📁 آخر الروايات

رواية احفاد الثعلب الفصل السابع عشر 17 بقلم شريهان سماحة

رواية احفاد الثعلب الفصل السابع عشر 17 بقلم شريهان سماحة


الحلقة السابعة عشر

على أثر ذلك المشهد أنتفض قلبهُ دون أستأذن مسلطاً رغماً عنه النظرات لها بحالة مخدرة تماماً ..
جعلته لم يشعر بأقدامه وهي تهبط من السيارة وتقف خارجها متمعناً هيئتها جيداً ، فهي كالوهج المتلألأ الذي يجذب الكفيف لطريق النور ، ذلك الطريق الذي تمناه من أعماق قلبه لظلمته الحالكة كحلم بعيد المنال ..

بعد أن وعي أخيراً لحالته الغائبة ، تجرع ما في حنجرته بريبة شديدة متجاهلاً ما يشعر به عن قصد بل وعاتب قلبهُ الخائن علي استسلامه بهذا الشكل النادر من نوعه ولها بالذات دون غيرها ..

كيف يتأثر بها بتلك القوة .. وهي من اتباع الإهاربين المتطرفين بعملياتهم الأجرامية في العالم أجمع وخاصة بلاده ..

فهو لم ولن ينسي ماحدث في 11 أيلول " سبتمبر " عند انهيار مبنى التجارة العالمي بهجوم غاشم خرج عنه قتل الكثير والكثير من أبناء ارضه ، منهم بعض أصدقائه وجيرانه المقربين ..

علي أثر تلك الذكري التي لم تُنسي في عقول الأمريكان أمثاله وصل العتاب بنهر ذاته محدثا اياها بقوة تحذيرية ..
" هذا هراء يا جاك أفق وأرجع لعقلك وأبغضها هي ومن شبيهها .. "

نعم هذا ما يجب أن يحدث .. ولابد أن ينفذ !!

والأن لا بد من أبعاد عيني نهائيًا عنها !!

وبالفعل قاوم ونفذا في الحال واستدار للسيارة وجلس بمقعدهُ ينتظر قدومها متحاشي نظره عن مكان جلوسها برمته لحين الإنتهاء ، مع استمرار بثه لذاته بالثبات والقوة وعدم سيطرة تلك المرأة بلباسها هذا علي أبواب قلبه بدقاته المتزايدة ...

ماهي إلا دقائق ظل يعاني فيها متصنعا الثبات بأفكاره العنصرية البغضة حتي غاب الغروب تماما و حل خيوط الظلام .. فبدأت تنهض من جلستها وتُحرك أقدامها بتحسن نوعا ما بأتجاة تلك السيارة التي أنستها هي وسائقها في غفلة منها في هذا الأنفراد الفريد من نوعه بطبيعة الخالق ..

ألقت السلام بصوت شارد هاديء ودخلت تحتل مقعدها الخلفي في سكون يتحالف مع مقلتيه المغمضتين علي قلبهُ ، فلم يشعر بنفسه لكي يخرج من ذلك الموقف إلا وهو يردد بوجه عابث مستاء لافتعال شد وجذب بينهما .. يجعله يبعد قلبه بلا عودة لهذا الطريق المفخخ بالمخاطر التي سوف تقضي عليه حتماً ...
- ماذا تعني تلك الجملة التي ألقيتها الأن فأنا لم أسمعها من قبل أهي سباب بلغة موطنك ؟!

تعجبت كثيراً لسؤاله الذي أخرجها من حالتها النفسية الشاردة ، فكيف لسائق أن يسألها بهذا الشكل الجرئ الغليظ كأنه بينهما حديث مسبق !

ولكن لا بأس فطالما السؤال في حدود ستتجاهل وقاحته لعل في نفسه سببا لها ، وستجاوب عنه في حدود أيضًا ، فهي دائمًا لم تتحفز لفتح حديث مع غرباء ..

- عليكم السلام ورحمة الله و بركاته .. ليست سُباب بل هي جملة أساسية في إسلامنا تعني أني أحمل السلام بكل معني للكلمة باتجاة من ألقها عليه ، ورحمة الله وبركاته تعني مدي أهمية السلام في ديننا وأن الله عز وجل يباركه بل ويلقي برحمته علي من يرددها ويتلقاها لأهميتها العظيمة ومدي علو شأنها ..
وتزيد أيضًا من يقولها ويردها بالمثل بالحسنة والله يضاعف لمن يشاء !! ..

رغم أندهاشة من تفسير جملتها إلا أنها لم تكن الأجابة التي يريدها لأخماد نيران قلبه فهتف بخبث أكثر وقاحة :
- أذا كان دينكم كل هذا التسامح ، فلماذا أكثر أصحاب العمليات الأرهابية نابعين منه ؟!

رفعت راسها المتدنية بحياء لموضع جلوسه بذهول .. فا هي بوادر الكلام التي عبر عنها عيونهم من قبل ألسنتهم ، مستوعبه الوضع وحجم العقدة من الأساس فهتفت بلين يناسب عقدة السائل بعد أن سحبت تنهيدة عميقة :
- الإرهاب لا دين له ، وليس من العدل أذا أخطأ أنسان أن تتخذ ديانته أو أي شخص علي دينه بذنبه .. لان كل بلد وكل ديانه وكل أرض بلا استثناء على هذه الكرة الأرضية إلا ويوجد بها نوع من التطرف مهما أختلف شكلهُ .. أما اسلامنا فهو أكبر أني أبرئهُ أمامك وسأكتفي بتلاوة أية مترجمة عليك من كتابه الكريم ...
(مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [سورة المائدة ـ الآية 32]

علي أثر أنتهاء تلاوتها العذبة ، الواضح معناها .. تسرب بداخله شئ غامض لم يتضح له بعد .. شئ بنسائمه الطيبة المباركة جعلته يترك أفكاره العنصرية جانباً لتنهار جبهته المزعومة للأبد !!

وزاد من دقات قلبه المستنكرة لأحاسيسه رافعا عيناه ببطئ متفحصاً أياها في مرأة السيارة بنظرات مطولة محدثا ذاته بذهول " تحديتك لأخرج قبحكِ الخفي لكي أخذ قلبي الخارج عن طوعي وأبتعد ، فأخرجتي لي جمال روحكِ فجعلتي لساني يصمت بل وأنجذبت لكي جذباً يا امرأة يكسوها السواد ! "

--------------------

دخلت غرفتها بحيرة شديدة من ذلك السائق ومن مراقبته المريبة لتحركتها من مرآة السيارة .. والأهم هذا الحوار الذي كانت تعلم من ملامح وجوه من رأتهم حتي الأن أرائهم به من قبل أن تتفوه ألسنتهم .. ولكن لم تتوقع أن تكون به طرفا يوماً ما لتدافع عن دينها أمام أعدائه ..

حمدت الله أنها استطاعت بقدرته تعالي أنهاء ذلك الحوار كما ينبغي ثم تلازمت الصمت حتي وصلت إلي هُنا .. فيجب الاحتراس من ذلك السائق وتجنبه بعقليته المتطرفة تلك ..
ولترجع لكارثتها أذا بعد أن شعرت بالتحسن الجيد من مرضها ...

أتجهت للفراش بخطوات مثقلة جالسة عليه بنفس داخلية مهمومة ، تحاول التفكير في ذلك القرار الذي أتخذته في جلستها أمام الغروب إلا وهو حزم امتعتها ومغادرة ذلك المكان بلا عودة ..

ولكن السؤال الأهم الذي يحتل تفكيرها لماذا أقحموها في ذلك الأمر طالما يعلمون بأنه سينتهي بالفشل ما أن تعلم بالامر !!

بعد مضي بعض الوقت أمدتهها تلك المحاولة في التفكير بالاصرار علي معرفة الأجابة ، فلم تشعر إلا وهي تمد كف يدها باتجاة ذلك الهاتف المنزلي المجاور للفراش والاتصال بشخص واحد يستطيع رد حيرتها و الأجابة علي سؤالها ..

اتاها صوته هادئ بالتحية بعد عدة تنبيهات متواصلة ، فردتها بنبرة خالية من الحياة ، فتعرف الطرف الأخر علي صاحبتها في الحال ، فهما يهتف بتلقائية حانية :
- هنا ! وحشتسني قوي يا بنتي طمنيني عليكِ عاملة أيه وأخبارك أيه ؟!

أرادت أن تصرخ ، تبكي ، تعاتب ، والأهم ذلك السؤال هل كان يعلمان ؟! وأن كان يعلمان لماذا أقحموها في ذلك الأمر ؟!
ولكن خانها صوتها و حشر في حنجرتها ، فعوضت عن كل هذا بالبكاء اللأردي بشهقاته التي رفعت راحت كفها الأخري علي الفور لاحباسها قبل أن تخرج ..

توجس شاكر كثيراً لبعض الشهقات التي تسربت وعبرت عبر سماعة الهاتف لأُذنه .. مما جعله يهتف بريبة :
- مالك يا بنتي طمنيني عليكي .. لو مش بخير عرفيني وأجيلك فورا و . .

- ليه ؟!

قطع جملته بعد خروج تلك الكلمة بصعوبة بالغة من وسط بكائها .. فتيقن أنها علمت بكل شئ !

سحب زفيراً عميق يكفي لمواجهة باتت مؤكدة !

وأشفق علي تلك الطفلة حقاً لحملها ورث يثقل الأكتاف بدل أن تدلل في ذلك العمر الصغير !

ولكن هذا قدرها !

هتف بحنو أبوي :
- هنا يا بنتي أسمعيني لو سمحتي ...

إلا أنها منعت بكائها الذي أفلت منها بغير أدراك وأطلقت سؤال مباغت له في الحال :
- كنتم عرفين !

أبتلع ما في حنجرته بمرارة .. قائلا بهمس خافت :
- هنا !

الأن وصلت لها الحقيقة الصادمة القاتلة .. الأن قُتلت روحها فهتفت قائلة بنبرة خافتة بلا حياة بها :
- كنتم عرفين وهو بالذات كان عارف ومع كده زوجني ليه ؟!

حينها أستجمع شاكر شجاعته للأجابة علي سؤال كان يعلم أن الأيام ستدور وسيسأل له في يوم من تلك الايام فهتف قائلا بترجي حازم :
- أسمعيني يا هنا ومتقطعنيش لو سمحتي قبل ما تحكمي ..

ثم استرسل حديثه بلا تردد :
- صدقيني يا بنتي أنا وجدك ، وأنا بالذات لان الله يرحمه بسبب ظروف عجزه مكنش يعرف أي معلومة عنه إلا عن طريقي .. مكناش متأكدين بخصوص المعلومة الغامضة دي .. لأن رجالي وصلت لها من ضمن المعلومات الغامضة اللي كانت بتحاول توصل لها عن حياته السابقة في ال 13 سنه من قبل ما أقبله أنا بالصدفة .. حاولنا نتأكد منها بس للأسف فشلنا .. مش عاوز أقولك وقتها هو انصدم قد أيه وبكي قد أيه وكان بيحاول ميبينش ليكم .. عشان متتأثروش بحزنه .. ورغم ذلك جدك صبر و حاول كتير في مكالماته معاه أنه ينزل يعيش وسطكم ويطبع بطباعكم ويكون ليكم السند في الدنيا بعد الله عز وجل أولا .. لأنه متأكد أن السنوات إللي قضاها مع والدته بعد موت جلال الله يرحمه ممكن تكون أثرت فيه و هو بالطبع عمره ما هيرضي أن حفيده يكون علي ديانة غير ديانته ..

بس اتفاجأ أن الحفيد ده يدوب عارف أسم جده وقد يكون مش معترف بعلاقته بيه من الاساس عن طريق كلماته المختصرة في حديثهم ، غير رفضه القاطع أن ينزل مصر .. دارت الأيام ومحاولات جدك موقفتش إلي أن وصل بيه الحال أنه يوزع ميراثه وهو حي لمجرد أن هناك أمل لتحقيق هدفه .. بس للأسف " علي " رفض بشدة ولكن مع اصرار جدك وبكائه في كل مكالمة .. اتفاجئنا قبل جلسة التقسيم أنه بعت لينا توكيل باسمه .. طبعا جدك حزن جداً وحاولت أهديه بأن المحاولة مش فشلت كليا لأن علي الأقل وضحت لينا ديانته الاسلامية المكتوبة في التوكيل وبالفعل استجاب بعد عناء.. بس إللي أنا مقدرتش عليه ولا أي حد يقدر عليه هو شوقه وحنينه لحفيد مشفوش لمدة سبعة وعشرين عام وقتها .. والأكتر نار قلبه لما عرف بطباعه الغير محموده من خمر ونساء ...

همست باشتياق معاتباً لذاتها لسوء الظن به :
- يا حبيبي ياجدو شوفت كتير وأحنا مكناش بنشعر إلا بفتافيت حزنك ..

استرسل شاكر حديثه بعد انصاته لجملتها المعاتبة :
- لغاية لما جه فرح أختك ندي ومعرفش أيه خلاه يأخد القرار الخطير ده في لحظات وهو أن يجوزك ليه بالتوكيل إلا يكاد مبقاش فيه يوم أو اتنين وينتهي صلاحيته .. قرار أنا عن نفسي أعترضت عليه بشدة .. بس هو قالي وقتها جملة واحدة " أنه مش هيسيب حفيده لغاية لما يتجوز من هناك ويقرر غلطة والده ويضيع نسله للأبد علي الأرض النجسة دي "

انقلبت دموعها لضحكات تهكمية باهتة بعد حديثه الأن أثناء تذكرها لتلك الليلة وحالة الجد التي كانت طبيعية إلي حدّ ما إلي أن رددت كلمتها العفوية " أنساه يا جدو ما يمكن أتجوز هناك وعاش حياته "

أذا فهي من قلبت بحياتها رأساً علي عقب وأقحمت حالها مع أجنبي يهودي ليس بالغريب !!!

طال صمتها وشعر بعض الشئ بما يدور بذهنها فخرج صوته في الحال بحكمه تقتضي أن تخرج في ذلك الوقت الراهن :
- هنا يا بنتي أنا لسه عند وعدي ليكِ وعلي وصية جدك الله يرحمه أن كنتِ تعبتي وعاوزه ترجعي فأنا هنفذ في الحال مهما كانت الصعوبات قدامي .. بس حابب أقولك كلمتين قبل ما تخدي قرارك يمكن يكونوا غفلنين عنك وعن أي حد يسمع الحكاية دي وهو أن الشخص ده يبقي ابن عمك و اسمه " علي جلال علي البنا " من أب مسلم ويندرج تحت اسم جد مسلم و تحت كمان اسم عائلة كبيرة يتوغلها الأسلام أبً عن جد .. فعلي أن أخطاء وأنحرف لديانة أخرى وده إللي أتأكدنا منه دلوقت عن طريقك ، فهو في الوقت ده كان طفل استفرضت بيه أم يهودية وقتها .. وأنتِ أكيد عرفه تأثير الأم علي أولادها وخاصة لو عاوزه تثبت لهم افكار خاطئة في عقولهم ... يعني في النهاية يا بنتي كل ده ما هو إلا حرب علي الاسلام بصفه عامة !!

صدمت من تلك الكلمات ومضمونها التي لم تعي إليه الا الأن .. ألهذا كانت رسالة الجد الأخيرة " أعتبريها جهاد في سبيل الدين " !!!

تخبطها الحيرة .. وتشتت ذهنها .. وضاقت انفاسها .. هجوم إعلامي .. عمليات إرهابية لم يعرف مصدرها وتنسب دون تبين واضح للاسلام بعينه .. اشخاص يردون تغير ديانات أبنائه .. ما كل هذا !!!

وهل جميعهما يتكاتف فوق الاسلام حقًا ... ولماذا ؟!!

إلا أنه قطع دهشتها بسؤاله المفاجئ :
- قررتي أيه يابنتي ؟!!!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات