رواية سحر الراوي الفصل السادس عشر 16 بقلم الثناء ضاحي
البارت السادس عشر
سرايا الراوي - المكتب الكبير - بعد منتصف الليل
ساد الصمت.
ذلك الصمت الثقيل الذي يجعل عقارب الساعة تبدو أعلى من المعتاد.
جلس قاسم أمام المكتب الخشبي الضخم، بينما كانت عينا عبد المنعم الراوي ثابتتين فوقه بلا رمشة تقريبًا.
أما خارج النوافذ...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فكان الليل يبتلع الصعيد كله.
ثم تردد صوت عبد المنعم مجددًا:
"اتجوز وهج."
لم يهتز قاسم.
لم يندهش.
بل ظل جالسًا مكانه للحظات طويلة وكأنه يعيد ترتيب الكلمات داخل رأسه.
ثم رفع عينيه أخيرًا.
وقال بهدوء شديد:
"لا."
ساد الصمت مرة أخرى.
لكن هذه المرة...
كان صمتًا مختلفًا.
صمت رجل لم يتوقع الرفض.
ضيقت عينا عبد المنعم قليلًا.
أما قاسم...
فجلس مستقيمًا وهو يضيف بنفس الهدوء:
"وهج بنت محترمة... وأي راجل يتمناها."
في الخارج...
كانت وهج تقف خلف الباب المغلق.
لم تكن تتنصت.
لكنها جاءت تبحث عن فاطمة.
ثم سمعت اسمها.
فتوقفت دون قصد.
وتجمدت مكانها.
أما بالداخل...
فأكمل قاسم:
"بس الجواز مش صفقة ولا قرار بيتاخد عشان الظروف."
ظل عبد المنعم ينظر إليه بصمت.
فقال قاسم باحترام واضح:
"وهج تستحق واحد يحبها فعلًا... مش واحد بيتجوزها عشان يحل مشكلة."
لأول مرة...
ظهر شيء غامض داخل عيني عبد المنعم.
شيء بين الإعجاب والضيق.
ثم قال:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"وأنت مش بتحبها؟"
ابتسم قاسم ابتسامة صغيرة متعبة.
وقال:
"بحترمها."
صمت لحظة.
ثم أكمل:
"وده فرق كبير."
خارج الباب...
أغمضت وهج عينيها.
شعرت بوخزة صغيرة داخل قلبها.
لكن الغريب...
أنها لم تغضب.
لأن طريقته كانت راقية أكثر مما توقعت.
لم يقل كلمة واحدة تقلل منها.
بل على العكس...
كان يحاول حفظ كرامتها حتى وهي غائبة.
أما داخل المكتب...
فقال عبد المنعم بهدوء:
"وفي قلبك واحدة تانية؟"
تردد قاسم للحظة.
ثم قال بصراحة:
"أيوة."
ارتفعت عين عبد المنعم قليلًا.
"مين؟"
أخذ قاسم نفسًا بطيئًا.
ثم قال:
"شيماء."
ساد الصمت.
لكن هذه المرة...
كان صمتًا ثقيلًا.
ثقيلاً جدًا.
حتى الهواء داخل المكتب بدا وكأنه توقف.
ثم خرج صوت عبد المنعم ببطء:
"بنت أمير؟"
أومأ قاسم.
"أيوة."
وفجأة...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
تحولت ملامح عبد المنعم إلى شيء أكثر صلابة.
وقال:
"مستحيل."
رفع قاسم رأسه.
"ليه؟"
لكن عبد المنعم لم يجب فورًا.
بل نهض من مكانه.
واتجه نحو النافذة.
ثم قال بصوت منخفض:
"لأن الجوازة دي عمرها ما هتحصل."
وقف قاسم هو الآخر.
"وأنا عايز أعرف السبب."
صمت عبد المنعم.
ثانية.
ثانيتين.
ثلاثة.
ثم استدار فجأة.
وفي عينيه شيء لم يره قاسم من قبل.
شيء أقرب للخوف.
نعم...
الخوف.
قال عبد المنعم بصرامة:
"قولت مستحيل يعني مستحيل."
لكن قاسم لم يتراجع.
بل اقترب خطوة.
"في سبب وأنا من حقي أعرفه."
اشتدت نظرات الرجلين.
ولأول مرة منذ وصوله للسرايا...
وقف قاسم أمام عبد المنعم دون أن يخفض عينيه.
لحظات طويلة مرت.
ثم...
رن هاتف عبد المنعم فجأة.
قطع التوتر كالسكين.
نظر للشاشة.
فتغيرت ملامحه فورًا.
أجاب بسرعة:
"اتكلم."
وفي اللحظة التالية...
اختفى اللون من وجهه.
أما قاسم...
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فشعر بقلبه ينقبض.
لأن عبد المنعم نادرًا ما يفقد سيطرته.
لكن ما سمعه الآن...
كان كافيًا.
قال الرجل في الهاتف بصوت مضطرب:
"فيه هجوم على المخزن القديم يا باشا."
تجمدت ملامح عبد المنعم.
"مين؟"
جاء الرد:
"رجالة عامر."
الجبل الغربي - في الوقت نفسه
كان عامر الراوي يقف فوق حافة صخرية مرتفعة.
خلفه عشرات الرجال.
وأمامه أضواء بعيدة تتلألأ وسط الظلام.
عيناه السوداوان كانتا مثبتتين على السرايا البعيدة.
كأن المسافة بينهما لا وجود لها.
اقترب أحد رجاله.
وقال:
"الهجوم بدأ."
أخذ عامر نفسًا هادئًا.
ثم ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
باردة جدًا.
وقال:
"ودي مجرد البداية."
اقترب الرجل أكثر.
"تحب نهجم على السرايا نفسها؟"
هز عامر رأسه.
"لا."
استغرب الرجل.
أما عامر...
فنظر نحو الأفق.
وقال:
"لسه بدري."
ثم أضاف بهدوء مرعب:
"خليهم يسهروا الليلة."
سرايا الراوي - بعد نصف ساعة
تحولت السرايا إلى خلية نحل.
سيارات تتحرك.
رجال يركضون.
أسلحة تجهز.
والتوتر يملأ المكان بالكامل.
أما مصطفى...
فكان يقف وسط الفوضى وهو يحمل كوب شاي.
وينظر حوله بصدمة.
وقال:
"أنا الوحيد اللي حاسس إن حياتنا بقت مسلسل تركي كتبه مريض نفسي؟"
لم يرد عليه أحد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فالتفت ناحية شريف.
"حضرة الظابط... طمني."
قال شريف وهو يجهز سلاحه:
"مفيش حاجة تطمن."
ابتلع مصطفى ريقه.
"الله يفتح عليك."
ثم أضاف:
"كنت سايب بصيص أمل."
لكن شريف لم يكن يسمعه أصلًا.
لأن عقله كان يعمل بسرعة جنونية.
شيء ما لا يعجبه.
الهجوم سهل جدًا.
ومباشر جدًا.
وعامر لا يفعل شيئًا مباشرًا أبدًا.
فجأة...
اتسعت عيناه.
ثم قال:
"يا نهار أسود."
التفت الجميع نحوه.
قال قاسم:
"في إيه؟"
نظر شريف إليه مباشرة.
وقال:
"الهجوم مش الهدف منه المخزن."
"أمال إيه؟"
صمت شريف ثانية.
ثم نطق الجملة التي أسقطت الصمت فوق المكان كله:
"الهدف يشغلنا..."
وتابع:
"عشان عامر يعمل حاجة تانية."
في نفس اللحظة تقريبًا...
دوى صوت إطلاق نار من الجهة الخلفية للسرايا.
ثم صرخ أحد الحراس:
"اقفلوا البوابة!"
الممر الخلفي للسرايا
ركض قاسم وشريف ومصطفى بسرعة.
الظلام يبتلع الممرات.
والرصاص يتردد في الخارج.
أما حين وصلوا...
فتجمدوا مكانهم.
لأن أحد الحراس كان ملقى على الأرض فاقدًا للوعي.
والباب الحديدي الخلفي...
مفتوح.
على مصراعيه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اقترب شريف بسرعة.
ثم انحنى بجوار الحارس.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهه.
ورقة.
مطوية بعناية.
التقطها.
ثم فتحها.
لتظهر جملة واحدة فقط.
جملة قصيرة.
لكنها كانت كافية لتجعل الدم يتجمد داخل عروقه.
قرأها بصوت منخفض:
"اقتربنا أكتر يا ابني."
تجمد قاسم.
أما شريف...
فشعر بقشعريرة تسري في جسده بالكامل.
لأن الرسالة لم تكن موجهة لعبد المنعم.
ولا للسرايا.
ولا للعائلة.
كانت موجهة لشخص واحد فقط.
قاسم.
وفي مكان بعيد فوق الجبل...
كان عامر الراوي ينظر إلى أضواء السرايا المشتعلة بالحركة.
ثم قال بصوت هادئ للغاية:
"قرب الوقت."
ولأول مرة منذ سنوات طويلة...
ظهر شيء يشبه الرضا داخل عينيه.
شيء جعل الرجال حوله يشعرون بالخوف أكثر من أي وقت مضى.
لأنهم كانوا يعرفون جيدًا...
أن عامر حين يبتسم...
فإن كارثة كبيرة تكون في طريقها للجميع.
سرايا الراوي - الثانية إلا ربعًا بعد منتصف الليل
بعض الرسائل لا تحتاج إلى توقيع.
وبعض التهديدات تكون أكثر رعبًا حين تُكتب في سطر واحد.
وقف شريف العامري في الممر الخلفي للسرايا، والورقة ما تزال بين أصابعه.
"اقتربنا أكتر يا ابني."
جملة قصيرة.
لكن وقعها لم يكن قصيرًا أبدًا.
أما قاسم...
فكان ينظر إلى الورقة كأن الكلمات تخفي شيئًا آخر بين حروفها.
شيئًا لا يراه سواه.
في حين وقف مصطفى إلى جوارهما يحاول فهم ما يحدث.
ثم قال بعد لحظات من الصمت:
"هو أنا الوحيد اللي شايف إن الراجل ده عنده وقت فراغ كبير؟"
لم يرد أحد.
فأكمل:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"يعني بدل ما يبعت رسالة محترمة على واتساب... لا. لازم عربية تنفجر وحراس يجروا ونقعد ندور على ورقة."
التفت إليه شريف ببرود.
"إنت مبتزهقش؟"
رد مصطفى فورًا:
"أنا لو بطلت كلام هسمع أفكاري... وأفكاري أخطر من عامر الراوي نفسه."
ورغم التوتر...
خرجت ابتسامة صغيرة من قاسم.
ثم اختفت سريعًا.
لأن شريف كان ما يزال يفكر.
بعمق.
بطريقة أقلقت الجميع.
كان هناك شيء ناقص.
قطعة مفقودة.
تفصيلة صغيرة تختبئ وسط الفوضى كلها.
وهذا النوع من التفاصيل...
هو ما يصنع الحقيقة غالبًا.
قال شريف أخيرًا:
"كل واحد يرجع جوه."
نظر إليه قاسم.
"وإنت؟"
أشعل شريف سيجارة جديدة.
ثم قال:
"هتمشى شوية."
كان يعرف نفسه جيدًا.
حين تتزاحم الأسئلة داخل رأسه...
فإنه يحتاج إلى المشي.
إلى الظلام.
إلى الصمت.
لأن بعض الأجوبة لا تأتي إلا حين يتوقف الجميع عن البحث عنها.
بعد نصف ساعة تقريبًا...
كانت السرايا قد استعادت جزءًا من هدوئها.
الخدم عادوا إلى غرفهم.
الحراس انتشروا حول الأسوار.
وأطفئت أغلب الأنوار.
لكن النوم...
لم يقترب من أحد.
خاصة داخل هذه العائلة.
عائلة أصبحت تعيش فوق بحر من الأسرار.
وفي أحد الممرات الخلفية...
كانت وهج تسير ببطء.
ملامحها هادئة كعادتها.
لكن داخلها لم يكن هادئًا أبدًا.
ما زالت تسمع كلمات قاسم.
كل حرف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
كل جملة.
لم يجرحها.
ولم يهِنها.
بل على العكس.
وهذا ما جعل الأمر أصعب.
لأن الإنسان يستطيع أن يغضب ممن يسيء إليه.
أما من يحترمه وهو يرفضه...
فتلك معركة مختلفة.
تنهدت بهدوء.
وأكملت سيرها.
وفي اللحظة نفسها...
ظهر شخص آخر عند نهاية الممر.
شيماء.
كانت تحمل بعض الكتب القديمة بين ذراعيها.
وتسير دون انتباه.
كما اعتادت منذ سنوات.
منذ أصبحت تعيش داخل السرايا كضيفة لا تعرف إن كانت تنتمي للمكان أم لا.
كبرت هنا.
لكنها لم تشعر يومًا أن الجدران احتضنتها بالكامل.
كان هناك دائمًا شعور خفي.
شعور الإنسان الذي يعيش داخل بيت...
لكنه ليس بيته.
وحين رفعت رأسها...
لمحت وهج.
فتبادلتا ابتسامة هادئة.
ثم قالت وهج:
"لسه صاحيه؟"
ابتسمت شيماء.
"وأنتِ؟"
هزت وهج كتفيها.
"واضح إن النوم قاطع السرايا كلها النهاردة."
ضحكت شيماء بخفة.
ثم أكملت طريقها نحو الباب الخلفي.
كانت تريد بعض الهواء.
لا أكثر.
لكنها لم تكن تعلم...
أن شخصًا آخر كان يراقب المكان.
شريف العامري.
وقف شريف قرب الأشجار القديمة.
السيجارة بين أصابعه.
وعيناه تتحركان في الظلام.
لا يبحث عن شيء محدد.
بل يراقب.
فقط يراقب.
وهنا...
وقعت عيناه على حركة خفيفة قرب الباب الخلفي.
فتجمدت ملامحه.
فتاة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
تخرج من ناحية الممرات الداخلية.
وتتجه نحو المكان نفسه الذي دخل منه المتسلل قبل قليل.
في توقيت كهذا.
وبعد ما حدث بساعات.
شيء كهذا لا يمكن تجاهله.
تحرك فورًا.
بهدوء.
ثم ظهر أمامها فجأة.
فتوقفت شيماء مكانها.
واتسعت عيناها من المفاجأة.
قال شريف بحدة:
"رايحة فين؟"
ارتبكت للحظة.
ثم قالت:
"بتمشى شوية."
لم تعجبه الإجابة.
ولا الطريقة.
ولا التوقيت.
نظر إلى الكتب التي تحملها.
ثم إلى الباب.
ثم عاد ينظر إليها.
وقال:
"تمشي؟ الساعة اتنين بالليل؟"
ضيقت شيماء حاجبيها.
"وأنت واقف هنا بتعمل إيه؟"
نظر إليها بصمت.
ثم قال:
"أنا اللي بسأل."
بدأ الضيق يظهر على ملامحها.
"وأنا جاوبت."
لكن شريف اقترب خطوة.
"لأ... مجاوبتيش."
ساد الصمت للحظات.
وكان التوتر يتسلل ببطء إلى المشهد.
توتر واقعي.
هادئ.
لكنه خطير.
ثم قال شريف:
"إنتِ كنتِ فين وقت الهجوم؟"
تجمدت شيماء.
"إيه؟"
"سؤال واضح."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بدأ الغضب يظهر في عينيها.
"يعني إيه؟"
"يعني جاوبي."
للمرة الأولى...
شعرت أنها ليست أمام ضابط.
بل أمام محقق يفتش داخل روحها.
وكان ذلك مستفزًا.
جداً.
قالت بحدة:
"أنا مش متهمة عشان أتحقق معايا بالطريقة دي."
رد شريف ببرود:
"لحد ما أتأكد."
وفي تلك اللحظة...
وصل قاسم إلى الممر.
فرأى المشهد.
ورأى شيماء.
ورأى التوتر الواضح على وجهها.
ثم رأى شريف.
فتغيرت ملامحه فورًا.
وقال وهو يقترب:
"في إيه؟"
التفت شريف نحوه.
لكن قبل أن يجيب...
قالت شيماء بضيق واضح:
"حضرة الظابط قرر فجأة يحقق معايا."
نظر قاسم إلى شريف.
ثم قال بهدوء:
"شيماء عايشة هنا من سنين."
رد شريف فورًا:
"وأنا عارف."
"يبقى المشكلة فين؟"
صمت شريف لحظة.
ثم قال:
"المشكلة إن اللي دخل السرايا دخل من هنا."
وأشار إلى الباب الخلفي.
ثم أكمل:
"وأي حد موجود حوالين المكان ده لازم يتسأل."
نظر قاسم إلى شيماء.
ثم عاد ينظر إليه.
"بالأسلوب ده؟"
بدأ التوتر يتصاعد ببطء.
بين رجلين.
كلاهما يحاول السيطرة على نفسه.
وكلاهما يرفض التراجع.
أما مصطفى...
فكان قد وصل للتو.
نظر للمشهد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ثم قال بتنهيدة طويلة:
"وأنا اللي كنت فاكر إن الليلة خلصت."
نظروا إليه جميعًا.
فرفع يديه فورًا.
"كملوا... متوقفوش عشاني."
ثم أضاف:
"بس لو هتتخانقوا قولولي أجيب كرسي."
ولأول مرة منذ دقائق...
كادت شيماء تبتسم رغم غضبها.
لكنها أخفت ذلك سريعًا.
بينما بقيت عينا شريف ثابتتين فوقها.
وكأن شيئًا ما ما يزال يزعجه.
شيئًا لم يستطع تفسيره بعد.
ولم يكن يعلم...
أن هذه الليلة ما تزال تخفي أكثر مما يتخيل الجميع.
ساد الصمت للحظات.
ذلك الصمت الذي لا ينشأ من انتهاء الكلام...
بل من امتلاء المكان بما لم يُقل بعد.
وقف شريف أمام شيماء، وعيناه لا تزالان تراقبانها بنفس النظرة الحادة التي جعلت كثيرين يتوترون أمامه دون أن يرفع صوته يومًا.
أما شيماء...
فكانت تقابله بعناد هادئ.
العناد الذي لا يصنعه الغضب.
بل تصنعه الكرامة.
رفع شريف عينيه نحو الكتب التي تحملها بين ذراعيها.
ظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم قال فجأة:
"إيه الكتب دي؟"
نظرت إليه شيماء باستغراب.
"كتب."
قال ببرود:
"دي وصلت لوحدي."
ثم أضاف:
"بتقري إيه الساعة اتنين بالليل؟"
ردت بضيق:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"فيه قانون بيحدد مواعيد القراءة؟"
لم يبتسم.
بل مد يده بهدوء.
"وريني."
اتسعت عيناها.
"نعم؟"
قال بنفس النبرة:
"الكتب."
شعرت أن أعصابها بدأت تنفد.
أما قاسم...
فكان يراقب الموقف بصمت متزايد الضيق.
في حين تقدم مصطفى خطوة للأمام وقال:
"بصراحة أنا أول مرة أشوف تحقيق جنائي مع مكتبة متنقلة."
التفت إليه شريف.
فرفع مصطفى يديه فورًا.
"أنا مجرد مراقب محايد."
ثم أضاف:
"محايد جدًا لدرجة إني نفسي مش مصدقني."
لكن شريف تجاهله.
وأعاد نظره إلى شيماء.
ففتحت الكتب بعصبية.
كتاب تاريخ قديم.
ورواية مهترئة الأطراف.
ودفتر ملاحظات.
أخذها شريف.
قلب الصفحات ببطء.
ثم أعادها.
لكن شيئًا لم يتغير في عينيه.
ما يزال يشك.
ليس فيها تحديدًا.
بل في التوقيت.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في الظروف.
في المصادفات التي كثرت أكثر مما ينبغي.
قال أخيرًا:
"سؤال أخير."
ردت بحدة:
"خير؟"
نظر إليها مباشرة.
ثم قال:
"لو كنتِ قاعدة بتقري جوه...
إيه اللي خلاكي تنزلي بالكتب كلها لحد الباب الخلفي؟"
ولأول مرة...
صمتت شيماء.
ليس لأنها مذنبة.
بل لأنها لم تتوقع السؤال.
أما شريف...
فلاحظ التردد.
فتضيق عينيه أكثر.
في حين قالت أخيرًا:
"كنت مخنوقة."
ساد الصمت.
ثم أكملت بهدوء أقل:
"كنت عايزة أقعد شوية في الهوا."
لم يرد.
فأضافت:
"في مشكلة؟"
لكن شريف ظل يراقبها.
كأنما يبحث خلف الكلمات عن شيء آخر.
شيء لا تستطيع هي نفسها رؤيته.
هنا تدخل قاسم أخيرًا.
وقال بصوت ثابت:
"كفاية يا شريف."
التفت إليه الأخير.
فأكمل قاسم:
"إنت عارفها."
"عارف."
"وعارف إنها عايشة هنا طول عمرها."
"عارف."
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
"يبقى ليه مصر تتعامل معاها كأنها متهمة؟"
للحظة قصيرة...
بدت نظرة شريف أكثر حدة.
ثم قال:
"لأن الناس ساعات بتخبي أسرار وهي نفسها مش عارفة إنها بتخبيها."
ابتسم قاسم بسخرية خفيفة.
"دي جملة ظابط ولا شاعر؟"
لأول مرة...
اهتز طرف فم مصطفى.
وقال:
"أنا شايف إننا دخلنا مرحلة الفلسفة البوليسية."
ثم أشار لشريف.
"حضرتك بعد إذنك لو هتكمل تحقيق ممكن تسيب البنت تنام؟"
وأضاف بحزن:
"إحنا حرفيًا بقينا بنتخانق على كتب."
ورغم التوتر...
خرجت ضحكة خافتة من وهج التي كانت تتابع المشهد من الخلف.
فالتفت الجميع إليها.
فتوقفت الضحكة فورًا.
لكن أثرها ظل في الجو.
شيء بسيط.
صغير.
إلا أنه خفف الاحتقان للحظات.
أما شريف...
فأخذ نفسًا بطيئًا.
ثم قال:
"خلاص."
وأعاد النظر إلى شيماء.
"روحي."
لم تتحرك للحظة.
كأنها لا تصدق أن الاستجواب انتهى.
ثم استدارت وغادرت.
لكنها قبل أن تختفي داخل الممر...
التقت عيناها بقاسم.
نظرة قصيرة.
عابرة.
إلا أنها كانت كافية لتترك شيئًا ثقيلًا داخل قلب كل منهما.
---اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بعد دقائق...
تفرق الجميع.
لكن النوم لم يأتِ.
كان هناك شيء غريب يسري في السرايا تلك الليلة.
شيء يشبه القلق الجماعي.
كأن الجدران نفسها تنتظر حدثًا لا تعرفه.
أما مصطفى...
فكان يجلس داخل المطبخ.
وأمامه كوب شاي.
وثلاث قطع كعك.
ينظر إليها بحزن عميق.
دخل قاسم.
فوجده على تلك الحال.
وقال باستغراب:
"مالك؟"
تنهد مصطفى.
وقال:
"أنا بفكر."
جلس قاسم.
"في إيه؟"
أشار للكعك.
"آكل التالتة ولا دي تعتبر جريمة؟"
ظل قاسم ينظر إليه لثوانٍ.
ثم انفجر ضاحكًا.
فضحك مصطفى أيضًا.
وقال:
"الحمد لله."
"على إيه؟"
"افتكرتك نسيت تضحك."
ساد صمت قصير.
ثم قال مصطفى بهدوء مفاجئ:
"إنت بتحبها؟"
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفع قاسم رأسه.
"مين؟"
"شيماء."
اختفت الابتسامة تدريجيًا.
أما مصطفى...
فلم يضغط عليه.
بل شرب من كوبه بهدوء.
ثم قال:
"عارف؟"
"إيه؟"
"أكتر حاجة بتضيع الناس..."
نظر إليه قاسم.
فأكمل:
"إنهم يقعدوا مستنيين الوقت المناسب."
سكت لحظة.
ثم ابتسم.
"الوقت المناسب ده شخصية خيالية بالمناسبة."
ظل قاسم صامتًا.
أما مصطفى...
فعاد إلى كعكته الثالثة.
كأن الحكمة التي قالها لم تخرج منه أصلًا.
---
في الوقت نفسه...
كان شريف يجلس وحده داخل غرفة المكتب القديمة.
أمام الصورة التي وجدها عبد المنعم.
صورة عامر.
للمرة المئة تقريبًا.
أعاد النظر إليها.
ثم إلى الرسالة.
ثم إلى خريطة السرايا الممددة أمامه.
وفجأة...
توقف.
نظر إلى نقطة محددة.
ثم أعاد النظر مرة أخرى.
شيء صغير جدًا.
تفصيلة كان يتجاهلها منذ البداية.
لكنها الآن بدت مختلفة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
مختلفة جدًا.
اعتدل في جلسته ببطء.
وتحولت نظراته إلى ذلك البريق المعروف.
بريق الرجل الذي وجد خيطًا جديدًا.
ثم همس لنفسه:
"لا..."
وأخذ الصورة بسرعة.
ثم خرج من الغرفة.
لأن فكرة خطيرة بدأت تتشكل داخل رأسه.
فكرة إن كانت صحيحة...
فإن كل ما عرفوه عن اللعبة حتى الآن...