رواية شاهد بلا ذاكرة الفصل السادس عشر 16 بقلم رباب حسين
شاهد بلا ذاكرة.... الفصل السادس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليست كل الأبواب التي تُفتح تحمل النجاة خلفها فبعضها يقود إلى جحيمٍ ظننا أننا تركناه خلف ظهورنا.
كان فارس يظن أنه بدأ أخيرًا يسدد ثمن أخطائه، يداوي ما أفسده الماضي ويخطو نحو حياة جديدة بقلبٍ مختلف، لكن الماضي لا يرحل بهذه السهولة بل يعود دائمًا حين يظن صاحبه أنه نجا منه.
أما يارا... فكانت تقف على حافة قرار قد يغيّر حياتها بالكامل. قلبها اختاره منذ زمن لكن عقلها ما زال يخشى السقوط في حب رجل يحمل داخله ماضيًا مجهولًا، وكل يوم يكشف لها سرًا جديدًا يزيد مخاوفها.
وفي مكانٍ آخر، كانت نيفين تحتضن سعادتها أخيرًا بعد سنوات من الألم بينما مؤمن يتمسك بها وكأنه يخشى أن يخطفها القدر منه مرة أخرى، غير مدرك أن العواصف لا تنتهي بمجرد ظهور الحقيقة.
أما نيرة... فقد خسرت كل شيء دفعة واحدة؛ الحب الذي تمسكت به يومًا، والحلم الذي ظنت أن المال سيحققه لها. وبينما كانت تحاول جمع شتات قلبها، كان هناك من يهمس في أذنها بما يكفي ليحول الحزن إلى غضب، والندم إلى رغبة في الانتقام.
لكن الأخطر من كل ذلك...
أن الأسرار بدأت تخرج من الظلام تباعًا، وأن الخيوط التي ظن الجميع أنها انقطعت تعود لتتشابك من جديد.
ففي اللحظة التي بدأ فيها فارس يصدق أن الله منحه فرصة ثانية كانت صدمة جديدة تقف خلف الباب، مستعدة لتذكره بكل ذنبٍ ارتكبه ذلك الرجل الذي كانه يومًا.
وبين الحب والخوف... الغفران والانتقام... ستُجبر القلوب على خوض معركة جديدة قد لا يخرج منها الجميع كما دخلوها، وما خفي كان أعظم.
وفي اللحظة التي اقتحمت أميرة بها غرفة فارس وقف مشدوهًا، وبدأت الأسئلة تتوالى داخل عقله؛ هل كان هناك علاقة بينهما قديمًا؟ ماذا أن علمت يارا بهذا الأمر!
وفي ظل شروده وارتباكه اقتربت منه أميرة وقالت: أنا عارفة إنك مش فاكرني بس أنا متأكدة أول ما هتقرب مني هتفتكرني، وبعدين خلاص عم عبده الله يرحمه ومش هنحتاج نستخبى منه وأجيلك سرقة.
فارس: مش فاهم!
أميرة: عم عبده كان بيقعد ينصحك ويقولك حرام وميصحش فا أنت عشان متقعدش تسمع الكلام ده كنت بجيلك سرقة من وراه، بس دلوقتي خلاص مفيش حد يعكنن علينا.
فارس: لأ فيه، فيه ربنا اللي شايفنا وعارف كل حاجة، ولما نقابله مش هينصح، هيحاسبنا على كل اللي عملناه، أنا مش فاكر حاجة من اللي كان في حياتي قبل الحادثة، بس لما بعرف اللي كنت بعمله زمان بزعل على نفسي، وإنتي ياريت تبطلي اللي إنتي كنتي بتعمليه ده، ومن بكرة مش عايز أشوفك هنا في البيت ده.
ظلت أميرة تنظر إليه بصدمة، هل هذا هو فارس السيوفي؟!
تحولت نظراتها إلى الغضب وقالت: ده إيه وش البراءة والحنية ديه يا فارس بيه! ولا حابب تمثل دور جديد؟
ثم ابتعدت عنه وخطت إلى الخلف بخوف وقالت: إنت باين عليك كشفتني! بس أنا مش هخرج من هنا غير لما أخد حقي منك.
أخرجت سكين من بين ملابسها ورفعتها عليه، فتفاجأ فارس وتجمد مكانه عندما رفعت السكين فوق رقبته، فصاح مستغيثًا: سعد... يا يارا.
أميرة بحدة: وطي صوتك بدل ما أخلص عليك دلوقتي.
فارس بتوتر: براحة بس، إنتي عايزة إيه وأنا هعملك اللي إنتي عايزاه، عايزاني أصلح غلطتي معاكي هعمل كده وأكتب عليكي دلوقتي، لو وعدتك بحاجة قوليلي وأنا هنفذها، لكن عايزة تقتليني ليه؟
أميرة: ااااه، ده فعلًا دماغك باظت زي ما سمعت، أنا قلت بتمثل لكن توصل إنك تقولي ربنا وتوبت، مش داخل عليا الكلام ده.
فارس: أنا فعلًا توبت، وخلاص بطلت كل حاجة كنت بعملها زمان، قوليلي عايزة إيه بس.
أميرة بغضب مكتوم: اللي أنا عايزاه لا يتحل بمال ولا إعتذار، إنت دمرت عيلة كاملة، عيلتي كلها اتدمرت بسببك.
فارس: ما أنا مش فاكر حاجة صدقيني، قوليلي عايزة مني إيه!
قربت أميرة السكين من رقبته حتى جرحته، فصرخ متألمًا حتى وصل صوته إلى يارا، وقالت أميرة: عايزة أقتلك وأخلص منك وأخد بطار أختي وأبويا.
فارس: وقتلي هيفيدك بأيه بس؟
تفاجأت أميرة بدخول يارا الغرفة، وقفت يارا متجمدة تفتح عينيها بصدمة وقالت: إنتي بتعملي إيه؟ نزلي السكينة ديه.
أميرة: هنزلها بعد ما أقتله.
فارس: طيب أعرف حتى أنا بتقتل ليه.
أميرة: مش مهم، أنا عارفة.
يارا: براحة بس، أيًا كان اللي بتفكري فهو مش صح، حتى لو اللي عمله فارس وصلك إنك متلاقيش حل غير إنك تنتقمي منه بالشكل ده فا ده برده مش صح، لأن ببساطة هو هيموت ويرتاح وإنتي اللي هتقضي حياتك كلها في السجن، فكري بعقلك شوية ومتخليش الشيطان يضحك عليكي.
أميرة بصوت مكسور: ما هو اللي زي فارس ده متعرفيش تثبتي عليه عمايله السودا، ولو لجئتي للمحاكم إنتي اللي هتتبهدلي وتدفعي اللي معاكي كله وتبيعي كل حاجة عندك عشان فلوس المحامي وفي الآخر مش هتكسبي حاجة، فا مفيش حل غير إنك تاخدي حقك بإيدك.
فارس: وأنا بقولك شوفي إيه اللي إنتي عايزاني أعمله وأنا مستعد أنفذه.
أميرة: هتقدر ترجعلي أختي اللي ماتت من قهرها، ولا تعالج أبويا اللي أتشل بسببك، ولا ابنك اللي ميعرفش لا أب ولا أم من ساعة ما عينه فتحت على الدنيا، وأنا بقيت أمه وأبوه وكتبناه على اسم بابا، عشان طبعًا حضرتك رفضت تثبت جوازك من أختي ومش معانا إثبات ولا عقد.
فتح فارس عينية بدهشة، ونظر إلى يارا وقال: ابني!
أميرة: أيوة ابنك، اللي خلفته من أختي أمينة، سكرتيرتك القديمة اللي ضحكت عليها وإتجوزتها عرفي وبعد ما خدت غرضك منها رميتها، ولما عرفت إنها حامل جات لحد عندك قالتلك ابنك في بطني قولتلها مليش عيال ومعرفكيش.
صدمة جديدة، بل صفعة قضت على كل ما تبقى من فتات روحه التي تمزقت تحت ذنوب سترها الزمن وفُضحت أمام عينيه، كم من ذنوب دنست روحه فأصبحت مشوهة تحت مسمى الغريزة والشهوانية، لم يكن بشريًا بل حيوان تحركه غريزته دون النظر إلى العواقب.
قال بصوت مكسور محمل بالألم: أنا هسيبك تقتليني لو ده اللي هيريحك، لكن فكري في ابني اللي إنتي بتقولي محتاج لأب، أنا عارف إني مستاهلش حتى أعيش لكن هو يستاهل يعيش رافع راسه بين الناس، وحق أختك هيترد بالطريقة اللي تريحك.
يارا: صدقيه يا أميرة، فارس إتغير فعلًا، أنا الدكتورة بتاعته وبقولك إن اللي قدامك ده مش فارس اللي إنتي عرفتيه
أنزلت أميرة السكين من على رقبته وقالت: تيجي تقول قدام الناس كلها إنك كنت متجوز أختي وكنت مسافر ورجعت، وتاخد الولد قدام الناس كلها وتقول إنه ابنك وترفع راس أبويا قدام الجيران وعيلته.
التفت إليها فارس وقال بخجل: حاضر، ومستعد أعمل ده دلوقتي حالًا.
أميرة: إتفضل غير هدومك وتعالى معايا.
فارس: إستنيني برا وأنا دقيقة واحدة أغير هدومي وهتلاقيني قدامك.
خرجت من الغرفة وتوجهت يارا نحو فارس وهي تنظر إلى جرحه بقلق وقالت: الجرح عميق، بينزف كتير خليني أعالجه قبل ما تنزل.
فارس: جرح الناس اللي اتسببت فيه أكبر بكتير، أنا عندي ابن بيدفع تمن نزواتي! ابن كل ذنبه إن أنا أبوه.
يارا: هنحل الموضوع بس خليني أعالج جرحك الأول، مش معقول هتروح للناس بالمنظر ده.
جلس فارس على الأريكة مهزومًا وذهبت يارا إلى المرحاض تبحث عن الإسعافات الأولية، ثم عادت إليه سريعًا وضمدت جرحه وهو شارد الذهن، عينيه تنظر بشرود إلى الفراغ، محملة بكل معاني الألم والحزن.
حين انتهت نظرت إليه بحزن على حالته وقالت: متزعلش يا فارس، المهم إنك تستغل الفرصة وتصلح من نفسك، تخيل لو مكنتش عملت الحادثة ديه كان زمان أميرة قتلتك، لولا إن هي شافت التغيير ده مكنتش زمانك عايش.
فارس: أنا تعبت من كتر القرف اللي عمال أعرفه عن نفسي، تعبت بجد وبقيت خايف، خايف أعرف أي حاجة جديدة تاني.
ثم نظر إليها وأردف: متحبنيش يا يارا، خليكي بعيد عني عشان أنا مستاهلش، أنا مستحقش أعيش مرتاح ومبسوط والله أعلم عملت إيه تاني وأذيت مين تاني.
يارا بحزن: عايز ترجع في كلامك ليا؟
فارس: مش عايز أبوظ حياتك، أنا لو دخلت حياتك فعلًا هتخرب بسببي، ومش ذنبك تتحملي كل اللي أنا فيه ده.
وقف أمامها وقال: أنا هروح أشوف حل للموضوع اللي حصل ده، وإنتي أدخلي ارتاحي.
غادر الغرفة ثم المنزل بأكمله ويارا ظلت جالسة مكانها شاردة، تراجع عن حبه لها، وإن كانت مترددة بمشاعرها وتحارب هذا الحب الذي بقلبها مسبقًا؛ فهي الآن تشعر بالحزن عندما سمعت ما قاله.
_______________
عاد يونس إلى منزله، وحين وصل أسفل البناية وجد سماح تنتظره بالنافذة وهي قلقة، وحين رأته من بعيد وضعت يدها على صدرها براحة، لاحظ يونس اهتمامها وانتظارها بالنافذة حتى وقت متأخر كي تطمئن عليه، وهذا ما جعله يشعر بالحزن أكثر، فمن أحبها قابلت حبه بالغدر أما هي فرغم رفضه لها إلا أنها لاتزال تنتظر منه ولو كلمة واحدة.
صعد الدرج ودخل إلى منزله، وجد سهير تنتظره أمام الباب وقفت أمامه بقلق وقالت: كده يا يونس، تتأخر وتقلقني عليك بالشكل ده!
يونس: معلش يا أمي، أنا مش قادر أتكلم وعايز أنام.
سهير: متزعلش يا حبيبي، نيرة غلطت مش هقولك لا، بس البت بتحبك وإنت كمان، خد وقتك عشان تسامح بس متضيعش اللي بينكم.
يونس: أنا مضيعتش حاجة هي اللي ضيعت كل حاجة، وكمان خطيبها جاي لحد عندها قدامي شفتي بجاحة زي كده! خلاص يا ماما نيرة انتهت بالنسبالي واللي بينا خلص.
تركها وذهب إلى غرفته، وحين جلس بالفراش وجد هاتفه يستقبل عدة رسائل متتابعة، نظر بالهاتف ورأى كم الرسائل والاتصالات التي قامت بها نيرة تعتذر وتبكي وتطلب عفوه، ولكن رفض حتى أن يسمع صوتها، قذف الهاتف بعيدًا عنه وتمدد بالفراش ونام على الفور من الإرهاق.
__________
وصل فارس وأميرة وسعد إلى منزل أميرة، وقف تحت البناية وقال: هو ابني فوق صح؟
أميرة: أيوة، بسيبه مع الجارة اللي قدامي لحد ما أخلص شغلي.
فارس: هو عنده أد إيه؟
أميرة: ٣ سنين.
مر بجوارهم أحد الجيران فنظر إلى فارس وسيارته الفارهة فقالت أميرة: ده جوز أمينة يا عم صابر.
صابر: أهلًا يا ابني، كنت فين ده كله؟
فارس: بشتغل برا، ورجعت عشان خاطر ابني، هو مين ده؟
أميرة: ده جارنا وصاحب أبويا، بس بعد عنه عشان كان فاكر زي ما قولتلك إن أمينة الله يرحمها كان مشيها بطال.
صابر بدهشة: أنا يا بنتي قلت كده! أنا... بس زعلت على اللي حصل لأبوكي وما قدرتش أشوفه كده قدامي، بعد ما كان بيقعد ويضحك وسطينا بقى عاجز ومش قادر حتى يتكلم.
فارس: وهو المريض الناس تبعد عنه برده يا عم صابر! بدل ما تقف جنبه وتهون عليه مرضه، مش ديه جدعنة ولاد البلد أبدًا.
على العموم أنا هاخد حمايا معايا وهعالجه في أحسن المستشفيات، أنا رجعت خلاص والحمد لله معايا فلوس.
يلا يا أميرة نطلع.
صعد فارس ولحقت به أميرة تحت نظرات صابر الذي شعر بالخجل مما فعل، وظنه السوء بابنة صديقه.
وصل فارس إلى المنزل فقال: تعالي نشوف والدك الأول وبعدين أشوف ابني. هو اسمه إيه؟
أميرة: معتز.
فتحت أميرة الباب واقتربت من والدها التي ترعاه أحدى الممرضات وقالت: شكرًا يا ست إسعاد، تعبتك معايا.
إسعاد: لا يا بنتي مفيش تعب ولا حاجة.
ثم نظرت نحو فارس فقالت أميرة: ده فارس جوز أمينة، كان مسافر برا ولما رجع عمل حادثة ودخل المستشفى، ودلوقتي خف وجيه يشوف حماه وابنه.
إسعاد: أهلًا يا ابني، طيب هستأذن أنا وأسيبكم مع بعض.
ذهبت إسعاد ونظرت أميرة إلى والدها عبد السلام، وجدته يحدق بفارس فاقتربت منه وقالت: ده جوز أمينة يا بابا، عشان تعرف إن بنتك مغلطتش ولا وطت راسك في الأرض، والناس تحت شافوه وعرفو هو مين، وكمان هيكتب الواد على اسمه ومفيش حاجة هتمس سمعتك تاني يا بابا.
حاول عبد السلام أن يتحدث وهو يشير إلى فارس بيده، فاقترب فارس منه سريعًا وقال: أيوة يا حج، أنا جوزها والولد ابني، كل حاجة هتتصلح بس إنت متضايقش نفسك.
ابتسم عبد السلام ونظر فارس إلى سعد وقال: إطلب عربية إسعاف تيجي تاخده للمستشفى اللي كنت فيها وأنا هتابع حالته وهتكفل بيها مع منال.
أومأ له سعد واتصل بالإسعاف على الفور، نظر فارس إلى عبد السلام فوجده مبتسمًا فأردف: متقلقش يا حج كل حاجة هتتحل.
ثم اقترب من أميرة وقال بهمس: ياريت تجيبي الولد، وتعالي نروح مشوار سوا نعمل تحليل DNA أنا مصدقك وكل حاجة، بس زيادة اطمئنان مش أكتر.
أميرة: مفيش مشكلة.
فارس: طيب لو ينفع أشوفه.
أميرة: هخرج أجيبه دلوقتي.
خرجت أميرة ونظر فارس نحو عبد السلام وقال: حقك عليا يا حج إني إتأخرت كل ده.
ابتسم عبد السلام له بسعادة، فقد تم تبرأت ابنته بعد سنوات واطمئن قلبه، واليوم فقط سوف يرفع رأسه مجددًا أمام الجميع دون خجل.
عادت أميرة مع معتز الصغير، وحين وقع نظر فارس عليه تحرك له قلبه على الفور، عدا ذلك الشبه الكبير بينهما، ابتسم دون أن يشعر واقترب منه ودنى إليه، تطلع بملامح وجهه رفع أنامله المرتعشة يتحسس وجهه البريء الناعم، تجمعت الدموع داخل مقلتيه وقال: أنا بابا يا حبيبي.
نظر له بعينيه الواسعة السوداء تأمله لثواني ثم ارتمى بين أحضانه.
هذا الدفء... جديد من نوعه، حضن بريء لا يرغب بأي شيء سوى ببعض الحنان والدفء من أبيه الذي حرم منه منذ أن فتح عينيه على الدنيا، تلاقت الأرواح لا الأجساد، إحساس أمان لا مثيل له، لا يوجد هنا خوف ولا قلق من المجهول.
رفعه فارس وهو يضمه بين يديه وقال: جهزو نفسكم، هتيجو معايا على الفيلا، أميرة هتفضلي في بيتي لحد ما تخرجي منه عروسة، والحج هيباشر علاجه ويرجع على بيتي مش هيخرج منه، وابني هيكبر في حضني.
أميرة: بس مش هينفع أجي أقعد عندك.
فارس: إنتي مش قاعدة عندي، إنتي قاعدة في بيت معتز؛ ابن أختك، كل أملاكي أملاكه هو.
ابتسمت أميرة، كانت الطبيبة محقة؛ فارس أصبح إنسان بمعنى الكلمة.
جاءت سيارة الإسعاف وأخذت عبد السلام، وأخذت أميرة أغراضها وأغراض معتز وذهبا معه إلى المنزل.
بعد وقت، دخل فارس وهو يحمل معتز بين يديه، وجد يارا تنتظره بالأسفل وحين رأت معتز ابتسمت على الفور، فهو يشبه كثيرًا، اقترب منها بسعادة وقال: ابني يا يارا.
نظرت إليه ورفعت يدها تداعب خصلان شعره الناعمة، ونظرت إلى فارس ورأت لمعة عينيه، ربما الآن تراه سعيدًا لأول مرة، ولكن ألم قلبها لايزال يأن بداخلها بعد أن تراجع فارس عن علاقته معها.
______________
انقضى الليل الطويل، وأشرقت شمس الصباح التي انتظرتها نيرة خلف تلك النافذة المغلقة، وحين رأت يونس يفتح المنفذ الخاص به بدلت ثيابها ونزلت على الفور.
اقتربت ببطء والتفت يونس كالعادة إليها وهي تتقدم منه ليثبت أنها مازالت بوصلته الخاصة، قلبه يشعر بوجودها من قبل أن يراها، ولكن هذه المرة أشاح بنظره عنها ودخل إلى المنفذ، ركضت نحوه ولحقت به إلى الداخل وقالت: مش بترد عليا ليه يا يونس!
نظر إليها ولم يتحدث، فأردفت: ما هو اللي بينا أكبر من إنه يخلص كده.
ضيق عينيه قليلًا ثم قال: إنتي جبتي بالبجاحة ديه منين بجد؟ ولا إنتي كنتي كده فعلًا وأنا اللي كنت أعمى؟
ثم أردف بحدة: خطيبك كان عندك إمبارح يا هانم وجاية النهاردة تتكلمي على اللي كان بينا!
نيرة: مبقاش خطيبي، خلاص الموضوع إتقفل، وأنا مش عايزة غيرك إنت.
يونس: أووووف، باظت النصباية! ده كمال تلاقيه هيموت من الزعل، وإنتي! مش خايفة من فقري؟ إهربي... إهربي، ده أنا ممكن أعديكي.
نيرة: ممكن تبطل تريقة، أنا محسبتهاش كده ولا فكرت في فقر ولا غنا، أنا كان كل همي أسكت بابا وبس.
يونس: يعني مكنتيش هتاخدي فلوس؟
نيرة: قولتلك كنت هاخدهم عشانا.
زفر يونس بملل وقال: ومن إمتى باخد منك فلوس! أنا طول عمري باكل من شقايا ومش هستنى واحدة ست تصرف عليا، أنا عايز مراتي تبقى راضية بيا أنا، مكتفية بيا عن الدنيا، لكن إنتي مكفكيش اللي عملته عشانك ولا حبي ليكي، وخلاص اللي بينا خلص ومبقتش عايزك، أنا عايز واحدة تحبني زي ما أنا.
نيرة: سماح مثلًا؟ اللي ما صدقت عرفت اللي حصل ووقفت قالتلي هاخده منك، متخليش حد يدخل بينا يا يونس.
يونس: اه إنتي جاية عشان مش عايزة تخسري قدام سماح بقى.
نيرة: لأ طبعًا، متشوفنيش وحشة كده.
يونس: أيوة، أنا شايفك وحشة جدًا دلوقتي، وأحسنلك مشفكيش تاني.
دخلت سماح المنفذ وقالت: صباح الخير يا يونس.
ابتسم لها يونس وقال: صباح الفل يا سماح، عاملة إيه النهاردة.
نظرت لهما نيرة وتحولت نظراتها إلى الصدمة عندما رأت ملامح وجهه المبتسمة لها، ثم ركضت خارج المنفذ ونظرت له سماح بدهشة، فقال: لأ أنا مش بستغلك عشان أغيظها، بس أنا بجد عايز أشكرك على اللي عملتيه معايا، وكمان شفتك وإنتي واقفة في الشباك قلقانة عليا، شكرًا يا سماح.
سماح: على إيه بس يا يونس، ده أنت أغلى الناس.
أخذت بعض الطلبات ورحلت أما يونس فنظر نحو منزل نيرة، تعمد أن يفعل ذلك أمامها فقط لتعلم معنى الألم الذي تسببت به داخل قلبه، وبالرغم من هذا الشعور الذي يقطع قلبه دون رحمة؛ إلا أنه شعر بالحزن على هيئتها وهي تغادر أمامه بعيون باكية.
ليت القلب يجد سبيل النسيان، ولكن حبكِ يمتد جذوره حتى روحي من الداخل، فإن أردت إنتزاعه عليّ بقتل نفسي أولًا...
ما أصعب أن ترغب بالسماح وكرامتك تقف حائل بينك وبين سعادتك.