أوي صراحة، ممكن تبعتها ليا عشان أنزلها؟ وأنا هدفعلك حقها".
1

ابتسم بسعادة كبيرة، وصاح بتهلل"ينهار أبيض، من عيوني، ومن غير ربع جنيه أصلًا".

أرسلها لها على هاتفها، وهي سعدت من جمال صورتها، تصويره متقن، مدت يديها تسلم عليه ببسمة"أنا سما، وأنت؟"

صافحها بمشاكسة مع غمزة عيونه المرحة، ومن ثم انحنى بظهره واضح يديه الثانية خلف ظهره يحيها بمرحهُ كالرجال الأغنياء في الحفلات"أجمل سمكة، وأنا يونس".
1

رددت كلمته باستنكار"سمكة!"

حرك رأسه ببساطة وهو يشير على البحر"سمكة حُرة لسة طالعة من البحر الأزرق الجميل دا."

ضحكت بتعجب، وهو وجه نظراته المشاكسة لها"بس إنتِ سمكة زينة، تستاهلي نقعد نتأمل فيكِ بس، ونقعد نقول سبحان الله! فيه جمال كدا؟"
1

وحديثهم طال، وحديثه المراوغ عجبها، وابتسمت بإعجاب له، ودعها ورحل، وهي ودعته على أمل اللقاء من جديد، ورددت الاسم الذي أطلقه عليها بإطراء وبسمة مستحية.

وهو رحل مبتسم بثقة، ويعلم إن اللقاءات بينهم كثيرة، اصطادها بمهارة صياد يعلم كيف يرمي الطُعم إلى سمكهُ، وكانت هي سمكة سهلة المنال! سمكة زينة مملة ملقى في حوض صغير تسير فيه على أمل أن تصل إلى المحيط! يُلعب بها بين يدي الأطفال لتلفظ آخر أنفاسها بسبب حركات زائدة من طفل صغير، ظنته إطراء لها، ولكنه كان يوصف شخصيتها، سمك الزينة ليس له فائدة، مظهر من الخارج ومن الداخل فارغ، لا يوجد شيء! حتى حجمه لا يُرضي البصر! بل حتى يحتاج إلى أكثر من سمكة معه في الحوض حتى يُرى بسهولة بالعيون المجردة وألا يموت وحيد، ولن يكون هو محط الأنظار؛ يوجد منه الكثير.
6

لكن تلك المرة الطُعم للسمكة مختلف، كان حب، احتواء، اهتمام، أمان، أشياء تفقدها مكسورة الجناح!
وارتدى نظارته يسير بثقة جالية على ملامحه الجميلة..
ما أغبى حواء!!
آه لو يعلمون الرجال إن السر يكمن بمجرد احتواء!
حواء تحتاج إلى احتواء، وستُشكِّل بين يديك كالبلهاء!
ستقع صريعة عشقك وبدون أي عناء!
ويقولون خاف من النساء؟ هذا غباء!
والغباء من صفات حواء...
ليس من صفات الرجال الأشدَّاء.
6

وفي المساء تشاء الصُدف أن تجمعهم! صحراء، وجِمال، ونيران، و

كان يتحدث في الهاتف لتقف هي وراء ظهره ببسمة خجولة تنتظره أن ينهي المكالمة، انتهى منها وهي كانت بسبابتها نكزته بخفة في ذراعه وكإنها طفلة! استدار بتعجب، تغيرت ملامحه بعدما رأها وسألها ببسمة هادئة"إزيك يا سمكة عاملة إيه؟"

هزت رأسها وخجلها مسيطر عليها"كويسة، ممكن تصورني عشان أنزلها عندي على الأكونت؟"
وهو وافق فورًا مع جملته"طبعًا عيوني ليكي، تعالي تتصوري هناك".

سارت أمامه، ووقفت خلف الجبال وبدأت بتحريك يديها بعدة وضعيات للصور، وهو لوى شفتيه بتهكم"كدا الصورة هتبقا وحشة، خليكي على طبيعتك".

_ما أنا كدا مش هعرف أعمل حاجة.
أجابته وهي تهز منكبيها بعدم معرفة، وهو رسم بسمة مراوغة على شفتيه، وسألها بمكرٍ"الرُمان فيه كام حبَّاية".

تعجبت من سؤاله، ورفعت حاجبيها بعدن فهم وهي تسأله مع حركات يديها المستغربة"ثواني هو...يعني ممكن 100، السؤال دا صعب أوي! هو..ثواني هو مين يعرف عدد الحبوب الرُومَّانية؟ أنا ممكن أبحث في Google؟"

من وسط عفويتها وحركات يديها البسيطة تلك التقط لها أجمل صورتين، المشكلة إنها وقعت في مصور محترف، وكاذب ماهر، مشكلته إنه إذا فعل شيء يجب أن يتقنه!
1

"أنت صورتني؟ أنا محضرتش نفسي!"
تذمرت وهي تدبدب بقدميها فوق الأرضية، والثاني مد يديه يعرض عليها الصور بقلة حيلة "نفسي قبل ما تتكلمي تشوفي الحاجة الأول."

والفتاة بريئة في كل شيء، كل شيء عفوية فيه، وملامحها ونظراتها وكل شيء تفعله غير متكلف، صرخت بحماسٍ وهي تقفز لأكثر من مرة"بجد أنت تحفة، تصويرك تحفة عارف بجد thanks، مش عارفة أشكرك إزاي، بس أنت لازم تبقا المصور بتاعي".

ضحك بعذوبة، وحرك وجهه للجهة الأخرى مردد بمرحٍ"بس بقا بتكسف، وبعدين أنا أطول!"

_الصور عسولة بجد، بُص هات رقمك.
طلبته منه في يومٍ، لم يتعب نهائي، سما بسبب عفويتها تلك لم تأخذ معه ثانية، هي عفوية على مواقع التواصل الاجتماعي لكن في الطبيعي تعدت مرحلة العفوية!! وكإنها طفلة بريئة للتو ترى العالم لأول مرة!

رجعوا مرة آخرى إلى أماكنهم، لكن هي عرضت عليه أن تجلس بجانبه، منذ البداية حتى النهاية وسما كانت هي التي تبادر في كل شيء!
3

بعد وقتٍ وحديث طويل _كانت بسببه تتعالى ضحكات سما_ شعر يونس إن رَجُل عربي يتفرس جسدها بجرأة، جسدها التي ترتدي فوقه بنطال قصير بعض الشيء بأسوار من الأسفل من اللون الأسود جلدي، وفوقه تيشرت صيفي أبيض واسع بحمالات ذراع رفيعة، وللحق خلع معطفه الأسود يحدثها بجدية"سما ممكن تلبسي دا؟"
6

_مش سقعانة.
سمع جملتها وزفر بضيق، واخبرها بهدوء"ضهرك كله باين، ويعني كدا ميصحش".

التفتت حولها يمينًا ويسارًا مع هزات منكبيها بلا مبالاة"ما كله كدا!"

_معظمهم أجانب، إنتِ مصرية ومسلمة صح؟
قالها بضيقٍ حقيقي، وهي رمشت بعيونها تأكد، مد يديه بالمعطف وابتسم بدعمٍ لها"عشان متضمنيش حد يضايقك وإنتِ واضح إنك جاية السفرية لوحدك".
2

أخذته منه بعدما تغلب عليها خجلها الواضح للعيان، ورددت برقة"شكرًا إنك مهتم بيا، أنا عمر ما حد قالي كدا، حتى بابي نازلة معاه كدا وعادي".

_أديني أنا بقولك أهو، متلبسيش بقا هدوم عريانة كتير عشان بغير.
مرح معها بجملته وهو يغمزها، ومن ثم استدار برأسه إلى الأمام مع ضحكته العذباء وهو يغني مع صديق له كتشجيع، وهي ارتدت المعطف، ورائحته الجميلة كانت عالقة فيه، استنشقتها باستمتاع وهي تضم المعطف إليها باحتواء، وتذكرت إنها رأته لأكثر من مرة معها في الرحلة قبل أن يلتقط لها الصور، كان في حافلة المواصلات يطبَّل فوق الباب بمرحٍ وصديقه الثاني كان يغني ليفعلون جو مبهج، ومن ثم على البحر قبل غروب الشمس فاز على أصدقائه في تسابق السباحة، وفي المساء لعب كورة القدم مع أصدقائه وفاز على الفريق الآخر بهدفين هو الذي أحرزهم! وتصويره لأصدقائه حتى يصيحوا عليه بنبرة عالية بانبهارٍ، وشياكته، وضحكته! في ثلاثة أيام خطف عقلها ولكن بعدما تعاملت معه من الواضح إنه سيخطف قلبها!
1

بعد وقتٍ بدأت الأنغام تتعالى، والطبول تصدح باحتراف من يد رجال، وأخذ الجميع يرقص عليها، شباب وفتيات يرقصون مع بعضهم، وهي رمقته بنظرات خفية، ابتسم بمشاكسة وهو يسألها باستنكار بعدما وجد نظراتها معلقة برقص الشباب والفتيات الغير واعيين لنفسهم بسبب الخمور"عايزة ترقصي ولا إيه؟"

على استحياء تحدثت باضطراب"ينفع نرقص زيهم؟"
رفع حاجبيه بصدمة، وأشار على نفسه بعدم تصديق"أنا يابنتي!"

_دا لو مش هتضايق.
قالتها بلطافة، وهو هز رأسه بالموافقة مع حديثه المحرج"ماشي بس أنا عمري ما رقصت مع حد فاعذري جهلي".

سحبت يديه وهي تردد بتفاخر"أنا هعلمك".
والراقصة لم تكن رومانسية، بل كانت على حسب الطبول الحماسية، وشبكت يديها بيديه تقترب وتبتعد عنه باحترافية، وهو فعل ما كانت تفعله والجميع يفعله، وهو كان يجاريها في رقصها المحترف، وسألها باستغراب"إنتِ متعودة؟ أنا أول مرة أرقص مع بنت".

_في الحفلات والمناسبات المهمة بتاعت بابي برقص مع أولاد صحابه، وساعات برقص مع صحابي المشاهير، بس كلهم سم أول مرة أبقا مبسوطة وأنا برقص مع حد، وعلى فكرة رقصك مش وحش للدرجة.
شرحت له الأمر ببساطة، وانتهت الرقصة وأخذ صورة للذكرى معها، وسما كانت أسهل مما تصور!

غريبة الفتيات؛ سهل استخدامهم كما تريد!
رغم إن يونس ماهر واستطاع أن يذوب المسكينة في عشقه إلا إنه غيرها بالفعل في أشياء كثيرة! غيَّر عفويتها المبالغ بها في الحديث_إلا معه_، وجعلها تأخذ أول خطوات ستر جسدها ومن ثم جعلها ترتدي الوشاح، من أهمهم جعلها تشعر بالأمان، وأتى بعد عامين ونصف يدمر كل هذا لتأتي لها جميع الأمراض الجسدية والنفسية والعصبية، وحتى براءتها وعفويتها سُلبت منها!
8

"_______"

_الله يخليك يا خالي، الله يخليك بدي روح.
صممت الفتاة وهي تدبدب في الأرضية بانفعالٍ، وهو أخذها بعيد عن الأنظار مخبرها بجدية"ياحبيبتي الله يهديكِ ما بيصير تچي عمسچد الرچال، مو إنتِ صبية جميلة؟"

امتلأت عيونها بالدموع وهي تخبره بحزنٍ"رح أطلع عمسچد الصبايا يا خالي والله، ما بدي ضل هون، بدي صلي معك العشا".

هز رأسه برفضٍ مع تبريره"ما رح تروحي لوحدك وإنتِ صِغِيرة، بيكفي بقا بدي روح قبل ما يقيموا".

_رح روح أنا وخالتي إللي هون.
قالت كلماتها وهي تشير على محل رودينا، ركضت إليها، ومن ثم تحدثت بترجٍ"خالة بدك تچي تصلي معي العشا؟ مو هيك يا خالة؟"

ضيقت نظراتها باستغراب، والثاني لحق الموقف وهو يردد بحرج"الصِغِيرة بدى تصلي".

ابتسمت لها بتحمس وهي تردد بهدوء"ماشي، أنا بصلي في المحل، تعالي صلي معايا".

_لا يا خالة بدي روح علمسچد الكبير ياللي خالي بيروحه، تعي معي في مسچد الصبايا.
قالت حديثها وهي تمسك بيديها بإصرار، والثاني استسلم لأمره مع جملته"تعي رح أخدك معي".
1

ووجه نظراته للثاني يعتذر بكلماته بلهجتها"معلش عملنالك دوشة".

_لاء خالص، تعالي نروح مسجد النساء يا حبيبتي، أنا بقالي فترة نفسي أصلي في المسجد بس بخاف أسيب المحل.
قالتها رودينا ببسمة، ومن ثم وجهت نظراتها للصغيرة مع حديثها"بس عشان خاطر عيونك الحلوين أجي معاكي، قولتيلي اسمك إيه؟"

_حياة يا خالة، شوفت يا خالي؟ مو قولتلك خالتي كتير طيبة!
وجهت نظراتها إلى منقذ بسعادة، وخرج منقذ ورجع بعد لحظات ومعه شاب مراهق"أحمد هيقف مكانك."

حركت رأسها بجدية، وركضت الصغيرة إلى مكتبة خالها، أخذت وشاحها وركضت ممسكة بيد رودينا وهي تركض بتحمس"بحبك يا خالة، شكرًا كتير".

رمقتها بعيونٍ متأثرة، وربتت على ظهرها بحنانٍ مع جملتها"وأنا بحبك يا عيوني، لو عايزة أي حاجة ابقي تعالي قوليلي واقعدي معايا لما تيجي مع خالك".

_ما بچي مع خالي كتير لأنو ستي ما بترضى، بتخاف عليَّ.
ثرثرت معها وهي تتجه تجاه المسجد، ووقفت أمامه بتحمس وهي تردد لرودينا"يلا يا خالة بدنا نتوضى".

_منقذ هروح أنا وحياة على المحل علطول بقا.
رمقها منقذ ببسمة هادئة، وأشار لها على مصلى النساء، صعدت معها ودخلت إلى المرحاض للوضوء، أقام الشيخ الصلاة وانتهت بعد وقتٍ، جلست رودينا فوق الأرضية وهي تقرصها من وجنتيها بخفة"الشيخ صوته ماشاء الله، تسلمي ياست حياة على الجِميل دا".

_خالي بيچي هون كتير، تعي معه دايمًا.
ضحكت وهي تردد بخفة"عارفة يا حياة؟ أنا نفسي أخدك لماما عشان تشوف المسلسل التركي المدبلچ دا إللي أنا قاعدة فيه".
2

هزت رأسها بنفي مع جملتها الجادة"ما بروح بيوت حدى".

نهضت معها وخرجت من المسجد مع جملتها"إنتِ جميلة أوي ياحياة، عندك كام سنة؟"

_خمس سنين، وإنتِ كم عمرك؟
سألتها بفضول وأجابتها الثانية بنبرة عادية"ستة وعشرين سنة".

أخذت الثانية تعد على يديها ولحظات وشهقت بصدمة"إنتِ عايشة كتير، أكيد عندك ولاد كتير".

_لاء ياحبيبتي معنديش ولاد ولا حتى متجوزة.
أجابتها بنفس نبرتها، وسارت معها حتى محلها، جلست فوق المقعد وسألتها بتذمر"مين عملك الضفيرة الوحشة دي؟"

_خالي، ستي كانت مشغولة بالطعام.
تذمرت رودينا بسخريتها"ولما خالك مش بيعرف يعمل ضفاير بيهببلك شعرك ليه؟ تعالي يابنتي، شعرك ماشاء الله طويل وجميل اللهم بارك، إيه رأيك أعملك فُرمة حلوة خالص؟"
سألتها بتحمس في النهاية، والثانية تحمست وهي تشرح لها بيديها"خالة في تسريحة هيك، هون وهون".

كانت تحدثها ببسمة واسعة، وهي ابتسمت لها بسعادة واضحة وأشارت على عيونها بحبٍ"من العين دي قبل العين دي ياعسولة".

بدأت بتمشيط شعرها بحنانٍ، وابتسمت بحنين وعيونها لامعة، إذت كانت تزوجت صغيرة كفتيات اليوم لكانت ابنتها ستكون من عمرها، أو حتى إذا كان سامر زوج جيد لكانت لديها طفلة في عامها الثالث، لكن حتى بعد مئة عام لن تمتلك طفلة جميلة مثلها، خانتها دموعها وسالت بحزنٍ على وجهها، وهي كانت تُزين لها شعرها بحنانٍ جم، انتهت من شعرها أخيرّا، وأدارت وجهها لها وهي تسمي الله بإعجاب واضح، ضمتها بقوة وهي تردد بأسف"إنتِ جميلة أوي اللهم بارك".

وهي الآخرى بادلتها العناق، وجففت دموعها الواضحة وهي تتساءل باستغراب"ليش عطول بتبكي يا خالة؟ في حدا زعلك؟"

حركت رأسها بالإيجاب مع جملتها المختنقة"فيه ناس كتير بيزعلوني".

ضمت شفتيها بآسى، وصعدت بقدميها فوق المقعد تقبل رأسها بحنانٍ، وربتت فوق ذراعها بلطفٍ مع حديثها المُهدئ"ما تزعلي، خالو عم يقول إن مافي شي بالدنيا بيستاهل تبكي عليه وتوجعي عيونك الحلوين، سلامة عيونك من البُكا".
قالتها وهي ترفع وجهها إليها، والثانية بادلتها بنظرات دامعة، انحنت بوجهها تقبل عيونها المقهورة بطفولة أحبتها!
"خالي عم يقول إن ما بيصير جوز العيون هدول يبكوا! ما بيصير والله".
3

قالتها وهي تجفف دموعها، رددت حديث خالها بالضبط، ووقف خالها يتعجب من تلك الصغيرة، الكلمة تؤثر في الجميع حتى الأطفال يحفظونها ومن ثم يرددونها لهذا يجب أن تحفظ لسانك مع طفلك، كل راعي مسؤول عن رعيته إن صَلِحت صَلَحت، إن كنت تريد طفلك يصلي صلي أمامه، وإن كنت تريد ابنك أن يسب ويلعن سب والعن أمامه، وبالنهاية لا تقل من أين جاء بتلك الشخصية؟ انظر لنفسك وستجد الإجابة.

سمع جملة رودينا لها وهي تأخذها في أحضانها"إنتِ أجمل بنوتة، وعيونك هما الحلوين عشان بتشوفي الكل حلو زيك، يابخت منقذ بيكي يا حياة".

لم يريد منقذ أن يقطع ذلك العناق، وكان سيرحل لولا حديث حياة العالي"خالي..الخالة عم تبكي".

رمشت رودينا بعيونها بغيظٍ وهي تهتف بخفوت مع إزالة دموعها سريعًا"بس يا حياة!"

حمحم منقذ بخشونة، واقترب منهم يحدث رودينا بلطفٍ ممتزج بحنانه المعتادة عليه صغيرته"دي خصوصية عارف بس مفيش حاجة تستاهل إنك تعيطي عليها."

وهي غيرت مجرى الحديث مع جملتها المتعجبة"أنت بتتكلم مصري لبلب!"

_متربي في مصر، مصر بلدي التانية، الله يحفظ أهلها ويديم خيرها مفيش سوري أو أي عربي مش بيفهم ويتكلم مصري حتى إللي عمره مازارها؛ بيحبها وبيحب أهلها ولهجتها.
قالها ببسمة واسعة، وهي سألت فرح بمرحٍ"وإنتِ ياصغيورة بتعرفي تتكلمي مصري؟"
9

"خالي وستي بيعلموني".
أكدت على سؤالها، وقبلتها مرة آخرى بنفس نبرتها"أحلى حد هيتكلم مصري".

وجهت نظراتها لمنقذ بخجلٍ"ينفع تسيبها معايا؟"

حرك رأسه بهدوء، والثانية ابتسمت بتحمس، واخبرتها بحماس مبالغ به"تعالي أوريكِ الورد إللي شبهك."
2

"_______"

أهلك نفسه عمل طوال اليوم، وصورة شقيقته لا تفارق رأسه، المسكينة غُدر بها بأبشع طريقة، صعد إلى منزله ولكن دق على باب منزل زينب، فتحت الباب والدتها، تحدثت ببسمة"إزيك ياحبيبي، عامل إيه؟"

نهت جملتها وتفرست ملامحه بقلقٍ، وسألته باستغراب"مالك يا واد؟ شكلك تعبان...زينب تعالي يازينب."

هز رأسه بنفي وابتسم لها بلين"مفيش ياست الكل، جيت بس اطمن عليكم، محمد عامل إيه في المذاكرة؟"

_ادخل طب يابني.
افسحت له الطريق وهو دخل يحمحم بخشونة، والثانية أجابته بهدوء"محمد كويس بس هو دلوقتي نايم، جه من درسين إنهاردة متأخر ولحد دلوقتي نايم."

"ربنا يوفقه يارب، تالتة دي رغم إنها صعبة بس أحلى أيام هيعيشها مع صحابه".
1

تذمرت والدتها وهي تخبره بيأسٍ"أحلى أيام حياته إيه؟ دا مجنني دا علطول في البيت عند عبدالله أخويا؛ بيحب البت بنت جارته إللي ساكنة في عمارة عبدالله وعلطول لازق هناك عشان كانت معاه في الإبتدائية وفي المدرسة اللي قدام مدرسته في الاعدادية والثانوية، ومغلبني واللهِ، قاعدة أقوله حرام وهو مفيش سمعان كلام."

_ما تسبيه ياخالتي الواد لسة صغير وعادي الكل دلوقتي بقا صحاب مبقاش فيه فرق بين الولد والبنت والحوارات دي.
قالها بتبرير لم يعجبها، واعترضت بحديثها"لاء يابني حرام الاختلاط وإحنا مش متعودين على كدا، بس أعمل إيه بيحبها أوي! ياخويا أنا معرفش حب إيه دا إللي في السن دا! أومال لما يدخل الجامعة بقا هيتجوز!"

قال حديثه بجدية...
_سبيه بس على راحته عشان ميعملش حاجة من وراكي.

خرجت زينب بعدما ارتدت ملابسها، وابتسمت له برقة مع جملتها"منور، عامل إيه؟"

_تمام إنتِ إللي عاملة إيه دلوقتي؟
سألها باهتمام كبير وهو يتفحص ملامحها، وهي أجابته ببساطة"يعني كويسة".

تحدثت والدتها بدلًا عنها بحزنٍ"تعبانة واللهِ يابني أوي بس هي بتكتم جواها أوي".

حدجتها زينب بنظرات محذرة"ماما..أنا كويسة."

_كويسة إيه! إنتِ مش كنتي بتعيطي من شوية؟ صوت عياطك على فكرة سمعته، إنتِ مش بتسمعي كلامي ولا عايزة تروحي تسألي عن العملية هتخليه ينتشر في جسمك كله!
حدثتها والدتها بنبرة منفعلة، هدأ من روعها عمير بكلماته المتريثة"اهدي ياطنط طب هي طبيعي تبقا خايفة، وكمان مش عايزة تقلق حد عليها، بس كدا مينفعش يازينب لازم تشوفي صحتك أهم حاجة، وشوفي العملية دي".

هزت رأسها وغيرت مجرى حديثها وهي تشير على حقيبة بلاستيكية شفافة"إيه البيض دا؟"

أجابها ببساطة"هتعشى بيه، أوس أوس بايت في الشغل إنهاردة وأنا جعان أوي، كنت هشتري مكرونة وأعملها؛ بس أنا لاقيت ولا عندي بصل ولا زيت ولا أوطة حتى، حسبتهم لاقتهم بـ160جنيه! دا من غير فراخ كمان! أصرف 200جنيه ليه في حتة مكرونة! الدنيا بقت غالية أوي".
8

قال جملته باستياء، ورددت والدتها بسخرية"أهلًا بيك في مصر."

_وهي مالها مصر ياماما! هي مصر هي إللي...
قالتها زينب باندفاع، وقطعها عمير سريعًا بسخرية"بس بس يابت مش طالبة دلوقتي روح الوطنية دي! هترغي وتقوليلي في أوروبا والدول المتقدمة هقولك في أوروبا والدول المتقدمة ألمانيا كل حاجة عندها رخيصة وكل حاجة بواحد يورو بس، تقفلي بوقك عشان منتحبسش كمان، العيب مننا إحنا، اخرسي".
التوى فمها بسخرية، ورددت بتذمر"جبان".

رد عليها فورًا بحديثه المتهكم بعدما رمى عليها نظرة ساخرة"لاء مش جبان بس محبش ألُكلُك زيك، وتعالي سمعيني بقا يازينب الغرب الوحشين بيعملوا إيه".

سخر منها وهي لم تحب سخريته لتقذفه بوسادة الأريكة بانفعالٍ مع جملتها"أنا غلطانة واللهِ، اصبر هقوم أغرف ليك طبيخ".

قالتها وهي تنهض تتجه تجاه المطبخ، وهو اعترض بحديثه وهو ينهض"لاء لاء أنا هطلع أكل في بيتي."

_واللهِ أبدًا يابني، اقعد دي زينب عاملة رز وسبانخ حلوين أوي، بس واللهِ الفراخ خلصانة.
نهت جملتها بحرجٍ، وهو رسم بسمة سعيدة على وجهه، وفرك يديه بتحمس وهو يخبرها"طب حلو أوي، أنا عايز اقوم أغسل إيدي، الحمام فين؟"

نهضت وهو سار وراءها، واتجهت تجاه المطبخ مشيرة على الحمام، دخل هو وهي أخرجت زينب بجملتها"اخرجي إنتِ ياحبيبتي".

_لاء ياماما أنا هغرف.
اعترضت بحديثها وهي تُسخن الطعام، نظرت لها والدتها نظرة حادة وهي تأمرها بالخروج"لما أقول كلمة تسمعيها، مش عيزاكي تقفي وعمير جنب المطبخ، يلا."

نفذت ما أمرتها به وخرجت، ووالدتها وقفت تجهز له الطعام مع الزيتون المخلل الذي خللته هي بيديها، خرجت ووضعت الطعام فوق الطاولة، وعمير خرج ووجهه ويديه مبتلين، أخرج محارم ورقية يجففهم، جلس بعفوية وهو يحدث والدت زينب بصدق"على فكرة أنا جعان جدًا!"

_بألف هنا ياحبيبي.
قالت جملتها بحنانها المعهود، رن هاتفها ونهضت ترد عليه، أشار لزينب بيديه على الطعام بعدما أكل منه"حرفيًا تحفة، تسلم إيدك وإيد طنط، على فكرة طنط طيبة أوي، بتفكرني بأم أوس أوس زمان كانت طيبة كدا."

والثانية بعد جملته ابتسمت بفخرٍ، والدتها دائمًا حنونة، تحدثت بنبرة مفتخرة"ماما دي نعمة في حياة أي حد".

صمتت وسألته باهتمام"هو إنت مامتك ماتت وإنت عندك كام سنة؟"

_وأنا صغير أوي، مش فاكر كنت قد إيه، وأبويا مات وأنا عندي تمن سنين.
أجابها بعدما زاغت نظراته، وحك أنفه بتوتر، وهي لاحظت، شعرت بوجد شيء خطأ في حديثه، وهي درست علم نفس وقرأت كتب كثيرًا عن حركات الجسد، لكن لم تحب أن تعلق وخصوصًا على موت عائلته، وتحدثت بتأثر"ربنا يرحمهم إن شاء الله يدخلوا الجنة، متزعلش أنا كمان ماما وبابا ميتين زيك".

قالت جملتها وهو ترحم عليهم بغمغمته"ربنا يرحمهم يارب" لكن ثواني وشهق باستنكار"نعم يختي؟ ماما مين؟ ما أمك حيَّة تُرزق أهي! يا أبلة رجاء تعالي شوفي بنتك موتتك بالحيا عشان تواسيني".
وضعت زينب يدها على فمها بشهقة سريعة وهي تخبره"إيه يابني! موتت مين بالحيا! أنا ماما ماتت أول ما ولدتني بشهرين ودي مرات بابا، أنت متعرفش ولا إيه؟ دا الكل يعرف!"
14

توسعت عيونه بعدم تصديق، وضيق ما بين حاجبيه باستهجان، وجاءت عليهم رجاء، سألها بتكذيب"هي زينب بنتك ولا بنت جوزك ياأبلة؟"

_بنتي، دي عبيطة هي الأم هي إللي ولدت بس!
التوى فمها بضجر، وعمير تساءل بعدما استوعب"ثواني يعني إنتِ فعلًا مش أمها أمها؟ إنتِ مرات أبوها؟"

جلست أمامه وردت عليه بجدية وهي توضح له الأمر"آه ياعمير، زينب أمها كانت جارتي هنا وصحبتي أوي أوي وأنا كنت بحبها جدًا، وهي ولدت زينب وتعبت جدًا وبعدين أنا إللي خدتها من المستشفى أول واحدة وأنا إللي لبستها واللهِ، وبعدين مامتها قعدت شهرين وكانت تعبانة أوي وبعدين الله يرحمها راحت للي خلقها، الله يرحمها "نعمة"كانت ونعمة الصاحبة والزوجة والأخت والجارة والام واللهِ، بعدين بقا كنت مهتمة بيها وعلطول معايا فحسين اتجوزني عشان اهتم ومع الوقت حبينا بعض بقا، الله يرحمهم هما الاتنين عمرهم ما زعلوني وكانوا الطيبة كلها".

سمع جملتها ودار به المنزل، زوجة أبيها! زوجة أبيها وتعاملها معاملة أحسن من أي أم؟ كيف؟ كان متعجب، وخرجت كلمة عفوية منه نابعة من أعماق قلبه"إنتِ الجنة إللي تحت رجلك بجد، إنتِ مش زي أي حد، ربنا يباركلك، دا ياما مرتات أب قلبهم قلب حجر، إنما إنتِ حتى بعد ما أبوها مات وشيلاها في عينك".

_ماهي بنتي! هي الأم هي إللي ولدت بس؟ أنا أمها، نعمة شالتها في بطنها، وأنا شيلت بنتها جوا قلبي وعيوني، دا أنا مأثرة كمان في حقها كدا، زينب دي! دي حتة مني، ونور عيوني الاتنين، هي آه مطلعة عيني وبتوطي عليا الضغط بس على قلبي زي العسل.
4

حديثها صادق جعل الثانية عيونها تلمع، وجعل الثاني نيران قلبه تشتعل، للحق قلبه ألمه، وشعر بالغيرة، حاول أن يتزن أمامهم لكنه فشل، وترك الطعام متحجج بجملته ونبرته المتغيرة"ربنا يخليكم لبعض، أنا لازم أطلع دلوقتي، بجد شبعت أوي، يجعله عامر يا أبلة".

قال جملته واتجه للمغادرة وتناسى ما جاء إليه! ضرب جبهته بعدما تذكر واستدار لزينب يحدثها بجدية"هننزل بكرة نشتري الدهب؟ صراحة الدهب كل شوية بيغلى وكدا المبلغ إللي اتفقنا عليه مش هيجيب حاجة لو غلي أكتر من كدا".

وافقت ببسمة سعيدة، وهو صعد، صعد ورأسه يتأرجح، زوجة أبيها! أي عقل يصدق!! ارتمى فوق الأريكة، وصراع رأسه لا يتركه، لم يتخيل بحياته أن تكن ليست والدتها، معاملتها معها وحبها الصادق، وكل شيء يقول إنها هي مَن حملتها بداخلها، ليت زوجة أبيه كانت مثلها لكان أصبح شيء آخر، وكان وقف بجانب شقيقته المسكينة!

اتصل بصديقه أوس أوس يستفسر منه بهدوء"خلصت المصلحة؟"

_كله تمام ياصاحبي، إيه عملت إيه الصبح؟
سأله باهتمام والثاني ضحك وهو يخبره"أنت أما كلمت سما قولتلها تبعتلك حلاوة التليفون صح؟ أهي سما بعتتلك حلاوة الرشيدي الحجم العائلي يخربيت شياطينك يا أخي!"

قال جملته وهو يضحك بقوة، وصديقه استوعب ونطق لفظ غير لائق مع جملته"فعلًا البت دي عبيطة، ليه حق الواد بتاعها دا يضحك عليها".

_ممكن تحترم نفسك أما تتكلم عنها؟
حديثه كان هادئ والثاني رفع عيونه إلى أعلى بتذمر"أنت تعرفها!"

احتدت نظراته وهو يحدثه بخبثٍ"أعز المعرفة، دي بنت الغاليين!"

_ليه ياروح مامتك تبقا أختك وأنا معرفش؟
تهكم منه وهو يقلب نظراته باستنكار، ويلعب بخُصل شعره المجعد بمللٍ، وسمع جملته المؤكدة بمرحٍ"مش بقولك أعز معرفة! مبروك كسبت حلاوة الرشيدي إجابة صحيحة"
1

لم يفهم الثاني، وجعد ملامحه وهو يستفهم منه باندهاش"مش فاهم، سما أختك بجد؟"

_سما بنت بدر وحبيبة، شوف يا أخي الدنيا ضيقة إزاي؟ من ضمن بنات الدنيا تركب معايا أختي وهي منهارة، دا الدنيا دي طلعت...دُنيا!
رمى كلمته الأخيرة وضحكته تعالت بعدم تصديق ممتزج بنبرة متسلية، وصديقه شعر إن جملته تحمل بين طياتها الخبث، وسأله بانتباه قَلِق"أنت ناوي على إيه يا عمير؟"
5

أجابه بثقة وبسمته لم تفارق وجهه"كل خير يا صاحبي، كل خير".
1

_عمير بالله عليك بلاش تظهر في الصورة، وبلاش تعمل حاجة متخلفة تخلي أبوك يجيبنا تحت رجله، أنت عارف إحنا مش قده.
قال جملته بقلق شديد بعدما شعر إن صديقه لا ينوي على خير! وتهكم منه عمير بتعجب"أنت إللي كنت بتقول كدا! أومال فين كلامك عن الشجاعة وإني مخفش منه وعمري ما أخضعله؟"

رد فورًا بتأكيد قوي"ولحد دلوقتي بقول كدا، لكن دي بنته وبنت حبيبة، يعني أكيد حبيبة دي بتدلعها ودي تلاقيها دلوعة بابي وامي وبت سايبة يعني حبيبة لو بنتها ضوفرها اتكسر هي إللي هتعلن علينا الحرب، وبعدين ياسطا ابعد عن أهلك دول بقا، إحنا ما صدقنا بعدنا عن القرف! وبعدين منين مخبي على زينب ورايح تدخل في أهلك! أنت أبوك كان عبيط يالا؟؟"
3

حديثه منطقي لبعض الشيء، ورد عليه عمير بهدوء"اهدى يابني، أنت فاكر إني ممكن أأذي أختي؟ بلاش هبل أنا بتكلم عادي، أنت راجع إمتى؟"

غير مجرى الحديث عن قصد، والثاني لا يعلم بماذا يفكر صديقه، هل سيستغل الفتاة أم ماذا! يشعر إن ستحل على رأسهم المصائب بسبب ما ينوي عليه! وبالتأكيد أوس أوس سيتدخل ومن بعدها بدر سيمحيه وهو مسكين ولم يتزوج بعد بـ"قشطا"حبيبته! ولن يفعل لها شهر عسل في إسكندرية كما تحلم المسكينة!

وأغلق معه عمير ورأسه يعمل بلا توقف، وصورة الهشَّة المنكسرة في ليلة زفافها لا تزول عن عيونه...لكن! لكن الغاية تبرر الوسيلة.
9

وإذا كنت لا تعلم مَن هو"عُميِّر"ابن الشوارع على حق وتفكيره، وخبثه في أوقات الجد فأنت للأن لم تصل معنا إلى بقعة السواد الكامنة في قلب اليتيم "عُميِّر"، بدوري احذرك أن تستقل بالوسيم من الخارج المشتعل من الداخل.

"________"

لم تفكر في أمره ولا ردت فعله، تهورت وتسرعت وبسبب غباءها فقدت منصبها، تحدثت بنبرة باكية لخالتها_:
_أنا عايزة أرجع الشركة، اتصرفي بقا مليش دعوة.

_ما إنتِ غبية، مقولتيش ليا على حكاية الزفت إللي منزلاه، أنا مش هينفع اتكلم دلوقتي، بدر قلب عليا وعليكي فاصبري بقا الحوارات دي تخلص.
حدثتها خالتها بعصبية، والثانية هبطت دموعها وهي تقضم أظافرها بانفعالٍ"لاء مليش فيه اتصرفي، أنا عايزة أرجع الشركة، وبعدين هو بيقولي إني ألم كركبتها! أنا هعرفه إزاي يقولي كدا، بس خلي أدهم يكلمه بقا".

_هحاول يا رنا، اهدي إنتِ بس، يلا باي.
أغلقت معها والثانية دفعت الكوب الزجاجي الذي أمامها، وهي صاحت بنبرة عالية"ماشي يا بدر أنت إللي جبته لنفسك ولبنتك الدلوعة المتخلفة دي."

انفجرت في البكاء بعد جملتها، ودفنت وجهها بين يديها تهزي بعدة كلمات، اتصل بها إياد بعد وقتٍ وهو يسألها باهتمام"أنا جبتلك جبنة لايت عشان الدايت بتاعك، أجبلك توست ولا عندك؟"
1

اختنق صوتها بالبكاء وهي تنفي بجملتها"خلصان".

وهو لاحظ نبرتها، سألها بتعجب"إنتِ بتعيطي؟"

حاولت أن تتحدث وتنفي لكن لم تقدر وسمع صوت شهقاتها المتعالي، وقع قلبه من خوفه عليها وحاول أن يهدأ من بكائها الهستيري، وهي أغلقت معه بدون كلمة وأكملت ما تفعله، فعلت حركة حماس لم تحسب لها حساب، وبسبب تلك الحركة مُنعت من أكثر شيء تحبه! أكثر شيء فعلت كل ما بوسعها لتحصل عليه وتترقى فيه، رغم لهوها، ودلالها، وعنجهيتها لكنها كانت جيدة للغاية في عملها، ورأسها في الإدارة والحسابات، ومعها لغات عديدة، ورأسها داهية في العمل، رمى زوج خالتها أربع سنوات عمل لها معه وتوفقها عن جدارة على باقية الموظفين ونسى كل هذا لأجل مقطع لم يتعدى الثلاث دقائق وحذفته بعد ساعة؟
1

كانت تتباهى وتقول إنها تعمل بأشهر شركة صيدلة، وتمتلك فيها كما يمتلك الباقية_كما تقول خالتها_الآن؟ الآن زوج خالتها ضيع من بين يديها كل شيء!

وصل إياد بعد ربع ساعة، كانت دافنة وجهها في وسادة الأريكة، اقترب منها بخوفٍ، واستفسر منها بحنانٍ وهو يجلس على نصف قدم أمامها، يبعد شعرها عن وجهها بهدوء"مالك يا عيوني؟ إيه إللي زعلك؟"

نبرة إياد! وأدبه، واحترامه، وحديثه، وتعامله، وهو نفسه! كل شيء فيه يدل على إنه أحن خلق الله، يعاملها أفضل معاملة، يقدرها ولا يأتي عليها، رفعت عيونها الحمراء له وهي تردد بنبرة مبحوحة"جوز خالتو طردني من الشركة، أنا مكنتش استحق كدا!"
2

نهضت كلماتها المفطورة وارتمت في أحضانه، وهو استقبلها بصدرٍ رحب، ممسد على ظهرها بحنو، وهي أكملت بقهرة_:
_بقالي أربع سنين بطور من نفسي لحد ما بقيت في المركز دا وهو في ثانية طردني، دي الحاجة الوحيدة إللي كانت محسساني بقيمتي، أنا عارفة إني غلطت لما ضايقت سما بس مكنتش استاهل اطرد من حاجة وصلت ليها بمجهودي، واللهِ بمجهودي!
2

أخذ يربت على ظهرها برفقٍ وهو يردد بخفوت بجانب أُذنها"لعله خير ياحبيبي، لعله خير".

وانتهت من حديثها وسألها بانتباه"إنتِ عملتي لسما إيه؟"

_أنا ضايقتها شوية وهي كانت منهارة، أنا عارفة إن دي حركة وحشة بس أنا مكنتش...
قطع تبريرها، وسألها بدهشة"بتضايقيها وهي لسة متسابة بطريقة مهينة؟ إنتِ عايزة تقهريها مش تضايقيها، ليه حق جوز خالتك يشيلك من الشركة، إللي ميقدرش بنته وحزنها هو كمان ميقدروش".

انفعلت وهي تصيح عليه مبتعدة عنه"ما تولع بنته! أنت معايا أنا، المفروض تدافع عني أنا!"

وهو نهض يجلس أمامها يحدثها بجدية"لاء، أنا مع الحق عمري ما هقف معاكي في غلط، وإنتِ غلط في كل حاجة، وأقولك الصراحة؟ إنتِ بني آدم مش بيحب الخير لحد غير نفسه، إنتِ وحشة جدًا؛ لأنك رايحة تستغلي ضعفها وتقهريها، دي مبقتش غيرة بنات زي ما كنت متوقع دا طلع حقد وكره، اشربي".
7

قال جملته بشماتة ونهض من أمامها يدخل إلى غرفته، وهي بجنونٍ ألقت الطعام الذي وضعه أمامها على الطاولة بغلٍ، تلك ليست أول مرة إياد يكشفها على حقيقتها، رغم إنها أمامه تتصنع كل شيء جميل! وتتصنع أشياء كثيرة ليست فيها لأجله حتى يقتنع، وهو دخل غرفته ويعلم إن تلك حيَّة، ابتسم بدهاء متيقن إن زوجته ماهي إلا فتاة محتالة، يجاريها في أكاذيبها الكثيرة ويرى آخرها، يرى ماذا تنوي فعله! لذلك تزوجها...
25

يعلم إنها كانت تراقبه من فترة طويلة للغاية، وتلفت أنظاره بكل الطرق، لكن هو لا يهتم، ومن بعد جرأتها معه في الحديث وعرضها عليه الزواج منها وافق بدافع الفضول، ليرى آخر الشقراء..وأيضًا بسبب إعجابه بها..
2

هو ليس أحمق ليصدق إنها فتاة جيدة بعض الشيء وتحاول التغير كما تقول، هو يعلم إن برأسها شيء تنوي فعله والشيء ليس خير، فتاة متملكة مثلها عنجهية لا تُفعل شيء بدون حساب، هي تحسب كل شيء لكن هو ينتظر يعلم ما نيتها، يعلم إنها تغويه بكل الطرق لهدف هو لا يعلمه، وهي غباءها دفعها لتقع بين يدي"إياد أحمد"طبيب نفساني وليس طبيب عيون كما قال، لم تبحث جيدًا عنه المسكينة! معلوماتها مغلوطة، ليرى آخرها ومن ثم يصدمها.
22

يدرس كل حركاتها، وتعابير وجهها، وحديثها كل شيء يظهر إنها كاذبة وتشعر بالنقصان من كل شيء حتى من شقيقته التي لم تتعامل معها! يعلم منذ البداية إنه سيعاني معها ولكن وافق على الزواج منها لسببين؛ أهمهم لإنه شعر بداخله إن شيء تحرك بداخله بسببها وبسبب مراقبتها المستمرة له، وشخصيتها الغريبة المتنافية مع شخصيته الهادئة جذبته لها، رغم إن كل معايير المجتمع تقول إنه مستحيل، لكن هو يحب أي شيء مستحيل ويتحداه، وثاني سبب هو أن يكتشفها، ويكتشف ما يدور بعقلها، ويحلل شخصيتها ومن ثم يعالجها؛ لأنها تستحق، هو يشعر إنها تستحق قليل من المساعدة، لكن من الواضح إن عنجهيتها وغرورها سيرمون بها إلى التهلكة، ليرى ماذا تريد أن تصل بعد.
4

هل رأيت طبيبنا؟ لم يكن ساذج كما اعتقدت بل حواء هي الساذجة التي لفتت نظره منذ البداية بدون قصد، كانت تلعب عليه وهو سار معها في اللعبة متيقن إنه هو مَن سيفوز!وستنسحب هي بمنتهى الود.
10

"______"

في الصباح وقفت زينب تتحايل على صديقتها أمام منزلها بتصميمٍ"تعالي معايا يا چيچي، بالله عليكِ".

والثانية تحدثت بهدوءٍ مع بسمتها المعتذرة"أنا آسفة بجد بس مش عايزة رودينا تشد معايا ولا تزعل وساعتها يحصل حاجة، روحي افرحي بحاجتك وأنا قاعدة مستنية أشوف ذوقكم القمر".
1

_يا چيچي مينفعش إنتِ جارتي وصحبتي وأنا بحبك، تعالي معايا وبجد رودينا مش هيحصل منها حاجة.
صممت زينب بحديثها، وچيلان رفضت رفض قاطع، وجاءت إليها رودينا من الصباح بتحمس واضح، وقفت على أقدامها تُطهي الطعام مع والدت رفيقتها ومنعت زينب من دخول المطبخ، كانت ترتدي ملابس منزلية بعدما خلعت فستانها الفضفاض، وبدأت تساعد والدتها في كل شيء وكإنه منزلها، بعد أذان العصر دق عمير على باب منزلهم، فتحت له رودينا بعدما ارتدت ملابسها مرة آخرى لعلمها بقدوم عمير من عمله، رحبت به ببسمة هادئة_:
_اتفضل يا عمير، حذَّر فذَّر عاملين ليك أكل إيه؟
سألته بحماس واضح، وهو ضيق نظراته بتخمينٍ"مش عارف، ممكن محشي؟ أنا بحب المحشي".

ابتسمت بسمة واسعة مرحة، ورفعت أبهامها بمعنى ممتاز"شطور بجد، وعاملين ملوخية كمان ولسان عصفور، أنا إللي عملاهم على فكرة".
قالتها بمشاكسة، وهو دخل يجلس على المقعد، خرجت زينب تبتسم له بخجلٍ بعض الشيء، وردد هو بنبرة عالية"ماشاء الله إيه الجمال دا."

ضحكت رودينا بخفة، ونهضت من مكانها تغمزه بمرحٍ"هعملك عصير جوافة، أي خدمة".

تركتهم وهو غمزها مثلما غمزته بخبثٍ"خدمتك فوق راسي".
اقتربت منه زينب وهي تسأله بتعجب"أنت كنت بتغمزها؟ بتغمزها ليه؟"
1

_امتنع عن الرد.
قالها وهي يرسم شبه بسمة جانبية، وهي لم تبتسم حتى، وسألته مرة ثانية بجدية"كانت بتقولك إيه؟"
1

خرجت والدتها وهي تلف الوشاح فوق رأسها، تحدثه ببسمة واسعة"إزيك يا ابني عاملة ايه؟"

_الحمدلله ياطنط، جاهزين صح؟
سألها باهتمام، وأجابته زينب بتأكيد"آه".

"بصي يا زينب إنتِ عايزة محبس ودبلة وخاتم وإيه تاني بقا قولتي؟"
انتبه لها، ووالدتها ردت بدلًا عنها تزيل عنها الحرج"أنت قولت هتدفع كام؟"

_أنا قولت في الأول خمسة وتلاتين بس مش عايز أزعلك وأزعل زينب وكل حاجة غليت فطالع من نيتي خمسة وأربعين بس ودا كدا كتير واللهِ، بس مفيش حاجة تكتر على الأبلة يعني.
وضح بتريث شديد، ووالدتها ردت ببسمة راضية"ربنا يرزقك يابني، خلاص نجيب ليها خاتم ومحبس ودبلة وإنسيال".
3

ابتسم بتحمس وهو يردد بسعادة واضحة"على بركة الله، مبروك عليكي يا أبلة".

تقدمت منهم رودينا بالعصائر، جلست بجانب زينب وهي تضمها بحبٍ كبير، مع جملتها السعيدة"مبروك يا عيوني بجد فرحانة أوي بيكي، مش مصدقة إني أخيرًا هروح أجيب شبكتك معاكي".

بادلتها العناق بهدوء، وانتهوا من العصائر، دخل أخيها على عجل، وتحدث ببسمة لهم"معلش لسة جي من درس الاحياء، عامل إيه ياعمير؟"

حرك رأسه بهدوء، والثاني حدثه بجدية"ممكن نتكلم خمسة في البلكونة؟"

هز رأسه بتأكيد ونهض معه يجلس في الشرفة، سأله بمرح"إيه ياعم محمد؟ غيرت رأيك ولا إيه؟ عارفك أصفر".

أخذ نفس عميق، شقيقته تستحق أن يفعل كل شيء جيد لأجلها، تحدث بتريث"ممكن تشوفني صغير على الكلام إللي هقوله بس أنا أخو البنت إللي هتبقا شريك حياتها، أنا مكنتش موافق عليك، متزعلش مني بس أنت وصاحبك أنا مش بحب شقاوتكم، أنا مستجدعك من مواقفك مع زينب وأمي بس دا جواز، أخاف على أختي الوحيدة ترمي نفسها في الهلاك عشان هي معجبة بيك! أنا بحب أختي أوي ومش عايزها تزعل ولا تتعب، فلو أنت مش هتزعلها وتتعبها أنا هحطك في عيني، هتزعلها وتشتغل ليها في دور الصايع أنا يمكن شايفني صغير بس إللي يجي على أختي الوحيدة مسكتش ليه".

رسم عمير بسمة واسعة، ومد يديه على هيئة مصافحة، ونطق ببسمة"سلم يا محم".

صافح يديه باستغراب، والثاني تحدث فورًا"وعهد الله يا محمد أنا بحب أختك جدًا ولو أطول أعمل ليها أي حاجة هعملها، وعمري ما اتعبها أبدًا، أنا اشتغل ليل ونهار عشان خاطر عيونها، ووعهد الله أنا ما صايع زي ما أنت فاكر، وعارف إنك اتغصبت إني أجي أقعد معاكم، بس ثق فيا، أنا بحبك وبحبكم كلكم، أنا هشيل أختك جوا عيوني، ثق فيا بقا".
1

والثاني بادله بنظرة واثقة فيه، وتحدث بجدية"وأنا واثق فيك، وعشان كدا قاعد معاك".

نهض عمير يأخذه في أحضانه بمرحٍ"قلبي يابو حِميد، أقسم بالله أيو نسب! تعالى بقا ننزل نجيب شبكة أختك".

انطلق بهم عمير تجاه الصاغة، جلس محمد بجانبه في المقعد الأمامي، و الثلاثة في الخلف، بدأت رودينا تصور لهم مقاطع وصور كثيرة، كانت تمزح مع عمير ومحمد وزينب، وزينب لم تحب مزاحها معه، تشعر إن حديثها رغم إنه مرح كعادتها إلا إن حديثها ثقيل، تحدثت رودينا بعيونٍ سعيدة"عارفة يا زينب؟ حياة دي عسولة أوي، شعرها أصفر كدا زي عمير وعيونها كموني، وفي نفس بشرة عمير أخوكي، بتقولي لا تبكي يا خالة، عيونك حلوين".
6

سخر منها عمير بكلماته"أنا سامع عمير عمير، هي البت دي تيجي في جمالي!"

اندفعت رودينا في حديثها"دي سورية يا بابا!"
1

_طب ما أنا مصري عادي وأحلى منها محدش أحسن من حد.
حرك يديه ببساطة وغرور كبير، والتوى فم الثانية بتهكم"على فكرة خال حياة أحلى منك، وبيقولي مافي حدا يستاهل تبكي عليه، بيثبتني ابن السورية وأنا بحب التثبيت!"
رمشت بعيونها باستياء، وهو ضحك بعلو صوته يسأل زينب بتعجب"واضح إن صحبتك دي بتاعت مظاهر!"

لم ترد زينب عليه، شعرت بالغيرة؛ رودينا تلفت الأنظار حولها بشكل مخيف، عمير ومحمد ووالدتها الجميع يتحدث معها، رودينا تضحك وتمرح وتحادث الجميع وتلفت أنظارهم وتبهرهم بخفة دمها وهي في طبيعتها غير هذا إطلاقًا، ولإن زينب لا تحب أن تمزح كثيرًا مع الرجال وخصوصًا عمير بسبب خجلها رودينا تلفت نظره بشكل ملحوظ، رغم إنها في العادة ليست بذلك المرح! سألتها والدتها بنبرة خافتة_:
_مالك يازينب؟ إنتِ تعبانة؟
8

تحدثت بصوتٍ واطي بجانب أُذن والدتها"رودينا مش بتعمل حاجة غير إنها تتكلم، مش عارفة أقول إيه!"
هزت منكبيها بجهلٍ، وأخيرًا هبط الجميع، وعمير عانق شخص كبير في العمر وأخيه الأصغر منه بعدة سنوات بسيطة، معرفهم عليهم"عم"محمد الحلو"، ودا عم"وليد" أخوه، أحسن ناس بيعملوا فضة في الصاغة كلها، حبايبي، ودي خطيبتي ودا أخوها ودي حماتي ودي صحبتها."
6

تعرفوا على بعضهم وهو سار مع محمد يخبره بجدية"واخدهم معايا عشان محدش ينصب عليا وهما إللي هيدلوني على أحسن ناس بتوع دهب".

دخلوا عدة أماكن حتى بدأت زينب تنتقي المجوهرات براحة وعمير يساعدها ومعه الجميع، ذوق عمير كان جيد، كلما يختار شيء ينال إعجابهم، وقف عمير ينتقي لزينب ذهبها بعناية، يختار أجمل شيء لها، تحدثت بضيقٍ"الخواتم واسعة أوي ياعمير، هتقع من إيدي".

وجه نظراته لصاحب المصوغات يسأله بجدية"في مقاس أصغر من دا؟"

هز رأسه بتأكيد وهو يهتف ببسمة"أنت محظوظ، خطيبتك إيدها إيد أطفال يعني مش هتتكلف كتير".

ضمت شفتيها بآسى، وهو سألها بتذمر مرح"إيه إيد البيبيهات دي ياصغنونة؟"
1

اخبرته بضيقٍ ونبرة خافتة"من أعراض الورم إن جسمي يخس بشكل أوڤر، وأنا من زمان وإيدي صغيرة بردو".

_سلامتك ألف سلامة ياصغنونة، بقولك ياحماتي أي فلوس هتتبقا بقا من المبلغ إللي اتفقنا عليه هاتيلها بيه حاجة، عقبال ما تتخن كدا ونجبلها التقايل بقا.
غمزها في النهاية بمشاكسة، وهي ابتسمت بسمة صغيرة، أمسكت رودينا بخاتم عمير اقتناه لزينب، متحدثة بإعجاب واضح"ذوقك حلو أوي ياعمير بجد، مبروكين عليكي يازوزو".

_تُشكري يا أبلة.

بدأ عمير وزينب يختارون شبكتها، انتظرت رودينا حتى انتهوا من اقتناء الشبكة وهي وقفت بحيرة أمام مجموعة من الخواتم رقيقة، تحركت مشاعرها كفتاة وانجذبت لشراء خاتم ذهب مثل صديقتها، اقتربت منهم تسألهم باهتمام بعدما بسطت يديها أمام عيونهم"حلو دا؟"
أشارت على خاتم في يدها اليُمنى، جاءت لتتحدث زينب لكن سبقها عمير بجملته المفكرة"مش حاسه أوي، شوفي دا رقيق أوي وهيليق على إيدك".
9

أشار على خاتم ذهب رقيق وحجمه صغير من وجهة نظره سيليق على يديها البيضاء متوسطة الحجم، رفعت زينب حاجبها بتعجب، ورددت بغيظٍ"لاء وحش مش هيليق على إيدها نهائي".

أمسكت به رودينا وهي تتعجب بحديثها"وحش ليه يابنتي؟ شكله لطيف."

_براحتك.
قالت جملتها بلا مبالاة وهي تقف بجانب والدتها، سألتها رودينا"هو دا وحش ياطنط؟"

_بصي في دا كمان، لو دا مش عاجبكم.
مد يديه يريها الخاتم، وهي أمسكت الاثنين بحيرة، ليحدثها ببساطة"شوفيهم كدا على إيدك طب يا أبلة".
5

ارتدتهم في يديها الاثنين، وهو سأل زينب بعفوية مشير على أول خاتم اختاره لها"دا أحلى صح يازينب؟"

رمقته كثيرًا بصمتٍ ومن ثم تحدثت بانفعالٍ"معرفش ياعمير، وبعدين هو إحنا بنختار ليا ولا لرودينا؟"

_حلو دا يارودينا، بنختارلك يازينب وصحبتك عجبتها حاجة عايزة تشتريها، مبروك عليكي يارودي.
حدثتها والدتها بجدية، ورودينا سكتت مقتربة من محمد تسأله بجدية"شايف أنهي أحلى".

شاكسها بحديثه"شايف دبلتي أحلى عليكي".
4

ضحكت وهي تحرك رأسها بقلة حيلة، ووقفت أمام البائع تسأله بتحير"دا أحلى ولا دا؟"

"الاتنين حلوين على إيدك أوي، اشتريهم بقا."
ضحك معها البائع لتضحك له بمجاملة، وصورت يديها ترسلها إلى مجموعة عائلتها على الواتساب، بعد ربع ساعة كانت اختارت أول خاتم اختاره لها عمير، كانت انتهت زينب وبدأ عمير يدفع حسابهم، انتظرتهم حتى ينتهون ومدت يديها بالخاتم تسأل عن سعره، أخرجت محفظتها تعطيه منها الأموال وتأخذ الفاتورة، ابتسمت بسعادة وهي تسير بجانب زينب"الشبكة بتاعتك عسولة أوي اللهم بارك، يارب تتهني بيهم".

_هو إنتِ كان لازم تشتري الخاتم دلوقتي؟
سألتها زينب بملامح حادة، وهي أجابتها ببساطة متجاهلة ملامحها"المحل دا فيه حاجات حلوة، إنتِ عارفة إني كان نفسي اشتري خاتم من بدري، مش عجباني إيدي وهي فاضية كدا".
4

رسمت بسمة ساخرة على ثغرها وهي تردد"وملقتيش غير عمير هو إللي ينقي ليكي! معندكيش إنتِ رأي خالص!"

_أنا كنت بسألكم كلكم والله، محدش غيره كان بيرد عليا.
بررت بملامح متعجبة، والثانية رددت بتهكم"لأنك قولتيله ذوقك حلو أوي!"
5

_لإنه ماشاء الله ذوقه حلو فعلًا، أنا مكنش قصدي أضايقك، أنا آسفة.
اعتذرت بحرجٍ ونبرتها حزينة، والثانية كانت منفعلة منها للغاية، سكتت ولم تعلق، وأكملت سير مع عمير، رودينا سارت مع والدتها، دارت والدتها على غضب ابنتها وهي تحدثها بتبرير"البت زينب اليومين دول تعبانة أوي فتلاقيها بتحدف كلام كدا سم، دا أنا وهي لسة متخانقين إمبارح بسبب كدا".
2

_عادي يا طنط أنا عارفة إن أعصابها مشدودة، كان الله في عونها واللهِ.
ضمت شفتيها على هيئة بسمة حزينة، وأدمعت عيونها بحرجٍ وهي تدافع عن حالها"أنا مكنش قصدي إللي جه في دماغها، أنا آسفة."
9

استنكرت الثانية سبب دموعها، وضربتها بخفة على ذراعها باستياء"إنتِ عبيطة يابت! بتعيطي ليه؟ ياعبيطة مكنش قصدها كدا".

جففت دموعها وهي تنفي برأسها بهدوء"ما أنا عارفة بس مش عيزاها تزعل مني."

_آه يا هبلة! هي هتزعل عشان اشتريتي حتة خاتم؟ وبعدين ياحبيبتي بلاش تحطي في دماغك، تتعبي لو فضلتي حاطة في دماغك.
والدت صديقتها حنونة للغاية، وسارت معها تحاول أن تذوب حرجها، وعند زينب كان متعجب منها عمير وهو يضرب كف على آخر"إنتِ عبيطة يابنتي؟ جايبلك شبكتك مكملناش عشر دقائق وبتتخانقي معايا عشان نقيت ليها خاتم! إنتِ هتبدأيها نكد من دلوقتي!"

تحدثت بسخرية وهي تقلد حديثه"خدي دا هيليق على إيدك! وإنت مالك بإيدها يا عمير!"
5

سألته بغيظٍ شديد، وهو ضحك ينظر لها بسعادة"إنتِ غيرانة صح؟ غيرانة يازينب صح؟"

_لاء ولا غيرانة ولا حاجة!
قالتها وهي تشيح بيديها بلا مبالاة، وهو سار معها منفجر في الضحك، وكل دقيقة والثانية يستنكر منها"غيرانة بجد!"

صعدوا معه سيارته وتلك المرة رودينا لم تفتح فمها بحرفٍ حتى، جلست شاردة في الطريق، رمقها عمير من مرآة سيارته وتوقع إن زينب قالت لها شيء زعجها، الكل يتحدث إلا هي، لم يحب أن يتحدث بشيء لها حتى لا تنزعج زينب رغم إن نيته خير، أشارت له رودينا بجدية أن يتوقف وهي تخبره"لو سمحت يا عمير نزلني هنا".

سألتها رجاء باستغراب"ليه يابت؟ إنتِ مش قايلة هتقضي معانا اليوم؟"

_هروح أفتح محل الورد بقا ياطنط.
وضحت بهدوء، وتحدث عمير بانتباه"فين محل الورد دا عشان أوصلك."

هزت رأسها تسارع بالنفي بنبرة سريعة"لاء لاء، أنا لسة هلف أجيب كام حاجة، نزلني هنا، مع السلامة يا زينب، هبقا أجيلك بقا مرة تانية".

قالت جملتها وهي تعانقها عناق طويل مع جملتها"مبروك عليكي ياحبيبي، تتهني بيهم واللهِ فرحانة ليكي أوي أوي".
1

بادلتها العناق بخفة وهي تربت فوق ظهرها، هبطت من السيارة، وانتظرت حتى يذهبون وأوقفت سيارة آخرى تخبره عن عنوان محلها، زينب لا تريدها معهم وستنفذ ما تريده حتى بدون التفوه بحرفٍ واحد.
14

"________"

مرَّ خمس ليالي وسما ذابلة لا تغادر من غرفتها، ولا تحدث أي أحد، ولا تعلم شيء عن العالم الخارجي، محتبسة بغرفتها فقط، حالها تبدل تمامًا، ملابسها أصبحت مجعدة وغير مرتبة، ترتدي بنطال لون، وقميص بيتي لون آخر، وشعرها مبعثر حول وجهها بهرجلة، حتى لم تستحم، ترفض الأكل وكإنها هذا حل! لوقتٍ طويل تشرد في اللا شيء.
1

ترجتها الخادمة وعيونها عالقة بعيونها"عشان خاطري يا هانم كُلي لقمة حتى، إنتِ مش بتاكلي خالص".

هزت رأسها برفضٍ مع صراخها وهي تضع يديها على رأسها"مش عايزة بقا، مش عايزة أكل حاجة!"

"لو بتحبي ربنا يا هانم كُلي لقمة طب، واللهِ هتقعي تموتي."
قالتها بتأثر شديد، والثانية ابتلعت لعابها بمرارة، وتحدثت بتقطع"ياريت أموت، يمكن يونس يحس بحجم غدره بيا".

صمتت للحظات، ومن ثم ازدردت لعابها بصعوبة وهي تردد بخواء"قاعدة سنتين ونص من عمري بموت فيه، كل حياتي عليه، عيشاله بس، علقت عليه حياتي، وبقا هو يومي، الناس كلها كانت بتحب علاقتنا بسبب حنيته وطيبة قلبه، الكل كان بيحسدني عليه وعلى لابقته معايا وجدعنته، آآآآآه يا يونس كسرتني بعد ما ادتني كل حاجة!"

تأوه عالي خرج من بين نياط قلبها، قلبها المقهور، وجهت نظراتها إلى فاطيما تخبرها بصدق_:
_مش فارق معايا إنه سرقني، مش فارق معايا إنه هرب من الفرح بفلوسي كلها...كل إللي فارق معايا إنه لعب عليا من زمان أوي وأداني كل حاجة حلوة وراح سابني بمنتهى الغدر!

نامت في أحضانها وهي تهتف بنبرة ضاحكة"دا طلع ممثل أوي! آه يا كداب!"

_ابن ال*** الزبالة.
تمتمت بها الخادمة بانفعالٍ، والثانية رددت وراءها ببسمة متهكمة"عسول أوي عرف يلفت انتباهي من أول دقيقة!"

جلست معها نصف ساعة تسمعها، وجاءت لها بعد وقتٍ بالغداء،  توسلتها كثيرًا والثانية وافقت وهي تتحدث بوهنٍ"تعالي كلي يا فاطيما".

_ونبي يا هانم كلي إنتِ، الست هانم لو عرفت إني دبيت إيدي في أكلكم تموتني.
قالتها بخوفٍ، والثانية عندت بحديثها"لو مكلتيش مش هاكل".

جلست تأكل معها وقلبها خائف من أن يراها أحد، سيقطع عيشها عندها للأبد، وحدث ما خافت منه، دخلت والدتها وعفاريت العالم تتراقص أمام وجهها، وزاد هذا الموقف من الطين بلة، الخادمة تجلس على طاولة ابنتها وتأكل معها بيدها المتسخة، انتفضت الثانية فورًا وهي تلقي الطعام من بين يديها، وصاحت "حبيبة"بنبرة عالية_:
_إنتِ بتاكلي كمان معاها! يعني مش كفاية بايتة في الأوضة عندها من خمس أيام لاء وكمان بتاكلي من أكلنا!

توترت وتلعثمت وهي تدافع عن حالها"واللهِ يا هانم واللهِ هي إللي غصبتني".

نهضت سما تتحدث بنبرة هادئة"مامي أنا إللي طلبت منها، بتزعقي ليها ليه؟"

صاحت والدتها باشتعال"إنتِ مش بتعملي غير إللي يعصبني، ياشيخة منك لله واللهِ".

وجهت نظراتها إلى الخادمة وهي تسحبها من ذراعها"تعالي إنتِ بقا انزلي لمي هدومك عشان مش طيقاكي، هروحك على بلدك".

بدأت بالبكاء وهي تتوسلها بحديثها"ونبي ياهانم أنا معملتش حاجة كنت بونسها بس والله عشان على معدة بطنها من خمس ليالي".

_سيبي صحبتي يا مامي.
أمرتها سما بنظرات حادة، والثانية استنكرت بسخرية"الخدامة صحبتك!"

نطقت سما ببغضٍ، وهي تفك يديها عن فاطيما"الخدامة دي إللي بتعملك أكلك وبيتك وإنتِ ولا مقدرة مجهودهم، والخدامة دي إللي مردتش تسيبني وحيدة أول يوم ونامت جنبي وأنا كنت في أشد الاحتياج يطبطب عليا، كان نفسي حد يحس بيا والإحساس جالي منها، فاطيما لو مشيت أنا همشي معاها."

_مش بتهدد ياسما، مليش دراع يتلوي.
تحدتها والدتها بنظراتها وحديثها، وسما بادلتها النظرة، وسحبت يد فاطيما تحدثها بجدية"انزلي لمي هدومك مش هتقعدي هنا تاني".

ووقفت والدتها ترى ما آخرها، خرجت من صمتها العروس المغفلة!ودخلت غرفة الملابس ترتدي فستان لها ووشاح بعدم نظام، وجرت حقيبتها خلفها تحدثها بنبرة حادة"أنا همشي معاها".

رفعت حاجبيها بعدم تصديق، وسألتها بتهكم لاذع"هتروحي فين يا ملكة؟ هتروحي تباتي عند حبيب القلب؟ ولا شققك الكتير هتباتي فيهم؟ ما حبيب القلب خد كل حاجة، ولا بقا معاكي فلوس ولا عندك شقق!"

اقتربت منها تحدثها بكرهٍ ونبرة متحدية"وحياة حرقة قلبي دي يا حبيبة يا شرقاوي لا ما هخليكي تشمتي فيا إنتِ وبنت أختك، وحياة كل حاجة حصلت في حياتي وإنتِ شمتي فيا لا هوريكي بحق مين سما الشرقاوي، ووحياة كسرة نفسي دي وفرحتك فيا لا هتشوفي أسود وش ليا".
15

أنهت حديثها وسحبت فاطيما الواقفة بصدمة، هبطت بها وهي تحدث والدها في الهاتف"أنا عايزة خمسين ألف، أنا معايا دلوقتي عشرة، أنا مش عايزة أقعد في البيت، أرجوك يا بابي سيبني أنا مستحيل أقعد في الڤيلا دي تاني، أنا مش هقعد مع الست دي."

أغلقت معه وهو كان في لحظتها أرسل لها الأموال، دخلت الخادمة تأخذ ملابسها في حقيبة دراسة كبيرة، حملتها فوق ظهرها وجاءت لتسحب منها الحقيبة لكن سما أوقفتها بجدية"لاء أنا هشيلها لنفسي".

غادرت من المنزل، والحراس ركضوا وراءها يحدثونها بجدية"سما حاجة محتاجة حاجة؟ سما هانم عايزة العربية؟"

_لاء، محدش يجي ورايا.
قالت جملتها وانتهى الأمر، وسارت بسرعة، وجارتها فاطيما في سيرها، خرجت على الشارع الرئيسي وانتظرت أي سيارة أجرة تأخذها، وفي الوقت المناسب كان ظهر"عُميِّر"وتلك ليست بصدفة، كل شيء مرتب، يسأل عليها دائمًا من السائق الذي اخبره عن هويتها بعدما أخذ رقمه، يتصل في الصباح دائمًا يتحجج بإنه يريد أن يطمئن عن حالها، وعلم منه الآن إنها رحلت تاركة المنزل، حالفه لحظ لمرة واحدة، وهي أشارت له، توقف بسيارته وتحدث بدون حتى أن تقول هي حرف واحد"اركبي يا هانم أنا جي مخصوص عشانك".

عقدت حاجبيها باستنكار، وصعدت في المقعد الخلفي هي والخادمة تسأله باستغراب"بجد! أنت تعرف منين إني كنت مستنية تاكسي".

_أنا بسأل عليكي كل يوم من السواق إللي جه خدك، مش بتروحي عن بالي.
توترت ملامحها بسبب جملته، وصاحت الخادمة فيه بنبرة عالية"في إيه يا راجل إنت! عايز إيه من الست هانم!"
4

تجاهل جملتها، ورمق سما بتفحص، وتنهد بآسى واضح"ملامحك شكلها تعبان أوي، إنتِ كلتي؟"

لا تعلم سبب نظراته الحنونة لها، لكنها ارتعبت كانت نفس نظرات يونس الكاذبة، أمرته بجدية"لو سمحت وديني أي فندق حلو".

انصاع لها، واستدار يبتسم بدهاءٍ والتقط لها صورة في الخفاء وهي بتلك الحالة المزرية، احتدت نظراته وهو ينطلق بها كما تريد، صورة للذكرى! ذكرى رائعة سيفرح بدر بها عندما يرى تجمع الإخوة مع بعضهم! لتستحمل ابنة "حبيبة "وبدر الشرقاوي"!
16

الفتاة لا ينقصها مصائب أكثر! المصائب تحل على رأسها وهي ليس لها ذنب في شيء! حتى أخيها لن يرحمها ويتركها في حزنها وصمتها بمفردها بل سيزيد الطين بلة!

ردد بداخله بعزمٍ....إنها لعبة مدنسة احذر من أن تحكِّم قلبك فيها، اعلم إنك في لعنة؛ لعنة طالتك وطالت الجميع قبلك! هو المجني عليه وليس الجاني!
5

"______"

بدأت لعبتنا المدنسة بقذارة البعض ودماء البعض والمقصود بالدماء ليس كما فهمت بل رابطة الدم، اللعبة جميعها متصلة، رابطة دم واحدة قذرة، حكم عليهم أن يتجمعوا بعد وقتٍ طويل ليظهر كل مافيهم أسوأ جانب له واقذرهم، أهلًا بك في مستنقع الظلام والدنائة البشرية حيث مسموح وجائز كل شيء في ذلك المستنقع، حتى وإن كان سيؤذي الأخ أخته، والأب ابنه، والأم ابنتها..بكل آسفي أقول لك مرحبًا بلعبتنا ولعنتنا الحقيقية بعدما ظهرت واضحة للعيان، رحب معنا بأفراد لعبتنا المهمين للغاية"عمير" و"سما"و"أدهم"...وآهٍ من لعبتهم القذرة! مرحبًا بك في لعنة"هويَّة منسيَّة".

"______"

بحب أحمسكم بعدين أقفل البارت✋

حتى عمير هيأذي سما وطلع مش سالك😭😭لسة عايزين تحبوا يابنات؟🤔
11

دا حتى إياد إللي كنتم فكرينه عبيط طلع مغفلكم ومغفل رنا✋✋
2

إيش رأيكم ياحلوين؟ عارفة إن الرواية قمورة.😍
9

المهم توقعاتكم؟

عمير هيعمل إيه لسما؟
1

وسما هتعمل إيه؟
1

إياد ورنا؟
2

زينب رودينا وعمير؟ وهل رودينا غلطت لما جابت الخاتم ولا لاء؟"معلش أنا بعشق التوقيع بين الصحاب"😋😋
3

رودينا وحياة ومنقذ؟
1

سما ويونس، وأول لقاء؟ وليه يونس عمل كدا؟
2




مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات