📁 آخر الروايات

رواية اقدار مؤجلة الفصل السابع عشر 17 بقلم volny_morya

رواية اقدار مؤجلة الفصل السابع عشر 17 بقلم volny_morya


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
𝐏𝐚𝐫𝐭 𝟏𝟔: أمان مؤلم

by Volny_morya

وأرجو أن تكون التعليقات حقيقية وذات معنى وليس مجرد نقاط أو حروف متقطعة..
1

لقد لاحظت في الفصل السابق أن الشروط لم تتحقق رغم أنها كانت أقل بكثير من عدد القراء الذين يتابعون الرواية وهذا أمر غير مقبول ..التصويت لا يستغرق سوى لحظة واحدة ولا يكلفكم شيئا ومع ذلك هناك تقصير واضح..
8

كما أنني كنت قد أوضحت سابقا أنه في حال تحققت الشروط خلال أسبوع فإن الفصل ينزل بعد سبعة أيام مباشرة ومع ذلك لم يتم الالتزام بهذا الأمر..
4

الأمر الذي أزعجني أكثر هو أنني أرى تقصيرا في التفاعل ثم أجد في المقابل انتقادات بسبب تأخر الفصل..وهذا غير منطقي إطلاقا..
8

إضافة إلى ذلك هناك بعض التعليقات التي تتدخل في أمور شخصية لا تخص الرواية ولا القصة وهذا أمر مرفوض تماما..

وكذلك استخدام أسلوب غير لائق في الحديث أو الحكم دون معرفة وهذا لن أسمح به بعد الآن..

أنا أكتب لأنني أحب ما أقدمه وأقدّر القراء الذين يدعمونني بصدق ولكن الاحترام والتقدير يجب أن يكون متبادلا..
2

لذلك أرجو من الجميع الالتزام بالشروط والتفاعل الجاد لأن استمرار الرواية مرتبط بدعمكم الحقيقي وليس الشكلي..

..
..

..
..

..
..

طَقسُ مدينتي أصبح بَارداً
إنه التوقيت الأمثل لِعناقك.
32

..        ..       ..       ..     ..


عدل القبعة السوداء على رأسه بإحكام، ثم خفّضها قليلًا حتى ابتلع ظلّها الجزء العلوي من وجهه، تاركًا فقط خط فكّه الحاد ظاهرًا كحدٍّ مرسوم بعناية، ومع أول خطوة له داخل أروقة المستشفى انعكس التناقض فورًا بينه وبين المكان…
10

فالممر كان واسعًا، مضاءً بإفراط، أبيض لدرجة تزعج العين، أرضيته تلمع كمرآة مصقولة، والجدران تحمل لوحات هادئة وأرقامًا مرتبة بدقة مفرطة، بينما كان هو كتلة داكنة تتحرك وسط كل هذا الضوء، سروال أسود، معطف طويل، قميص صوفي قاتم..
5

وجسد عريض يملأ المساحة من حوله، وخطوات ثقيلة لا تتردد، كأن الأرض نفسها تستجيب لوزنه، فالتفتت إليه رؤوس كثيرة دون وعي….


توقف أمام مكتب الاستقبال، وقبل أن ترفع الموظفة رأسها كان صوته قد سبق نظرها، عميقًا، عمليًا، خاليًا من المجاملة:
1

"موعد مع سترافينسكي فولكوف، باسم جليندون كوزوسوف.."
16

رفعت رأسها ببطء، عيناها التقتا بظل القبعة أولًا ثم انزلقتا إلى فمه، كأنها تحاول أن تجمع ملامحه من أجزاء ناقصة، قبل أن تخفض نظرها بسرعة إلى الشاشة، أصابعها بدأت تتحرك، لكن التوتر تسلل إلى حركتها..
1

"أجل… لكن موعد السيدة جليندون كان قبل نصف ساعة، كما أنها سحبت ملفها الطبي.."
13

لم يتحرك، لم يرمش، فقط تصلب خط فكه أكثر تحت الظل، وقال بصوت أخفض، لكنه أكثر قسوة:

"سأرى الطبيبة سترافينسكي، إذن.."

ابتلعت الموظفة ريقها وحاولت الحفاظ على نبرة مهنية:

"أعتذر، سيدي، لا يمكن الحجز في نفس اليوم.."

رد فورًا، دون أن يرفع صوته:

"كلا، يمكنني.."
8

حاولت مرة أخرى، هذه المرة بحدة خفيفة:
1

"لا أظن أنك فهمت، المواعيد محجوزة بالكامل اليوم.."
3

توقف الزمن لجزء من الثانية، ثم ارتفعت يده وضربت السطح الرخامي ضربة واحدة، لم تكن عنيفة بصوتها بقدر ما كانت ثقيلة بوقعها، ارتجّ المكتب تحت كفه، وتيبس جسد الموظفة، قبل أن يتحرك متجاوزًا إياها كأنها غير موجودة..
7

صرخت خلفه تطلب منه التوقف، صوتها ارتد في الممر، لكن خطواته لم تتغير، لم يبطئ أو يلتفت، حتى وصل إلى الباب الذي يحمل اسم الطبيبة، وفتحه دون طرق، فاندفع الصمت إلى الغرفة كما لو أنه كسر توازنها..

كانت  واقفة أمام مريضة تستعد للمغادرة، امرأة في منتصف الأربعينيات، معطفها نصف مغلق، حقيبتها في يدها، تجمدت للحظة وهي ترى الرجل يقتحم المكان، بينما رفعت سترافينسكي رأسها..

ملامحها التي كانت هادئة قبل لحظة تجمدت، لكنها سرعان ما ابتلعت صدمتها بابتسامة مهنية متماسكة..لأن هذا الوجه لم تره منذ سنوات كما أنه غير مرحب به في مكتبها…
15

"إلى اللقاء، نلتقي الأسبوع القادم.."

ردت المريضة بسرعة، لكنها لم تستطع منع نظرة طويلة نحو أورلوف، نظرة ارتياب، ثم تحركت مبتعدة عنه بحذر واضح، كأنها تخشى أن تلمسه فـيتلوث شيء منها…
2

بينما هو لم يمنحها حتى لمحة، تقدّم إلى الداخل بخطوات واسعة، في الوقت الذي ظهرت فيه موظفة الاستقبال خلفه، تلهث باعتذار:


"أنا آسفة، حاولت منعه.."

أجابتها الطبيبة دون أن ترفع صوتها:

"لا بأس، يمكنك المغادرة.."

أومأت الأخرى وانسحبت، الباب أُغلق، وبقي الاثنان وحدهما..

تغير الجو فورًا، كأن الغرفة انكمشت حولهما، جلست سترافينسكي ببطء خلف مكتبها، عيناها لم تعدا دافئتين، بل باردتين، حادتين، مليئتين بعداء غير مخفي، وقالت بوضوح:

"بما أنك هنا دون موعد، فـ وقتك محدود جدًا.."
4

لم يهتم بنبرتها، لم يرد عليها حتى، بل تقدّم خطوة، ثم أخرى، حتى وقف أمام المكتب مباشرة، وقال بنفس الأسلوب الذي لا يعرف الالتماس:

"ستعطيني ملف زوجتي، جليندون كوزوسوف.."
7

لاحظت الكلمة…

"زوجتي"
3

ولمحَت ذلك الإصرار الذي لا يقبل النقاش، فشابكت يديها فوق المكتب وقالت بهدوء محسوب:

"يؤسفني إخبارك أن زوجتك سحبت ملفها الطبي، وهذا يسحب معي أي حق في مناقشة حالتها.."

كان الرد عقلانيًا، قانونيًا، لكن ما لم تحسبه هو ما سيأتي بعدها..

اقترب أكثر، حتى صار ظلّه يغمر المكتب بالكامل، وضع كفّيه الثقيلتين على الخشب، فانحنى السطح قليلًا تحت وزنه، وصدر صوت خافت كأن الخشب يئن..
1

ثم تحدث بنبرة منخفضة، لكنها محمّلة بشيء أثقل من الصراخ:

"ستعطيني الملف… الآن، أو أن أفتح قضية موت مريضك السابق بسبب خطئك في جرعة الأنسولين.."
19

لم يُكمل الجملة، لكنه لم يكن بحاجة لذلك، الكلمات التي قالها كانت كافية لسحب اللون من وجهها دفعة واحدة، تجمدت نظرتها، ثم اتسعت حدقتاها بشكل لا إرادي، أصابعها التي كانت متماسكة ارتخت للحظة، قبل أن تعود لتتشبث ببعضها بقوة، عقلها توقف عند نقطة واحدة…

كيف يعرف؟ …تلك الحادثة لم تخرج من هذا المكتب، لم تُسجّل رسميًا، دُفنت بين الأوراق والتواقيع، ومع ذلك يقف أمامها الآن رجل لا يبدو كمن يخمّن… بل كمن يملك التفاصيل..
2

رفعت نظرها إليه، تحاول استعادة توازنها..

"هذا تهديد…"
5

خرج صوتها أقل ثباتًا مما أرادت، لكنه قاطعها بحركة بسيطة، أخرج هاتفه ووضعه على المكتب، دفعه نحوها بإصبعين فقط، وقال:

"ملف الصوت… أو التقرير، أيهما تفضلين أن يظهر أولًا؟"
3

عندها فقط انهار الحاجز الأخير، لم تعد الصدمة قابلة للإخفاء، نظرت إلى الهاتف كما لو أنه قنبلة موضوعة أمامها، صدرها ارتفع وهبط ببطء ثقيل، ثم أغلقت عينيها لثانية واحدة، تلك الثانية التي تقرر فيها مصير سنوات من حياتها، قبل أن تفتح درج المكتب ببطء، يدها ترددت للحظة، ثم أخرجت الملف..

الورق كان ثقيلًا في يدها، ليس بوزنه… بل بما يعنيه، نظرت إليه للحظة أخيرة، ثم مدّته نحوه، لكنه لم ينتظر ترددًا، أخذه بثبات، نظر إلى الاسم المكتوب عليه، ثم رفع عينيه إليها مرة أخرى، تلك النظرة التي لا تحمل شكرًا ولا اعتذارًا، فقط حقيقة واحدة…

أنه أخذ ما جاء من أجله، قال بهدوء قاتل:

"أحسنتِ الاختيار.."
2

ثم استدار، خطاه عادت كما كانت، ثقيلة، ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث، بينما بقيت هي جالسة، جامدة، تحدق في الفراغ، تحاول أن تستوعب كيف تحولت من مسيطرة على الغرفة…

إلى امرأة أُجبرت على التخلي عن ثباتها خلال دقائق…
2

..     ..    ..     ..     ..

جلست إيكاترينا في الزاوية الأبعد عن الضوء، حيث يتلاشى الصوت تدريجيًا ويخفت حضور الآخرين، اختارت هذا الركن تحديدًا كما لو أنها تختبئ داخل ظلٍّ صنعته بنفسها…
4

طاولة صغيرة، مصباح أصفر خافت يتدلى فوقها، وبقايا موسيقى هادئة لا تُسمع بوضوح، فقط تُحَس كنبض بعيد…مكان لا يُلفت الانتباه، وهذا بالضبط ما كانت تحتاجه..

وضعت حقيبتها إلى جانبها ببطء، ثم مالت نحو صوفيا التي جلست أمامها، ساقاها لا تلامسان الأرض، تتأرجحان بخفة بينما كانت منهمكة في كعكة الشوكولاتة، أصابعها الصغيرة ملطخة، وشفتيها تحملان آثار السكر الذائب..
4

أخرجت إيكاترينا منديلًا ورديًا، وبدون كلمة، مسحت به فم الصغيرة بحركة تلقائية، مألوفة… لكنها هذه المرة لم تكن مجرد رعاية، بل محاولة تشبث… كأنها تثبت لنفسها أن هذه اللحظة لا تزال لها..

" ارفعي رأسكِ… "

همست، فامتثلت صوفيا دون اعتراض، عيناها بقيتا معلقتين بشيء أمامها… لم تكن تنظر إلى أمها، ولا إلى الكعكة… بل إلى الفراغ..

لاحظت ذلك..

رفعت إيكاترينا رأسها ببطء، تتبع خط نظر ابنتها… وهناك، عند مدخل المقهى، كان هو..

ريكاردو..
5

يمشي بخطوات ثابتة، هادئة، كما لو أنه لا ينتمي للفوضى المحيطة به، معطفه الداكن ينساب حوله، ونظرته تمسح المكان قبل أن تستقر عليهما… لحظة قصيرة… لكنها كانت كافية..

شعرت بشيء يشد صدرها..

ابتسامة ظهرت على شفتيها… صغيرة و متوترة، بالكاد وُلدت قبل أن تحاول إخفاءها، وقفت سريعًا، كأن الجلوس فجأة أصبح ضيقًا عليها، ثم استقامت في مكانها تنتظره..

" كيف حالك إيكاترينا، كان يبدو صوتك غريبا.. "

قالها وهو يقترب، صوته هادئ، لكنه لم يكن خاليًا من الملاحظة..

" بخير.. "

جاء ردها سريعًا… أسرع مما ينبغي و أقصر مما يجب..

لم يعلق..لكن نظرته لم تتركها، انتقلت منها إلى صوفيا… وتوقفت لم تكن مجرد نظرة عابرة..

كانت أطول… أعمق… كأنه يقرأ..

ملامح الطفلة، شكل عينيها، اتساعهما، ذلك اللون… اللون الذي يعرفه جيدًا، الذي رآه لسنوات في وجه شخص آخر..

تصلب شيء داخله…فكرة مرت… ثم أخرى… ثم صمت..

لو لم يكن يعرف الحقيقة مسبقًا… لشك الآن دون تردد..

ابتلع تلك الفكرة، دفنها مؤقتًا، وأعاد ترتيب ملامحه قبل أن تتحول إلى شيء واضح..

لكن صوفيا شعرت..الأطفال لا يفهمون… لكنهم يشعرون..

تحركت قليلًا، انزلقت من كرسيها لتقف خلف والدتها، أصابعها تشبثت بطرف معطفها، نصف وجهها مختبئ، وعيناها لا تزالان تراقبانه بحذر..
2

توقف ريكاردو و أدرك ما فعله..

حمحم بخفة، وكأن صوته يعيد ترتيب اللحظة، ثم انحنى قليلًا ليصبح في مستواها، ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهه، محاولة ناعمة لتصحيح البداية:

" مرحبًا صوفيا، أنا ريكاردو… صديق والدتك.. هل تحدثت عني إليك؟!.. "
1

كان هناك شيء طفولي متعمد في نبرته… محاولة واضحة لجذبها، لكسر الحاجز..

لكن النتيجة جاءت عكس ذلك تمامًا ،هزت رأسها بلا تردد، وقالت بصوت صغير… واضح… لا يحمل مجاملة:

" لا… لم تخبرني عنك… ولا أريد أن أعرف.. "

شهقة خفيفة خرجت من إيكاترينا، إحراج حاد صعد إلى وجهها، بينما تجمدت ابتسامة ريكاردو لجزء من الثانية قبل أن ترتفع حاجباه بدهشة حقيقية، ثم مال قليلًا الى الخلف وهمس بنبرة خافتة لا تخلو من سخرية:

" صريحة للغاية… كوالدها.. "
13

لم تسمعه..

كانت منشغلة بابنتها، تميل نحوها تهمس بشيء منخفض، نبرة توبيخ خفيفة، لكن صوفيا لم تبدُ مهتمة… انسحبت بهدوء وعادت إلى مقعدها، كأن الحديث لا يعنيها، أمسكت ملعقتها وأكملت الأكل، عزلت نفسها عن الموقف كله..
1

راقبهما ريكاردو للحظة… ثم ضحكة خافتة تسللت منه دون إذن، قصيرة و صادقة، ربما لأنه للمرة الأولى… يقابل طفلًا لا يحاول كسبه..
1

" حسنًا صوفيا… لكنني أنا مهتم بمعرفة المزيد عنك… كما أن والدتك تحدثت عنك كثيرًا.. "

لم ترد أو  تنظر إليه حتى..

فقط رفعت قطعة صغيرة من الكعكة، وضعتها في فمها، وكأن العالم كله خارج تلك اللقمة لا يعنيها..

صمت خفيف تسلل بينهما..

صمت لم يكن فارغًا… بل ممتلئًا بما لم يُقال..

أشارت إيكاترينا بيدها نحو الكرسي أمامها، دعوة صامتة، فاستجاب دون تعليق، جلسته أصبحت أكثر ثباتًا، لكن عينيه انتقلتا إليها هذه المرة… نظرة مختلفة… أقل فضولًا، وأكثر تركيزًا..

ينتظر..ينتظر أن تبدأ وهي تعلم ذلك..

شعرت بثقل اللحظة يهبط على كتفيها، أنفاسها لم تعد منتظمة كما كانت، أصابعها تشابكت فوق الطاولة، ثم انفكت، ثم عادت… كأنها تبحث عن نقطة توازن لا تجدها..

كان ريكاردو أمامهما جالسا، لم يكن جلوسًا عاديًا، بل حذرًا… كمن يدخل إلى أرض لا يعرف تضاريسها جيدًا، عيناه لم تبتعدا تمامًا عن صوفيا، ولا عن تفاصيلها الصغيرة التي كانت تصرخ بالحقيقة أكثر من أي تحليل أو اعتراف…

نفس لون العينين، نفس الاتساع الهادئ الذي يسبق العناد… نفس الصمت الذي لا يشبه الأطفال..

أما إيكاترينا… فكانت تراقبه لا تعرف من أين تبدأ..

تراقب كيف ينظر… كيف يحاول أن لا ينظر… كيف يكبت الأسئلة خلف تهذيب مصطنع، وهذا وحده أخبرها أنه لم يأتِ فقط ليستمع… بل ليُقارن، ليُثبت، وربما… ليحكم..

مدّت يدها إلى كوب القهوة أمامها، لكن أصابعها لم تستقر، ارتجفت بخفة قبل أن تحيط بالكوب وكأنها تستمد منه توازنًا مفقودًا، ثم قالت بصوت منخفض، محسوب، لكنه لم ينجح في إخفاء التوتر الذي تسلل بين حروفه:

" شكرًا لأنك جئت… "

لم يجب فورًا، بل مال قليلًا إلى الخلف، يراقبها بنظرة أطول مما يجب، ثم قال بهدوء لم يكن خاليًا من الحدة:

" قلتِ إن الأمر مهم… وصوتك لم يكن طبيعيًا… "

ابتسمت ابتسامة صغيرة… خاطئة… لا تشبهها، ثم أطرقت بنظرها لثانية وكأنها ترتب الكلمات في رأسها قبل أن ترفع عينيها إليه مجددًا، هذه المرة بثبات أقوى:

" هل نحن نتعرف على بعضنا الآن؟… أعني… كما تتوقع عائلتنا… بداية جدية؟..
3

توقف، هذا لم يكن ما توقعه..

حك حاجبه ببطء، نظر إليها بنبرة غير متأكدة قال :

" أجل… أعني… هذا ما يفترض أن يكون عليه اللقاء الأول… نتعرف فقط… نرى إن كان هناك انسجام أو لا…"

أومأت، لكنها لم تقتنع..

" يمكننا أن نفعل ذلك… لكن بطريقة أسرع قليلًا… "

راقب هذا التسرع… لم يكن عاديًا..

تذكر لقائهما الأول… كانت بعيدة، مغلقة، كأنها مجبرة، كأن فكرة الارتباط لا تعنيها…أما الآن؟ فهي تدفع الحديث للأمام بقوة..

وهذا… لم يريحه، لأنه لم يكن غبيًا و يعرف جيدًا أين يقف..

امرأة أمامه… هي حبيبة صديقه السابقة و طفلة أمامه… دليل حيّ على تلك العلاقة..
1

وصديق… لم يتعافَ منها رغم كل السنوات وكان هو الآن… في المنتصف على خيط رفيع لا يعرف إن كان عليه التقدم… أم التراجع..
1

رأى حركتها..

يدها امتدت نحو كتف صوفيا، بلمسة ناعمة..

" صوفيا… هل يمكنكِ الجلوس هناك؟… عند النافذة كما أردتِ؟.. "

رفعت الصغيرة نظرها بتردد بين البقاء… وبين فضول المكان الجديد..

نظرت إلى ريكاردو… ثم إلى والدتها… ثم أخيرًا، حملت طبقها وكأسها، ونهضت ببطء، خطواتها صغيرة، لكنها كانت تلتفت كل بضع ثوانٍ… تراقب..

حتى جلست بعيدة… لكن ليست بعيدة بما يكفي ،تابعتها إيكاترينا حتى استقرت ثم إلتفتت…

في تلك اللحظة، كانت النادلة تقف إلى جانب ريكاردو، فطلب قهوته بهدوء، دون أن يبعد عينيه عنها..

" أريد أن أعرف كيف تعرف فيليب… بما أنك كنت السبب في تواصلي مع شركته.. "

قالتها مباشرة بلا مقدمات عندما ابتعدت النادلة..

نظر إليها بتركيز، ثم قال:

" فيليب صديقي… لم أكن أعلم أن بينكما معرفة سابقة… ولم يتحدث عنكِ… "
2

" صديقك؟… منذ متى؟… لأنني… كنت أعرفه… وأعرف جميع من حوله.. "

أومأ، يحاول ترتيب أفكاره وسط الأسئلة التي بدأت تتزاحم:

" تعرفت عليه بعد ستة أشهر من التخرج… في مسابقة تمويل مشاريع… "

بدأت الخيوط تتشكل في رأسها قفزت نجاحه..

" هل كنت تعرفني من قبل؟… هل كان هذا ترتيبًا منه؟.. "

رفع حاجبه فورًا..

" لا… لم يكن له يد… هذا ترتيب عائلي بحت… لكن… قبل موعدنا، كان يعلم أن لدي لقاء… دون أن يعرف مع من… وبعدها… تحدثت عنه لكِ… وأرسلت لي والدتي صورتك… كما تعلمين… "

توقف لثانية..

ثم أضاف، بنبرة أبطأ:

" وعندما رآها… كان هناك شيء… غريب في ردة فعله… ثم غادر فجأة… ولم يشرح شيئًا بعدها.. "
حلا السكون هذه المرة… مختلف و أعمق…

وعينا إيكاترينا… لمعتا بشيء واحد ..الخطر..

الذي هي تحاول الهرب منه… فيليب..
4

مسحت كفّيها ببطء على قماش بنطالها تحت الطاولة، حركة صغيرة لكنها كانت كفيلة بفضح التوتر الذي يتسلل من أطرافها إلى داخلها، كأنها تحاول أن تفرغ ارتجافها في نسيج لا يشعر…

رفعت رأسها أخيرًا، وعيناها تستقران على ريكاردو بثبات مصطنع، ثم قالت بنبرة مضبوطة أكثر مما ينبغي:

"كما قلت… يجب أن نُسرّع في تعارفنا…"

وصلت النادلة في تلك اللحظة، وضعت فنجان القهوة أمامه، فانتظر حتى ابتعدت، رفع الكوب إلى شفتيه، ارتشف بهدوء، لكن عينيه لم تبتعدا عنها… كان يقرأ ما خلف الكلمات، لا الكلمات نفسها، ثم سأل بهدوء محسوب:

"ما هو اقتراحك… إيكاترينا؟"

ولأنها لم تعد تملك رفاهية التمهيد… ألقت بها دفعة واحدة، كمن يقفز في ماء بارد دون تردد:

"لنتزوج.."
9

توقف الزمن للحظة..

الكوب كاد أن يتوقف في الهواء، أنفاسه اختنقت في صدره، عينيه اتسعتا بشكل واضح قبل أن يحاول السيطرة على ملامحه، لكن الصدمة كانت قد تسربت بالفعل..

"ماذا؟… بهذه السرعة؟"

لم تتراجع أو تبتسم، لم تحاول حتى تخفيف وقع الكلمات… فقط أكملت، ببرود يليق بمن اتخذ القرار قبل أن ينطقه:

"أنت رجل محترم… مستقر… وتحب الأطفال… هذا يكفي.."
1

صمت قصير مرّ بينهما، لكنه كان ممتلئًا بأسئلة لم تُطرح بعد..

أعاد الكوب إلى الطاولة ببطء، ثم مال قليلًا إلى الأمام، نبرته هذه المرة أكثر حدة، أقل مجاملة:

"وهل هذا كل شيء؟… لا يوجد سبب آخر؟"

"لا… ماذا تقصد؟"
1

لم يرمش..

"فيليب.."

ضربة مباشرة..تجمدت للحظة، بالكاد… لكنها كانت كافية، يدها ارتفعت نحو الكوب بسرعة، أخفت نصف وجهها خلفه، لكن ذلك لم يمنع الحقيقة من الظهور… لقد أصاب..

"لا… فيليب من الماضي…"

قالتها، لكنها لم تبدُ كمن يؤمن بها..

راقبها طويلًا، ثم قال بهدوء أثقل من الصراخ:

"ألا تعتقدين أن صوفيا تستحق أن يكون لديها والدها الحقيقي… بدلًا من رجل يحاول أن يكون كذلك؟"
8

كلماته لم تكن قاسية… لكنها كانت صادقة بشكل مؤلم.. وهذا ما جعلها تكرهها أكثر..

تنفست بعمق، شعرت بأن المكان يضيق، بأن الهواء لم يعد يكفي، بأن هذه الخطة التي بدت واضحة في رأسها بدأت تتشقق أمام أول اختبار حقيقي… لكنها لا تملك رفاهية التراجع..

ليس الآن وقفت فجأة..

الحركة كانت حادة بما يكفي ليصمت كل شيء حولهما للحظة..

"لقد سمعت اقتراحي… إن وافقت، سيكون الزواج بعد ثلاثة أشهر.."
6

لم تنتظر ردًا..

استدارت مباشرة نحو صوفيا، نادتها بنظرة واحدة فقط، ففهمت الصغيرة، نهضت بصمت، أمسكت بيد والدتها، وغادرتا… دون أن تلتفت أي منهما للخلف..

أما ريكاردو… فبقي جالسًا.. ينظر إلى الفراغ الذي تركتاه..عقله لم يكن صامتًا… كان يعج..

صديقه… ماضيهما… الطفلة… نظراتها… اقتراحها…
الهروب الواضح خلف قرار كبير… كل شيء كان يصرخ بأن هذه ليست بداية… بل محاولة نجاة..

ومع ذلك… لم يستطع أن ينكر شيئًا واحدًا:

جزء منه… كان يفكر في إقتراحها..
17

..     ..    ..

في الجهة الأخرى…

أغلقت إيكاترينا باب السيارة بقوة خفيفة، كأنها تحاول أن تُبقي العالم خارجها، أدارت المحرك بسرعة، وانطلقت…

عيناها لا تستقران، تنتقلان بين المرآة الأمامية والجانبية، تراقب و تتحقق..وكأن الخطر قد يتشكل من أي سيارة عابرة..

زفرت الهواء ببطء، محاولة تهدئة نبضها، ثم قالت دون أن تنظر:

"لماذا تصرفتِ بهذه الطريقة مع ريكاردو يا حبيبتي؟"

"لم أحبه.."
2

الجواب جاء بسيطًا… قاطعًا… و بلا تردد..

شدت على المقود قليلًا..

"لكنه كان لطيفًا معكِ…"

صمتت صوفيا للحظة… ثم جاء السؤال فجأة، كحجر سقط في ماء ساكن:

"هل ستتزوجينه؟"

تجمدت يد إيكاترينا على المقود..

السؤال لم يكن بريئًا… ولا عابرًا..

كان محمّلًا بشيء أكبر من عمرها..

"سنتحدث عن هذا لاحقًا… حسنًا؟"

لكن صوفيا لم تتركه يمر جاء صوتها متغير… منكسر..

"إذا تزوجته… هل ستتركينني؟"

أوقفت السيارة فجأة على جانب الطريق..

قلبها سقط… حرفيًا.. هي تفعل كل هذا لأجلها و هي تفكر بالعكس..

خرجت و استدارت بسرعة، فتحت الباب الخلفي و جلست بجانبها دون تفكير، عيناها تبحثان في وجه صغير امتلأ بالخوف قبل الدموع..

"ماذا تقولين…؟"

لكن صوفيا لم تنتظر… الكلمات خرجت متكسرة، ممزوجة ببكاء بدأ يكبر مع كل حرف:

"هل ستذهبين وتتركيني مع جدتي… ثم تنجبين أطفالًا آخرين… ولا تعودين؟"
6

وانفجرت.. ببكاء حقيقي… عميق…و موجع..

لم يكن عن الزواج..كان عن الخوف و عن الفقد..

عن أن تُستبدل..

سحبتها إيكاترينا فورًا إلى صدرها، ضمتها بقوة، كأنها تحاول أن تمنع العالم كله من الوصول إليها، يدها تربت على ظهرها بسرعة، كلماتها خرجت متلاحقة، متكسرة:

"لا… لا يا حبيبتي… أنا هنا… أنا معك… لن أتركك… أبدًا…"

لكن صوتها خانها..

لأن جزءًا منها… لم يكن واثقًا من أي شيء بعد الآن..

دمعة انزلقت دون إذن و سقطت على شعر الصغيرة..

مرت دقائق… طويلة… ثقيلة… حتى بدأ البكاء يهدأ، شهقات متقطعة فقط..

رفعت إيكاترينا وجه صغيرتها بين يديها، مسحت دموعها بإبهاميها، صوتها هذه المرة أخف… لكنه أكثر هشاشة:

"من أخبركِ بهذا؟… لماذا تفكرين هكذا؟"

شهقت صوفيا، أنفها محمر، صوتها بالكاد يُسمع:

"كريستيان…"

توقفت..

"ماذا عنه؟"

"أمه تزوجت… وتركته مع جدته… وأنجبت طفلين… ولم تعد تزوره…"

الصمت الذي تلا ذلك… كان قاسيًا..

لأن الخوف أصبح مفهومًا و حقيقيًا…ومنطقيًا… في عقل طفلة..

أغمضت إيكاترينا عينيها للحظة، جبينها استند إلى جبين ابنتها، أنفاسهما اختلطت، ثم همست، ببطء، وكأنها تغرس كل كلمة داخلها:

"أنا لستُ مثلها… ولن أكون… أنتِ لستِ خيارًا… أنتِ حياتي كلها… هل تفهمين؟"

ترددت صوفيا… ثم أومأت ببطء..

لكن يدها… لم تترك معطف والدتها وكأنها… لا تزال تخشى أن تختفي..
2


..    ..    ..     ..      ..  

ب

عد الظهر بقليل… كانت موسكو تتنفس على غير عادتها..

الشمس لم تكن عدوانية ولا خجولة… بل حاضرة بهدوءٍ غريب، ضوئها ينزلق فوق الأسطح المبتلة، يذيب بقايا الثلوج، ويترك خلفه لمعانًا رطبًا كأن المدينة تغتسل من قسوة الشتاء الطويل..الهواء بارد…
2

لكنه أخف، محمّل بوعدٍ خفي بأن شيئًا ما سيتغير قريبًا…أن الربيع يطرق الأبواب بصبرٍ لا يُرى..

يومٌ جميل… لو لم يكن هو هناك..

أورلوف..
1

يقف على أولى درجات المنزل… منذ وقتٍ ليس بقصير..
3

جسده الضخم يحتل المكان بثقلٍ واضح، كتفاه العريضتان مغطاتان بمعطف أسود طويل، مفتوح قليلًا ليكشف عن قميص داكن يلتصق بعضلات صدره المشدود، كأن القماش نفسه عاجز عن احتواء ذلك البناء الصلب..

عنقه القوي يبرز بوضوح، وعروق يديه تنتفخ تحت الجلد البارد، بينما أصابعه الكبيرة مشدودة على جانبي جسده… لا تتحرك، لكنها بعيدة كل البعد عن السكون..
2

كان ساكنًا… ظاهريًا فقط، في داخله… كل شيء يغلي..

طرق الباب ثلاث مرات… لا، أكثر… لكنه توقف عن العد بعد أن أدرك أن الطرق لن يجلبها، وأن كسر الباب؛ وهو أمرٌ سهل بالنسبة له..لكن لن يجلب لها الراحة… ولن يجلب له ما يريد..
4

لذلك… ها هو ينتظر..

فعلٌ بسيط… لكنه كان بالنسبة له… معركة..
1

جلس أخيرًا..

ببطء… انخفض بجسده على الدرج الحجري المبلل، لم يهتم ببرودة الماء الذي تسلل إلى ملابسه، ولا بالرطوبة التي التصقت به… هذه أشياء لا تذكر أمام ما يشغله..
2

رفع رأسه قليلًا… نظر إلى الباب..

مغلق…

في الطرقة الثانية… سمعها.. ليس صوت خطواتها… بل ما هو أوضح..صوت التلفاز..
1

ارتفع فجأة… بشكلٍ مقصود… متعمد… وكأنها تقول له دون أن تفتح الباب: أنا هنا… وأعرف أنك هنا… ولن أفتح..
21

شد فكه..

خطٌ حاد ظهر على جانبه، وأسنان انطبقت بقوة كادت أن تُسمع..

زوجته..

نعم… زوجته..
5

الفكرة لم تتغير… ولن تتغير..
2

أي شخصٍ يجرؤ على قول غير ذلك أمامه… لن يكمل جملته..
11

خفض رأسه قليلًا، كفه الكبيرة مرّت على وجهه بخشونة، ثم توقفت عند ذقنه، ضغط عليها وكأنه يحاول أن يسيطر على شيءٍ ما يتفلت منه..

ثم… الملف..

أخرج الهاتف من جيبه ببطء، نظر إلى الشاشة للحظة… وكأنها تحمل إجابة لا يريد قراءتها مجددًا، لكنه فعل..

ملفها الطبي..

أرسل صورة الى الطبيب و اتصل به طبيب الثكنة… شرح له كل شيء، كل رقم، كل مؤشر… وكل ما سمعه بعد ذلك لم يغادر رأسه منذ تلك اللحظة..

في البداية..مجرد بداية..

لكن بدايتها لم تكن طبيعية..

القفزة في مستوى السكر… لم تكن تدريجية… كانت حادة، مفاجئة… كأن جسدها استيقظ فجأة على خللٍ لم يعد يستطيع تجاهله..

والسبب؟واضح..السكر و الحلويات..

بشكل مفرط… غير منطقي… أقرب إلى هوس منه إلى مبتغى..

تنفس ببطء… صدره ارتفع وانخفض بثقل..

قال الطبيب يمكن السيطرة عليه بحمية و تقليل من السكر ثم الإنضباط..

جدول بسيط،يعرف أن جليندون منضبطة في عدة جوانب من حياتها لكن على نهمها للحلوى؟!..

ليست كذلك..
1

مرّر يده في شعره تحت القبعة، شدها قليلًا إلى الأسفل، ظلها غطى عينيه أكثر… لكن لم يخفِ التوتر الذي تسلل إلى ملامحه القاسية..
1

فكرة واحدة فقط… كانت تدور..ماذا لو… لم تتوقف؟ ..ماذا لو تجاهلت؟.. لأنه يعلم أن جليندون كانت تحب كل شيء متعلق بعمتها جريس و لا تستطيع أن تبتعد عن شيء كان متعلق بها..

ماذا لو… وصلت إلى المرحلة التي تحتاج فيها إلى الأنسولين؟

عضلات فكه تشدّدت مجددًا…لا…لن يسمح بذلك..ليس هذه المرة…ليس و هو تخلى عن عدة أشياء لتعيش هي سعيدة و بصحة جيدة و في الأخير يقف و يراقب كيف تهدم ما سعى له بعد أن عبر عن جثته للوصول إلى هنا..
13

رفع رأسه ببطء… نظر إلى الباب مرة أخرى… و نظر أمامه حيث راقب بعض رجاله الذي يراقبون المنزل منذ مدة، بعد أن عاد، لا يستطيع المخاطرة بتراخي عن الحراسة.. خصوصا و أنه عاد إلى موسكو و قد ظهر في عدة أماكن خصوصا في منزل زوجته… المكان الذي لا يرد لأحد أن يعرفه…
1

الصمت و الضجيج من الداخل … مزعج..

لكن الجدار الذي يفرقه عنها رغم المسافة القريبة… أكثر إزعاجًا..

هيتشعر به..و تتجاهله…تعاقبه… بطريقتها..

ابتسامة باهتة، شبه ساخرة، مرت على شفتيه للحظة..

"حسنًا…"

تمتم بها بصوتٍ منخفض، خشن… كأن الكلمة خرجت من عمق صدره لا من حنجرته..

ثم مال بجسده إلى الخلف قليلًا، يده الكبيرة استندت على الدرجة خلفه، أصابعه انغرست في الحجر البارد دون وعي… نظره بقي مثبتًا على الباب..

لن يغادر..

يمكنها أن ترفع صوت التلفاز و يمكنها أن تتجاهله..

يمكنها أن تختبئ خلف الجدران…

لكن في النهاية…ستفتح، وإن لم تفعل…

فهو… سيبقى كجدارٍ آخر… أمام بابها
1

أخرجه من سهوته صوت القفل وهو يدور ببطء… صوت معدني بسيط، لكنه كان كافيًا ليشد انتباهه بالكامل، كأن العالم كله انحصر في تلك اللحظة..
1

رفع رأسه فورًا..الباب انفتح و ظهرت جليندون…

واقفة عند العتبة… بثباتٍ هادئ، كأنها لم تكن تتجاهله منذ نصف ساعة كاملة..

ترتدي بيجامة سوداء بسيطة، قميص وسروال، لكن القماش الداكن لم يخفِ تفاصيل جسدها بقدر ما أبرزها، والشال الكاشمير العريض ينسدل على كتفيها، يضيف لمسة دفء تناقض البرودة التي تتعامل بها معه..

شعرها… كان مرفوعًا في كعكة غير محكمة، خصلات هاربة تحيط بوجهها، ناعمة، فوضوية… وكأنها لم تحاول ترتيبها أصلًا..

نظرت إليه نظرة واحدة فقط، ليست طويلة… و لا عميقة… لكنها لم تكن عادية أيضًا..

ثم استدارت..وتركت الباب مفتوحًا..دعوة… أو تحدٍ.. لا يعرف فقط زفر ببطء، نهض بثقله، وتبعها دون كلمة..
3

عندما دخل..

الدفء ضربه فورًا… ليس فقط حرارة المنزل، بل تلك الرائحة… رائحة السكر، الفانيلا، الشوكولاتة… خليط حلو كثيف تسلل إلى أنفاسه، وكأنه دخل عالمًا لا يشبهه..

أغلق الباب خلفه، خلع حذاءه دون تفكير، وتركه عند المدخل، ثم تقدم حافي القدمين، خطواته صامتة على الأرضية… لكنه لم يكن صامتًا من الداخل..

تبعها إلى المطبخ…توقفت عند الرخام… وبدأت هي تتحرك..

و تتقن ما تستطيع فعله ناحيته…تتجاهله كالعادة..

وقف هو… اتكأ على الرخام المقابل، ذراعيه القويتان تحملان وزنه بسهولة، عينيه ثابتتان عليها دون محاولة لإخفاء ذلك..

يراقب كل تفصيلة..

كيف تتحرك يداها… كيف تمسك السكين… كيف تنزلق الخصلات على خدها فتدفعها بلا وعي… كيف تتنفس بهدوءٍ مصطنع..

كانت تعرف أنه ينظر.. وكان يعرف أنها تعرف..

لكن لا أحد منهما كسر ذلك..

قشرت الفاكهة ببطء، دقة غير ضرورية في الحركة، وكأنها تماطل، أو ربما تستمتع بتجاهله أكثر من اللازم… ثم وضعتها في الكأس الزجاجي..

وحين بدأ صوته:

"لماذا سحبـ—"
2

ضغطت زر الآلة..
18

الصوت انفجر فجأة.. ضجيج حاد… عنيف… ملأ المطبخ بالكامل، و قطع كلماته، ابتلعها كأنها لم تُقال..

لم تنظر إليه لكنها فهمت وكان ذلك كافيًا..

استمر الصوت لثوانٍ… ثم توقفت..

هدوء قصير ثم أعادت تشغيلها أقوى و أطول من الازم ،تعمد واضح..وحين أوقفتها أخيرًا…
1

لم تعد المسافة كما كانت..شعرت به خلفها قريب..
2

قريب جدًا..

وجوده لم يكن يحتاج لمس… كان كافيًا أن يقف ليملأ المساحة..

"لنتحدث عن القضية.."

صوته جاء منخفضًا… لكن واضحًا، لا يحمل نقاشًا..

"تحدث… أنا أستمتع.."

قالتها دون أن تلتفت، وكأنها تمنحه إذنًا بالكلام… بينما تسحب الملعقة.. السكر..ملعقة أولى..سقطت بهدوء داخل الكأس الزجاجي و ثم الثانية…

التي لم تصل.. لأن يده أطبقت على معصمها..

كبيرة…و دافئة… قوية بما يكفي لتوقفها دون جهد..

شدّها قليلًا نحوه، حتى التصق ظهرها بصدره، جسده الصلب يحيط بها من الخلف، أنفاسه الساخنة لامست رقبتها المكشوفة، قريبة… أكثر مما يجب..

"جليندون…"
1

نطق اسمها بخشونة، كأنه يحاول أن يبقيه متماسكًا بين أسنانه..

"أورلوف…"

جاء ردها فورًا، مشدودًا و حادًا بأسنانا مطبقة بقوة..

حاولت سحب يدها لكن لم يتركها..

"توقفي عن استهلاك السكر بهذا الشكل المفرط …"

صوته انخفض أكثر… صار أقرب إلى تحذير..

"وأوقفي هذا الهوس.."
1

سحبت يدها بقوة هذه المرة..

حين تحررت..استدارت نحوه بسرعة، عيناها تشتعلان بنفاد صبر واضح:

"وأنت؟! متى ستتوقف عن هوسك هذا بالسيطرة؟!"
3

تقدّم أكثر..لم يرفع صوته..و لم يحتاج لذلك..

وضع كفيه على جانبيها، حاصرها بينه وبين الرخام، جسده الضخم يطغى على المساحة، و ظله يسقط فوقها بالكامل...

انخفض قليلًا… ليس كثيرًا، فقط بما يكفي لتلتقي أنفاسهما..

"هوسي…"
5

قالها ببطء، عينيه تنخفضان نحو شفتيها، حيث بقيت قطرة العصير تلمع، تشتت تركيزه للحظة قبل أن يعود إليها..
2

"هو إمرأة تحاول أن تفقد نفسها… وأنا أحاول أن أوقفها.."
7

مدت يديها، دفعت صدره… أو حاولت و لم يتحرك..

لكنها نجحت في إزاحة يديه عن جانبيها..

"هل يجب أن أصفق؟"

"يا طليقي.."
12

الصمت لم يكن مجرد غياب صوت… بل سقوط مفاجئ لشيء ثقيل بينهما… شيء لم يُرَ لكنه خنق الهواء حولهما في لحظة واحدة..

رأته بوضوح هذه المرة… لم يكن تخيّلًا…

كيف انطفأت لمعة عينيه فجأة… كيف تصلّب فكه حتى برزت عضلاته تحت الجلد… كيف انحرف وجهه جانبًا، حركة سريعة، شبه غريزية… كأن الكلمة أصابت موضعًا داخليًا لم يكن مستعدًا أن يُكشف…

لكنها لم تتراجع… لم تسحبها…

وهذا ما جعله يعود..

استدار إليها ببطء… ببطء مدروس… ليس ذلك الاندفاع الذي اعتادته منه، بل شيء أكثر إزعاجًا… أكثر سيطرة…

هدوء يحمل تهديدًا خفيًا..

خطوة واحدة فقط كانت كافية ليقترب… لكن وقعها كان أثقل من المسافة نفسها..

"لم يصدر الحكم بعد.."
3

صوته منخفض… لا يرتفع… لا يهتز… لكنه يفرض نفسه كحقيقة لا تقبل النقاش..

توقّف لجزء من الثانية… عيناه مثبتتان عليها، لا تتركها تهرب حتى لو أرادت… ثم أكمل:

"إلى ذلك الحين…"

اقترب أكثر، حتى أصبحت المسافة بينهما تُقاس بالأنفاس لا بالخطوات…

"أنتِ زوجتي.."
3

لم تكن جملة تحمل دفئًا… ولا اعترافًا…

ارتفع صدرها مع نفس أعمق… واضح… مسموع… لكنها لم تتراجع، لم تمنحه تلك المسافة التي ربما كان ينتظرها… فقط ثبتت مكانها، ودفعت بالكلمات كأنها تضع حاجزًا بينهما:

"القضية إذن.."

اختارت أرضًا تعرفها… منطقة تستطيع الوقوف فيها دون أن تهتز… بينما هو يراقبها… لا يلاحق الكلمة، بل ما خلفها..

تراجعت خطوة، ثم أخرى، تصنع مسافة كافية لتتنفس دون أن تشعر بظله يطبق عليها… التفتت، سكبت العصير في كأس صغير بحركة محسوبة، وكأنها تعيد ترتيب إيقاعها الداخلي… ثم غادرت المطبخ دون أن تنظر خلفها…

كانت تعرف…أنه سيتبعها..

ولم يخيب ظنها..

صوته لم يُسمع، لكن حضوره سبق خطاه…

جلست على الأريكة الطويلة، وضعت الكأس أمامها، رفعت ساقًا فوق الأخرى في حركة بدت هادئة… مدروسة… بينما جلس هو في المقعد المنفرد مقابلها، جسده الكبير يملأ المساحة وكأنه لا يزال يضغط على المكان رغم المسافة..

"كل ما أحتاجه هو محامٍ في الواجهة.."

قالها ببساطة… لكن خلف البساطة كان هناك قرار محسوم..

رفعت الكأس إلى شفتيها، أخذت رشفة صغيرة، بطيئة…وكأنها تشتري وقتًا لتقرأ ما بين كلماته، ثم قالت دون أن تخفف حدتها:

"ما الذي تعنيه؟"

لم يتحرك كثيرًا… فقط أمال رأسه قليلًا، نظرته ثابتة، صوته بقي في نفس النبرة التي لا تفسر :

"أحتاجك أمام القانون العسكري… اسم…و حضور… و إجراء.."

توقف لحظة… ثم أكمل:

"أما القضية… فسأحلّها بطريقتي.."

الكأس لم يُكسر… لكنه اصطدم بالطاولة بقوة كافية ليعلن رفضها..

"هل تظن أن هذه المعلومات التي تتصدق بها لي كافية؟"

صوتها ارتفع، ليس بالصراخ… بل بحدة واضحة…

"تريدني أن أقف في الواجهة دون أن أعرف ما الذي أدافع عنه؟ من ضد من؟ ولماذا؟"
1

عيناه ثبتتا عليها… طويلًا هذه المرة… دون رمش تقريبًا… كأنه يزن كل كلمة… أو يقرر كم سيكشف وكم سيحتفظ به..

أغمض عينيه لثانية واحدة فقط… قصيرة… لكنها لم تمر دون أن تُلاحظ…

"ستعرفين… في الوقت المناسب.."
2

جملة هادئة… لكنها مغلقة… لا تترك مجالًا للضغط..

"القضية ما زالت في بدايتها… سنكسب وقتًا… نُهدئ الضجة… ثم…"

فتح عينيه من جديد… هذه المرة كان هناك شيء أكثر برودة فيها…

"سأُنهيها.."

لم تقل شيئًا فورًا… لكن عقلها بدأ يعمل بسرعة…

يعرف..

ليس مجرد متورط… بل يعرف التفاصيل… يعرف كيف دخلت الشحنة… ولمن تعود… وربما… من يجب أن يسقط..

رفعت رأسها نحوه فجأة، النبرة هذه المرة أكثر إلحاحًا:

"انتظر… من سيُنهيها؟ وماذا تحاول الوصول إليه فعلًا؟"

لم يتحرك… و لم يتردد…

"أنا من سيغلق القضية.."

تجمّدت للحظة عند نبرته… لم يكن مجرد صوت… كان استدعاءً صريحًا لنسخة منه حاولت دفنها منذ زمن… نسخة لا تُناقش… لا تُعارَض… تُنفَّذ فقط…
1

رفعت عينيها إليه ببطء… ليس بخضوع… بل بحذرٍ شديد… كمن يقف على حافة شيء يعرف أنه إن انزلق… لن يعود كما كان…

"أنا من سيغلق القضية…"

ترددت الجملة في المساحة بينهما… ثقيلة… نهائية… كأنها لم تُقل لتُناقش بل لتُثبت…

شدّت أصابعها حول حافة الكأس للحظة، حتى ابيضّت مفاصلها… ثم أرخَتها ببطء، وكأنها تذكّر نفسها أنها لم تعد تلك التي تجلس أمام قائدٍ في ساحة تدريب… بل محامية…
1

وامرأة خرجت من تحت سلطته… أو تحاول…
1

"وهل تتوقع مني أن أكون مجرد اسم على الورق؟…"
2

صوتها خرج هادئًا… لكنه لم يكن لينًا… كان مشدودًا من الداخل… كوترٍ على وشك أن يُقطَع…

لم يجب فورًا… فقط مال قليلًا إلى الأمام… ساعداه استندا على ركبتيه… جسده الضخم بدا وكأنه يملأ المساحة، يفرض حضوره حتى وهو ساكن… عيناه لم تفارقاها… تدرسان…

وتقيسان… وكأنه يحاول أن يرى إلى أي حد تغيّرت… وإلى أي حد ما زالت كما كانت…

"هذا كل ما تحتاجين أن تكوني عليه الآن…"
4

"لا.."

قاطعتْه… بسرعة… دون تردد هذه المرة…

ارتفع حاجبه قليلًا… ليس استغرابًا… بل تحذيرًا صامتًا…

لكنها لم تتوقف…

"إذا كنت تريدني في هذه القضية… فستتعامل معي كمحامية… وليس كغطاء… وليس كـ…"

توقفت لثانية… كأن الكلمة التالية أثقل مما توقعت…

"زوجة.."
1

الصمت الذي تلاها لم يكن مريحًا…لأن رسميا المحكمة لم تصدر بعد حكم الطلاق.. و بحكم معرفتها بالقانون الأسري، فستكون لهما جلسة استماع و بعدها جلسة صلح، فقط ليصدر الحكم النهائي..
1

كان ممتدًا… بطيئًا… يضغط على الأعصاب…
1

ثم تحرّك…

نهض من مكانه… بخطوة واحدة فقط… لكنها كانت كافية لتشعر كيف تقلّصت المسافة بينهما دون أن يلمسها… توقّف أمامها… ليس قريبًا بما يكفي للمسّ… لكن قريبًا بما يكفي لتشعر بثقله… حضوره… ذلك الضغط غير المرئي الذي كان يجيده…

"وأنتِ…"

صوته انخفض أكثر… أصبح أخشن…و أقرب…

"منذ متى تلتزمين بالقواعد؟"

رفعت ذقنها قليلًا… نظرة تحدٍ خفيفة لم تستطع إخفاءها…

"منذ أن أصبحت أنا من يضعها.."

شيء ما لمع في عينيه عند تلك الجملة… لم يكن غضبًا خالصًا… ولا إعجابًا… بل مزيج خطر من الاثنين…

مدّ يده ببطء… ليس بسرعة… هذه المرة… كانت حركة محسوبة… أصابعه توقفت عند طرف الشال الكاشمير على كتفها… عدّله قليلًا… كأنه انزلق… أو كأنه احتاج سببًا ليلمسها دون أن يعترف…

تجمدت للحظة تحت لمسته… لم تبتعد… لكنها لم تقترب أيضًا…

"أنتِ تضعين قواعد…"

همس بها… وعيناه تنخفضان لثانية نحو شفتيها… ثم تعودان إلى عينيها…

"لكنني أعرف كيف أكسرها.."
6

نبض قلبها اختل… للحظة واحدة فقط… لكنها شعرت بها بوضوح… لعنت ذلك الارتباك الذي تسلل رغمًا عنها… ودفعت الشال من يده بخفة… حركة صغيرة… لكنها كانت فاصلة…
1

"ليس في قضيتي.."
1

استدارت قليلًا… لتكسر زاوية المواجهة المباشرة… ثم أكملت بصوت أكثر عملية… أكثر برودًا… وكأنها تعيد نفسها إلى المسار الذي تريده…

"إذا كنت تعرف من يقف خلف الشحنة… ومن أدخلها… فهذه ليست قضية تُدفن… هذه قضية تُفجّر…"

"لهذا السبب بالضبط…"

قاطعها… دون أن يرفع صوته…

"لن تُفجَّر.."

التفتت إليه مجددًا… حاجباها انعقدا…

"تريد التستر عليهم؟"

"أريد الوصول إليهم..."

كانت الإجابة مباشرة…و قاطعة…

اقترب خطوة أخرى… هذه المرة ببطء واضح… كأنه يعطيها فرصة لتبتعد… لكنها لم تفعل…

"القانون سيعطيكِ أسماء…"

توقف… عينيه تضيقان قليلًا…

"أنا أريد الرؤوس..."
2

شعرت بقشعريرة تزحف على طول عمودها الفقري… ليس خوفًا… بل إدراك… إدراك أنها تقف أمام شيء أكبر من مجرد قضية… أكبر من مجرد ملف… شيء يتحرك في الظل… وهو جزء منه…

"وهذا ليس عمل محامٍ…"

"لهذا…"

قالها وهو ينظر إليها مباشرة… دون مواربة…

"أحتاجكِ أمام القانون… فقط.."
1

تلاقت أعينهما مجددًا… صامتتين… مشدودتين…

ثم ابتسمت… ابتسامة صغيرة… باردة… لكنها لم تكن ضعيفة…

"وأنا… لا أعمل بـ 'فقط'.."

توقفت لحظة… ثم أضافت ببطء… كل كلمة محسوبة…

"إما أن أعرف كل شيء… أو لن أكون في هذه القضية أصلًا.."
4

الصمت عاد… لكن هذه المرة… لم يكن ثقيلاً بنفس الطريقة…

كان… متوازنًا…

شدّ الحبل بينهما… لا أحد يسحبه بالكامل… ولا أحد يتركه…

راقبها لثوانٍ طويلة… وكأنه يعيد تقييم كل شيء… ثم زفر بهدوء… وأدار وجهه قليلًا… كأنها انتزعت منه خطوة لم يكن ينوي منحها…
1

"عنيدة…"

تمتم بها… أقرب لنفسه…

ثم عاد ينظر إليها…

"لهذا اخترتكِ..."

لم ترد… لكنها لم تخفِ تلك اللمعة الخفيفة في عينيها…

ابتسم بخفة… بالكاد تُرى… ثم قال…

"ستحصلين على ما تريدين… لكن…"

توقف… وعاد ذلك الثقل إلى صوته…

"عندما أقرر أنا.."

تقدمت خطوة نحوه هذه المرة… عكس المتوقع… حتى أصبحت المسافة بينهما أقل مما كانت…

"سنرى من يقرر.."

قالتها بهدوء… لكن عينيها قالتا أكثر بكثير…

لحظة…

لحظة واحدة فقط…

امتدت… مشدودة… خطرة…

لم تكن قد انتهت…

وكان يعرف ذلك جيدًا..

الصمت الذي تلا كلماتها لم يكن نهاية… بل بداية شدّ خفي، شدّ أعصاب، شدّ إرادة… كأن كل واحد منهما يمسك بطرف خيط مشدود، ينتظر من الآخر أن يرخيه أولًا..

استدارت عنه، تتحرك بخطوات ثابتة نحو المطبخ..تحمل معها ذاك البرود المتعمد… لكنه لم يُخدع به..

لذلك تحرك..

بهدوء هذه المرة… لا ضغط… فقط حضور ثقيل يملأ المساحة خلفها..

توقف عند المدخل، وأسند كتفه إلى إطار الباب، ذراعاه متشابكتان أمام صدره، يراقبها كما لو كان يزن كل كلمة قبل أن يطلقها..

ثم قال، بصوت منخفض، خشن لكنه محسوب:

"القضية… شخصية بالنسبة لي… هناك أشياء لا تحتاجين معرفتها.."
7

لم تلتفت فورًا..وهذا بحد ذاته كان ردًا..

لكنها في النهاية استدارت… ببطء… ونظرتها تلك الثابتة، و العميقة لم تكن سؤالًا… بل تحديًا.. لم تقتنع… ولن تقتنع..

زفر ببطء، أدار وجهه لثانية كأنه يجمع أفكاره، ثم عاد إليها… نبرة صوته انخفضت أكثر، هذه المرة مشوبة بشيء أقرب إلى… التحذير:

"لصالحك… هناك أمور ستكونين ممتنة لأنكِ لم تعرفيها… ولـ…"

توقف الكلمة الأخيرة علقت في حلقه لثانية..

"...لحمايتك.."
1

تلك الكلمة لم تهدّئها… بل أشعلت شيئًا آخر في عينيها..

فضول؟ شك؟ أم إصرار؟

هو رآه ذلك..

مرر يده في شعره من الخلف بحركة عصبية خفيفة؛ نادرة عليه ثم أكمل، كأنه يحاول إنهاء هذا النقاش قبل أن ينزلق:

"هذه القضية مجرد طُعم… لجذبي… للبحث عنهم… لم يكن الهدف منها تدخل القانون أصلًا…"

رفع عينيه إليها مباشرة، وثبّتها عليها بقوة:

"اقبلي بهذه المعلومات… الباقي… لي… أنا من سأتعامل معه… في المكان الذي لا يصل إليه القانون.."
2

تقدم نصف خطوة… صوته انخفض أكثر، وكأنه… يطلب، لا يأمر:

"لا تحفري أعمق من هذا… جليندون.."
3

خرج اسمها من بين شفتيه مختلفًا…أهدأ… أثقل… كأنه يحمل شيئًا لم يقله..

لكنها… لم تتراجع..

تجاهلت كل ذلك، تلك النبرة، كل التحذير… وقطعت المسافة بينهما بسؤال واحد، حاد، مباشر:

"هل أنت متورط مع… الظلال السوداء؟"

الصمت الذي تلا سؤالها… كان مختلفًا..

لم يكن ثقيلًا فقط… بل خطير..

الظلال السوداء… أو بالأحرى و المعنى الأدق؛ المافيا …
الظلال السوداء هو الإمام الذي يطلق عليهم الجانب القانوني..

مرت لمعة خاطفة في عينيه… سريعة… لكنها لم تفلت منها..لم تكن إنكارًا… ولم تكن اعترافًا… كانت شيئًا بينهما..

ثم قال، بصوت جامد، خالٍ من أي انفعال:

"لقد بدأتِ تحفرين أعمق… مما ينبغي.."
6

لكنها لم تتوقف..خطوة أخرى… نظرة أكثر ثباتًا… صوت أخفض لكنه أشد ضغطًا:

"إن كنت لا أزال أعني لك شيئًا… أعطني خيطًا واحدًا فقط.."
8

وهنا…

حدث الشرخ..

شيء في نبرتها… في تلك الجملة تحديدًا… اخترق دفاعاته دون إذن..
2

"إن كنت لا أزال أعني لك شيئًا…"
5

اللعنة..كان يجب أن يصمت.. كان يجب أن يدير وجهه… أن ينهي الحديث…و أن يغادر.. لأن بسؤالها هذا لا تعرف أنها كانت و لا زالت تعني له العالم و ما فيه… و قد بدأت تلعب عل التوتر الحساس .. لأن تحسبا عن إخبارها بشيء إن كانت تعني له شيء فلن يتردد ليخبره بكل شيء..
3

لكن هذا خطير و لا يريد أن تكتشف ما وراءه لكن و اللعنة..لا يعرف كيف خرج من فمه بعد ذلك، ذلك الإسم بلا تخطيط و لا مقاومة..
1

"Chyorny Krug.."
4

الصمت هذه المرة… لم يكن بينهما فقط.. لمعت أعينها و إرتمست إبتسامة عميقة على شفتيها و تنفست لأنها أخيرا وصلت وإلى رأس الخيط… لكن ..

لمعة الانتصار التي ارتسمت في عينيها للحظة… لم تعش طويلًا..

الاسم تردد داخلها… مرة… مرتين… ثلاث…

شيورني كروغ….شيورني كروغ…. شيورني كروغ..

ثم…

تلاشى كل شيء.. اختفت تلك اللمعة و ذبُلت ابتسامتها…

فرغت عيناها… كأن أحدهم سحبها من داخلها فجأة..

"شيورني… كروغ…"
3

تردّد الاسم في ذهنها… لا ككلمة… بل كصدى عميق..

وفجأة…انقطع نفسها… لثواني حتى يكاد لا يسمعه .. و عينيها سرحت داخل سهوة عميقة على حين غرة.. ثم..
5

أخذت شهيقًا حادًا، عميقًا… كأنها كانت تغرق وخرجت للتو من الماء..

يدها ارتفعت إلى رقبتها… أصابعها بدأت تحك الجلد بعصبية، كأن شيئًا يخنقها من الداخل..
1

ارتباك و ذعر شيء لا تفهمه… لكنه يسيطر عليها..

"أنا… لا… لا أعرف…"
4

صوتها خرج… بعيد… خشن… كأنه ليس صوتها..

هنا فقط تحرك لم يعد ثابتًا أو هادئًا…

القلق ارتسم واضحًا على وجهه، خطواته اقتربت منها بحذر؛حذر غير مألوف لرجل مثله..كأنه يخشى أن يلمسها فتنهار بين يديه..

"جليندون…"

ناداها مرة… ثم مرة أخرى… صوته هذه المرة مختلف…مشدود… يكاد يكون… قلقًا..

وصل إليها، أمسك يديها بلطف، أوقف حركتها المضطربة عند رقبتها… كانت متصلبة… باردة… وترتعش..

نظرت إليه.. لكن… ليس بالكامل..

وعيها كان… منزلقًا… كأنها تنظر من خلاله لا إليه و ترى شيء غيره.. دمعة انزلقت على خدها دون أن تشعر..

تجمدت عندما الشعور بها على وجنتها… نظرت إليه بصدمة طفولية، ضائعة… وسألت، بصوت متحشرج بالكاد يُسمع:
8

"لـ… لماذا أبكي؟…"

شيء في صدره… انقبض بقوة.. لم يعرف الإجابة.. و هذا ما وّلد المزيد من القلق بداخله..

رفع يده الخشنة و الثقيلة ومسح دمعتها بإبهامه ببطء، حركة غير معتادة عليه… حذرة… كأنه يتعامل مع شيء هش.. و يخاف أن تنكسر في يديه..
1

ثم… دون تفكير… سحبها نحوه..

عانقها…ليس بعنف…أو شغف بل بل بحذر غريب و لطف … وكأنها… ستنكسر..
3

في البداية… بقيت متصلبة..جسدها لم يستجب… عقلها لم يستوعب بعد ما الذي يحدث لها …

ثم… ببطء… شديد البطء..ارتخت في حظنه و أنفاسها بدأت تهدأ…

أصابعها تمسكت بقميصه… بقوة… كأنها تخشى أن يختفي إن تركته..

داخل ذراعيه… وجدت شيئًا… لم تفهمه… لكنها شعرت به.. لأول مرة أو شعور قديم و مألوف تعرفت عليه الأن..

أمان..

همست، بصوت متقطع، متردد، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها:

"لا… لا أريد سماع هذا الاسم… أشعر… بالخوف… و… الاشمـ…"
6

لا تستطيع التحكم بغلق فمها أو ما الذي تقوله كل ما يحدث هو أنها تعبر عن مشاعرها الغريبة و هي تتكلم دون وعي..
2

شدّها إليه أكثر دون وعي، ذراعه حولها أقوى الآن… ليس للسيطرة… بل للحماية..

عقله كان يعمل… يبحث…و يحلل… لكن لا شيء منطقي يفسر ما يحدث..

هذا لم يكن إختلاف عادي و مفاجئ..
1

شعر بها تتململ قليلًا في حظنه ، فخفف قبضته، أعطاها مساحة دون أن يبتعد تمامًا..

رفعت رأسها نحوه… عيناها لا تزالان مضطربتين… لكن هناك شيء جديد فيهما… شيء هادئ… يتشبث به..

نظرت إليه… وكأنها… تثق به.. و هو الرجل الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع أن يشعرها بالأمان ..
1

"أريد… أن أجلس…"
1

لم يتردد.. انحنى فورًا، حملها بين ذراعيه بسهولة، جسدها خفيف بشكل مقلق… لكنها لم تعترض… بل تشبثت به أكثر..
2

خطواته كانت ثابتة نحو الأريكة… لكن داخله… لم يكن كذلك..

للمرة الأولى منذ وقت طويل…لم يكن يسيطر على شيء.. و شعر أن هذا الموقف ينزلق من أصابعه ببطئ..

وللمرة الأولى…لم يكن الخطر… خارجًا..بل… داخلها و بشكل أعمق في داخله..

جلس على الأريكة ببطء، حاملاً إياها بين ذراعيه دون أن يفلتها، وكأنه يخشى أن تنكسر إن ابتعدت عنه… لم يضعها جانبًا كما كان من المفترض… بل أبقاها في حضنه، قريبة، ملاصقة، كأن المسافة بينهما أصبحت فجأة أمرًا غير مقبول..
7

تكورت فوقه دون وعي، جسدها ينحني نحوه تلقائيًا، وذراعاها التفّتا حول عنقه بقوة مفاجئة، تشبث… غريزي…

كأنها وجدت فيه طوق نجاة وسط شيء لا تراه لكنه يبتلعها من الداخل..

رأسها استقر عند كتفه، أنفاسها لا تزال مضطربة في البداية، تصطدم بعنقه بشكل غير منتظم… بينما ذراعه احتوتها بثبات، راحة يده الكبيرة على ظهرها، يربت ببطء… بإيقاع ثابت… وكأنه يحاول أن يعيد جسدها إلى توازنه..
1

لم يتكلم أو يتحرك فقط… إحتظنها..

الدقائق مرّت ببطء ثقيل…

عشر دقائق كاملة… لم يغيّر فيها وضعيته… كأنه تمثال حي، كل تركيزه منصب على تلك التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها غيره..
1

دقات قلبها…

كان يشعر بها… خفيفة في البداية، سريعة… ثم بدأت تهدأ… تنتظم… و تنخفض تدريجيًا..

أنفاسها… كانت متقطعة، ترتعش… ثم بدأت تطول… و تستقر… تتحول إلى إيقاع هادئ و عميق..

وكل مرة كانت ترتجف فيها أو تضرب رقبته بوجهها دون وعي… كانت يده تتحرك أكثر، تثبتها… تطمئنها… دون كلمة واحدة..

إلى أن…ثقل جسدها..

ارتخت بالكامل فوقه… كما لو أن كل التوتر انسحب دفعة واحدة.. أنفاسها أصبحت أبطأ… أعمق… أكثر هدوءًا من أي وقت مضى..

حينها فقط… أدرك أنها نامت..

سكونها لم يكن مجرد نوم… بل استسلام كامل… أمان مطلق لم تحققه إلا وهي بين ذراعيه..
4

لكن…هو لم يهدأ..

عقله بدأ بالدوران… دائرة مغلقة، لا مخرج منها..يحاول أن يفهم… و أن يربط… أن يفسر ما حدث..

كيف…؟

قبل أقل من نصف ساعة… كانت واقفة أمامه، ثابتة، باردة، تتقن تجاهله وكأن وجوده لا يعنيها…

ثم… في لحظة… انهار كل ذلك..

توقف فكره فجأة..

الاسم..

"شيورني كروغ…"

اللعنة..

فكه انقبض بحدة، ونظره انخفض نحوها، كأنها ستجيب وهو يعلم أنها لن تفعل..

كان عليه أن يصمت… أن يبتلع الكلمة قبل أن تخرج… أن يقطع لسانه إن لزم الأمر..

لكن ما حيّره أكثر…

لم يكن انهيارها فقط..

بل… رد فعلها..
1

هي لم تبدُ وكأنها تعرف…لم تنطق الاسم كمن يتذكره… بل كمن… يخاف دون أن يفهم لماذا.. رفضها و اشمئزازها بذعر خام…

كأن جسدها يتذكر شيئًا… وعقلها يرفض الاعتراف به..
11

أخرجه من دوّامته صوت خافت… أنين..

تحركت فوقه، تأوهت بألم خفيف، جسدها يبحث عن وضعية أكثر راحة… لكن عضلاته الصلبة لم تمنحها ذلك..

زفر بهدوء، ثم نهض ببطء، حاملاً إياها مجددًا بين ذراعيه، هذه المرة بعناية أكبر… رأسها استقر عند صدره، ويدها لا تزال ممسكة بقميصه حتى وهي نائمة..

اتجه نحو الطابق العلوي، خطواته ثابتة، صامتة… فتح باب غرفتها دون ضجيج، ودخل..

الغرفة كانت هادئة… دافئة… تحمل رائحتها… مزيج خفيف من العطر والسكر..
1

وضعها على السرير برفق، كأنها شيء ثمين… ثم سحب الغطاء فوقها، عدّله حول كتفيها بعناية..و جلس بجانبها..

يده ارتفعت دون تفكير، أبعد خصلات شعرها الشقراء عن وجهها، ببطء… أصابعه توقفت لثانية عند خدها… يراقب ملامحها وهي نائمة..
5

هادئة و ساكنة…بعيدة عن كل ما تحمله في يقظتها..

تذكر تلك الأيام… عندما كانت تبتسم له بـسهولة… عندما كان هذا القرب… طبيعيًا… لا يحتاج تفسيرًا..

شدّ فكه، ودفع الفكرة بعيدًا بقسوة..

لا وقت لذلك..كان على وشك النهوض… عندما تحركت..

ببطء في البداية… ثم أسرع..

جبينها لمع بعرق مفاجئ… أنفاسها تغيّرت… ارتفعت… و تسارعت.. لم يكن الجو دافئًا بما يكفي لهذا… ومع ذلك… جسدها كان يتفاعل وكأنها في نار تحترقها..
1

ثم…

يدها ارتفعت إلى رقبتها و بدأت تحكها… بعنف… بلا وعي..

الإحمرار ظهر فورًا… الجلد بدأ يتهيج تحت أظافرها..
1

"تبًا…"

تمتم بها، وتحرك فورًا..

سحب الغطاء عنها قليلًا ليخفف الحرارة، ثم أمسك معصميها بقوة محسوبة، يمنعها من إيذاء نفسها… كانت ترتعش… و تتصلب… وكأن لمسه صدمها حتى وهي فاقدة الوعي..
3

سحبها إليه مرة أخرى، يحتضنها، ليثبتها..

لثوانٍ… قاومت..

ثم…ضعفت..

ارتخت يداها، تحررت من قبضته، لكنها لم تبتعد… بل انزلقت إلى قميصه، تمسكت به… بنفس التشبث السابق..

وسكنت كما لو أن وجوده وحده… كان كافيًا لإيقاف العاصفة…

تنفس ببطء، ثم استند إلى الخلف، ممددًا نفسه على السرير، ساحبًا إياها معه… رأسها استقر فوق صدره، وأصابعها لا تزال تقبض على ملابسه، ترفض الإفلات حتى في نومها..
1

الغرفة عادت إلى السكون..

لكن داخله… لم يفعل..

القلق تمدد في صدره… ثقيل… واضح..

هذا لم يكن طبيعيًا..

هذا… لم يحدث من قبل..

الوقت مر… بلا مقياس..

ساعة… ساعتان… ربما أكثر..

الليل حل في الخارج و زحف إلى الغرفة، ابتلع الضوء، ولم يبقَ سوى ظلال خافتة..

عيناه بقيتا مفتوحتين..

يفكر و يحلل..يعيد المشهد مرارًا..

جسدها فوقه كان دافئًا… أنفاسها المنتظمة تضرب صدره… خصلات شعرها تلامس عنقه… رائحتها تتسلل إليه دون إذن..

حاول تحريكها… بهدوء… ليضع رأسها على الوسادة.. لكيلا تؤديها عضلاته لكنها… رفضت..

تشبثت به أكثر… كأنها شعرت بفقدانه حتى وهي نائمة..

توقف..

ثم… بعد تردد… حرر نفسه ببطء هذه المرة، أعاد ترتيبها على السرير، عدّل وضعيتها، سحب الغطاء فوقها مرة أخرى بعناية..

ذراعه كان مخدرًا من الوضعية الطويلة… تجاهل ذلك..

مرر يده على شعره، زفر ببطء، ثم وقف.. لم ينظر خلفه..

لأنه يعرف… إن فعل… لن يغادر..

خرج من الغرفة، و أغلق الباب بهدوء…

ليجد.. إيكاترينا وطفلتها تقفان على بعد خطوات… تراقبانه..
3

تغيرت ملامحه فورًا..

الهدوء اختفى… استُبدل ببرود قاسٍ… نظرة صلبة لا تحمل أي ترحيب..
1

لم يتوقف أو يتكلم..

مرّ بجانبهما كأنهما غير موجودتين… ونزل الدرج بخطوات ثقيلة، مستقيمة، حتى وصل إلى الحديقة الخلفية..
5

الهواء البارد ضرب وجهه… لكنه لم يتحرك..

وقف هناك… في الظلام… بين الصمت… وكأنه عاد إلى نقطة الصفر..

أخرج هاتفه..

تردد لثانية… ثم اتصل..

رنّ..ثم جاء صوت غريغوري :

"ما الأمر… أورلوف؟"

ردّ… دون تردد… بصوت جامد، و حاسم:

"غدًا… ستسافر إلى القاعدة.."

صمت قصير… ثم أكمل:

"أحتاج لتواصل مع الرمز 5# .."

تنحنح الطرف الآخر… وصوته أصبح أكثر جدية:

"تم.."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات