📁 آخر الروايات

رواية نسخة من روحي الفصل السابع عشر 17 بقلم هاجر ابراهيم

رواية نسخة من روحي الفصل السابع عشر 17 بقلم هاجر ابراهيم 


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
( السابع عشر)

"ليلى"

منذ أن وطئت قدما رهف عتبة المنزل شعرتُ بأن جدرانه تنفّست من جديد
أنا ليلى .. امرأةٌ تعلّمت أن تُخفي خوفها خلف ابتسامة وأن تُدير شؤون بيتها بصلابةٍ لا تليق دائمًا بقلب أمّ ولكن حين غابت رهف شعرت بانكسارٍ لم أشعر به من قبل .. أدركتُ أن كلّ ما بنيته من قوّةٍ كان هشًّا أمام دمعةٍ واحدة سكنت عينيها

ضممتُها كما لو أنني أعتذر بصمتي وكأن حضني قادرٌ على محو المسافات التي صنعتها الأخطاء ومع ذلك لم يهدأ قلبي.
كان في عينيها شيءٌ تغيّر .. نضجٌ ثقيل أو وجعٌ لم تُفصح عنه .. وكان بجانبها تلك الفتاة .. حلا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

منذ اللحظة الأولى التي وقعت فيها عيناي عليها تسلّل إلى داخلي شعورٌ غريب لم أستطع تفسيره .. لم تكن تشبه رهف تمامًا و لكن شيئاً ما في ملامحها كان يذكّرني بها على نحوٍ أربكني .. ربما انحناءة الحاجبين أو الطريقة التي كانت عيناها تتسعان بها حين تنظر حولها أو حتى تلك النظرة الطفولية التي تختبئ خلف حذرٍ واضح.
لم يكن شبهاً صريحاً لكنه كان كافيًا ليجعلني أطيل النظر إليها أكثر مما ينبغي.

راقبتها طويلًا دون أن أشعر .. ملامحها .. صمتها .. ارتباكها حين تتلاقى عيوننا .. شعرتُ أن وراء قصّتها فصولاً لم تُروَ بعد .. أنا لا أسيء الظنّ بسهولة و لكن حدس الأمّ قلّما يخطئ .. وثمّة سؤالٌ عالقٌ في صدري ينتظر اللحظة المناسبة ليُقال .. ثم جاءت تلك اللحظة .. سألتها فيها عن اسم والدها .. لا أدري لماذا فعلت ذلك .. خرج السؤال مني بعفوية أو هكذا حاولت إقناع نفسي .. لكن ما حدث بعدها لم يمرّ عليّ مروراً عادياً .. لم تكد حلا تفتح فمها حتى سبقتها رهف بالإجابة بسرعةٍ لافتة وكأنها تخشى أن تترك لها المجال لتتحدث .. راقبتُ رهف لحظتها وراقبتُ حلا أيضاً .. رأيت الارتباك في عينيها .. ذلك الارتباك الصامت الذي لا يعرف صاحبه أين يضع يديه أو كيف ينظر .. أخفضت رأسها بخجلٍ واضح وكأنها اعتادت أن تدع الآخرين يتحدثون نيابةً عنها.

طوال ذلك اليوم كنت ألاحظها دون أن تشعر .. كانت تمشي قرب رهف أينما تحرّكت .. لا تبتعد عنها كثيراً وكأن وجودها إلى جوارها يمنحها الطمأنينة .. وحين كانت رهف تضحك، كانت حلا تبتسم فوراً كما لو أن ضحكتها انعكاسٌ طبيعي لفرحها .. كانت عفوية .. خجولة و بسيطة على نحوٍ يجعل القلب يميل إليها دون استئذان .. لكن أكثر ما كان يشدّ نظري إليها .. تلك الندوب الصغيرة المنتشرة على وجهها.

لم تكن خفية بل كانت واضحة بما يكفي لتجعلني أتساءل كيف تستطيع فتاة في مثل عمرها أن تحملها بهذا الرضا.
كلما نظرت إليها شعرت بوخزةٍ في صدري ..كم هي قاسية الحياة .. أن تترك آثارها على وجه فتاة لم تعش من العمر إلا القليل .. هذه قسوة حقاً

كنت أراها تبتسم رغم ذلك تحاول أن تتصرف بطبيعية وكأنها تعلّمت عن قريب أن تتعايش مع الناس .. وفي كل مرة كانت عيناها تلتقيان بعيني كنت أرى في نظرتها شيئاً مؤلماً .. مزيجًا من الحياء والحذر .. لم أجد في قلبي يومها سوى شعورٍ واحد تجاهها .. الشفقة.
شفقة امرأة ترى أمامها فتاة في أول العمر .. تحمل على وجهها ما لا ينبغي لطفلة أن تحمله.

حين بدأ المساء يرخي ستاره على البيت وهدأت الضوضاء التي ملأت أركانه طوال النهار .. شعرتُ أخيراً أن التعب تسلّل إلى جسدي .. كان يوماً طويلاً على قلبي قبل كل شيء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرتُ إلى حلا التي بدت مرهقة رغم محاولتها إخفاء ذلك خلف ابتسامتها الخجولة فقلت بلطف:
- تعالي يا حلا .. سأريكِ الغرفة التي ستنامين بها الليلة.

كدتُ أنهض لأقودها لكن رهف سبقتني فجأة .. أمسكت بيد حلا بسرعة وقالت بحزم :
- لا أمي .. حلا ستنام معي في الغرفة

توقفتُ مكاني لحظة .. لم أقل شيئاً .. و لكن دهشة صغيرة عبرت داخلي .. رهف .. تشارك غرفتها مع أحد ؟ .. رفعتُ حاجبيّ قليلاً وأنا أراقبهما تصعدان الدرج معاً وذاكرتي أعادتني إلى موقفٍ قديم لم أنسه .. كنتُ يومها أجلس مع ابنة أخي التي جاءت من السفر لزيارتنا .. كانت فتاة مرحة كثيرة المزاح وقد قالت لرهف ضاحكة:
- ما رأيكِ أن أنام معك الليلة في غرفتك؟ أشتاق للسهر معكِ مثل أيام الطفولة.
ولكن رهف يومها عقدت ذراعيها وقالت بجديةٍ مفاجئة:
- لا .. أنا غرفتي شيء خاص ولا أحب ان يقتحم أحدٌ خصوصياتي.

ضحكنا جميعاً وقتها وظننا أنها تمزح .. لكنها لم تكن تمزح.
كانت رهف دائماً حريصة على مساحتها الخاصة .. على عالمها الصغير الذي لا تسمح لأحدٍ بالدخول إليه بسهولة .. ولهذا تحديداً بدا لي ما فعلته الآن غريباً
تابعتُ بنظري باب غرفتها حتى أغلق خلفهما وأنا أفكر في تلك الفتاة .. حلا .. في خجلها في تعلقها الواضح بابنتي.
وفي ذلك الشيء الغامض الذي شعرتُ به منذ اللحظة الأولى.

بعد دقائق قليلة سمعتُ الباب يُفتح من جديد وخطوات رهف تعود إلى الدرج .. رفعتُ رأسي نحوها وهي تنزل وما إن اقتربت حتى مددتُ يدي وأمسكت بذراعها برفق .. توقفت ونظرت إليّ باستفهام بينما اقتربتُ خطوةً منها وقلت بهدوءٍ لم أستطع أن أخفي تحته الكثير من الأسئلة:
- رهف .. أظن أنه حان الوقت لنتحدث .. أليس كذلك؟

هزت رأسها ايجاباً و ردت:
- بالطبع سنتحدث
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

جلسنا أخيراً أنا ورهف وراجي بجلسةٍ عائلية حقيقية
لم يكن في الجلسة شيء من المجاملات المعتادة .. لا كلمات مهدّئة ولا محاولات للهروب من الحقيقة .. كانت تلك جلسة صدق لا مكان فيها للتزييف.
نظرتُ إلى رهف طويلاً .. ملامحها كانت متوترة وعيناها ما تزالان حمراوين من البكاء .. لكنها رفعت رأسها بثباتٍ جعل قلبي ينقبض و قالت بصوتٍ خافت لكنه واضح:
- من أين أحضرتموني؟

كانت تلك الكلمة التي فتحت الباب لكل شيء .. لم أهرب من السؤال ولم أحاول الالتفاف حوله حكيتُ لها كل ما استطعت قوله عن ذلك اليوم .. عن ابيها وتذمره .. عن القرار الذي اتخذته حين رأيتها .. وعن تاك الصفقة التي جردتني من انسانيتي للحظة .. ثم بررتها بذلك التبرير المقيت .. حدثتها عن السنوات التي عشناها ونحن نحاول أن نعطيها حياةً لم يكن مقدراً لها أن تنالها .. لم أدخل في تفاصيل كثيرة ولكنني هذه المرة قلتها كاملة .. دون مواربة .. حين انتهيت .. ساد الصمت لحظةً ثقيلة .. مددتُ يدي ببطء وأمسكت بيدي رهف بين كفّي .. كانت يداها باردتين .. قلت بصوتٍ متهدّج:
- يومها .. لم أكن أفكر بنفسي يا رهف .. أقسم لكِ .. لم أفكر كيف سيبدو الأمر .. ولا ماذا سيقول الناس .. ولا حتى ماذا سيحدث لاحقاً .. حتى راجي لم يكن يعرف الحقيقة كاملة فقد احتفظت بها خوفاً من أن أخسركِ
ابتلعتُ ريقي بصعوبة .. ثم تابعت:
- كل ما فكرتُ به هو أنتِ .. ومصيرك بين يدي ذلك الأب المستهتر .. رأيتُ القسوة في عينيه ورأيتُ كيف كان ينظر إليكما و كأنكما عبء لا طفلتيه ..

ارتجف صوتي قليلًا.
- خفت عليكِ أن تكبري تحت ظل رجلٍ جاحدٍ لا يعرف الرحمة.
رفعت رهف رأسها فجأة وكانت الدموع تنحدر على خديها دون توقف ثم قالت بصوتٍ مكسور:
- وأختي؟ توأمي

توقفتُ عن التنفس لحظة لتتابع:
- لماذا لم تفكري أن تأخذيها أيضاً؟ .. لماذا تركتِها مع أبٍ ظالم كهذا؟

لم أستطع الرد فوراً .. الكلمات اختنقت في صدري و لكن راجي تحدث بدلاً مني بهدوء:
- ربما لأن أمكِ لم تستطع أن تحرم أمّاً من ابنتها.
نظرت رهف إليه بسرعة وقالت بمرارة:
- لكنها حرمتها مني.
أخفضتُ رأسي بخجل .. كانت تلك الحقيقة التي لم أستطع إنكارها .. قلت بصوتٍ خافت:
- نعم وأنا أعترف أنني أخطأت.
رفعت عيني نحوها .. والندم يثقل صدري وتابعت:
- لكن يومها كان قلبي يحترق على طفل بعد أن اكتشفت عقمي وعدم قدرتي على الإنجاب .. لقد رأيت في عينيه الكره والجحود تجاهكما .. لم أحتمل فكرة أن تكبري تحت جناح ذلك الوحش .
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

سكتُّ لحظة أرتشف دموعي .. ثم سألتني رهف بصوتٍ مرتجف:
- يا ترى .. أين تكون أختي الآن؟ ما حالها .. كيف تعيش؟

تنهدت ببطء ورددت:
- بحثت عنها يا رهف أكثر مما تتخيلين .. حاولت أن أعرف ماذا حلّ بها.
توقفت لحظة قبل أن أكمل وكأن الكلمات نفسها تؤلمني.
- و لكنني عرفت لاحقاً أن والدها زوّجها منذ ثلاث سنوات لرجلٍ يكبرها كثيراً .. رجلٍ لا يُخاف الله فيها

اختنق صوتي
- لذلك ...

لكن رهف أكملت الجملة بدلاً عني بصوتٍ موجوع:
- لذلك أنا مرضت

أخفضتُ رأسي أكثر ولم أجد ما أقوله .. الصمت الذي حلّ بعدها كان ثقيلاً كالحجر .. وفجأة رفعت رهف رأسها نحوي وقالت بهدوءٍ غريب:
- والآن ألا تشعرين أنكِ مدينةٌ باعتذارٍ لشخصٍ ما؟

رفعت عيني ببطء نحوها في تلك اللحظة .. لم أحتج إلى التفكير طويلاً .. عرفتُ فوراً عمَّن تتحدث .. وائل.
ذلك الشاب الذي جاءنا يومها بصدق طبيبٍ يؤدي واجبه .. فواجهته أنا بالكذب والاتهام .. تذكرتُ كيف وقفت أمامه كمن يدافع عن قلعةٍ مهددة .. كذّبتُ تشخيصه واتهمته بالمبالغة .. وهاجمته بكلماتٍ قاسية .. لم أفعل ذلك لأنني كنت واثقة من خطئه بل لأنني كنت خائفة أن تسمعه رهف و تصدقه .. أن تعرف الحقيقة التي كنت أهرب منها.

شدَّت رهف انتباهي حين نادتني فجأة:
- أمي

رفعتُ بصري إليها لتفاجأني بسؤال لم يكن بالحسبان:
- ما هو مرضي؟

تجمد الدم في عروقي ونظرتُ بسرعة نحو راجي الذي أخفض رأسه ولم يتكلم .. عدتُ أنظر إليها محاولةً التماسك وقلت باستنكار:
- أي مرض يا رهف؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لكنها لم تتراجع .. قالت بنبرةٍ ثابتة رغم ارتجاف عينيها:
- المرض الذي جعلكِ تبحثين عن أختي .. الذي يحتاج متبرعاً
ثم أضافت بصوتٍ أخفض:
- لقد سمعتكما .. أخبراني .. أنا ممَّ أعاني؟

توقفت أنفاسي .. لم أستطع الرد .. شعرت بالدموع تتجمع في عيني قبل أن أتمكن من منعها .. أما راجي فقال بسرعة وكأنه يحاول إنقاذ الموقف:
- لقد فهمتِ الأمر خطأ يا رهف.

لكن رهف هزّت رأسها بعناد.
- لا… لم أفهم خطأ

اقتربت قليلًا وعيناها تنتقلان بيني وبينه وقالت :
- أريد أن أعرف .. أنتما وعدتماني ألا تُخفيا عني شيئاً بعد الآن.

كانت نبرتها هذه المرة حاسمة .. رفعت صوتها قليلًا وهي تقول:
- إذًا أخبراني .. ما مرضي؟

لم أحتمل الضغط .. انفجرت دموعي وقلت بصوتٍ متوسل:
- يكفي .. أرجوكِ يا رهف لا تضغطي علينا أكثر.

لكنها لم تتراجع .. قالت بإصرارٍ موجع:
- إذاًأخبراني .. من حقي أن أعرف ما أعاني.

كنت على وشك إنكار كل شيء .. أن أختلق أي تفسيرٍ آخر .. ولكنني شعرت بيد راجي تمسك بيدي بلطف .. نظرتُ إليه بدهشة لأراه يهزّ رأسه قليلاً وكأنه يقول لي بصمت .. كفى.

ثم قال بهدوء:
- ستعرف عاجلاً أم آجلاً

ابتلعتُ دموعي وأنا أحدق فيه أما هو نظر إلى رهف وقال بصوتٍ ثابت:
- سأخبرك .. لكنني أريد منك أن تتماسكي .. ويجب أن تعرفي أن هذا المرض يُهزم بالصبر والإيمان.

قالت رهف بسرعة وكأنها تخشى أن يتراجع:
- أنا أسمعك .. قل.

أغمض راجي عينيه لثانية .. ثم قال:
- أنتِ تعانين من سرطان النخاع الشوكي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ساد صمتٌ ثقيل بعد كلماته لم تتحرك رهف .. لم تبكِ أو تتكلم .. كانت تحدّق في راجي فقط .. بوجهٍ خالٍ من أي تعبير وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة .. نهضتُ من مكاني بسرعة واقتربت منها وأمسكت كتفيها .. كانت متحجرة كتمثالٍ بارد ضممتها إلى صدري بقوة والدموع تنهمر من عيني بلا توقف .. قبّلت رأسها مراراً وأنا أبكي وكأنني أحاول حمايتها من الكلمة التي قيلت قبل لحظات .. بعد تلك الجلسة
لم تقل رهف كلمةً واحدة.
ما إن انتهى الحديث حتى نهضت بهدوءٍ غريب وكأن الكلمات التي سمعَتها لم تصل بعد إلى قلبها .. ثم صعدت الدرج ببطء. كنت أراقبها بعينين مرتجفتين حتى اختفت خلف باب غرفتها .. سمعت صوت إغلاق الباب .. ثم عمّ البيت صمتٌ ثقيل .. لم تحاول أن تشرح شيئاً .. لم تبكِ أمامنا أو تسأل حتى .. وهذا ما أخافني أكثر.

بقيتُ واقفة في مكانِي أحدّق في باب غرفتها طويلاً كأنني أنتظر أن يُفتح فجأة .. أما راجي اقترب مني ووضع يده على كتفي محاولاً تهدئتي.

قال بصوتٍ هادئ:
- رهف قوية .. صدقيني ستتقبل الحقيقة كما تقبلت ما قبلها.

لكن قلبي لم يهدأ .. كنت أخشى لحظة انكسارها .. أخشى أن أبكي عليها خلف ذلك الباب دون أن أسمع صوتها.
قضيت الليل كله أراقب باب غرفتها .. مررت أمامه مراتٍ لا تُحصى .. أضع أذني عليه أحياناً لأتأكد أنها بخير ولكن لم يصلني شيء لا صوت بكاء ولا حركة .. وحين غلبني التعب أخيراً .. استسلمت لنعاسٍ ثقيل وغفوت غفوةً طويلة

في الصباح استيقظت فجأةً وأنا أشعر بقلقٍ غامض يعتصر صدري .. خرجت من غرفتي بسرعة واتجهت فوراً نحو غرفة رهف .. دفعت الباب قليلاً .. لكنني تجمدت في مكاني.
الغرفة فارغة لا رهف كانت موجودة ولا حلا.

تراجعت خطوةً إلى الوراء وقد بدأ قلبي يخفق بعنف .. ركضت نحو الدرج وأنا أفكر بأسوأ الاحتمالات.

وفجأة وصل إلى أذني صوت ضحكاتٍ خفيفة قادمة من المطبخ .. توقفت لثانية ثم أسرعت نحوه .. ما إن دخلت حتى رأيت مشهداً لم أكن أتوقعه أبداً

كانت رهف تقف أمام الطاولة .. تمسك وعاءً كبيراً وتخلط فيه مزيج كعكة بتركيزٍ طفولي .. وعلى الجانب الآخر كانت حلا منشغلة بإعداد الفطور .. تتحرك بخفة بين الموقد والطاولة.
كانت رائحة المطبخ مليئة بروائح الفطائر .. بعضها بالزعتر وأخرى بالجبنة.
أما الخادمة فكانت تقف جانباً تراقبهما بابتسامة .. اقتربت منها وسألتها بدهشة:
- ماذا يحدث هنا؟
ابتسمت الخادمة وقالت:
- نزلتا منذ الصباح الباكر يا سيدتي .. الآنسة حلا طلبت مكونات الفطائر وأعدتها بيديها والآنسة رهف تساعدها في تحضير كعكة شوكولا.

وقفت أتأمل المشهد لحظةً طويلة .. عندها فقط أدركت شيئاً مهماً .. رهف لم تتجاوز الخبر وحدها .. لقد تجاوزته لأن حلا كانت بجانبها .. في تلك اللحظة شعرت أن هذه الفتاة التي دخلت حياتنا فجأة .. ليست مجرد صديقة .. بل كانت كأنها قوة خفية تسند رهف وتمنحها القدرة على الوقوف بدا لي حضورها كالملاك
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

حين جلسنا على مائدة الفطور فوجئت بطعم الطعام .. لم أتناول فطائر بهذا اللذّة منذ سنوات .. حتى راجي أخذ يمدح الطبق تلو الآخر .. قلت لـ حلا بابتسامة :
- لم أتوقع أن تكوني طاهية ماهرة إلى هذا الحد.
ضحك راجي وأضاف:
- لو استمرت بهذا الشكل فسأطلب منها أن تدير مطبخ البيت.
احمرّ وجه حلا خجلاً وهي تخفض رأسها .. عندها قلت لها بنبرة دافئة:
- لماذا لا تبقين معنا هنا يا حلا .. بشكل دائم؟

تبدلت ملامحها قليلاً ثم قالت بهدوء:
- لا أستطيع البقاء هنا

سألتها بلطف:
- ولا من أجل رهف؟

نظرت إلى رهف لحظة ثم هزت رأسها بصمت وعلى شفتيها ابتسامة امتنانٍ خجولة .. خطر لي سؤالاً فجأة لأتوجه به لـ رهف:
- صحيح لم تخبريني يا رهف .. أين تعرّفتِ على حلا .. هل هي في مدرستك؟

ردت رهف وهي تأكل:
- لا .. لقد تعرفت عليها أثناء تواجدي في المستشفى .. هناك كان لقاءنا الأول
سأل راجي:
- أي مستشفى؟
- مستشفى أمي .. لقد أخبرتكما أنها قد تعرّضت لحادث سير من عدة أشهر
قلت:
- صحيح قلتِ ولكن لم تخبريني عنها في ذلك اليوم

رأيتها سكتت قليلاً ثم شردت وكأنها تحاول ترتيب شيء في رأسها قبل أن ترد:
- لم أرى في الأمر أهمّية .. لقد كان لقاءً طبيعياً ولا يستحقّ الذكر
- ومن أسعفكِ يا حلا

ردت حلا وهي تأكل :
- أخي من أسعفني
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هززت رأسي وبقيت أنقل نظري بين حلا ورهف وفي رأسي خيوطٌ تُربط .. هل كانت حلا في المستشفى بذات الفترة التي نُقلت رهف بها اليها .. ثم إصابة شقيقة رهف بعد ضربها من قِبل زوجها ونقلها من قِبل شاب للمستشفى .. شعرت بصداع من التفكير فما زال عقلي مرهقاً بسبب غياب رهف الأخير .. ولكن بقي الأمر يشغل عقلي

بعد الفطور .. اتخذت قراراً كان عليّ اتخاذه منذ زمن .. اتصلت بـ وائل وطلبت منه أن نلتقي .. ولم يتردد في تلبية طلبي .. اصطحبت معي رهف وحلا إلى المكان الذي اتفقنا عليه وكان مقهى هادئاً في طرف المدينة

حين وصل وائل ورآنا .. لاحظت ارتباكاً واضحاً في عينيه .. ثم انتقل بنظره سريعاً إلى رهف… لكنها كانت تتحاشى النظر إليه تماماً .. تسلل إلى قلبي شكٌ خفي .. جلس أمامنا وقال:

- أرى أن الآنسة رهف قد عادت .. الحمدلله على سلامتها
- شكراً لك سيد وائل
- لماذا طلبتِ رؤيتي يا سيدتي .. هل حدث أمر؟

أجبته بهدوء:
- نعم .. لكنني لم أطلبك لنفسي.
رفع حاجبيه باستغراب .. أشرت إلى رهف وقلت:
- لقد اتصلت بك بناءً على طلبها.
بدا الارتباك أوضح على وجهه .. ثم تابعت:
- لكن قبل ذلك .. يجب أن أعتذر لك.

قطّب جبينه قليلاً
- تعتذرين؟ لماذا؟

قلت بصوتٍ صادق:
- لأنني أسأت إليك يومها .. وكذّبت كلامك

تردد قليلاً قبل أن يسأل:
-ماذا حدث؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت إليه مباشرة وقلت:
- لأن ما قلته كان صحيحاً

سادت لحظة صمت قصيرة قبل أن أتابع:
- رهف بالفعل متبناة ولديها أخت توأم.

تغيرت ملامح وائل فجأة بينما أضفت بهدوءٍ مثقل بالحزن
- و لكننا .. لا نعرف أين هي شقيقتها الآن

نظر إليّ وائل بتركيزٍ شديد ثم قال بعد لحظة صمت:
- ألم تستطيعي إيجادها؟

تفاجأت من سؤاله .. عقدت حاجبيّ قليلًا وأنا أتأمله ثم قلت باستغراب:
- متى قلت لك إنني أبحث عنها؟

ساد صمتٌ قصير على الطاولة بدا كأن وائل أدرك أنه تسرّع في السؤال حرّك أصابعه فوق الطاولة باضطرابٍ خفيف قبل أن يجيب بهدوءٍ مصطنع:
- ظننتُ ذلك بما أنكِ تأكدتِ من الحقيقة.
لم يقتنع قلبي بجوابه كان في صوته شيءٌ آخر نظرت إليه طويلاً قبل أن أتنهد ببطء وأقول:
- نعم .. حاولت.

تبدلت نظراته فوراً وكأنه كان ينتظر تلك الإجابة.

تابعت :
- بحثتُ عنها .. بقدر ما استطعت .. لكننا وصلنا متأخرين.

تجمدت ملامحه قليلاً .. وسأل:
- ماذا تقصدين؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعت بصري إليه من جديد وقلت:
- علمنا أن والدها قد زوجها منذ ثلاث سنوات.

اتسعت عينا وائل بصدمة بينما أكملت بألم :
- لرجلٍ يكبرها بكثير .. رجل لا يخاف الله.

فجأة قطع حديثنا صوت شيء انكسر .. التفتنا جميعنا ورأينا حلا تنظر إلينا بطريقةٍ غريبة بينما كوب عصيرها تناثر أشلاء تحت قدمها .. وقفت رهف وأمسكت بها وسألت:
- ما الأمر يا حلا
ردت بصوت مرتجف:
- لـ لا لم يحدث شيء .. لقد أفلت من يذي رغماً عني

ونزلت لتلم الزجاج بجنون لتمسكها رهف مرّة أخرى وتمنعها وهي تقول:
- لا تقلقي هناك من سيقوم بذلك .. تعالي معي ..
وتوجهت بالكلام لي:
- سآخذها للخارج قليلاً

هززت رأسي ايجاباً بينما سحبت رهف حلا وأخذتها خارج الكافيتيريا .. سقط الصمت بيننا مرة أخرى.
كان وائل ينظر إلى الزجاج المكسور أمامه بهدوءٍ غريب .
بعد لحظة قال بصوتٍ منخفض:
- وهل تعرفين أين تعيش الآن؟
هززت رأسي ببطء.
- لا .. ليتني أعرف .. لقد اختفى أثرها تماماً بعد أن ضربها زوجهاً ضرباً قاتلاً
- كان يضربها !!
اختنقت كلماتي واكتفيت بهز رأسي فقط بينما استند على الكرسي وقال:
- إذاً هذا ما جعل صحة رهف تسوء
- ليس هناك تفسيراً آخر .. حسبما فهمت من مقربين منها أنها كانت تعيش في جحيمٍ حقيقي
- وهذا انعكس على رهف ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

رفعت عينيّ نحوه وقلت بصدقٍ مرير:
- صدقني سيد وائل .. لو عرفت مكانها لما تركتها لحظة .. لو علمت أن ما يحدث مع رهف هو انعكاس لما تعيشه شقيقتها لكنت بحثت عنها منذ البداية

- لو أنكِ صدقتني كنتِ قد وجدتها الآن
- أنا خائفة أن تكون قد ماتت .. هذه الفكرة ترعبني حقاً فهي السبيل الوحيد لإنقاذ رهف من الموت

ساد الصمت مرّةً أخرى ثم قال:
- هل جرّبتِ أن تذهبي للشرطة أو تسألي زوجها عنها

وكأن سؤاله كان ضربة لعقلي حتى يعود ليعمل من جديد .. وقلت بعد ادراكٍ متأخر:
- لم أفكر بذلك ..
- كيف ! .. من الطبيعي أن تفكري بذلك
- لقد كان عقلي مشوشاً بسبب مرض رهف ذاك .. يا الهي .. كيف غابت عني هكذا فكرة

الجلوس مع وائل كان وكأنه جلسة علاجية لعقلي الذي كان يبدو كخيوط متشابكة .. وقد قام وائل بسحبها ولفها بالشكل الصحيح .. نظرت إليه بدهشة وأنا أفكر .. كيف لم أرى قدرته الفريدة تلك من قبل؟

خرجنا من الكافيتيريا معاً وطلبت من السائق إيصال حلا ورهف إلى المنزل بينما ذهبت مع وائل إلى السجن حتى نسأل عن مؤيد .. ربما يعرف بعض المعلومات عنها .. ولكن المفاجأة أنه قد تم إطلاق سراحه مؤخراً .. سألنا عن الفتاة وعلمنا أن أحد الجيران قد أسعفها إلى المستشفى .. والمفاجأة الأكبر التي تلقيتها .. أن الفتاة قد تم إسعافها إلى مشفاي .. أصابتني صدمة لم أفهمها .. لقد كانت شقيقة رهف في المستشفى ذاتها التي وجدت فيها رهف

عدنا إلى المستشفى لأراجع سجلات المرضى في ذلك التاريخ .. وهناك أتتني الصدمة الكبرى.
جلست خلف المكتب وفتحت سجلّات الطوارئ لذلك اليوم. كانت الصفحات تتقلب تحت أصابعي ببطء .. بينما قلبي يخفق بسرعةٍ غريبة .. كنت أبحث عن اسمٍ واحد فقط .. حلا .. مرّت دقائق طويلة قبل أن يتوقف حجر عيني أخيراً عنده .. همست الاسم دون أن أشعر .. اقترب وائل قليلاً من المكتب وقال:
- هل وجدتها؟

أومأت ببطء وأنا أتابع القراءة .. لكن الكلمات التالية جعلت أنفاسي تختل .. لم يكن الاسم وحده المكتوب .. كان هناك اسم آخر مكتوب تحت خانة الكفيل تجمّدت عيناي على السطر.

"الكفيل: أدهم عبد البارئ "

ارتجفت أصابعي فوق الصفحة.
- أدهم…؟

تمتمت باسمه بصوتٍ خافت .. رفع وائل رأسه فوراً وقال باستغراب:
- أدهم؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت إليه بذهول وقلت:
- ابن أختي .. هو الذي أخرجها من المستشفى على مسؤوليته.
ساد صمتٌ ثقيل بيننا .. قطّب وائل حاجبيه قليلاً وكأنه يفكر بشيء ما .. ثم قال ببطء:
- هذا يعني .. أن أدهم يعرف مكان تلك الفتاة.
رفعت رأسي نحوه بسرعة.
- ماذا تقصد؟

تردد لحظة ثم قال:
- سيدة ليلى .. هل اسم الفتاة التي مع رهف الآن .. حلا؟

تسارعت دقات قلبي فجأة وقلت:
- نعم .. اسمها حلا.

تبادلنا النظرات للحظة .. ثم قال وائل بهدوء:
- واسم أخت رهف أيضاً حلا.
شعرت بشيءٍ بارد يسري في جسدي ولكن عقلي حاول مقاومة الفكرة.
- هذا مجرد تشابه أسماء .. ثم إن صديقة رهف لديها عائلة وليست متزوجة
قلت ذلك و لكن صوتي لم يكن واثقاً .. وفجأة خطر في رأسي شيء .. رهف .. لقد أخبرتني أنها تعرفت على حلا في المستشفى .. ارتفع رأسي بسرعة.
- لحظة…

بدأت أقلب السجلات مرة أخرى بسرعةٍ أكبر.
- رهف قالت اليوم إنها تعرفت عليها هنا .. في المستشفى.

اقترب وائل أكثر وهو يراقب الصفحات .. قلت وأنا أبحث بين أسماء المصابين:
- إن كانت قد جاءت بسبب حادث سير .. فلا بد أن يكون اسمها بين الحالات المسجلة .. بدأت أتفحص أسماء المصابين في ذلك اليوم .. اسم تلو اسم ولكن لم يكن اسم حلا بينها.
توقفت يدي فجأة.
- غريب…
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

تمتمت وأنا أعيد النظر في السجل :
- لا يوجد اسمها بين مصابي الحوادث.

رفع وائل حاجبيه قليلاً وقال:
- ربما سُجلت باسم آخر.

لم أسمع ما قال لأن عقلي كان قد ذهب إلى مكانٍ آخر .. ذكرى ليست ببعيدة ولكنها عادت فجأة.

يومها حين كنت في المستشفى وبعد أن أخبرني حامد عن مرض رهف .. رأيت أدهم .. وجدته يقف أمامي فجأة وثيابه ملطخة بالدماء .. اقتربت منه يومها مذعورة وسألته:
- ماذا حدث؟

فقال بهدوء أنه أسعف جارته لأنها كانت مصابة بعد أن ضربها زوجها ضرباً مبرحاً .. جمدت عيناي فجأة .. جارته !!

تذكرت كلام الفتاة التي التقيتها في اليوم الذي ذهبت فيه لأبحث عن حلا .. و قالت لي إن جارهم هو من أسعفها وإنه بسبب ذلك شهد ضد زوجها مؤيد فتم حبسه.
وأن الجيران بعد ذلك بدأوا يسيئون إلى سمعته وينشرون عنه إشاعاتٍ قاسية .. قالوا إنه كان عشيقها .. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي رفعت رأسي ببطء نحو وائل.

قال بقلق:
- سيدة ليلى .. ماذا هناك؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نظرت إليه بعينين متسعتين .. الصور بدأت تترابط أمامي .. واحدةً تلو الأخرى .. أدهم .. الفتاة المصابة .. اسمها حلا .. الشبه بينها وبين رهف .. همست أخيراً والدهشة لا تزال تعصف داخلي:
- إذن .. الشبه لم يكن صدفة.

قطّب وائل حاجبيه أكثر.
- ماذا تقصدين؟

ابتلعت ريقي بصعوبة .. ثم قلت ببطءٍ شديد:
- حلا… التي اتخذتها رهف صديقة لها
توقفت لحظة ثم نطقت بالحقيقة التي بدأت تتضح أمامي أخيراً بصوتٍ مرتجف :
- هي نفسها .. أختها التوأم.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات