رواية عشق يزلزل الحصون الفصل السابع عشر 17 بقلم بسنت محمد
سقطت كلمات الرائد أحمد كالصاعقة التي شقت سكون ليل الفيوم الساحر، لتتحول الأجواء الترفيهية في لمحة عين إلى ساحة حرب حقيقية مشحونة بالترقب. الكشافات العملاقة للطائرة الهليكوبتر السوداء كانت تسلط أضواءها المبهرة فوق رؤوس أبطالنا، لتكشف عن ملامح العقيد أدهم الجارحي التي تحولت في ثانية واحدة إلى كتلة من الفولاذ الصامت.
أدهم لم تهتز منه شعرة واحدة؛ سحب حور وراء ظهره الضخم وعيونه السوداء الحادة كالصقر تفحص المكان المحيط بالخيمة، بينما اندفع المقدم إياد سليم ليقف أمام سلمى، واختفت غمازاته تماماً ليحل مكانها وش الخشب الميري الصارم.
لوت حور بوزها بشقاوة مضحكة للغاية رغم الموقف المرعب، ورفعت نظارتها الطبية بإصبعها وقالت بصوت واطئ ومرح من وراء ظهر أدهم:
"جرى إيه يا واد يا أحمد؟ والنعمة أنت جاي بالهليكوبتر ونزل لنا بحبل كأنك سوبر مان عشان تقولنا الملكة هربت والمحشي بتاعي هيبوظ؟! هو إحنا مكتوب علينا مكنملش وجبة واحدة في تبات ونبات في البلد دي؟!"
أدهم التفت إليها بطرف عينه، ورغم خطورة الموقف، لم يستطع منع ابتسامة خفيفة وساحرة من الظهور على شفتيه بسبب جنونها، ثم نظر لأحمد وقال بصوت رخامي حاد زلزل المكان:
"أحمد! اجمع القوات حالاً. اللواء حامد واللواء الشافعي هيتولوا قيادة غرفة طوارئ فرعية من هنا، وإياد هيتحرك معايا فوراً لتأمين محيط البحيرة. التهديد ده مش لِعب عيال، والملكة شكلها مأمنة نفسها بمليشيا كاملة!"
اللواء حامد، رغم أنه كان يرتدي التيشيرت الكاجوال، إلا أن نبرته العسكرية الصارمة عادت لتزلزل الأرجاء:
"العقيد أدهم.. المقدم إياد.. اتحركوا فوراً لتقفيل الممرات الجبلية للفيوم. أنا والشافعي هنأمن البنات هنا، ومفيش مخلوق هيخترق المعسكر ده.. انطلقوا!"
في لمحة عين، تحرك الحصن والصقر. أدهم سحب حور قبل أن يتحرك، وحاوط وجهها بكفيه العريضتين، ونظر في عيونها العسلية بدفء وتملك شديد وقال بنبرة منخفضة تحبس الأنفاس:
"حور.. اسمعيني كويس يا إعصاري. الزمي جدار الخيمة مع سلمى واللواءت، ومتحركيش خطوة واحدة برة. أنا جنبك وأمانك، والحصن مش هيسمح لأي قوة تلمس شعرة منكِ.. مفهوم؟"
حور دقات قلبها عِليت، وتمسكت بجاكيت قميصه برقة وعناد وقالت بعيون تلمع بالعشق:
"مفهوم يا حصني الغالي.. بس ترجعلي سليم ومفيكش خدش،
أدهم ابتسم بطريقة رجولية خطفت قلبها، وطبع قبلة حانية على جبهتها وانطلق كالفهد الجريح نحو ساحة المواجهة.
على الجانب الآخر، كان إياد يقف مع سلمى، ويمسك يدها الرقيقة بكل حنان، وقال بدم خفيف ليطمئنها وظهرت غمازاته الساحرة:
"بصي يا حورية البحر.. والنعمة أنا سليم ومفياش حاجة، والمأمورية دي هخلصها في ثانية وأرجع عشان ناكل البسبوسة بالقشطة. خليكي بطلة زي ما عودتيني!" 

سلمى هزت رأسها بدموع وقالت:
"خلي بالك من نفسك يا إياد.. ربنا يحميك ليا."
انطلق أدهم وإياد مع فرقة العمليات الخاصة عبر سيارات الدفع الرباعي المجهزة. الأجواء في ممرات الفيوم الصخرية كانت مظلمة تماماً، والترقب سيد الموقف.
وفجأة!! 

دوى صوت إطلاق نار كثيف من وراء التلال الصخرية المحيطة بالبحيرة! مجموعة من السيارات المصفحة التابعة للتنظيم الإرهابي حاولت الهجوم لقطع طريق الإمدادات وتطويق المعسكر.
أدهم ضغط على زناد سلاحه الرشاش الثقيل، وبدأ يطلق النار بدقة حاسمة وقاتلة، وصوته الجهوري يوجه التعليمات عبر اللاسلكي:
"إياد!! تدوير كامل للمدرعة رقم 2 وتقفيل المنعطف الغربي حالا! متسمحش لأي عربية تتقدم خطوة واحدة نحو المعسكر الخلفي!"
جاءه صوت إياد وسط أصوات الانفجارات وهو ينفذ المناورة باحترافية مذهلة :
"علم وينفذ يا رئيس! ، 

وبحركة تكتيكية سريعة وخارقة من أدهم وإياد، تم محاصرة القوة المهاجمة بالكامل وتصفية جيوب المقاومة وشل حركتهم في أقل من عشر دقائق، ليثبت "الحصن والصقر" أن رتبهم الجديدة لم تأتِ من فراغ!
في نفس الوقت.. داخل المعسكر الخلفي أمام البحيرة.. 
كانت حور وسلمى قاعدين جوة الخيمة، واللواء حامد واللواء الشافعي واقفين برة بيأمنوا المكان بنظرات صارمة وسلاحهم جاهز. حور كانت عمالة تفرك في إيدها وعيونها العسلية دبلانة من القلق على أدهم، بس لسانها مقدرش يسكت، فبصت لسلمى وقالت ببرطمة ومرح:
"والنعمة يا سلمى أنا حاسة إن الكاتبة بسنت مستخسرة فينا صباع محشي واحد نأكله بهدوء! إحنا داخلين في مأموريات أكتر من دكاترة الامتياز بتوع قصر العيني! 
سلمى ضحكت برقة رغم خوفها وقالت:
"يا حور ادعي لهم يرجعوا بالسلامة.. دول بيحمونا."
وفجأة.. ساد هدوء تام برة الخيمة، وانقطعت أصوات ضرب النار. دخل أدهم وإياد بكامل هيبتهم ووقارهم العسكري، والتراب يغطي ملابسهم لكن عيونهم تلمع بالنصر والسيطرة. حور أول ما شافت أدهم، جريت عليه كالإعصار وارتمت في حضنه وقالت بشقاوة وهي بتمسح قميصه:
"حمد الله على السلامة يا جبل الصخر! والنعمة كنت هطلع أدور عليك واخود معايا حلة ورق العنب!" 
أدهم ضمها لضلوعه بقوة ودفن وشه في شعرها الكيرلي الغجري الدافئ وقال بصوت رخامي حنون:
"الله يسلمك يا إعصاري الشقي.. التهديد انتهى والمحيط كله اتأمن خلاص." 
إياد قرب من سلمى وظهرت غمازاته الساحرة ورجعت له روحه المرحة وقال بدم خفيف:
"أيوة بقا يا سيدي! المأمورية تمت بنجاح، والنعمة أنا هقدم طلب رسمي للوزير يمنع دخول كلمة (أكشن) في حياتنا لمدة شهر كامل عشان نلحق نأكل المحشي العسكري ده!" 
جلس الجميع حول النار مرة أخرى بسعادة وفرحة غامرة بانتهاء الحصار وسلامة الأبطال. اللواء حامد قعد ووضع عوامة البطة البينك جنبه بفخر مضحك، وقال:
"برافو يا أبطال.. المديرية فخورة بيكم، والملكة هربت فعلاً من السجن الرئيسي، بس القوة اللي هاجمتنا هنا كانت مجرد تشتيت، والملكة دلوقتي محاصرة في وكر سري في القليوبية، والقبض عليها مسألة وقت."
حور لوت بوزها بمرح وقالت وهي بتقدم لأدهم كوبايه شاي دافية:
"طب والنعمة طالما مسألة وقت، سيبونا نعيش اللحظة الرومانسية دي بقا يا سيادة اللواء! خد الشاي ده يا حصني عشان يظبط الدماغ الميري." 

أدهم أخذ الكوباية وضغط على يد حور برقة وعشق حقيقي، والكل كان بيضحك ومبسوط.
وفجأة!! وفي قمة الهدوء والضحك الكوميدي.. تحركت شجيرة ضخمة وراء خيمة اللواء حامد بصوت خشخشة قوية ومريبة جداً! 

أدهم وإياد وقفوا في ثانية ووجهوا سلاحهم نحو الشجيرة بصرامة صخرية تحبس الأنفاس. وفجأة.. خرج من وراء الشجرة (ماعز بدوي صغير ولطيف جداً لونة أسود)، وفضل يبص للكل ببرود ويقول: "مباااااااع.. ميااااااع"!
صدمة الكتيبة!
الكل تنح وبص للماعز بصدمة مضحكة ملوش مثيل، وإياد سليم حط إيده على وسطه واختفت غمازاته وقال بعصبية كوميدية:
"جرى إيه يا عم الماعز أنت كمان؟! والنعمة أنا افتكرتك الليدر الحقيقي وجاي تقتحم المعسكر! أنت جاي تعمل (مباع) في نص الليل وتخض مقدم وعقيد عمليات خاصة؟! دي تلاقيها مؤامرة تانية والنعمة!" 
حور بصت للمشهد وبصت للماعز الصغير، وفجأة الماعز جرى بسرعة وخطف (علبة المحشي الضخمة) اللي حور كانت مجهزاها من على الطاولة، وجري بيها وسط الصحراء بسرعة البرق وهو بيقول "مباااااااع"!! 
علبة المحشي طارت!
حور فتحت عيونها العسلية على وسعها بصدمة وذهول حقيقي، وشعرها الكيرلي اتهز من العصبية، وصرخت بأعلى صوتها وهي بتجري وراء الماعز بالكبشة وسط الضلمة:
"خدي هنا يا بنت البدوي!! والنعمة مانا سايباكي!! المحشي ورق العنب بتاعي المأمن عسكرياً يتسرق من معزة؟! أدهم.. إياد.. اعملوا مداهمة على المعزة دي حالا!! دي تابعة للملكة والنعمة وسارقة المحشي ضاع!!"
!
أدهم الجارحي بص لمنظر حور وهي بتجري بالجلابية والمريلة وراء المعزة في الصحراء والكبشة في إيدها، طلعت منه ضحكة رجولية عالية جداً وقوية زلزلت أركان المكان بالكامل، وقعد يضحك بشدة ومن قلبه على جنون إعصاره، وإياد كان ميت على نفسه من الضحك وغمازاته منورة وهو بيقول: "ورق العنب بقى في ذمة اللطيف والنعمة يا رئيس!" 

وفي عز الضحك والجنون والمطاردة الكوميدية دي وراء المعزة.. تليفون اللواء حامد رن فجأة برقم مجهول، وصوت الضحك انقطع تماماً لما اللواء حامد فتح الخط وسمع صوت نفس المرأة الغامضة (الملكة) وهي بتقول بنبرة باردة ومرعبة هزت السماعة:
"ضحكتم كتير يا سيادة العقيد أدهم.. المحشي والمعزة كانوا مجرد تسلية عشان أشغلكم عن المفاجأة الحقيقية! بصوا وراكم حالا في مية البحيرة.. وشوفوا الهدية بتاعت الملكة!" 



انقطع الخط فجأة.. والتفت أدهم وإياد واللواءات بسرعة نحو مية بحيرة قارون.. ليروا شيئاً غامضاً ومشتعلاً بيقترب من الخيام بسرعة مرعبة وصدمة جمدت الدماء في العروق!! يا ترى إيه اللي بيحصل؟!