رواية سحر الراوي الفصل السابع عشر 17 بقلم الثناء ضاحي
البارت السابع عشر
سرايا الراوي — الثالثة والنصف فجرًا
هناك ليالٍ لا ينام فيها البشر...
لأن الخوف يمنعهم.
وليالٍ أخرى لا ينامون فيها...
لأن الحقيقة تقترب.
وكانت تلك الليلة من النوع الثاني.
هدأت السرايا ظاهريًا.
انطفأت أغلب الأضواء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وسكتت الأصوات.
لكن خلف الجدران العتيقة...
كانت العقول مستيقظة أكثر من أي وقت مضى.
وكان لكل شخص حربه الخاصة.
في الشرفة الشرقية المطلة على الحديقة القديمة...
وقفت شيماء وحدها.
بين يديها كتاب مفتوح.
لكنها لم تكن تقرأ.
كانت تحدق في الظلام.
كأنها تبحث عن شيء ضاع منها منذ سنوات.
أو عن إجابة لسؤال لم تجرؤ يومًا على طرحه.
نسمة باردة مرت فوق وجهها.
فأغمضت عينيها للحظة.
ثم تنهدت ببطء.
وفجأة...
سمعت خطوات تقترب.
التفتت.
فوجدت قاسم.
تجمدت للحظة قصيرة.
أما هو...
فتوقف هو الآخر.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
وقال:
"واضح إن الأرق عامل شغل مع الكل النهاردة."
ابتسمت شيماء دون وعي.
وأغلقت الكتاب.
"وأنت كمان."
اقترب قاسم حتى استند إلى سور الشرفة الحجري.
ثم نظر إلى الحديقة.
صمت قصير مر بينهما.
لكنه لم يكن صمتًا مريحًا.
بل ذلك الصمت الذي يمتلئ بأشياء كثيرة لا تجد طريقها إلى الكلام.
قالت شيماء أخيرًا:
"إنت متغير."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
نظر إليها.
"إزاي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"زمان كنت بتتكلم أكتر."
ضحك بخفوت.
"زمان كانت الدنيا أبسط."
هزت رأسها ببطء.
كأنها توافقه.
ثم قالت:
"يمكن إحنا اللي بقينا أعقد."
نظر إليها طويلًا.
ولأول مرة منذ مدة...
شعر براحة غريبة.
راحة لا علاقة لها بالأمان.
بل بالوجود قرب شخص لا يحتاج أن يتصنع أمامه شيئًا.
شخص يعرفه...
قبل كل هذه الفوضى.
وقبل كل الأسرار.
وقبل أن تتحول حياته إلى ساحة حرب.
وفي الطابق المقابل...
خلف نافذة نصف مفتوحة...
كانت وهج تراقب المشهد.
لم تكن تتجسس.
أو هكذا أقنعت نفسها.
لكن عينيها بقيتا ثابتتين هناك.
على الشرفة.
على قاسم.
وعلى تلك الابتسامة الصغيرة التي لم ترها على وجهه منذ أيام.
ابتسامة لم تظهر معها هي.
ولا مع أي شخص آخر.
فهمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
دون أن يقول أحد شيئًا.
فهمت بالطريقة التي تفهم بها القلوب بعض الحقائق.
بقسوة.
وبوضوح.
شعرت بوخزة حادة داخل صدرها.
لكنها لم تبكِ.
لم تغضب.
بل ابتسمت ابتسامة باهتة.
وقالت لنفسها بصوت خافت:
"كان واضح من الأول..."
ثم أغلقت النافذة ببطء.
ورحلت.
بينما تركت خلفها شيئًا صغيرًا انكسر في صمت.
في الجبل الغربي
كان الفجر يقترب ببطء.
والصخور السوداء تبدو كوحوش ضخمة نائمة تحت السماء.
توقفت السيارة.
وترجل منها شريف العامري.
وخلفه مصطفى.
الذي نظر حوله بتوتر واضح.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم قال:
"أنا بس عندي سؤال صغير."
لم يرد شريف.
فأكمل:
"إحنا جايين نقابل أخطر راجل في الصعيد بإرادتنا؟"
ظل شريف يسير.
فقال مصطفى بحزن:
"ممتاز."
ثم أضاف:
"أنا دايمًا كنت شايف إن غريزة البقاء عندنا فيها مشكلة."
وسط الظلام...
ظهرت عشرات الظلال.
رجال مسلحون.
عيونهم تراقب بصمت.
لكن شريف لم يتوقف.
بل أكمل طريقه.
وكأنه يعرف أنه سيصل.
وفي النهاية...
وصل.
كان عامر الراوي يقف فوق صخرة مرتفعة.
هادئًا.
ساكنًا.
كأنه جزء من الجبل نفسه.
عيناه السوداوان استقرتا على شريف.
ثم على مصطفى.
وقال بهدوء:
"أخيرًا."
وقف شريف أمامه مباشرة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
دون خوف.
ودون تردد.
وقال:
"كنت مستنيك."
ابتسم عامر.
"وأنا كنت مستني اللحظة دي."
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
حتى الهواء بدا متوترًا.
ثم قال شريف:
"اللعبة قربت تخلص."
رد عامر:
"لسه بدأت."
"هتقع."
ابتسم عامر أكثر.
"كل الناس بتقع يا حضرة الظابط."
ثم اقترب خطوة.
وأضاف:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"السؤال الحقيقي..."
وصوته أصبح أخفض.
وأخطر.
"مين هيقع الأول؟"
لم يهتز شريف.
بل قال بثبات:
"أنا هجيبك."
لثوانٍ...
ظل الرجلان ينظران إلى بعضهما.
كأن كل منهما يحاول قراءة الآخر.
أما مصطفى...
فكان واقفًا بين رجال مسلحين يراقبون كل حركة.
ثم قال فجأة:
"أنا آسف جدًا إني هقاطع المشهد السينمائي ده..."
نظر إليه الجميع.
فأشار إلى أحد المسلحين.
"بس أخونا ده باصصلي من عشر دقايق كأنه بيختار مقاسي للكفن."
ولأول مرة...
اهتز طرف فم شريف.
أما أحد رجال عامر...
فانفجرت منه ضحكة رغماً عنه.
نظر عامر إلى مصطفى.
مطولًا.
ثم قال:
"إنت مش خايف؟"
رد مصطفى فورًا:
"خايف جدًا."
"ومستخبيش؟"
"لأن الخوف لوحده ممل."
للحظة...
ظهر شيء يشبه الإعجاب داخل عيني عامر.
شيء صغير جدًا.
لكن شريف لاحظه.
كما لاحظ شيئًا آخر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
عامر لم يستخف بمصطفى.
بل وضعه في حساباته.
وهذا لم يكن أمرًا عاديًا.
سرايا الراوي — صباحًا
جلس عبد المنعم داخل مكتبه.
أمامه عشرات الأوراق.
وتقارير.
وأسماء.
لكن عقله لم يكن معها.
كان يفكر في عائلته.
في الخطر الذي يقترب.
وفي السنوات التي قضاها يحاول منع هذا اليوم.
لم يعد الأمر متعلقًا بالنفوذ.
ولا بالصراع القديم.
بل بمن بقي له.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...
شعر بالخوف الحقيقي.
ليس على نفسه.
بل عليهم.
رفع رأسه ببطء.
ونظر إلى صورة قديمة موضوعة فوق مكتبه.
ثم همس:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"مش هسمح تتكرر."
وكان في صوته من القوة...
بقدر ما كان فيه من القلق.
الظهيرة
في الحديقة الخلفية...
كانت وهج تسير وحدها.
تحاول الهروب من أفكارها.
لكنها توقفت فجأة.
حين رأت قاسم.
وشيماء.
يجلسان قرب النافورة القديمة.
يتحدثان.
ويضحكان.
ضحكة بسيطة.
عادية.
لكنها كانت كافية.
لاحظت كيف ينظر إليها.
كيف ينتبه لكل كلمة تقولها.
كيف تتغير ملامحه دون أن يشعر.
ورأت أيضًا...
أن شيماء بدأت تلاحظ.
هي الأخرى.
شعرت وهج بشيء يعتصر قلبها.
لكنها تماسكت.
ورحلت بهدوء.
دون أن يراها أحد.
وفي طريقها...
كادت تصطدم بشريف.
الذي كان عائدًا لتوه.
رفع رأسه بسرعة.
وقال:
"آسف."
ثم توقف.
لأنه لاحظ شحوب وجهها.
ولاحظ أيضًا أنها تحاول إخفاء شيء.
سألها بهدوء:
"إنتِ كويسة؟"
رفعت عينيها نحوه.
لثانية واحدة فقط.
ثم قالت:
"كويسة."
لكنها لم تكن كذلك.
لاحظ ذلك.
لكنه لم يسأل أكثر.
واكتفى بأن ظل يتابعها بعينيه حتى ابتعدت.
نظرة قصيرة.
عابرة.
إلا أنها كانت كافية لتزرع سؤالًا جديدًا داخل عقل القارئ.
سؤالًا لم يجب عنه أحد بعد.
وفي مكان بعيد...
كان عامر الراوي يقف أمام النافذة الحجرية داخل مقره.
ينظر نحو الأفق.
ثم قال بهدوء:
"قاسم بدأ يختار."
سأله أحد رجاله:
"وده كويس؟"
ابتسم عامر.
ابتسامته الباردة المعتادة.
وقال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"لا."
ثم أضاف:
"ده معناه إن وقت الحقيقة قرب."
وفي تلك اللحظة...
كان الجميع يتحركون نحو شيء واحد.
شيء لا يعرفون شكله بعد.
لكنهم يشعرون به.
يقترب.
خطوة...
بعد خطوة.
كالعاصفة.
التي لا يسمع الناس صوتها...
إلا بعد أن تصبح فوق رؤوسهم مباشرة.
الحديقة الجنوبية — قبل الغروب بقليل
كانت الشمس تميل ببطء نحو الأفق.
ذلك النوع من الغروب الذي يجعل الأشياء تبدو أجمل وأكثر حزنًا في الوقت نفسه.
الأشجار العتيقة التي تحيط بالسرايا كانت تلقي ظلالًا طويلة فوق الممرات الحجرية، والهواء حمل معه رائحة التراب الدافئ القادمة من الحقول البعيدة.
جلس قاسم فوق المقعد الحجري القديم قرب النافورة.
أما شيماء...
فكانت تجلس على الطرف الآخر.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بينهما مسافة قصيرة.
لكنها بدت أكبر من مجرد خطوات.
كانت المسافة التي تفصل بين الكلمات التي تُقال والكلمات التي تبقى حبيسة القلب.
قالت شيماء وهي تنظر إلى الماء:
"حاسّة إن السرايا متغيرة."
ابتسم قاسم ابتسامة باهتة.
"السرايا ولا الناس؟"
نظرت إليه.
ولم تجب.
لأنها كانت تعرف أن السؤال أصاب الحقيقة مباشرة.
في الأيام الأخيرة...
لم تعد الوجوه كما كانت.
الخوف بدأ يظهر.
والأسرار بدأت تخرج من أماكنها القديمة.
حتى الجدران نفسها أصبحت تبدو كأنها تخفي شيئًا.
وفي الطابق العلوي...
كانت وهج تقف خلف الستارة.
تراقب المشهد بصمت.
ولأول مرة في حياتها...
شعرت بالغيرة.
لم تكن غيرة طفولية.
ولا غيرة أنانية.
بل ذلك الألم الصامت الذي يصيب الإنسان حين يكتشف متأخرًا أن قلبه اختار شخصًا لم يختره هو.
أغمضت عينيها للحظة.
ثم ابتعدت عن النافذة.
لكن الصورة بقيت معها.
صوت قاسم وهو يضحك.
ونظرة شيماء إليه.
وتلك الراحة الغريبة التي تجمع بين شخصين دون أن يعترفا بشيء.
---اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في الجهة الأخرى من السرايا...
كان مصطفى يسير بجوار شريف.
والصمت بينهما لم يعد غريبًا كما كان في البداية.
بل أصبح صمت رجلين اعتادا وجود بعضهما.
قال مصطفى فجأة:
"عايز أسألك سؤال."
أجابه شريف دون أن ينظر إليه:
"اسأل."
"إنت كنت كده وإنت صغير؟"
التفت إليه شريف.
"كده إزاي؟"
رفع مصطفى حاجبيه.
"وشك عامل محضر رسمي ضد السعادة."
ولأول مرة...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ضحك شريف.
ضحكة قصيرة جدًا.
لكنها كانت حقيقية.
فتوقف مصطفى مكانه.
ثم أشار إليه بصدمة.
"يا جماعة حد يكتب التاريخ!"
هز شريف رأسه بيأس.
أما مصطفى فأكمل:
"أنا كنت شاكك إنك روبوت والله."
ورغم سخريته المعتادة...
لاحظ شريف شيئًا.
مصطفى لم يكن مجرد شخص كثير الكلام.
بل كان يراقب.
يفهم.
ويلاحظ تفاصيل لا ينتبه لها معظم الناس.
قال شريف فجأة:
"إنت أذكى مما بتحب تبين."
ابتسم مصطفى.
لكن ابتسامته كانت مختلفة هذه المرة.
أكثر هدوءًا.
وقال:
"والناس أحيانًا بتحب تتعامل مع المهرج أكتر من الشخص الحقيقي."
نظر إليه شريف مطولًا.
ثم أكمل السير دون تعليق.
لكن الجملة بقيت في رأسه.
---اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
المكتبة القديمة — بعد ساعة
دخلت وهج تبحث عن كتاب.
أو ربما عن هدوء.
لم تعد تعرف.
كانت المكتبة شبه مظلمة.
وأشعة الشمس الأخيرة تتسلل من النوافذ العالية.
فوجئت بوجود شريف.
كان يقف أمام أحد الأرفف القديمة يقلب في مجموعة من الملفات.
رفع رأسه عندما سمعها.
ثم قال بهدوء:
"آسف لو عطلتك."
هزت رأسها.
"بالعكس."
ساد صمت قصير.
ثم لاحظ شريف شيئًا.
ملامحها المتعبة.
والحزن الذي تحاول إخفاءه.
قال بهدوء غير معتاد منه:
"فيه حاجة مضايقاكي؟"
ارتبكت وهج للحظة.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
"كلنا متضايقين اليومين دول."
لم يقتنع.
لكنه لم يضغط عليها.
واكتفى بالنظر إليها للحظة أطول مما ينبغي.
لحظة قصيرة...
لكنها كانت كافية لتزرع احتمالًا جديدًا.
احتمالًا لم ينتبه له أحد بعد.
---اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وفي مكان آخر...
بعيدًا عن الأعين...
كان أمير يجلس داخل غرفة صغيرة مع عزيزة.
الستائر مغلقة.
والتوتر يملأ المكان.
قال أمير بصوت منخفض:
"طول ما قاسم موجود إحنا في خطر."
ظلت عزيزة صامتة.
ثم قالت:
"إنت متأكد؟"
ضرب الطاولة بعصبية.
"كل حاجة بتتقلب بسبب وجوده."
ساد الصمت.
وكان واضحًا أن الخوف هو من يتكلم الآن.
لا الكراهية.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
الخوف من انكشاف أسرار قديمة.
وأخطاء دفنت منذ سنوات.
قالت عزيزة أخيرًا:
"يبقى لازم نتصرف قبل ما يفوت الأوان."
نظر إليها أمير.
ثم تبادلا نظرة طويلة.
نظرة أشبه باتفاق غير مكتوب.
اتفاق قد يقود الجميع إلى كارثة جديدة.
لكن ما لم يعرفاه...
أن خلف الباب مباشرة...
كان هناك شخص سمع جزءًا من الحديث.
شخص لم يره أحد.
وتراجع في الظل بهدوء شديد.
وعيناه امتلأتا بالصدمة.
لأن ما سمعه...
قد يغير كل شيء.
ويدفع الأحداث إلى طريق أكثر خطورة مما تخيل الجميع.
أما داخل السرايا...
فكانت العاصفة تقترب.
ببطء.
وبصمت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ككل العواصف الحقيقية.
كان الليل قد تمدد فوق السرايا بالكامل.
ذلك الليل الصعيدي العميق الذي لا يشبه ليل المدن.
ليل تتضخم فيه الأصوات الصغيرة...
ويصبح لصوت الريح معنى.
ولخطوات إنسان في ممر بعيد حكاية كاملة.
الشخص الذي كان يقف خلف الباب لم يتحرك لعدة ثوانٍ.
ظل جامدًا في مكانه.
كأن الكلمات التي سمعها أثقل من أن تسمح له بالحركة.
داخل الغرفة...
كان صوت أمير ما يزال منخفضًا.
أما عزيزة فكانت تتحدث بنبرة مرتبكة يخالطها الخوف.
لكن المستمع في الخارج لم يعد يسمع التفاصيل.
لقد التقط ما يكفي.
أكثر مما ينبغي.
تراجع ببطء.
ثم اختفى داخل الظلام.
دون أن يراه أحد.
في الناحية الأخرى من السرايا...
كان مصطفى مستلقيًا فوق أريكة ضخمة في المكتبة القديمة.
وقد وضع كتابًا مفتوحًا فوق صدره.
بينما كان يحدق في سقف الغرفة.
دخل شريف.
فنظر إليه مصطفى وقال فورًا:
"أنا اكتشفت حاجة مهمة جدًا."
خلع شريف سترته بهدوء.
"قول."
اعتدل مصطفى في جلسته.
ثم قال بجدية مصطنعة:
"كل الناس اللي عندهم أسرار في السرايا دي بيحبوا يقعدوا في الضلمة."
نظر إليه شريف.
فأكمل:
"أقسم بالله لو النور اشتغل يوم كامل هنا هنحل نص الرواية."
رغم نفسه...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
خرجت من شريف ضحكة قصيرة.
جلس فوق المقعد المقابل.
وأشعل سيجارة.
لكن عينيه كانتا غارقتين في التفكير.
لاحظ مصطفى ذلك فورًا.
وتغيرت ملامحه قليلًا.
ثم قال:
"إنت مشغول بحاجة."
رفع شريف عينيه.
وللمرة الأولى...
لم يحاول الإنكار.
قال بهدوء:
"أنا مش قادر أفهم عامر."
ساد الصمت.
ثم أكمل:
"فيه حاجة غلط."
"زي إيه؟"
تنهد شريف.
وأخذ نفسًا طويلًا من سيجارته.
ثم قال:
"الناس اللي زي عامر متتحركش بالعاطفة."
"صح."
"ومع ذلك..."
صمت قليلًا.
"كل تحركاته حوالين قاسم."
انعقد حاجبا مصطفى.
فأكمل شريف:
"كأنه مش بيطارده."
"أمال؟"
نظر شريف إلى النافذة.
حيث كانت الأشجار تتحرك ببطء خلف الزجاج.
ثم قال:
"كأنه بيجهزه."
ساد الصمت.
هذه المرة كان الصمت مختلفًا.
أثقل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أعمق.
حتى مصطفى لم يجد نكتة مناسبة يطلقها.
لأن الفكرة نفسها كانت مخيفة.
مخيفة بصورة يصعب تجاهلها.
بعد دقائق...
كانا يسيران في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الشرقي.
وفجأة قال مصطفى:
"هو أنا ممكن أسألك سؤال شخصي؟"
نظر إليه شريف بحذر.
"على حسب."
ابتسم مصطفى.
"وهج."
توقف شريف.
توقف فعلًا.
ثانية واحدة فقط.
لكن مصطفى لاحظها.
وكعادته...
التقط التفصيلة الصغيرة.
قال شريف ببرود:
"مالها؟"
رفع مصطفى حاجبًا.
"أنا اللي بسأل."
ظل شريف صامتًا.
ثم أكمل السير.
فابتسم مصطفى ابتسامة واسعة.
وقال:
"آه."
نظر إليه شريف.
"آه إيه؟"
رد مصطفى:
"مفيش."
ثم أضاف:
"أنا بس لما بسأل أي حد عن اسم حد ومش يرد فورًا... بفهم."
هز شريف رأسه بيأس.
وقال:
"إنت مستفز."
رد مصطفى فورًا:
"دي شهادة أعتز بيها."
في الوقت نفسه...
كانت وهج تجلس وحدها داخل غرفتها.
المصباح الصغير بجوار السرير يلقي ضوءًا دافئًا فوق المكان.
لكن قلبها لم يكن دافئًا.
كانت تنظر إلى المرآة.
لا ترى نفسها.
بل ترى قاسم.
وترى شيماء.
وترى تلك النظرات التي لم تعد تحتاج إلى تفسير.
أحيانًا...
لا يحتاج الإنسان إلى اعتراف.
يكفي أن يرى الطريقة التي ينظر بها شخص إلى آخر.
فيعرف.
أغمضت عينيها.
وحاولت أن تقنع نفسها أن الأمر لا يهم.
لكن القلب...
لا يفهم المنطق دائمًا.
أما قاسم...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فكان يسير وحده في الحديقة الخلفية.
والليل من حوله ساكن بصورة غريبة.
حتى وصل إلى النافورة القديمة.
المكان نفسه الذي جلس فيه مع شيماء.
فتوقف.
لا إراديًا.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة.
هادئة.
لم يشعر بها هو نفسه.
لكن لو رآها أحد...
لفهم كل شيء.
وهنا...
خرج صوت من خلفه.
"واضح إن المكان عجبك."
التفت.
فوجد شيماء.
شعر بشيء غريب يتحرك داخله.
شيء بسيط.
لكنه حقيقي.
أما هي...
فبدت أكثر هدوءًا من المعتاد.
اقتربت ببطء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم جلست.
وساد بينهما صمت قصير.
الصمت الذي لا يزعج.
بل يريح.
قالت فجأة:
"إنت مؤمن إن الإنسان بيختار حياته؟"
نظر إليها.
السؤال لم يكن عابرًا.
كان أكبر من مجرد حديث عادي.
قال بعد تفكير:
"أحيانًا."
ابتسمت.
"وأحيانًا؟"
نظر إلى المياه الساكنة داخل النافورة.
ثم قال:
"أحيانًا الحياة هي اللي بتختار."
ساد الصمت.
لكن شيئًا ما تغير بينهما.
شيء صغير.
غير مرئي.
لكنه بدأ يتشكل ببطء.
كما تتشكل الحكايات الكبيرة دائمًا.
دون ضجيج.
وفي مكان بعيد...
كان عامر الراوي يقف وحده فوق حافة الجبل.
الرياح تضرب جلبابه الأسود.
وعيناه مثبتتان على الأفق.
اقترب أحد رجاله.
وقال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"تحب نتحرك؟"
لم يرد عامر فورًا.
بل ظل ينظر نحو الظلام.
ثم قال بهدوء:
"لسه."
"مستني إيه؟"
ابتسم عامر.
تلك الابتسامة الباردة التي أصبحت كابوسًا لكل من يعرفه.
وقال:
"مستني أول حجر يقع."
نظر الرجل إليه بعدم فهم.
لكن عامر أكمل:
"لأن بعد أول حجر..."
ثم رفع عينيه نحو السرايا البعيدة.
"...الجبل كله بينهار."
واختفت الابتسامة من وجهه.
وحل محلها شيء أكثر رعبًا.
اليقين.
يقين رجل يعرف شيئًا...
لا يعرفه أحد غيره.
شيئًا سيقلب حياة الجميع قريبًا.
قريبًا جدًا.
ثمة لحظات قليلة في حياة الإنسان...
تبدو عادية حين يعيشها.
ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت المنعطف الذي غيّر كل شيء.
لم يكن قاسم يعرف ذلك وهو يغادر السرايا في صباح اليوم التالي.
ولم يكن يعرف أن الطريق الترابي الممتد بين الحقول الصامتة سيقوده إلى قرار سيغير مصير أكثر من شخص.
بل أكثر من عائلة كاملة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كان بيت أمير يقع بعيدًا عن السرايا.
منزلًا قديمًا تحيطه أشجار الجميز والنخيل.
بعيدًا بما يكفي ليشعر ساكنه أنه خارج سلطة الراوي.
وقريبًا بما يكفي ليبقى أسيرها.
داخل المنزل...
كان أمير يجلس أمام النافذة.
وعلى الطاولة أمامه فنجان شاي بارد لم يشرب منه شيئًا.
أما عزيزة...
فكانت تقلب مسبحتها في صمت.
ومنذ الليلة الماضية...
كان كلاهما يفكر في الأمر نفسه.
قاسم.
ذلك الشاب الذي أصبح وجوده خطرًا.
بل تهديدًا حقيقيًا.
قال أمير فجأة:
"لازم نخلص منه."
خرجت الجملة ثقيلة.
وكأنها خرجت من مكان مظلم داخل روحه.
أما عزيزة...
فلم تجب.
لأنها كانت تعرف أن الكلام سهل.
لكن الدم...
شيء آخر.
وقبل أن يكملا الحديث...
دوى صوت طرقات على الباب.
تبادل الاثنان نظرة سريعة.
ثم نهض أمير.
واتجه نحو المدخل.
فتح الباب...
فتجمد مكانه.
وقف قاسم أمامه.
هادئًا.
مستقيمًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بعينين ثابتتين.
ولأول مرة...
شعر أمير بارتباك غريب.
قال قاسم باحترام:
"ممكن أدخل؟"
مرت ثوانٍ قصيرة.
ثم تنحى أمير جانبًا.
ودخل قاسم.
جلس الثلاثة داخل غرفة الاستقبال.
وكان الصمت يملأ المكان.
الصمت الذي يسبق حدثًا مهمًا.
أما قاسم...
فكان يبدو أكثر هدوءًا من المعتاد.
كأنه حسم أمرًا داخله.
ثم قال فجأة:
"أنا جاي أطلب إيد شيماء."
ساد الصمت.
لكن هذه المرة...
لم يكن صمتًا عاديًا.
بل صمتًا يشبه الصدمة.
حتى عزيزة نفسها رفعت رأسها فجأة.
أما أمير...
فظل ينظر إليه كأنه لم يسمع جيدًا.
ثم قال ببطء:
"إيد مين؟"
رد قاسم:
"شيماء."
مرة أخرى...
هبط الصمت.
لكن هذه المرة...
كان داخل عقل أمير شيء آخر يحدث.
شيء مختلف تمامًا.
قبل دقائق فقط...
كان يفكر كيف يتخلص من هذا الشاب.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أما الآن...
فهذا الشاب نفسه يعرض عليه ما لم يتوقعه.
زواج.
ارتباط.
قرب.
نفوذ.
مكانة.
وإذا أصبح قاسم زوج ابنته...
فكل الحسابات ستتغير.
كلها.
نظر أمير إلى عزيزة.
فوجد أنها تفكر في الشيء نفسه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...
ماتت الخطة القديمة.
وولدت خطة جديدة.
أكثر ذكاءً.
وأكثر خطورة.
قالت عزيزة أخيرًا:
"وشيماء تعرف؟"
ابتسم قاسم ابتسامة صغيرة.
وقال:
"لسه."
رفعت حاجبها.
"يعني جاي تطلبها قبل ما تعرف رأيها؟"
ضحك بخفوت.
لأول مرة منذ أيام.
وقال:
"أنا جاي أعمل الصح."
نظرت إليه عزيزة طويلًا.
ثم قالت:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"والصح عندك إيه؟"
فأجاب بهدوء:
"إن الراجل يروح لأهل البنت الأول."
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
كان صمتًا مختلفًا.
حتى أمير شعر للحظة أنه أمام رجل أكبر من عمره.
أكثر اتزانًا مما توقع.
وأكثر صعوبة أيضًا.
في الوقت نفسه...
داخل السرايا.
كان شريف العامري واقفًا فوق سطح المبنى الرئيسي.
ينظر إلى الأراضي الممتدة حول المكان.
بعينين تفحصان كل شيء.
ولا تصدقان شيئًا.
أما مصطفى...
فكان يحمل منظارًا صغيرًا.
وينظر به إلى الحقول.
ثم قال فجأة:
"أنا شايف جاموسة."
لم يرد شريف.
فأكمل:
"والجاموسة دي شكلها محترم جدًا."
ظل شريف صامتًا.
فقال مصطفى:
"أنت من النوع اللي لو القيامة قامت هيقول: تمام."
تنهد شريف.
ثم أخذ المنظار منه.
نظر نحو نقطة بعيدة.
وفجأة...
توقفت ملامحه.
شيء ما لفت انتباهه.
في الطرف الجنوبي للأرض.
سيارة سوداء.
تقف بين الأشجار.
بعيدة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لكن وجودها غريب.
أعاد ضبط المنظار.
ثم ضاقت عيناه.
وقال بهدوء:
"لقيتهم."
اعتدل مصطفى فورًا.
"مين؟"
أجاب شريف:
"رجالة عامر."
اختفت الابتسامة من وجه مصطفى.
لأن نبرة شريف وحدها كانت كافية.
حين يتكلم هكذا...
فهذا يعني أن شيئًا مهمًا بدأ.
كان أكثر ما يميز شريف...
أنه لا يحب الضجيج.
ولا الاستعراض.
ولا البطولة الرخيصة.
كان من ذلك النوع النادر من الرجال...
الذين يتحركون بهدوء.
لكنهم حين يتحركون...
يتغير مسار الأحداث.
نظر نحو السيارة مرة أخرى.
ثم قال:
"تعالى."
سأله مصطفى:
"رايحين فين؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رد شريف وهو يغادر السطح:
"نعرف ليه بيراقبوا السرايا."
أسرع مصطفى خلفه.
ثم قال:
"أنا عندي اقتراح."
"إيه؟"
"نبعت حد تاني."
التفت إليه شريف.
فابتسم مصطفى.
"بجرب حظي."
ولأول مرة منذ الصباح...
ضحك شريف فعلًا.
ضحكة قصيرة.
لكنها كانت حقيقية.
وهنا أدرك مصطفى شيئًا.
وربما أدركه القارئ معه.
أن خلف ذلك الوجه الصارم...
وهدوئه البارد...
ورجولته الصلبة...
كان هناك إنسان.
إنسان يحمل أثقالًا كثيرة.
ويخفيها جيدًا.
جيدًا جدًا.
وفي مكان بعيد...
كان عامر الراوي يقف أمام النافذة الحجرية.
حين دخل أحد رجاله بسرعة.
وقال:
"قاسم راح بيت أمير."
لم يبدُ على عامر أي انفعال.
لكن عينيه فقط...
أصبحتا أكثر ظلمة.
قال الرجل:
"واضح إنه رايح يطلب شيماء."
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم ابتسم عامر.
ابتسامة غامضة.
لم يفهمها أحد.
وقال بهدوء:
"يبقى اللعبة بدأت تتحرك أسرع."
سأل الرجل:
"نعمل إيه؟"
أجاب عامر وهو ينظر نحو الأفق:
"ولا حاجة."
ثم أضاف:
"سيبوا الناس تختار."
صمت لحظة.
وأكمل بصوت أخفض:
"أحيانًا أكبر المصايد..."
هي اللي الإنسان بيمشي لها برجليه."
وفي تلك اللحظة...
لم يكن أحد يعلم...
أن كل شخص في هذه الحكاية بدأ يقترب من سره الخاص.
وأن الطريق الذي ظنه قاسم طريقًا إلى الحب...
قد يكون في الحقيقة الطريق نفسه الذي ينتظره عند نهايته أخطر اكتشاف في حياته كلها.